السبت، 26 يوليو، 2014

الفيلم السوري "مريم".. وجوه متعددة ومصائر واحدة




أمير العمري


رغم ما تشهده سوريا من دمار وخراب وصراعات مسلحة، لا يتوقف المبدع عن الإبداع الفني والبحث عن الجديد القريب من نفسه، والذي يعكس -على نحو ما- رؤيته للعالم، بكل ما يدور فيه من عنف وصخب واشتباكات ومعارك.
ولعل ظهور الفيلم السوري "مريم" خير دليل على الإصرار على مواصلة الإبداع من جانب الفنان الفرد، رغم كل ظروف القهر المحيطة به، بل والقدرة على التعبير الشجاع عن موقف واضح من التاريخ السياسي، والاحتجاج ولو بشكل غير مباشر على ما يمارس من خداع وتضليل.

و"مريم" هو الفيلم الروائي الطويل الثالث للمخرج الفلسطيني السوري باسل الخطيب، صاحب التاريخ الطويل من المسلسلات التلفزيونية المتميزة. وهو يعود بهذا الفيلم إلى سبر أغوار موضوع من المواضيع الأثيرة لديه، أي التاريخ في علاقته بالإنسان، أو كيف يلقي التاريخ بظلاله الكثيفة على المرأة في سوريا، وكيف ينعكس مساره على مصائرها.
والمرأة عند الخطيب، هي أكثر من تنعكس عليه الأحداث، وهي التي نسمع صوتها في مطلع الفيلم تردد: "الحرب تجعل الناس لا يعودون إلى بيوتهم.. إلى أعز ما لديهم.. فهم لا يعودون بعدها أبدا إلى ما كانوا عليه".
يتم تجسيد المرأة في السيناريو الذي كتبه باسل الخطيب مع شقيقه تليد، من خلال ثلاثة نماذج من عصور مختلفة، ترتبط مصائرها بما شهدته سوريا من حروب وصدامات مسلحة أو بما نتج عن محاولتها العثور على طريق مستقل منذ ما بعد زوال الاستعمار العثماني وحتى اليوم، دون أن تعثر قط على هذا الطريق، بل وتبدو تلك الدائرة الجهنمية المشتعلة بنيران الحروب، وكأنها أصبحت قدر سوريا، وقدر المرأة في سوريا.


انتقال في الزمن
ينتقل الفيلم من خلال مونتاج جدلي واضح بين الأزمنة والأمكنة، وبين الشخصيات والأحداث، وبين الواقع والخيال، وبين الأحلام والهواجس والكوابيس، بين مسلمي سوريا ومسيحييها، وبين الأجيال المختلفة التي تنتقل تجربتها من جيل إلى آخر، ولكن دون أن تفقد الثقة في العثور على تحقيق للذات.
يبدأ الفيلم بـ"مريم".. تلك الفتاة الجميلة الرقيقة كالنسيم، التي لا تملك مصيرها في يدها بل تستسلم لقدرها المحتوم عندما ترضخ لرغبة والدتها في الغناء أمام "كبير البلدة" أو "نديم بك" في نهاية الحكم العثماني عام 1918، وتلقى مصرعها محترقة بفعل حريق يلتهم جسدها النحيل وسط ذهول الجميع.
وينتهي الفيلم بـ"مريم" -الزمن المضارع- التي ترفض أن يضع والدها جدتها (وهي شقيقة مريم الأولى) بعد أن تقدم بها العمر في دار للعجائز، وتصر على إخراج الجدة من الدار والقيام معها برحلة عكسية تقطع فيها الريف السوري البديع نحو البلدة التي تنتمي إليها في الشمال.

وبين الاثنتين هناك "مريم"- القنيطرة 1967- التي تواجه العدوان الإسرائيلي وحيدة بعد أن يموت زوجها في الحرب وتموت زوجة عمها في حريق يشب داخل الكنيسة أثناء الصلاة بفعل القصف الإسرائيلي للجولان، إلى أن تلاقي هي الأخرى مصيرها بعد أن تترك ابنتها الصغيرة "زينة" أمانة لدى الجندي السوري الوحيد الذي يبقى -إلى حين- على قيد الحياة، يسلمها بدوره إلى من تأخذها معها إلى دمشق -كما سنعرف فيما بعد- لكي يكمل هوالمعركة التي ستحسم مصيره الشخصي.

عمل مركب
فيلم "مريم" عمل مركب شأن أعمال الفن الكبيرة التي لا تميل إلى التبسيط والتنميط والمباشرة، وينتمي أساسا إلى السينما الشعرية، التي تعتمد على اللقطات المنفردة والتداعيات، التي يمكن عن طريق إعادة ترتيبها في ذهن المتفرج تحقيق معنى ما، إحساس يريد المخرج التعبير عنه، وليس بالضرورة "رسالة" سياسية مباشرة.
ويعتمد أسلوب السرد في الفيلم خطا متعرجا وليس صاعدا نحو ذروة معينة، فهو ينتقل في المشاهد الأولى من الفيلم -مثلا- بين الأزمنة والأماكن الثلاثة، لكي يجعلنا نتعرف على مناخ المكان وطبيعة الشخصيات.
فمريم الأولى -المغنية الشابة ذات الصوت البديع- في بلدة صافيتا، لا تريد أن تترك المهرة قبل أن تنتشلها مع صديقها، من الوحل الذي تعثرت فيه، وهي تتوقف أمام صورة ضخمة في نزل "نديم بك" لمهرة أخرى شديدة الجمال، شامخة، تتأملها في فزع ورهبة وتسرح بعيدا بذهنها.

تسيطر عليها فكرة حزينة غامضة، تتجلى من خلال ذلك الموال الذي يأتينا على خلفية شريط الصوت، دون أن نراها أبدا وهي تغني قبل أن تغيب عن العالم، وكأن موتها إيذان ببدء مشوار الحزن والألم الذي يقودنا فيه باسل الخطيب وهو ينتقل فجأة من جامع يحترق في صافيتا، إلى كنيسة تحترق في القنيطرة، وكأن التاريخ رحلة رعب مركبة ممتدة في المكان والزمان. وكأن الحريق عنده هو معادل للقدر.
كيف كان ممكنا أن تحترق "مريم" المغنية الحسناء الشابة بهذه البساطة؟ وكيف كان ممكنا أن تضيع أيضا هضبة الجولان بمثل هذه البساطة؟ هل هناك شيء ما يربط بينهما؟ وفي اللحظة التي تحترق فيها يتم انقاذ المهرة من مصيرها وكأن مريم تفتديها بحياتها. أما مريم 1967 فهي تفتدي ابنتها بحياتها، بينما ترفض مريم العصر الحاضر التخلي عن جدتها مهما كلفها الأمر، متحدية والدها، وكأنها بذلك تتحدى من يسعى لسلب إرادتها.

عن الأسلوب
باسل الخطيب يخرج كل لقطة ومشهد برؤية تشكيلية رائعة، فهو يهتم ببناء وتصميم الصورة، ويستخدم الحركة البطيئة للكاميرا، كما يستخدم كثيرا المزج كوسيلة للانتقال بين اللقطات، للإيحاء بمرور الزمن أو بالربط بين الأزمنة.
وهو يستخدم إضاءة مناسبة -بمساعدة مديرالتصوير الإيراني فرهاد محمودي- لكل جزء من أجزاء الفيلم دون أن يفقد الفيلم تجانسه: الألوان الصفراء والبنية الكئيبة تطغى على المشاهد التي تدور في 1967 بينما تطغى الألوان الطبيعية الخضراء والزرقاء على مشاهد الفترة القديمة، وتغلب الإضاءة الساطعة مشاهد الفلاش باك أو التذكر.
ويتمتع أسلوب الإخراج بالقدرة على خلق إيقاع خاص، يتسق مع تلك النزعة الشعرية التي ترتبط بتوليد المعاني من علاقة اللقطات ببعضها البعض وليس من خلال الحوار المباشر أو الانتقال الذي يخلق تصاعدا في الأحداث. إن الخطيب هنا معني بنقل "حالة ذهنية" أكثر من رواية أحداث ووقائع تاريخية، فالتاريخ هنا "حيلة" للحديث عن الحاضر، ولتجسيد معاناة المرأة كما لو كانت المرأة هي سوريا وسوريا هي المرأة.


ويبرع باسل الخطيب في تنفيذ كل المشاهد الصعبة بدقة وواقعية تشوبها نزعة شعرية: مشاهد الانفجارات والحرائق وخصوصا مشهد احتراق مريم في الجزء الأول من الفيلم، ومشهد غرس الفرس في الوحل، ومشهد الحريق داخل الكنيسة.
كما يتميز الفيلم عموما، بالاختيار البديع لمواقع التصوير الخارجية والداخلية، البيوت وتفاصيل الطبيعة، وتنويع زوايا التصوير بحيث نشاهد الشخصية دائما في إطار المكان، مع القدرة على الاستفادة -بدرجة كبيرة- من الديكورات الداخلية والإكسسوارات، وتطويع المكان للتعبير عن تلك الحالة الشعرية الخاصة التي يريد المخرج نقلها إلينا من خلال استعراضه لأقدار المرأة عبر تاريخ سوريا الحديث خلال ثلاث حقب وصولا إلى التوقف أمام مستقبل غامض مفتوح على كل الاحتمالات.
إن فيلم "مريم" هو بلا شك، أقرب أعمال باسل الخطيب قربا من نفسه، وأكثرها تعبيرا عن رؤيته الشخصية للعالم. إنه يعبر عن إحساسه الشخصي بالألم الداخلي النابع من مأساة شعبه الفلسطيني. وهو يهدي فيلمه إلى روح والده يوسف الخطيب، ويضع في مطلع الفيلم، كلمات الأب التي حفرت في ذاكرة الابن: لقد فقدنا كل شيء.. ولكن الحب يبقى".


** هذا المقال نشر في موقع الجزيرة الاخبارية بتاريخ 3 ابريل 2014
جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com