الخميس، 25 مارس، 2010

"نظرة عوليس": بحث عن البراءة المفقودة ومرثية لعالم يحتضر


((هذا المقال كتب قبل خمسة عشر عاما، أنشره هنا مع بعض التعديلات الطفيفة في الصياغة وتحديث المعلومات، كنموذج نقدي يلفت النظر إلى هذا الفيلم البارز في تاريخ السينما، وإلى أعمال مخرجه التي لا تجد من يهتم بها كما ينبغي في العالم العربي رغم قربه منا ومن ثقافتنا- أمير العمري)).
يعد فيلم "نظرة عوليس" (1995) Ulysses' Gaze للمخرج اليوناني الكبير ثيو أنجلوبولوس، دليلا لا يقبل الشك، على بقاء السينما الفنية الرفيعة، سينما العقل والعين والأذن والقلب، وتأكيدا على أن الفن السينمائي الذي يراهن الكثيرون على موته بعد أن تجاوز عمره مائة عام، لايزال حيا، بل وأنه قادر على الازدهار والتطور وتقديم المزيد من أفلام الفن والفكر، في مواجهة أفلام الاستهلاك السريع.
ونقصد بـ"السينما الرفيعة" هنا، السينما التي تتعامل مع العالم من وجهة نظر الفنان السينمائي الذي يبدعها، فيصبح الفيلم مثل اللوحة التشكيلية، والقصيدة الشعرية، والرواية البديعة، والمقطوعة الموسيقية، أي عملا فيه الكثير من المفردات الشعرية، ومن الفكر والفلسفة، بقدر ما فيه من لغة الدراما، سواء كانت تقليدية أم حداثية أم ما بعد حداثية.
إن "نظرة عوليس" مثل كل افلام أنجلوبولوس، عمل لا ينتمي إلى تيار السينما السائدة في العالم، التي تصنع طبقا لمواصفات محددة مسبقا، وشروط اقتصادية تلبي متطلبات المستثمرين والموزعين، على حساب رغبات الفنان وتوجهاته وطموحاته الفنية. لكنه، بدلا من هذا، عمل من أعمال الفن التي يعبر من خلالها الفنان السينمائي عن رؤيته وثقافته الخاصة، ويقدم شهادته على عصره، وتصبح هذه الرؤية، وتلك الشهادة، مادة للمستقبل أيضا، يمكن العودة إليها، كمرجع عن كيف خلقت حركة المجتمع في منطقة محددة ذات مواصفات خاصة، نتاجا فنيا يعبر عن ثقافة ووعي الفنان الذي أبدعه في مرحلة تاريخية معينة، تماما مثل "الإلياذة والأوديسة" أو "ملحمة جلجامش" أو "الدكتور فاوست". وغيرها ذلك من الملاحم والأساطير الكبرى.
ويعد أنجلوبولوس أحد كبار السينمائيين في عصرنا. وهو يقف جنبا إلى جنب، مع سينمائيين بارزين مازالوا يضيفون إلى الفن السينمائي حتى اليوم، مثل إيرمانو أولمي وأمير كوستوريتشا وكن لوتش وبيتر جريناواي وجانج ييمو وودي ألين، وغيرهم.
أخرج انجلوبولوس حتى الآن، 13 فيلما روائيا طويلا فقط، خلال 40 سنة، بالإضافة إلى فيلم تسجيلي واحد هو "إذاعة" Broadcast وكان في الحقيقة، أول أفلامه عام 1968، كما أخرج فيلمين قصيرين، وفصلين قصيرين جدا ضمن فيلمين شارك فيهما عدد كبير من المخرجين (23 مخرجا، و44 مخرجا على التوالي).
ولد انجلوبولوس في أثينا عام 1936، ودرس القانون في اثينا، ثم السينما في معهد باريس السينمائي الشهير (ليديك). وعمل ناقدا سينمائيا قبل أن يتجه إلى الإخراج السينمائي.
وفي عام 1965 بدأ العمل في مشروع فيلم لم يتمكن أبدا من استكماله. وكان أول أفلامه الروائية الطويلة فيلم "إعادة البناء" Reconstrucion عام 1970. وشكلت أفلامه الثلاثة الأولى وهي "أيام 36" Days of 36 و"الممثلون المتجولون" The Travelling Players و"الصائدون" The Hunters ثلاثية متميزة عن التاريخ اليوناني الحديث.

أنجلوبولوس (على يمين الصورة) في مهرجان برلين

بعد ذلك أخرج "الإسكندر الكبير" Megalexandros "رحلة إلى كيثرى" Voyage to Cethera و"حارس النحل" The Bee Keeper و"منظر طبيعي في الضباب" Landscape in the Mist و"الخطوة المعلقة لطائر اللقلق" The Suspended Step of the Stork و"نظرة عوليس" و"الأبدية ويوم واحد" Eternity and a Day و"المروج الباكية" The Weeping Meadow و"غبار الزمن" Dust of Time.
تتميز أفلام أنجلوبولوس بطابعها الملحمي، وطولها الزمني (يبلغ توقيت عرض فيلم "الممثلون المتجولون" مثلا 4 ساعات كاملة)، كما تتميز باهتمامات مخرجها بالسياسة والتاريخ، وتمتليء بالتأملات الفلسفية والذهنية، وبالرموز والاستعارات التي تصبغ أسلوب المخرج، مع ولع خاص يتبدى في الكثير من أفلامه، بالبريختية (نسبة إلى المسرحي الكبير برتولد بريخت) وهي تقوم على نوع من التغريب، ومن كسر الإيهام بالواقع، ووضع مسافة ذهنية بين ما نراه علىالشاشة والمتفرجين.
في "نظرة عوليس" يكثف الفنان السينمائي نظرته للعالم كما يراه في صورته الحاضرة (وقت تصوير الفيلم أي في 1995) في ضوء الماضي الذي يعود إلى خمسين عاما مضت أو أكثر، من خلال بناء يقوم على الرحلة، وهي هنا رحلة أوديسية، تدور في الأماكن نفسها التي مر بها عوليس بطل "أوديسه" هوميروس.
ويعتبر الفيلم بأسره مرثية للعالم، أو بالأحرى، للقرن العشرين، الذي كان قد أوشك على نهايته. ولعل هناك مغزى خاص في كون الفيلم ظهر بعد مائة عام من مولد السينما. ولا غرابة في ذلك، ففيلم أنجلوبولوس أساسه، البحث عن السينما، فهو يبدأ فيلمه مع بداية سحر السينما في بدايات القرن العشرين، كمعادل للبراءة، وينهيه بمأساة الحرب في البوسنه، أي بانتهاك البراءة كأبشع ما يكون.
وما بين البداية والنهاية، يرحل بطله ناشدا العثور على البراءة الضائعة التي تتمثل في ثلاثة فصول مفقودة من أول فيلم يوناني يصور في منطقة البلقان، لكنه لا يجد خلال رحلته سوى اليأس والدمار والخراب، وهو يعجز عن إقامة علاقة حقيقية مع نماذج المرأة التي يلتقي بها، مستدعيا الماضي إلى ذهنه، محاولا التماس وفهم ما يدور في الحاضر في ضوء الماضي الذي كان.
العودة من المنفى
بطل الفيلم لا اسم له. ويكتفي أنجلوبولوس بأن يطلق عليه الحرف الأول من الأبجدية (ألف). وربما يكون لهذا الاختيار مغزاه المباشر البسيط الذي يتمثل في كونه يرمز إلى المدخل الأول إلى المعرفة. وقد يعكس أيضا إحالة إلى الذات، أي إلى أنجلوبولوس نفسه، خاصة وأن الفيلم يحتوي على الكثير من الإشارات المرجعية من السيرة الذاتية لأنجلوبولوس.
يقول أنجلوبولوس في تقديمه لفيلمه: "يتذكر كل سينمائي المرة الأولى التي تطلع فيها من خلال منظار الكاميرا. إنها ليست لحظة اكتشاف للسينما، بل لحظة اكتشاف للعالم. ولكن يأتي وقت يساور السينمائي فيه الشك في قدرته على رؤية الأشياء، عندما يصبح غير قادر على معرفة ما إذا كانت نظرته صحيحة وبريئة أم لا".
بطلنا "ألف" مخرج سينمائي أيضا، يعود من منفاه في الولايات المتحدة بعد غياب خمسة وثلاثين عاما عن وطنه اليونان، لحضور العرض الأول لفيلم جديد من أفلامه التي تثير حولها عادة، الكثير من الجدل والخلافات، ولكي يحضر حفل التكريم الذي تقيمه له دار المحفوظات السينمائية (السينماتيك) في بلده. غير أن له هدفا آخر هو العثور على الفصول الثلاثة المفقودة من أول فيلم يوناني صوره الأخوان ماناكيس في منطقة البلقان عام 1905. ويقوده بحثه الشاق عن الفصول الثلاثة إلى ألبانيا، ومنها إلى بلغاريا ورومانيا وبلغراد في صربيا، ثم إلى عاصمة البوسنه، سراييفو التي ينتهي فيها بحثه عن الفيلم المفقود، حيث يتوقف وهو يشعر بالحيرة والدهشة، عاجزا عن العثور على إجابة لعشرات التساؤلات التي تطرأ على ذهنه خلال تلك الرحلة.
ولكنه على العكس من عوليس، لا يخوض مغامرات ممتعة مشوقة يعود لكي يرويها أو يختلقها اختلاقا، لأصدقائه، بقدر ما تكون رحلته مفجرا لذاته، لمأساته الشخصية، لرغبته في استعادة الماضي، وعجزه عن القيام بأي فعل في الحاضر، إنها رحلة يلمس فيها الحاضر والماضي، الذات والتاريخ، عوضا عن أن يهرب من الواقع.
يقدم أنجلوبولوس فيلمه بقوله إن القرن العشرين يبدأ وينتهي في سراييفو. وفي الكلمة المطبوعة على شريط الفيلم في بدايته يقتبس مقولة الشاعر ت. س. إيليوت: "عندما تختلط البداية والنهاية معا، فمعنى ذلك أن التاريخ لم يعلمنا شيئا"!

في المدينة اليونانية التي يزورها البطل لحضور عرض فيلمه، يصطف الناس خارج دار السينما تحت المطر وهم يحملون المظلات السوداء، يستمعون إلى الفيلم من الخارج بعد أن ضاقت بهم القاعة بمن فيها من الحضور. وبعد أن يبدأ العرض يهرب بطلنا من مطاردة مندوبي الصحف ومصوري التليفزيون، إلى ساحة المدينة، وتتبدى له وهو يسير تحت المطر امرأة شابة لا تراه، يسير هو وراءها ويناجيها قائلا إنه عاد بعد خمسة وثلاثين عاما لكي يراها، وإنه كان واثقا أنه سيراها. إنها أمه التي ترتبط كل ذكريات طفولته بها. ولكن في اللحظة التي يوشك أن يلمس ظهرها، تظهر من بعيد جماعات من حاملي الشموع الذين يرددون الأدعية والتراتيل الدينية، ويقتربون تدريجيا من المكان. لقد جاءوا للاحتجاج على عرض الفيلم. وفجأة تنتشر قوات الشرطة تفصل بينهم وبين جمهور الخارجين من دار العرض. ويقف بين المجموعتين بطلنا عاجزا عن الفعل بل وعن الفهم.
ومن الجهة الأخرى، يقترب موكب ديني يحمل أفراده الشموع وينشدون التراتيل أيضا، وكأنهم جيش من الكهنة يزحفون في الظلام، يشيعون العالم إلى مثواه الأخير.
هذا مشهد هائل، يقدمه أنجلوبولوس بأسلوبه المتميز الذي يجعل اللقطة مشهدا بأكمله، باستخدامه لحركة الكاميرا البطيئة المصممة مسبقا بدقة هندسية، ولكن من دون تحذلق أو افتعال شكلي فارغ، فالحركة البطيئة مع الإضاءة الخافتة، مع التناقض بين أشكال المجموعات البشرية، مع الاستخدام الفذ للفضاء والاستفادة بكل ما فيه من زواياه المختلفة بدون القطع، وكذلك من شريط الصوت الثري ومن الموسيقى الرصينة ومن صوت تساقط حبات المطر.. كل هذه المفردات، تساهم في جعل هذا المشهد الافتتاحي من الفيلم، هو مدخلنا إلى الموضوع، والموضوع هو عالمنا المعاصر، ما يحدث فيه، بتناقضاته التي تبتلع الفرد، وتساهم في تكثيف إحساسه بالعزلة حتى عن أناس بلده، حتى أنه لم يعد يبقى له سوى أن يبحث في الماضي، في ماضيه الشخصي، وفي ماضي دنيانا هذه، وعالمنا الذي يفقد تدريجيا براءته. إن هذا المشهد الكبير يجسد بلغة سينمائية رفيعة، عزلة البطل عن الحاضر، عن وطنه الذي يعود إليه من منفاه بعد كل تلك السنين.

عوليس الجديد
في رحلته الأولى من اليونان إلى ألبانيا، يعبر البطل الحدود بسيارة "تاكسي" استأجرها مع سائقها اليوناني العجوز. يقطعان معا مساحات شاسعة وسط الجبال المغطاة بالثلوج، وفجأة يتوقف السائق بالسيارة، ويسأله بطلنا: لماذا توقفت.. هل أنت خائف من الثلج؟ يقول له السائق إنه عاش عشرات السنين مع هذه الثلوج حتى أصبحت معرفته بها أقوى من معرفته بالناس، وإنه يستطيع أن يستمع إلى ندائها له، وعندما تطلب منه التوقف فإنه يتوقف، يحترم رغبتها.
وفي لقطة بطيئة يتحرك الرجل خارجا من السيارة، يعتلي قمة حجرية مغطاة بالثلج مشرفا على الجبل من أعلى، مديرا ظهره لبطلنا. وفجأة يصرخ وكأنه يئن أنينا مؤلما: أيتها اليونان العجوز التي عاشت ثلاثة آلاف سنة.. ماذا فعلت بنفسك؟ ثم تبدو في صوته رنة بكاء، فيقول وكأنه يودع حبيبته: اليونان الآن مشرفة على الموت.. إنها تحتضر.
يقضي الرجلان الليلة في السيارة، ثم يواصلان الرحلة، ويصادفان امرأة عجوز تحمل حقيبة صغيرة تشير إليهما بالتوقف. تتوقف السيارة بالفعل. يسألها البطل عما تريده، فتقول إن سائقا تركها في هذا المكان وإنها تريد مواصلة رحلتها إلى بلدة كوريتا لزيارة شقيقتها التي لم ترها منذ سبع وأربعين سنة. يصطحبها "ألف" معه إلى كوريتا وينزلها وسط ساحة البلدة الرئيسية حيث تقف المرأة مندهشة تتساءل: أين نحن؟ فيقول لها إن هذه هي كوريتا، ويتركها متسمرة في مكانها تواجه التاريخ، تحاول أن تفك ذلك اللغز الذي جعلها تنفصل عن شقيقتها طوال تلك السنوات، وتنفصل عن البلدة التي تنتمي إليها، لغز عودتها إلى مكان لا يمكنها أن تتعرف عليه، فقد أصبحت البلدة شبه مهجورة.
ربما يتوقف المتفرج المدرب أمام هذا المشهد لكي يتساءل: ما علاقة هذه المرأة بالفيلم، بالسياق السردي، أي بمسار الحكي، ألا تشتت السرد أو تقطعه، هل هي من الناحية الدرامية، تخدم تراكم المشاهد في النهاية؟
هذه كلها قد تبدو أشئلة مشروعة. لكن الإجابة علها تتلخص في أننا لسنا هنا أمام سياق تقليدي للسرد، أو بناء أرسطي، هدفه الأساسي رواية قصة، يخلص لوحدة الزمان والمكان، والحدث، بل إنه بناء يتناقض تماما مع هذا البناء الأولة الكلاسيكي. إن انجلوبولوس هنا يحطم الوحدات الثلاث، لكنه يعتمد أيضا على المؤثر "الداخلي" أي الارتباط "الذهني" بين الشخصيات. ومأساة الشخصيات ترتبط بالمكان، وبالذاكرة، وبالتاريخ ولا ترتبط بعنصرالتحليل النفسي، أو التحليل الاجتماعي التقليدي. وبالتالي فالمرأة هنا لها علاقة بما يشعر به البطل نفسه من تيه، ومن ضياع، ومن فقدان.. إنها حالة الموت.. وربما تكون العودة إلى الوطن، هي أيضا عودة من أجل الموت.
تستمر الرحلة بالتاكسي إلى سكوبيا في مقدونيا، وفيها يتوجه "ألف" إلى مقر الأرشيف السينمائي ليلتقي هناك بموظفة تستمع في صمت إلى مطلبه الغريب بالعثور على الفصول الثلاثة المفقودة، ثم تفاجئه بأنها تعرف الفيلم الذي يقصده جيدا، فقد كان لديهم هنا لكن دون فصوله الثلاثة. إنه الفيلم "الذي يحتوي العالم". وعندما يتأهب البطل لركوب القطار في طريقه إلى بوخارست، تلحق به المرأة وتقول إنها تود أن تصحبه في رحلته.
هذه المرأة سيتكرر ظهورها في الرحلات التالية للبطل، في أشكال مختلفة، فهي بمثابة مرآة للذات، تضيء له الطريق.. طريق المعرفة، وترشده إلى الحقيقة، ولذا يجعل أنجلوبولوس ممثلة واحدة هي الرومانية مايا مورجنستيرن، تقوم بكل أدوار المرأة التي ترافق البطل في رحلته الهوميرية، تماما كما كانت في الأوديسة.

حلقات الزمن
في القطار يتناجى الإثنان، وتنشأ بينهما علاقة ذهنية وروحية، ويكون اللقاء الجسدي. وعند الحدود الرومانية – البلغارية يتوقف القطار، ويصعد ضباط الجوازات والأمن الرومانيون، ينزلون بطلنا ورفيقته من القطار، يسوقون الرجل إلى غرفة للاستجواب، نظرات الشك والريبة تملأ عيونهم. وهنا يدخلنا أنجلوبولوس إلى لعبته المفضلة، أي التلاعب بالزمن، تكثيف الماضي والحاضر معا، فنحن نرى ما يحدث في الحاضر وكأن الماضي قد تداخل مع الحاضر وأصبح جزءا عضويا منه.
هذا التلاعب بالزمن ليس المقصود منه ممارسة لعبة شكلية لتضليل المتفرج، بل الربط الوثيق بين ماضي البطل وحاضره، كيف يستدعي ماضيه كمناضل ثوري من أجل الحرية في بلده في ظل نظام قمعي، مع حاضره كباحث عن الحقيقة وهو يتعرض لتجربة الاستجواب من جانب رجال الأمن. إنه الشعور بالغربة.. ذلك الشعور الممتد عبر الحدود، لا يعرف حدود المكان أو الزمان.
في غرفة حقيرة عارية من الأثاث، تأتي امرأة بمقعد خشبي تضعه وسط الغرفة، بقعة ضوء أبيض تحيط بالبطل. يدخل الرجال يقرأون عليه عريضة الاتهام الذي يتلخص في أنه ينتمي إلى جماعة فوضوية هي نفسها التي كان ينتمي إليها الأخوان ماناكيا رائدا السينما في المنطقة. يقولون له إن الأخوان ماناكيا قد أعدما، وإن السلطات كانت في انتظار وقوعه في قبضتهم بعد غيابه طوال تلك السنين. يحكمون عليه بالإعدام ثم يسوقونه إلىالخارج، إلى بقعة معزولة قرب خط سير القطار، ويضعون عصابة على عينيه. تقف فرقة من الجنود في وضع الاستعداد لإطلاق النار عليه. في اللحظة الأخيرة يحضر حارس، يسر بشيء ما في أذن قائد الفرقة فيأمر بوقف تنفيذ الحكم وإطلاق سراحه، ويغادر بطلنا المشهد لكي يعود إلى الحاضر، إلى المرأة التي طال انتظارها له، لا يمكنه أن يقدم لها تفسيرا عن سر تأخره عليه قبل أن يحصل على تأشيرة الدخول إلى رومانيا.
وهكذا يعود الفيلم إلى استعراض عهود متتالية من القمع السياسي، وهي الفكرة التي تلهم باستمرار مخيلة أنجلوبولوس وتشغله كثيرا في معظم أفلامه. في فيلم "الصائدون" تحتل جثة المناضل الشيوعي السابق التي تعثر عليها مجموعة من الصيادين، بؤرة اهتمام الفيلم، فالفلاحون يستدعون ذكرياتهم عن دوره النضالي البارز إبان الحرب الأهلية وما أعقبها. ومن خلال التحقيق في قتله تعود الذاكرة الجماعية. وفي فيلم "رحلة إلى كيثرى" البطل مناضل شيوعي شارك في الحرب الأهلية اليونانية، وهو يعود إلى اليونان بعد أن قضى ثلاثين عاما في الاتحاد السوفيتي، يحاول بصعوبة التكيف مع الواقع واستعادة حياته مع زوجته وأبنائه الذين لا يكاد يتعرف عليهم بعد غيابه عنهم طوال تلك السنين. وتنعقد المقارنات بين الماضي والحاضر، وتهاجم البطل كوابيس الماضي بشراسة. وفي فيلم "حارس النحل" البطل أيضا مناضل سياسي يساري سابق، بلغ الشيخوخة الآن، فقد أحد رفاقه القدامى عقله، وانتحر رفيق آخر. وهو يقرر قطع صلته بالعالم، فيهجر أسرته ويرحل وحيدا صامتا من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، لكي يترك نفسه فريسة للدغات النحل حتى الموت، أي نتحر على طريقته الخاصة بعد أن يودع بلده اتي كان يحلم بتغييرها وفشل. وفي فيلم "الخطوة المعلقة لطائر اللقلق" يسعى صحفي بشتى الطرق إلى الكشف عن حقيقة مناضل سياسي قديم، يعيش الآن حياة مهمله على هامش الحياة كلاجيء منعزل، بعد ان بلغ الشيخوخة، يحوطه الفقر والفاقة.
أما في "نظرة عوليس" فالبطل "ألف"، يواجه والده ذا التاريخ اليساري، فهو امتداد له. لقد اضطر إلى العيش في المهجر، لكي يتمكن من صنع الأفلام التي يحبها ويؤمن برسالتها ولو أقلقت مضاجع البعض في بلاده. وها هو ذا يعود للتنقيب في الماضي، يفتش في الذاكرة، يتوقف أمام التاريخ، يسير كالمنوم في عالم جديد يصعب عليه كثيرا التعرف على ملامحه. لقد أفاقته العودة على حقائق قديمة، كان قد تناساها أو أزاحها بعيدا، إلى أركان الذاكرة، وعلى وقائع جديدة لم يكن يتخيل – رغم اشتغاله بالخيال- أنها يمكن أن توجد بكل هذه البشاعة والقسوة.
في بوخارست يتخلى البطل عن رفيقة الطريق، ويقفز إلى سطح مركب يحمل تمثالا ضخما مقطوع الرأس والأرجل، للزعيم الشيوعي لينين. القارب في طريقه إلى ألمانيا، لكن وجهة بطلنا بلغراد عاصمة صربيا بعد أن كانت عاصمة الاتحاد اليوغسلافي حتى عهد قريب.. مقصده هناك سينماتيك بلغراد لعله يعثر على البكرات الثلاث المفقودات من الفيلم القديم.
نظرة لينين
يجلس "ألف" قبيل رحيل المركب، يشاهد عملية تقطيع تمثال لينين الضخم، يتأمل طويلا في استغراق، النظرة المجسدة في عيني لينين. عشرات التساؤلات تدور في ذهنه وفي أذهاننا جميعا، نحن المشاهدين، عما حدث في العالم من تغير.

أنجلوبولوس يجعل هذا المشهد يستغرق زمنا طويلا، أطول من كل مشاهد فيلمه، ثم يجعل بطله يرافق لينين في رحلته عبر نهر الدانوب، إلى أن يصل التمثال إلى مستقره الأخير في ألمانيا.
ويبدو البطل وهو يجلس أسفل التمثال المسجى على ظهره في المركب، وكأنه في حضرة معلم كبير من الماضي، وتبدو رأس لينين ويده المرفوعة إلى أعلى بينما جسده مسجى، وكأنهما ترشدان البطل إلى الطريق. ولكن ما الذي ترمز إليه نظرة لينين هنا؟ هل تشير إلى براءة الحلم القديم الزائل بالجنة الاشتراكية، أم أنها نظرة رثاء للمصير الذي آل إليه عالمنا اليوم؟
كلها بالطبع تساؤلات يستدعيها في أذهاننا ذلك المشهد الهائل الذي يهز المتفرج هزا ويدفعه إلى التأمل طويلا في مغزاه ومعناه. ولذا يترك أنجلوبولوس الكاميرا تتفرس في تفاصيل ملامح تمثال لينين، ويقطع اللقطات داخل المشهد بحيث يمنحنا مساحة كبيرة للتأمل الذهني، وهذا هو الطابع العام لبناء المشهد في سينما أنجلوبولوس.
في بلغراد يلتقي البطل بصديق قديم له يعمل في السينماتيك، يقول له إن البكرات الثلاث موجودة في سراييفو، حملها إلى هناك خبير سينمائي توصل إلى طريقة خاصة للتحميض سيعالج بها البكرات الثلاث التي لم تحمض قط. وفي مركب صغير آخر، تصحبه امرأة تمتليء بكل حزن الدنيا بعد أن فقدت زوجها في الحرب الدائرة في البوسنه، وتبدأ الرحلة التي نشاهد خلالها مظاهر شبيهة بنهاية العالم. ومرة أخرى يسعى "ألف" إلى سبر أغوار تلك المرأة، إلى اقتحامها، والنفاذ إلى نفسها وروحها، لكنه لا يتمكن من الاستحواذ على اهتمامها إلا بعد أن يرتدي ملابس زوجها الراحل. وتعيش هي معه في قريتها الجبلية المطلة علىالبحر، لحظات سعادة مؤقتة، منتزعة من الحاضر بكل قسوته وصرامته، إلى أن يتركها ويواصل طريقه إلى سراييفو التي يصلها في أشد لحظات الحرب خطورة، ويرى منازلها المهدمة، وسكانها الذين تسلل البعض منهم من داخل الخرائب وبقايا البيوت، للحصول على بعض الماء، يسقط منهم في الطريق من تتمكن منه رصاصات القناصة.
ورغم القصف وأعمال العنف، يتمكن بطلنا من العثور على الشخص المنشود، المشرف على السينماتيك، الذي يريه كيف تهدم المبنى وتحول إلى خرائب وانهارت قاعة السينما الموجودة في داخله، ولكنه لايزال يحتفظ بكنوزه السينمائية، أي علب الأفلام النادرة تحت الأرض. ويقول له إن الحرب أعاقت قيامه بتحميض البكرات الثلاث لكنه سينتهي من العمل في الليلة نفسها بمساعدة ابنته التي يقدمها لبطلنا فتقول له إنها تشعر وكأنها التقت به من قبل.. وقد التقى بها حقا من قبل، في كل النساء اللاتي التقاهن، أليست هي نفس الممثلة. وأليس هذا جزء من الطابع البريختي المعروف.
وخلال نزهة على ألاقدام في منطقة معزولة يلفها الضباب تماما، تتوقف سيارة يهبط منها رجال مسلحون، يقتادون الرجل وابنته، ويطلقون عليهما الرصاص، بينما بطلنا يراقب المشهد عن مقربة. وعندما يعود إلى الملجأ لمشاهدة الكنز الذي سعى إليه طويلا، ويدير البكرات عبر جهاز العرض السينمائي، لا يرى إلا صورا بيضاء فارغة، وإطارات سوداء تتعاقب. ويصبح السؤال: هل كانت الرحلة كلها وهما كبيرا؟ وهل كان هذا ما ينشده البطل؟ وأين ذهبت لحظات البراءة الأولى؟ وهل كان الأمر يستحق كل هذه المعاناة؟ وهل يوجد حقا ما يمكن أن نطلق عليه "النقاء الفني المطلق"؟ أم أنه مجرد سراب أو وهم. وإذا وجد، كيف يمكنه النجاة بينما "نهاية العالم" تطبق علينا! وداع القرن
إن "نظرة عويس" مرثية للسينما، وللفن، وللإبداع الحقيقي في القرن العشرين، الذي يعبر عنه الفيلم تعبيرا معاصرا كأقوى وأبلغ ما يكون. عناصره: الاحتفال بالصورة وبالألوان، بالحركة وبالموسيقى. ولما كنا أمام رحلة نحو الموت: موت الإنسان، وموت السينما القديمة، وموت البراءة، فقد فضل أنجلوبولوس إحاطة معظم مشاهد فيلمه بالضباب الذي يصل في المشهد ما قبل الأخير، إلى البياض الكامل الذي يجعلك لا تستطيع أن تتبين تماما ملامح الشخصيات، وكأننا فقدنا القدرة على الرؤية.. إنه ربما يكون عمى ما قبل الموت.
وهو أيضا فيلم عن اليونان التي هرمت وأوشكت على الموت، وأصبحت مواكب حاملي الشموع من مرتلي الأناشيد الدينية، تبدو وكأنها مواكب تشييع لجنازتها، أي جنازة اليونان.
إن المرأة العجوز التي فقدت القدرة علىالتعرف على بلدتها الأصلية هي رمز واضح للموت.. موت الرؤية. وموت الذاكرة. نهاية هي اشبه بالبداية، حيث التاريخ والذاكرة يذوبان، ينتهيان.وهو أيضا فيلم عن فن السينما الجميلة التي كانت، سينما البراءة الأولى.
ويستخدم أنجلوبولوس في فيلمه لقطات كثيرة للأخوين ماناكيس، يقطعها عبر مسار الفيلم، حين يريد أن يردنا من خلال تأملات بطله، إلى لحظات الحلم القديم.
وكما أشرت من قبل، يعتمد انجلوبولوس في تجسيد رؤيته السينمائية على الحركة الطويلة البطيئة للكاميرا، بحيث تصنع اللقطة- المشهد، دون استخدام كثير للقطع، وعلى تداخل الأزمنة، والخيال مع الواقع، كما يستخدم الرموز والاستعارات، والبناء الشعري الذي يخفي أكثر مما يكشف، ويعتمد على ما تولده الصور واللقطات من مشاعر أو تأملات، وعلى الحوار المليء بالتساؤلات، وعلى التكوين التشكيلي للقطات بحيث يحتفي بالمكان، يكشف ما فيه من جمال نادر، ولكنه يرثيه، كما يرثي عصرا انقضى، وإنسانا كانت له أحلامه الخاصة في النقاء فانتهت إلى حيث القتل والتخريب والدمار: دمار النفس، وتدمير الذاكرة.
إلا أن هذا ليس فيلما من الأفلام التي يبرز فيها دور الممثلين بشكل عام, ولذلك يمكن القول إن أنجلوبولوس لم يحسن اختياره للممثل الرئيسي في فيلمه، أي الأمريكي هارفي كايتل الذي يقوم بدور البطل، ليس لأنه ممثل رديء فهو ليس كذلك، لكنه في هذا الفيلم بدا غريبا عن الموضوع، عن الإحساس بالمكان. وربما كان أصلح من يقوم بهذا الدور الممثل الإيطالي ماريشللو ماستروياني الذي سبق أن قام ببطولة فيلمي أنجلوبولوس "مشهد طبيعي في الضباب" و"حارس النحل".. ولكن ربما يكون المخرج قد أراد إسناد الدور إلى ممثل يجيد التحدث بالإنجليزية.
غير أن أنجلوبولوس وفق كثيرا في اختيار الممثل السويدي الكبير إيرلاند جوسيفسون الذي قام بدور رجل السينماتيك في سراييفو. وقد سبق أن قام بادوار بارزة في أفلام برجمان، كما قام ببطولة فيلم "نوستالجيا" أحد أهم أفلام المخرج الروسي الراحل أندريه تاركوفسكي، ثم قام أيضا ببطولة آخر أفلام تاركوفسكي "التضحية".
إنه يبدو في "نظرة عوليس" كما لو أن الحرب قد جعلت منه رجلا فقد عقله، أو أصبح يقف على حافة الجنون، نصف ميت، نصف حي، يسكن تحت الأرض، يتحرك بصعوبة ومشقة، يلهث عند بذل أي مجهود، يقاوم النهاية المصيرية في شجاعة، ويبدو وكأنه يحمل إرث سنوات الماضي، وثقل قرن بأكمله.
يبدأ أنجلوبولوس فيلمه في اليونان، وينهيه في سراييفو، أي أنه يبدأه في بلدة تشهد ما تبقى من السينما، وينهيه في مدينة دمرها الإنسان، حيث يشاهد بطله فيلما لا وجود له إلا في خياله.
فهل تتحقق هنا مقولة اليوت، وهل من الصحيح حقا أننا لم نتعلم شيئا من التاريخ!

((جميع الحقوق محفوظة ويحظر إعادة النشر بدون تصريح مكتوب من الناشر))

الجمعة، 19 مارس، 2010

فيلم "اللقالق": بلاغة الصورة

استمتعت بمشاهدة الفيلم القصير "اللقالق" (5 دقائق) للمخرج العراقي المقيم في بريطانيا جمال أمين. هذا فيلم كالطلقة، واضح ومباشر في فكرته ومغزاه، لا يلف ولا يدور، يعرف مخرجه ومؤلفه تماما الفرق بين منهجي الفيلم القصير والفيلم الطويل، فهو يدخل إلى فكرته وموضوعه الرئيسي والوحيد مباشرة، فلا يجب أن توجد في الفيلم القصير الجيد أية مواضيع أو أفكار أخرى فرعية تشتت انتباهنا، فالفيلم القصير الجيد مثل القصة القصيرة الجيدة، التي قد تكون مكونة من بضعة أسطر، تنقل لنا الصورة والحدث والفكرة. وهذا بالضبط ما يفعله جمال أمين هنا.
"اللقالق" فيلم يعبر عن رؤية مخرجه في الصراع القائم: بين الشرق والغرب، بين الأنا والآخر، ولكن ليس على صعيد وجودي بل على أرضية شديدة الواقعية. إنه يجسد ببلاغة بصرية مثيرة للإعجاب، فكرة فقدان الثقة بين الأوروبيين والعرب المسلمين حاليا، دون صراخ ودون خطابة، من خلال شخصيتين فقط لشاب عربي اسمه "محمد"، وهو من أبناء المهاجرين العراقيين في الدنمارك، تعلم في مدارسهم ويتحدث لغتهم، وصديقته الدنماركية "ماريا"، أو بالأحرى زميلته السابقة في المدرسة التي يلتقيها في لحظة ما فينفجر بركان التشكك الدفين وانعدام الثقة بل والكراهية.
يلتقي الإثنان بالمصادفة في طريق ضيق داخل حديقة عامة. تسأله الفتاة عن أحواله فيلخص لها في ثوان وضعه الحالي: فقد انتقل من دورة دراسية إلى أخرى، ومن عمل إلى آخر، وبعد أن كان يرغب في دراسة الطيران ليصبح طيارا، أصبح واضحا أمامه أن هناك استحالة في تحقيق ذلك الهدف الآن، بعد كل ما جرى في الحادي عشر من سبتمبر 2001، وهو لا يقول كل ذلك بالطبع، لكن هذا ما تفهمه أنت كمشاهد من تحت جلد الصورة، ومن بين سطور الكلمات. إننا في أوروا بعد أحداث سبتمبر التي اصبحت تختلف كثيرا عما كانت قبل تلك الأحداث. ويلخص هو وضعه للفتاة في النهاية بقوله إنه انتهى إلى العمل كجزار!
أما "ماريا" كما تقول، فقد أكملت دراستها، وتخرجت مدرسة واصبحت معلمة، حصلت على وظيفة في نفس المدرسة التي كان الاثنان يتعلمان فيها من قبل، حيث عرفا بعضهما البعض. كل هذه المعلومات نعرفها خلال دقيقة أو دقيقة ونصف.
ماريا توجه لمحمد بعد سؤالها عن أحواله سؤالا ذا مغزى في الفيلم، فهي تسأله عن عصبيته، عن انفعاله.. أي أنها تحصره وتؤطره في الصورة النمطية التقليدية الشائعة لدى الغربي عن "العربي". ويحاول هو أن يفسر لها الأمر فيقول إنها طريقته في التعبير وهي ليست بالضرورة انفعالا عدوانيا. لكن الفتاة لا يبدو عليها الاقتناع، فالتعبير عن المشاعر يتناقض بالطبع مع ذلك البرود أو الهدوء الظاهري الذي يتعلمه الأوروبيون عموما، وسكان بلدان الشمال الأوروبي خصوصا.
وفي ثانية واحدة تقبل فتاة دنماركية على دراجتها تحاول المرور بين محمد وماريا، فتصطدم بمحمد بطريقة فظة، ثم تسبه بكلمات نابية كأنما هو المخطيء، في حين أنه كان من الممكن أن هي تتفاداه بسهولة إذا ما تريثت، لكن من الواضح انها لم تقم وزنا للأمر، بل غلبتها حماقتها. ويتفاعل هو مع السباب الموجه إليه ومع الصدمة التي نالها فيرد عليها بالمثل، وهو رد فعل طبيعي حتى من جانب أي شاب أوروبي في مثل هذه الحالة، لكن صديقته ماريا تستنكر سلوكه بشدة وتقول ما معناه إنه لم يتغير وإنه عدواني لايزال يعتدي على الأطفال في حين كان ينبغي أن يعتذر للفتاة!
بطبيعة الحال يتطور الموقف بينهما فيرفض محمد منطقها المتحيز ويتهمها بالعنصرية وتتهمه هي بالعدوانية وتطلب منه العودة إلى بلاده. ولا يبدو أن هناك نهاية لهذا التشكك وانعدام الثقة والاستنفار القائم بين الطرفين.الحوار هنا مكتوب ببراعة شديدة، وباقتصاد، وبطريقة ذات مغزى. الفتاة مثلا تتهمه بأنه "يفكر من اليمين لليسار.. منذ أن كان طفلا"، ويرد هو عليها بأنها تفكر "من اليسار لليمين".. دلالة على التناقض التام في المفاهيم والثقافات.
يبدأ الفيلم بأصوات اللقالق التي تحلق في السماء ولا نراها بل نسمع فقط أصواتها على خلفية سوداء، ثم تتسلل موسيقى ناعمة رومانسية تساهم مع اللقطات الناعمة للحديقة بأشجارها، في إضفاء أجواء هادئة.
وعندما تلتقي ماريا بمحمد في الحديقة، تنحصر الصورة في لقطات قريبة close up ومتوسطة medium، ومع اشتداد المناقشة وتحولها إلى ما يشبه الشجار، نبدأ في الإحساس باهتزازا الصورة وتأرجح الشخصيات داخل الكادر بفعل اهتزاز الكاميرا المحمولة. وعندما تصل الحدة بين الاثنين إلى ذروتها تشحب الألوان، وتتحول الصورة إلى الأبيض والأسود، في استخدام درامي خلاق للألوان في هذا العمل القصير البليغ، وكأنما أراد المخرج أن يقول لنا إن التناقض بين الثقافتين يتمحور بالفعل بين الأبيض والأسود، أي أنه تناقض غير قابل للحل في الوقت الحالي، طالما ظلت المفاهيم المستقرة أو الأفكار المسبقة لدى كل طرف عن الآخر، خاطئة.
نعم الفيلم يصور محمد في البداية كضحية للاعتداء العنصر، لكنه أيضا لا يبرؤه تماما، فهو أيضا مسؤول عن تلك الصورة التي تصل إلى الآخر، وهو يسارع إلى الرد على ماريا عندما تتساءل عما إذا كان قد تعرض للعقاب البدني من جانب والده في طفولته إلى عنفه ضد الأطفال، فيتهمها بأنها ربما تكون قد تعرضت لتحرشات جنسية من جانب زوج أمها في طفولتها!
ومع استمرار الجدل والتهامات المتبادلة، وتأكيدا على امتداد الصراع، وتعمق التناقض، ترتفع الكاميرا تدريجيا مبتعدة عن الإثنين، نحو السماء، في حين يخفت صوت المشاجرة بينهما، وتتسلل موسيقى حزينة تكثف تلك النهاية التي لا توحي بأي أمل في إمكانية التوصل إلى حل في الوقت الراهن، ونستمع على شريط الصوت إلى أغنية تردد كلماتها "لقد كنت أحلم".
لا يضيع المخرج وقتا، كما أشرت، بل يدخلنا مباشرة إلى موضوع فيلمه، وينجح تماما في التحكم في إيقاعه، والإبقاء عليه سريعا متدفقا مثل طلقة تصيب المتفرج بالصدمة، لتدفعه إلى التفكير.
ويتحكم جمال أمين في ممثليه تحكما مثيرا للإعجاب فضلا عن اختياره الجيد لهما، ولا أعرف من أين أتيا، فأغلب الظن أنهما من غير المحترفين أيضا. وهو يجعل بطله "محمد" يتحول إلى استخدام كلمة عربية نابية في وصف ماريا بمعنى "عاهرة" عندما يحتد في شجاره معها، وهي إشارة ذكية تؤكد أنه عندما ينفعل فهو يفكر بالفعل باللغة العربية، رغم إجادته لغة البلد الذي يعيش فيه، فهو من جهة عاجز عن الاندماج والذوبان ومن جهة أخرى، هو متمسك بهويته الأصلية.
والفيلم عمليا، مكون من مشهد واحد، لكنه على الرغم من ذلك، ورغم كونه يدور في نطاق لا يتجاوز الدقائق الخمس، إلا أن مخرجه ينجح في الاستفادة من كل المكونات البصرية التي تثري هذا المشهد الواحد، وتصنع منه فيلما قائما بذاته، فهو يستخدم الانتقال بين اللقطات، سواء بالقطع أو بتحريك الكاميرا أحيانا، كما يبرز على الخلفية التي تدور فيها الأحداث، بل إن اختياره للمكان في الفيلم له دلالة خاصة، فهذا المكان تحديدا، أي الحديقة، حيث الفضاء المفتوح والهدوء والسكينة، هو مكان يفترض أن يساعد المرء على الاسترخاء، لكنه هنا يتحول إلى بؤرة تشتعل بالصراع، تفور فيها المشاعر، في تناقض واضح مع الطبيعة الساكنة الخارجية.
معروف أن طائر اللقلق من الطيور المهاجرة، وهو كما نعرف، يتركز بأعداد كبيرة في العراق حيث يتكاثر قبل أن يهاجر إلى أوروبا. واختيار العنوان يشير بلاشك، إلى شباب المهاجرين العرب، من العراقيين بوجه خاص، الذين يمثلهم "محمد" في الفيلم. أخيرا، "اللقالق" فيلم قصير، لكن الأفلام لا تقاس بزمن عرضها، بل بقدرتها على التعبير والإقناع، ببلاغتها، وقدرة مخرجيها على الإخلاص للحيز الزمني للفيلم، دون أن تكون هناك أي لقطة زائدة، أو ناقصة في السياق البصري، وهو ما ينجح فيه جمال أمين بدرجة مثيرة للإعجاب.

الثلاثاء، 16 مارس، 2010

"قلب مجنون": تشابه خارجي لكن لا شيء مثل "المصارع"


لا أدري لماذا يقارن الكثيرون بين فيلم "قلب مجنون" Crazy Heart لسكوت كوبر، الممثل الذي تحول إلى الإخراج في أول فيلم له، وبين فيلم "المصارع" The Wrestler تحفة السينما الأمريكية العام الماضي لدارين أرونوفسكي.
صحيح أن هناك تشابه بين الفيلمين في كون الشخصية الرئيسية رجل يكاد ينهي رحلته مع المهنة (غناء الاغاني الريفية وكتابة كلماتها في الفيلم الاول) والمصارعة الحرة في الفيلم الثاني، كلاهما كان من النجوم المشاهير في المهنة، عاشا سنين المجد والشهرة، وجربا احتفال الجمهور واحتفاءه بهما. أما الآن فقد هزمتهما الحياة، والمرض، وأصبحا في حاجة إلى التكفير عن ماض عابث عاشاه طولا وعرضا.
وصحيح ايضا أن كلا البطلين يقيمان علاقة عاطفية مع امرأة أصغر سنا، ربما تشبثا بما يحقق ما فقد، أو بدافع الاحتياج لمن يمكنه أن يحاسب المرء ويكشف نقاط ضعفه ويواجهه بنفسه في مرآة أشبه بالضمير الخفي.
إلا أن الفيلمين، يختلفان كثيرا من الداخل، أي من حيث البناء: بناء الشخصيات وطريقة السرد، وأسلوب الإخراج.
العامل الأساسي (الخارجي) في فيلم "المصارع" كان المصارعة نفسها، التي يعيش البطل أيامه الأخيرة معها قبل أن تنقضي الحياة، وفي الفيلم الثاني هي الموسيقى والغناء الذي لم يعد قادرا على تقديمه كما يليق بل أصبح لديه من يتأهب لكي يحل محله، تلميذه الذي تبناه وعلمه الغناء على طريقته.
في كلا الفيلمين فشل في الزواج، وابن أو ابنة ترفض استقبال الأب أو استئناف علاقة قديمة انقطعت معه. لكن بينما كانت تلك العلاقة في "المصارع" علاقة مركبة، فيها السلبي والايجابي، فيها التردد والرغب، الحب والكراهية، هي في الفيلم الثاني شبه مفقودة: مجرد مكالمة هاتفية سريعة مع إبن لا يريد أن يرى أباه!
على حين كان "المصارع" فيلما نابضا بالحياة، مثيرا للتأمل، شخصية البطل فيه محددة الملامح، لها ماض وحاضر، وليس لها مستقبل، لها ملامح إنسانية معقدة مركبة متناقضة بل ومتارجحة، بين ما تحبه وما تريده وما تقدر عليه، جاء فيلم "قلب مجنون" مفتقدا إلى ذلك النسيج الإنساني المتشابك، بل تبدو شخصية البطل فيه (المغني باد بلاك التي يقوم بتمثيلها جيف بريدجز) أحادية البعد، تسير من بداية الفيلم إلى نهايته دون تغير درامي كبير يذكر، حتى بعد الوقوع في حب الصحفية "جين" (ماجي جلينهال) التي تصغره كثيرا، فهو لا يتغير، ولا يفتح قلبه بالكامل لكي يخبرنا سر مأساته، حسه التراجيدي المستمر، عدم قدرته على العودة إلى الحياة حتى بعد أن وجد الدافع، واستسلامه للإدمان على الشراب، رغم أنه أصبح عمليا، عاجزا عن الاستمرار في تقديم العرض المطلوب، دون أن يهرب إلى الحمام لكي يتقيأ، ويسعل!
لا نعرف لماذا تقع جين، تلك الأم الوحيدة التي ترعى ابنا في الرابعة من عمره، في حب هذا المغني الذي يبدو أقرب إلى أب لها، ولا ندري لماذا أيضا تتخلى في النهاية عنه بكل هذا الإصرار والعزيمة التي لم ينجح أبدا في تليينها أو جعلها تنصت إليه. هل أدركت جين استحالة تغييره أو دفعه للإقلاع عن الشراب، أو هل دق إهماله رعاية طفلها كما كان ينبغي، ناقوس الخطر لديها من مستقبل غامض، محفوف بالمخاطر؟
لا نعرف، ولا نعرف أيضا كيف يمكن أن يهمل المخرج الركيزة الأساسية لفيلمه إلى هذا الحد، أي الاهتمام كما ينبغي بالأغاني والموسيقى، هناك بالتأكيد الكثير منها، لكن فقط من خلال الشكل المباشر، أي الغناء في الحانات وما شابه، وكان الأفضل كثيرا أن تغلف الفيلم أي تتسلل تحت جلد الصورة، وتصبح مصاحبة لنظرتنا للفيلم، مع الاهتمام المطلوب بالكلمات والألحان العذبة المميزة للغناء الريفي الأمريكي، بما يجعلها تبقى في ذاكرة المتفرج، الأمر الذي لم يتحقق لهذا الفيلم في رأي.
نعم هناك أسلوب واقعي مغلف بمسحة رومانسية، يراهن عليها المخرج للوصول إلى جمهوره، لكن هناك أبعاد كثيرة مفقودة في الفيلم، غياب الإثارة (الذهنية)، وغياب الإشباع في بناء الشخصيات، وتكرار الفكرة دون تطويرها كثيرا.
وقد أضاع المخرج أيضا فرصة الاستفادة من تلك الشخصية الخاصة التي يقوم بها الممثل الكبير روبرت دوفال، والتي اختفت فجاة من الفيلم كما ظهرت فجأة.
إن بطل "قلب مجنون" لا يبدو مجنونا بما فيه الكفاية لكي يجعلنا نتعاطف مع جموحه وجنونه ونغفر له سقوطه الطبيعي بعد كل تلك الرحلة، التي لا نعلم كثيرا عنها على أي حال!
ولاشك أن جيف بريدجز قد بذل جهدا كبيرا في تجسيد الشخصية والتعبير عن آلامها ومعاناتها وتدهورها النفسي، لكن أداءه لا يرقى إلى الأداء الفذ لميكي رورك في "المصارع". ولكن بريدجز حصل على الأوسكار أخيرا، بعد أن تكرر ترشيحه لها خمس مرات. ولهذا السبب وحده ربما يكون قد حصل عليها، وكان الأجدر بها دون شك لدينا، هو مورجان فريمان عن دور مانديلا في "إنفكتس".

الخميس، 11 مارس، 2010

"نشاط خارق": الرعب في سياق تسجيلي بالكاميرا الشخصية


ذهبت أشاهد الفيلم الأمريكي الجديد "نشاط خارق" Paranormal Activity مدفوعا بخبر قرأته عن احتجاج اتحاد أولياء الأمور الإيطاليين على التصريح بعرض الفيلم في إيطاليا، على المشاهدين من كل الأعمار، بعد أن أثار الفيلم لدى الكثير من الأطفال الذين شاهدوه فزعا شديدا مما أدى إلى نقل الكثيرين منهم إلى المستشفيات بعد إصابتهم بالصدمة مما أدى إلى إعادة النظر في التصريح بعرضه للجميع، خاصة وأن السلطات البريطانية المسؤولة عما يعرف لدينا بـ"الرقابة"، وهي في الحقيقة مجلس لتصنيف الأفلام حسب الأعمار المختلفة، أجازت الفيلم في بريطانيا لمن هم فوق الـ15 عاما، كما أجيز في الولايات الأمريكية للبالغين فقط.
وبعد أن شاهدت الفيلم أعترف أنني تفهمت قليلا موقف السلطات الإيطالية التي رأت أن يعرض دون قيود رقابية. وربما يكون التأثير الصادم الذي وصل إلى بعض المشاهدين من الأطفال، حدث بسبب طبيعة الفيلم "الوثائقية"، أو بالأحرى، محاكاته للطابع الوثائقي المعتاد في أفلام الفيديو "المنزلية" التي أصبحت منتشرة كثيرا في الوقت الحالي بعد الانتشار الكبير لكاميرات التصوير الرقمية (الديجيتال).
مخرج الفيلم وصاحب فكرته أورين بيلي صور بنفسه الفيلم بكاميرا فيديو رقمية صغيرة في بيته، بعد أن أعده إعدادا جيدا للتصوير، وتكلف إنتاجه 15 ألف دولار فقط، ومعظم مشاهد الفيلم جاءت بالكاميرا المحمولة باليد أي التي تتحرك وتهتز، فتهتز معها الصورة، مما يساهم في اضفاء الواقعية عليها.
وقد أصبح هذا الفيلم لهذا المخرج، الذي لم تتوفر لديه تجربة سابقة في الإخراج، وكان يرغب أساسا أن يصبح مبرمجا لأنظمة الكومبيوتر، قنبلة انفجرت في السوق السينمائية الأمريكية بعد نحو ثلاث سنوات من تصويره. فقد صور الفيلم في أواخر 2006 وأصبح جاهزا للعرض في 2007، ثم عرضه صاحبه على عدد من المهرجانات الشهيرة التي رفضت عرضه، كما رفضه عدد من الموزعون، ثم قبل مهرجان مغمور أن يعرضه وشاهده مسؤول عن التوزيع السينمائي في شركة ميراماكس الأمريكية الشهيرة فاشترت الشركة حقوق عرضه، وحاول مسؤولو الشركة اعادة تصويره بامكانيات احترافية أكبر وبطاقم من الممثلين الكبار، إلا أن الأمر استقر في النهاية على المغامرة بعرضه كما صوره صاحبه. وحقق الفيلم 22 مليون دولار عند عرضه في عطلة نهاية الأسبوع في اكتوبر الماضي، ويقال إن إيراداته تجاوزت حاليا 100 مليون دولار.هذا النجاح لاشك أنه يغري الكثيرين، من هواة السينما الذين لم يدرسوا فن الإخراج السينمائي، بالتجريب والمحاولة، جريا وراء النجاح والشهرة والثروة التي تحققت لأورين بيلي، الذي تعاقد بالفعل على إخراج فيلمه الثاني بإمكانيات أكبر.

ولكن ماذا يصور هذا الفيلم تحديدا، وما مصدر الرعب فيه، وكيف تأتى له أن يحقق كل ما حققه من نجاح؟
الفيلم يدور كله داخل منزل المخرج، المكون من طابقين والكائن في بلدة أمريكية. بطلاه شاب وفتاة هما "ميكا" وصديقته "كيتي". والأخيرة تطاردها هواجس متراكمة، وتشعر منذ أن كانت في الثانية عشرة من عمرها، بأن هناك أشباحا تطاردها أثناء نومها، كما تسمع أصواتا غريبة أحيانا لا تدري مصدرها. هذه الأشباح والأصوات تنتقل معها من منزل إلى آخر، وقد أتت الآن إلى منزل صديقها "ميكا" بعد أن انتقلت للعيش معه أخيرا.
اما "ميكا" فهو لا يأخذ ما تقوله له "كيتي" على محمل الجد، بل يستبعد تماما فكرة وجود أشباح شريرة في العصر الحالي، ولكنه يحاول طمأنة كيتي بأن يضع الكاميرا التي يملكها في مواجهة فراشهما كل ليلة، لكي تصور ما يمكن أن يدور في الليل اثناء نومهما، حتى يثبت لها أن لا شيء هناك. ويحاصر ميكا كيتي أيضا بالكاميرا أثناء النهار، يصور ويسجل كل تحركاتها وانفعالاتها وأحاديثها معه، الأمر الذي يسبب لها الإزعاج أحيانا. ويبدو ميكا هنا، كمجنون تصوير، يلهو بالكاميرا في حين أن صديقته اصبحت تعتقد أيضا أن الكاميرا يمكن أن تستفز تلك "القوة الشريرة الخفية" صاحبة النشاط غير العادي.
ليلة بعد ليلة تسجل الكاميرا اثناء نوم البطلين. وفي الصباح يراجع ميكا ما صور عبر شاشة الكومبيوتر المحمول، ولكن لا يحدث شيء. ونحن نرى الصورة من خلال منظور الكاميرا حيث يكتب لنا المخرج التاريخ على الشاشة، كما يظهر الوقت بالساعة والدقيقة من خلال عداد الكاميرا. وتدريجيا كيتي تسمع أصواتا في الليل، هي أصوات دقات غريبة أو طنين، أو أحيانا، طرقات أو وقع أقدام على الأرض. وأحيانا تسجل الكاميرا أيضا تحرك باب غرفة النوم. أما الحادث الأغرب فيأتي عندما تسجل الكاميرا ما تفعله كيتي، عندما نراها تنهض من نومها، تقضي وقتا طويلا واقفة أمام الفراش قرب باب الغرفة تتأمل في ميكا المستغرق في النوم. وتستمر على هذا المنوال ساعات قبل أن تعود للنوم. هل هناك قوة معينة تناديها!

ميكا يسعى لإقناعها بطرد هواجسها تماما فيقرر أن يرش مسحوقا أبيض في أماكن محددة عند العتبات، على أرضية الطابق العلوي، لكي ترصد أي آثار للأقدام يمكن أن تأتي في الليل.
في الصباح يكتشف ميكا لفزعه الشديد أن هناك بالفعل أقداما غير إنسانسة عبرت ودخلت غرفة النوم.ما العمل؟ يستدعي الاثنان الدكتور فريدريكس وهو رجل يملك قدرات خاصة على التنبؤ وقراءة ما لا يراه المرء، يستمع، وينصت، ويوجه من الأسئلة ما يشاء لكيتي، ثم يغادر بعد أن يقول إن هناك قوة شريرة تطارد كيتي وتتبعها من مكان إلى آخر، وينصح الإثنين بالاستعانة بخبير في طرد الأرواح الشريرة لأن ما تشكو منه كيتي لا يدخل في نطاق تخصصه، كما يحذرهما من أي محاولة للتواصل مع ذلك الكائن الشيطاني.
يتأكد ميكا من وجود "نشاط غير طبيعي" يحدث في الليل، بل واثناء النهار أيضا، فبعد أن يخرج الاثنان من المنزل ذات يوم، تنقلب بعض قطع الأثاث، وتشتعل نار محدودة ثم تنطفيء، ويتحرك باب في السقف يؤدي إلى غرفة الخزين في أعلى التي يعثر فيها على صورة لكيتي وهي في الثانية عشرة، والصورة عليها آثار حريق. وتقول له كيتي إن من المستحيل أن تأتي هذه الصورة هنا، فقد احترقت منذ سنوات طويلة. ويقرر الاثنان اللجوء للدكتور فريدريكس مجددا. ويحضرالرجل، يقف وينصت، ولكنه سرعان ما يعتذر ويطلب مغادرة المنزل فورا لأن وجوده، كما يقول، قد يثير القوة الغريبة أكثر ويدفعها إلى الشر.
ما يحدث بعد ذلك أن الفيلم ينتهي ببساطة، وكيتي تهبط إلى الطابق السفلى حيث يعلو صراخها فجأة، ثم يهبط ميكا وراءها، دون أن تنتقل الكاميرا المثبتة داخل غرفة النوم وراءهما، ثم تصعد كيتي وحدها وفي يدها سكين ملطخ بالدماء. ما الذي حدث؟ من الممكن أن تكون كيتي قد قتلت ميكا بفعل سيطرة تلك القوة الشريرة الغامضة عليها. ومن الممكن أن تكون القوة الشريرة قد قتلت ميكي ثم تلبست كيتي.
ولا يهم ما يقع بعد ذلك، وكيف تنتهي القصة، وما مصير كيتي، لأن ما يحدث تفاصيل لا قيمة لها، بل إنها في الحقيقة تضعف كثيرا من الفيلم، خاصة وأن المخرج صور ثلاث نهايات لفيلمه، في ثلاث نسخ مختلفة، استقر الأمر في النهاية على اختيار أكثرها غموضا وأقلها دموية.وواضح أن مخرج الفيلم اختار من البداية أن يعتمد أسلوبا يوحي بالطابع التسجيلي للفيلم: فهناك منزل حقيقي تدور به الأحداث، وشخصان بسيطان يمثلان الكثير من الشباب مثلهما،والإيحاء بأن الكاميرا تسجل بالفعل أن ما يحدث حقيقي، سواء أثناء نوم البطلين أو أثناء غيابهما عن المنزل، تجنب قيام خبير الأرواح الشريرة باي محاولات لمواجهة تلك القوة الخفية على نحو ما شاهدنا مثلا في الفيلم الشهير "طارد الأرواح الشريرة" The Exorcist من عام 1973.

ويبتعد الفيلم تماما عن إظهار أي كائنات خرافية كما هو معتاد في تلك الأفلام التي تظهر فيها كائنات شيطانية السحنة في مواجهة الأبطال، تندفع من القبو، أو تخترق الجدران أو ما شابه، فنحن على سبيل المثال، نشعر بوجود ذلك "النشاط الغريب" أو الظاهرة الغامضة، في المنزل دون أن نراها. وفي مشهد قرب نهاية الفيلم نرى جسد كيتي يتحرك بفعل تلك القوة الشريرة التي تجذبها بعنف، فتسقط من على الفراش ويسحب جسدها على الأرض إلى خارج الغرفة مع تصاعد صرخاتها مما يجعل ميكا يستيقظ ويهبط إلى أسفل لانقاذها من تلك القوة الشريرة وينجح في ذلك بالفعل دون أن نعرف كيف، ودون أن نرى تلك المواجهة، ويوحي لنا الفيلم بأن تلك "القوة" خفية، ربما لا تظهر سوى لمن تستهدفه أي لكيتي.
لكن ما يقوم به ميكا بعد ذلك من محاولة الاتصال مع تلك القوة يكون مقدمة لما ينتهي إليه مصيره بالقتل، دون أن نرى جثته ولا الدماء المتناثرة منها. ويستخدم مخرج الفيلم جيدا تلك المنطقة من العقل الباطن التي تمتليء عادة بالشكوك والهواجس، أثناء النوم، ويجعل معظم الأحداث "الغريبة" تقع في فترة من اليوم، ما بين الثانية والرابعة صباحا، وهي أكثر الفترات التي يكون العقل الباطن فيها قد بلغ قمة نشاطه، بعد أن يكون العقل الظاهر قد استسلم تماما للنوم.
وبسبب عدم وجود كائنات شيطانية تظهر في الفيلم، وغياب مشاهد العنف والقتل والدماء، والاعتماد على الحوارات الطويلة التلقائية التي تدور بين البطلين، والتي لا شك في ارتجال الكثير منها، ومع غياب المناظر الخارقة التي تستخدم فيها عادة المؤثرات البصرية الخاصة، لم تجد السلطات الإيطالية المسؤولة ما يحول دون عرض الفيلم على جميع الأعمار.أما الرأي الآخر، وهو رأي الكثير من غير البالغين الذين شاهدوا الفيلم وتأثروا به، فيكمن في أن ما يخيف أكثر مما يشاهدونه عادة في أفلام "المؤثرات الخاصة"، أن الفيلم مصور كما لو كان يحدث بالفعل في الواقع، أي كما لو كان توثيقا أو فيلما تسجيليا لظاهرة مخيفة. وربما أيضا بسبب عدم ظهور تلك "القوة الخفية الشريرة" أو تجسدها، اكتفاء بالأصوات والعلامات والأفعال.
ويلعب الفيلم كثيرا على فكرة انتظار أن يحدث شيء، من الأشياء المتوقعة أو المنتظرة عادة في أفلام الرعب، أكثر مما يستخدم تلك الأحداث الخارقة بالفعل. وربما يكون في هذا اتساقا كبر مع الواقع، فعندما يتماثل المشاهدون مع بطلي الفيلم، يجدون أنفسهم أيضا يشاركونهم الترقب والقلق والانتظار، مع القناعة المطلقة بأن "الكاميرا لا تكذب ولا يمكن أن تكذب"، فهذا بحث عصر الصورة والكاميرا المنزلية والكومبيوتر، وفي إمكان أي شاب اليوم أن يسجل ما يدور في منزله سواء أثناء نومه أو غيابه، وهذه هي الحيلة التي يستخدمها المخرج في هذا الفيلم للتقريب، وليس للتغريب.
وأيا كان الأمر، فنحن بلاشك، أمام ظاهرة سينمائية جديدة تمد تجربة صناع فيلم "ساحرة بلير" (1999) على استقامتها، وتكسر احتكار شركات هوليوود الكبيرة بميزانياتها الضخمة، أفلام الرعب الرائجة خاصة بعد الرواج الكبير الذي حققه هذا الفيلم. والمؤكد أن فيلم "نشاط خارق" يؤرخ لبداية "سينما الرعب المنزلية" بكل ما يعنيه هذا الوصف!
((جميع الحقوق محفوظة ولا يجوز النقل أو الاقتباس بدون اذن مسبق مكتوب من الناشر))

الثلاثاء، 9 مارس، 2010

جوائز الأوسكار 2010




أنشر هنا تقرير وكالة رويترز حول نتائج مسابقة الأوسكار الأخيرة، للتوثيق فقط دون أن يمثل اي راي يرد فيه رأيي الشخصي.


لوس انجليس (رويترز) - سطرت كاثرين بيجلو مخرجة فيلم (خزانة الألم) The Hurt Locker الفائز بجائزة أوسكار أحسن فيلم) اسمها بحروف من نور في صحفات تاريخ الجوائز التي تمنحها الاكاديمية الامريكية للعلوم والفنون السينمائية بعد حصول فيلمها على جائزة اوسكار احسن اخراج لتصبح أول مخرجة في العالم تنال هذا الشرف.
وحصل فيلم (خزانة الالم) منخفض التكاليف الذي حقق مبيعات بقيمة 20 مليون دولار على ست جوائز متخطيا ("افاتار" Avatar الذي اخرجه جيمس كاميرون زوج بيجلو السابق، وهو الفيلم صاحب أفضل مبيعات على الاطلاق حيث حقق 2.5 مليار دولار.
وفي احتفال أحيا مجد هوليوود مكنت القصة الدرامية التي تدور حول مجموعة من خبراء ابطال مفعول القنابل في العراق الكاتب مارك بوال من الحصول على جائزة اوسكار احسن سيناريو كما حصد الفيلم جوائز اخرى منها المونتاج والصوت والمكساج.
وقالت بيجلو أول امرأة تفوز بجائزة أحسن اخراج في تاريخ الاوسكار الممتد منذ 82 عاما "هذه لحظة العمر لا أجد وصفا اخر لها."
وسلط بوال الضوء على الجهد الذي بذل في فيلم "خزانة الألم" بعد أن أصبح من الصعب في السنوات القليلة الماضية الحصول على تمويل لفيلم درامي يعكس ويجسد واقعا معاشا بعد عزوف الجماهير عن أفلام الحروب.
ومضى بوال الصحفي الذي رافق القوات الأمريكية في العراق يقول "كان هذا حلما .. بل اكثر من حلم."
وأشار الى ان أكثر ما طمح اليه صانعو الفيلم هو "الحصول على موزع وان يحب البعض الفيلم."
من ناحية أخرى حصل فيلم "أفاتار" على ثلاث جوائز اوسكار كلها من النواحي التقنية وهي المؤثرات البصرية والتصوير السينمائي والاخراج الفني.
وحصل الممثل جيف بريدجيز على جائزة أحسن ممثل عن دوره كمغني سكير لاغاني موسيقى الريف في فيلم "قلب مجنون" Crazy Heart وحمل نجل نجم هوليوود بريدجيز تمثال الاوسكار عاليا فوق رأسه ناظرا الى السماء موجها الشكر الى والديه الراحلين وصرخ قائلا "أمي أبي .. أجل .. اشكركما لتوجيهي الى مهنة تناسبني".
وفازت ساندرا بولوك بجائزة اوسكار احسن ممثلة عن دورها في فيلم "الجانب الآخر" The Blind Side
ولعبت بولوك دور امرأة معاصرة ذات ارادة قوية ساعدت شابا مشردا وانتشلته من الشوارع لتصنع من مأساته نجاحا كرويا.
وقالت بولوك التي لقبت يوما باسم "معشوقة أمريكا" لادوارها الكوميدية في بداية مشوارها الفني وقد بدت الدموع في عينيها "الى الأمهات اللاتي يعتنين بابنائهن بغض النظر من أين جاءوا.. فهؤلاء النساء لا يشكرن ابدا".


وفاز فيلم الرسوم المتحركة "إلى أعلى Up بجائزة اوسكار افضل فيلم رسوم متحركة.
وتدور احداث الفيلم الذي اخرجه بيت دوكتر حول رجل عجوز في الثامنة والسبعين من العمر يحقق حلمه للسفر حول العالم حيث يقوم بربط ملايين البالونات الملونة ليسافر بها متجها الى شمال امريكا ولكنه يفاجأ انه قد احضر معه في رحلته دون قصد أسوأ شريك وهو طفل في التاسعة يصر على ازعاجه باستمرار.
وفازت الممثلة مونيك بجائزة اوسكار افضل ممثلة مساعدة عن دورها في الفيلم الدرامي بريشوس Precious
وكان ينظر على نطاق واسع لمونيك على انها الأوفر حظا لنيل الجائزة لدورها في الفيلم المقتبس من رواية "ضغوط" للكاتبة سافاير.
وكانت مونيك تعرف في السابق بادوارها الكوميدية والتفلزيونية.
وحصل الممثل النمساوي كريستوف فالتس على جائزة اوسكار افضل ممثل مساعد عن دوره في فيلم "الاوغاد المنتقمون" Inglourious Basterds ليحصد أول جائزة اوسكار في تاريخه عن دور ضابط نازي في الفيلم الذي يدور حول مجموعة من اليهود الأمريكيين الذين يقتلون اعداءهم خلف الخطوط خلال الحرب العالمية الثانية.
على البساط الاحمر قبل توزيع الجوائز داعبت نجمات هوليوود بولوك وكاميرون دياز وزوي سالدانا الجماهير وهن يرتدين فساتين السهرة ذات الالوان البراقة.

السبت، 6 مارس، 2010

عن الأوسكار وعظماء السينما والمونتاج (رسائل)


تحية طيبة وبعد..
1- سعدت سعادة شديدة بعد ان اطلعت علي مقالك عن ترشيحات الاوسكار، فهذا كان شعوري بعد ان شاهدت اعلانات معظم هذه الافلام انها ليست جيدة. ولقد كنت اريد ان ابعث لك لأعرف رأيك ولكن رأيك اثلج صدري.. وفعلا فيلم "أوغاد مجهولون" فيلم جيد الي جانب الباقي. وبالمناسبة بعد ان شاهدنا هذا الفيلم انا وزملائي في الكلية سعدنا به جدا حتي ان البعض اعتقد انها قصة حقيقية حدثت بالفعل ووجدت كثيرين اعجبوا بهذا الفيلم. اما فيلم افاتار فأيضا الكل شكر فيه هنا في مصر واثني علي التقنية التي دخلت مصر حديثا ولو اني قرأت للبعض ان هذه التقنية في مصر ليست مثل الخارج وانها ضعيفة جدا!! ولكني اري ان التكالب علي هذه التقنية في مصر وفرحة الناس بالنظارة والمشي بها في كل مكان !!! هو راجع في الاساس الي الحس الاستهلاكي الغريب عند المصريين المرتبط بتحقيق الوجاهة الاجتماعية وليس حب السينما وتجربة شيء جديد!! اما فيلم "عاليا في الهواء" فأود أن اسمع رأيك عنه، فهو علي الرغم من مهاجمته للشركات الامريكية والحياة المادية التي يعيشها المجتمع الامريكي الا ان هناك خللا ما حدث ولا اعرف اسبابه في الفيلم ، فالفيلم اعلان طويل عن احد الفنادق الشهيرة وعن شركة طيران !! فكيف تهاجم هذه الشركات اذن ؟؟؟
2- أود ان اعرف رأي حضرتك ايضا في بعض الافلام الهندية التي بدأت تصور في أمريكا وتعرض هناك بل تنجح نقديا أيضا.. هل بوليوود تخطب ود هوليوود والعكس صحيح ؟ هناك فيلمان هما (اسمي خان) وفيلم اخر عرض في مهرجان القاهرة الاخير هو (نيويورك) والفيلمان استبدلا النهاية السعيدة في الافلام الهندية بالخلاص علي يد امريكا والرئيس اوباما، ووجهة النظر هذه تصيبني بشيء من الاشمئزاز واريد أن اعرف رأيك؟
3- اود لو كتبت حضرتك في مدونتك عن اساليب المخرجين العظام .. انا اعلم انك تناولت ذلك من قبل ولكنني اود لو تكمل لأعرف عن البعض خصوصا ان المعلومات المتوفرة عنهم قليلة باللغة العربية واهمهم بالنسبة لي ستانلي كوبريك فأود أن أعرف عن هذا الرجل الغامض اكثر ولقد شاهدت الكثير من افلامه ولكن بعضها لا افهمه.
4-اعلم اني اطلت عليك ولكن اعذرني.. اخر حاجة هو الفرق بين المونتاج والاخراج؟؟ فبعد مشاهدتي للاحضان المهشمة لبدرو المودوفار ألح علي هذا السؤال وتذكرت اخر الافلام المخرج عاطف الطيب (جبر الخواطر) وكيف انه توفي قبل المونتاج وكيف ان البعض نسب رداءة هذا الفيلم الي المونتاج بل ان البعض اراد ان يخرجه من قائمة افلام عاطف الطيب من الاساس. 5- بعد أن قرأت ردك علي رسالتي الأخيرة استمعت لك وبدأت ارشح افلاما لنشاهدها انا وزملائي ونتناقش فيها وكم كانت ممتعة هذه المناقشات خصوصا انها متنفس لنا بين المحاضرات.. وتذكرت كتابك وذكرياتك في نادي السينما وفكرت انها كانت اكيد شيء ممتع. اعلم انني اطلت عليك ولكن ارجو ان تعذرني.
تحياتي
محمود مخلص
عزيزي محمود: رسالتك تتضمن أكثر من سؤال مما يعكس اهتمامك الجاد بقضايا السينما وبما أكتبه هنا في هذه المدونة البسيطة من حين إلى آخر. أنا أقول رأيي فيما هو مطروح وأجري على الله، ولا أهتم عادة لاختلاف رأيي هذا مع آراء أخرى قد ترى في الأفلام المرشحة للأوسكار أفلاما عظيمة، وهو ما لا أراه. لم أشاهد بعد فيلم "عاليا في الهواء" Up in the Air وسأكتب رأيي بعد مشاهدته، كما أنني لم اشاهد "اسمي خان" والفيلم الثاني (نيويورك) وقد أكتب عنه فيما بعد لكنني قرأت ان الأول فيلم جيد وجاد. فيما يتعلق بدور المونتاج فمن الممكن بالفعل أن مونتيرا لا يعرف عمله جيدا أو يستهتر به أو لا يشعر بالفيلم كما ينبغي، يفسد الفيلم. وقد سبق أن نشرت ردا على صديق يتعلق بدور المونتاج في الفيلم وقلت بالحرف الواحد ما يلي: "أما بالنسبة للمونتاج ودوره في تشكيل الصورة النهائية للفيلم، فهذا صحيح اذا كان الفيلم من تلك التي يلعب فيها المونتاج دورا بلاغيا، أي يعيد ترتيب اللقطات داخل المشهد او تترك الحرية للمونتير بالاتفاق مع المخرج، في الحذف واعادة ترتيب بعض المشاهد ايضا، أو استخدام مساحات صامتة، ولكن ليس المونتاج الذي يقوم على القطع بين شخصيات تعبر عن نفسها بالحوار طوال الوقت، فهذا النوع مونتاج "آلي" ليس فيه أي ابداع حقيقي بل هو مجرد "صنعة" أو حرفة لضبط الايقاع واحكام الانتقالات.. وهذا هو المونتاج السائد في الكثير من الأفلام (العربية على وجه الخصوص المتأثرة بمسلسلات التليفزيون)". ولحسن الحظ أضفت مؤخرا مربعا للبحث داخل المدونة كما سبق أن اقترح بعض الأصدقاء، ويمكنك مراجعة أي مادة ترغب من خلال استخدام هذا المربع وادخال الكلمة أو العبارة التي تبحث عنها. أما بالنسبة لعظام السينمائيين فسوف أسلط الأضواء قريبا على عمل تم تجاهله كثيرا من أعمال الايطالي العظيم فيلليني. واظن أن ستانلي كوبريك من أكثر السينمائيين الكبار حظا في اهتمام النقد العربي به وبأفلامه، وإن كنت لا أتذكر أن كتابا صدر حتى الآن عنه (ربما يكون لا أذكر) ولكن هناك عشرات الدراسات والمقالات التي كتبها نقاد غيري عنه ويمكنك البحث مثلا في مدونة الزميل محمد رضا (ظلال واشباح) ومؤكد ستجد سلسلة مقالات له عن اعمال هذا المخرج المهم. وقد نشرت مادة مهمة كثيرا عن أسلوبه السينمائي في كتابي "النقد السينمائي في بريطانيا" وهي مادة مترجمة ربما أعيد نشرها هنا قريبا، وأظن أنها من اجمل واعمق ما قرأت عن كوبريك.
==========================
ستانلي كوبريك
بعد ان نشرت الرد المنشور أعلاه تلقيت الرسالة التالية من الصديق محمد هاشم من القاهرة: * تحياتي يا أستاذ أمير وأتمنى تكون بخير... بخصوص سؤال صديق المدونة عن ستانلي كوبريك وردك عليه أحب أن أعرفك وأعرفه أن ثمة كتاب هام جدًا صدرت ترجمته عام 2005 في سلسلة الفن السابع السورية عنه وذلك تحت عنوان"ستانلي كوبريك: سيرة حياته وأعماله" تأليف: فنسنت لوبرتو وترجمة: علام خضر وهو كتاب كبير ضخم يقع في حوالي 700 صفحة من القطع الكبير وقد قرأته منذ سنوات وعرضته في أحد ملاحق السينما المتخصصة في الصحافة البحرينية وقتها وهو كتاب شامل ووافي وترجمته ممتيزة باختصار مرجع شامل عن كوبريك ... تقبل تحياتي.
* شكرا لك يامحمد على لفت أنظارنا إلى هذا الكتاب المهم لكن المشكلة أن الكتب التي تطبعها مؤسسة السينما السورية لا تباع ولا تتوفر، لا في المكتبات العربية ولا في معارض الكتب العربية أو الأجنبية، بل يتم عادة اهداؤها إلى بعض أصدقاء مؤسسة السينما من الذين يواظبون عاما بعد عام، على حضور مهرجان دمشق السينمائي، والتقاط أي مطبوعة توزع دون أن يكونوا بالضرورة ممن يعرفون بـ"القراء"، فهي إذن مثل توزيع ما نسميه بـ"النقطة" في الأفراح والليالي الملاح.. وربنا يتمم بخير!!!
* غير أن الأخت سلمى أحمد بعثت مع ذلك تقول انها شاهدت نسختين من كتاب ستانلي كوبريك في مكتبة مدبولي بالقاهرة وسعر النسخة 50 جنيها.. وانا في غاية الدهشة من ذلك، لأني واثق ان كتب مؤسسة السينما السورية، تماما مثل أفلامها، غير قابلة للتصدير.. وأحيانا غير قابلة للعرض أيضا. واغلب الظن أن أحد الحاصلين عليها مجانا قد عرضها للبيع بمبادرته الشخصية.. أكثر الله من أمثاله!
* وأرسل لي الصديق الناقد حسين بيومي يذكرني بكتاب مترجم صدر في أواخر السبعينيات بعنوان "الفن السينمائي عند ستانلي كوبريك" تأليف نورمان كيجان، وترجمة عبد الحليم البشلاوي. وكنت قد قرات هذا الكتاب في طبعته الإنجليزية التي صدرت (مع الاضافات) بعد وفاة كوبريك. وبالمناسبة نورمان كيجان هو نفس مؤلف كتاب "سينما أوليفر ستون" الذي ترجمته ونشر عن المجلس الأعلى للثقافة في مصر عام 2000.. وأرجو ألا يعود أحد ليسالني بعد ذلك: لماذا لا يوجد كتاب عن ستون وافلامه!
======================
* الصديق الكاتب الصحفي خالد السرجاني بعث الرسالة التالية: أتابع الحوار الجاد والمثمر حول ستانلى كوبرك وهناك نقطة احب ان اضيفها حول سلسلة كتب الفن السابع التى تصدر عن وزارة الثقافة السورية. وهى ان ترجماتها رديئة وتحتاج الى مترجم من العربية الى العربية. ولا اعرف مدى دقة الترجمات نفسها لأنى لم أطلع على الاصول الاجنبية. ولكنى اطلعت على عدة منها فوجدت ان المترجم نفسه لا يفهم ماذا يريد أن يقول المؤلف. ولكنها تصدر تطبيقا لنظرية الكم وليس الكيف. وأصبحت فى السنوات الأخيرة تضم مقالات مجمعة لبعض المؤلفين. ولكن الأكثر اثارة للغضب انه أحيانا ما يفاجىء كاتب بوجود مقال له فى كتاب صادر ضمن السلسلة من دون ان يعلم. وهذا حدث مع صديقى ضياء حسنى حينما وجد أن مقالاته تمثل عماد كتاب كامل اسمه "اتجاهات السينما اليابانية المعاصرة" دون أن يدرى ودون أن يستأذنه المحرر الموجود اسمه على الغلاف بهذا السطو على كتاباته. هذا فقط للإضافة وحتى لايعول القارىء على هذه الكتب.
تعليقي على هذه الرسالة أنني أتفق تماما مع رسالة خالد، والسبب يرجع أساسا إلى تكليف أشخاص لا علاقة لهم بالسينما بترجمة كتب متخصصة في السينما، وهي آفة منتشرة في العالم العربي، لأن الأمور عادة ما تسير حسب الأهواء والمصالح وليس حسب التخصص والخبرة والمعرفة، أي طبقا للقاعدة الشهيرة: "شيلني واشيلك" وبناء على شبكة العلاقات العامة والتوازنات وارضاء الاصدقاء والمعارف وإهمال الكتاب والمترجمين الجادين واستبعادهم تماما من المشاركة في "اللعبة". وهكذا تسير الأمور في سورية طبقا للوحدة العربية القائمة منذ مئات السنين بين دولابي الفساد في مصر وسورية. هذا أولا، أما ثانيا، فهو أن هذه الكتب تصدر في مناسبات احتفالية وبالتالي فالهدف منها ليس خدمة الثقافة بل التظاهر أمام المسؤولين الكبار (الذين لا يقرأون اصلا) بانجازات كبرى "وهمية"، وأيضا خدمة المؤلفين والمترجمين من أصدقاء مدير المؤسسة، واصلا وبصراحة، أما ضد فكرة أن تتحول مهرجانات السينما إلى دور نشر، فهذه مهمة ليست لها، بل ولا هي مهمة مؤسسات السينما، لكن العجز عن انتاج الأفلام يتم ستره بإنتاج كتب لا يفهمها أحد!
=========================
الصديق خالد السرجاني عاد فكتب يقول إنه يفهم أن مهرجانات السينما لا يجب أن تتحول غلى دور لنشر الكتب، لكنه يستثنى من ذلك نشر كتب تتعلق بالشخصيات السينمائية التي يكرمها المهرجان أو يحتفي بها أو بسينما معينة يحتفي بها المهرجان وليس نشر الكتب في المطلق. أوافق تماما على ذلك وأضيف أن الذين يتباهون بنشر 25 كتابا في السينما، يغطون عجزهم عن إنتاج الأفلام، ويتحلون عن الدور الحقيقي لاي مؤسسة سينما في دعم السينمائيين، إلى دعم حفنة من المترجمين غير المتخصصين. وهو ما يؤدي في النهاية غلى تقويض المهمة الثقافية في حين يدعي المسؤولون (وأصدقاؤهم من نقاد السوء) العكس دائما في تصريحاتهم وكتاباتهم المضللة.

الجمعة، 5 مارس، 2010

"جوليتا والأرواح": إعادة اكتشاف أحد الأفلام العظيمة المنسية

جميع المهتمين بالسينما، من المحترفين والهواة، يحتفون كثيرا بأفلام المخرج الإيطالي العبقري فيديريكو فيلليني Federico Fellini . وهم يحفظون الكثير من أفلامه عن ظهر قلب، مثل "لاسترادا" أو الطريق La Strada و"8 ونصف" و"الحياة الحلوة" La Dolce Vita"، و"روما" و"أماركورد" Amarcord و"كازانوفا" و"أبحرت السفينة" وغيرها.
غير أن فيلم "جوليتا والأرواح" Juliet of the Spirits (1965) يسقط تماما من دائرة الاهتمام العام بسينما فيلليني، رغم أنه من أكثر الأفلام "الشخصية" التي أخرجها العبقري الإيطالي، ومن أهمها أيضا، كونه فيلمه الأول الذي يصوره بالألوان، وفيه يستخدم الألوان استخداما مميزا كثيرا، وكانت المدرسة الإيطالية في الستينيات تميل إلى التلاعب بالألوان واستخدامها بطريقة تضيف إلى الصورة السينمائية خارج الإطار الجمالي التقليدي للألوان الذي ينحصر في "محاكاة الواقع". ولعلنا نتذكر في هذا المجال كيف استخدم أنطونيوني Antonioni الألوان استخداما عبقريا في فيلمه الملون الأول أيضا "الصحراء الحمراء" The Red Desert (عام 1964).
وكان فيلم "جوليتا والأراوح" أيضا مستمدا من الحياة الخاصة لفيلليني مع زوجته الممثلة جوليتا ماسينا، التي ظهرت في أفلام فيلليني الأولى الشهيرة مثل "الشيخ الأبيض" و"لاسترادا" و"ليلي كابيريا"، وكلها من الأفلام التي سبقت فيلم "جوليتا والأرواح" وصورت بالأبيض والأسود، كما عادت للقيام بدور البطولة أمام مارشيللو ماستروياني في فيلم "جنجر وفريد" لفيلليني عام 1986.
وكان توتر العلاقة الزوجية بين فيلليني وماسينا، وما تردد عن اقامة فيلليني علاقات عاطفية متعددة مع نساء خارج مؤسسة الزواج، بل وما قيل أيضا عن وجود علاقات مثلية له، بالإضافة إلى ما ثبت من إدمانه للمخدرات، قبل اخراجه هذا الفيلم، وتحديدا تعاطيه لما عرف بـ"عقار الهلوسة" أو إل إس دي LSD، قبل أن يعالج ويشفى تماما من الإدمان.. كل هذه العوامل أثرت على رؤية فيلليني لموضوع فيلمه وعلى الأسلوب الذي استخدمه في إخراجه.
وقد عدت أخيرا لمشاهدة الفيلم، ويمكنني القول إنه واحد من أفضل وأهم أفلام مخرجه، وأكثرها تعبيرا عن أسلوبه السينمائي الذي يمزج بين الأحلام والخيالات الشخصية والواقع. وفيه يستند فيلليني بوضوح ونتيجة معرفة ودراسة، إلى مباديء علم التحليل النفسي، كما يستخدم لغة سيريالية واضحة، مع استخداماته المكثفة لحركة الكاميرا، واهتمامه المعتاد بكل تفاصيل الديكور، والاستعانة بالموسيقى التي تعكس الجو الصاخب المصطرع داخل الشخصية الرئيسية (جوليتا)، التي تبدو من على السطح، شخصية سلبية باردة.
موضوع الفيلم يدور حول امرأة في منتصف العمر تعيش مع زوج ثري ناجح، يسافر كثيرا لقضاء أعماله، ولكنها تكتشف ذات يوم أنه يخونها مع امرأة أخرى، وتتأكد من خيانته لها بعد أن تكلف مخبرا خاصا بتحري الأمر. وتنقلب حياة جوليتا رأسا على عقب، وترتد إلى الماضي، إلى طفولتها، التي كانت تعاني خلالها من أم متسلطة مستبدة، وتربية كاثوليكية قمعية في المدرسة، تعمق إحساسها بالذنب. وتدريجيا تكتشف كم الزيف الذي يسود العالم المحيط بها، فالأصدقاء ليسوا أصدقاء كما تتخيل، وليس هناك من يهمه أصلا أن تتحرر جوليتا من عقدها النفسية المترسبة. ويدفعها ايمانها بالخرافات إلى زيارة شيخ بوذي يقال إنه يملك قوة سحرية خاصة، إلا أنها تكتشف أنه أيضا يشارك في لعبة كبرى لتضليلها مع الآخرين، وتمر بتجربة التعرف على نمط آخر من الحياة، متحرر، منطلق، من أجل تذوق المتعة المطلقة فقط، بدون أدنى حساب لأي قيمة، لكنها تعجز عن استكمال الاحساس بالمتعة بسبب القيود التي تكبلها وتعود إلى طفولتها ونشأتها في بيئة متزمتة، إلى أن تتوصل في النهاية إلى التخلص من مخاوفها، بعد أن تدرك أن الأرواح الشريرة التي تطاردها وتتحكم في مصيرها، ليست في الخارج، بل في داخلها هي، وحينئذ، ترفضها وترفض أن تسمح لها بالتسلل إلى داخل نفسها مرة أخرى، وبذلك تنجو جوليتا وتكسب نفسها، وتصبح قادرة على مواجهة ما وقع لها في حياتها الخاصة.
هذا الموضوع يتعامل معه فيلليني بطريقة في السرد شديدة الحداثة، تجعله ينتقل من الواقعي إلى الغيبي، من عالم الأسطورة، إلى عالم اغوار النفس البشرية، ما تراكمه، وما يترسب من عقد، قد تجعل المرء عاجزا عن اتخاذ قرار صائب في حياته، ويناقش خلال ذلك، مواضيع تتعلق بمعنى المتعة، بالجنس وبالعلاقات الجسدية، وبما يؤثر على الحياة الزوجية، وبما يعرف بـ"أزمة منتصف العمر" وما يمكن أن يصيب الزوجين، أي زوجين من ملل واحباط في مرحلة ما.
والأهم من كل هذا، أن فيلليني ينجح في صنع فيلم ممتع، مثير وجدانيا وبصريا إلى أقصى درجة.
في الكثير من المشاهد تواجه جوليتا الكبيرة جوليتا الصغيرة، تتأملها، ترنو إليها، تتعاطف معها، تشفق عليها، وفي مرحلة ما، تفك قيودها بعد أن كبلوها لكي تحرق عقابا لها على مخالفة قوانين الامبراطورية الرومانية واعتناق المسيحية، وكيف أنهم يرفعونها مكبلة، تشتعل النيران في جسدها، لكنها تتأهب للقاء الله. وهذه الخيالات نراها من وعي جوليتا الكبيرة الآن وهي تتذكر المسرحية المدرسية الكاثوليكية التي شاركت فيها بالقيام بهذا الدور، وكيف تأثرت بتلك الشخصية التي لعبتها، وكيف خضعت بل وكانت تبكي وتقاوم بعد أن فك جدها قيودها وقام بتوبيخ القائمين على المدرسة من كهنة وقساوسة، رافضا كل هذا "الهراء" على حد تعبيره.

ويستخدم فيلليني الألوان الثلاثة الأحمر والأزرق والأصفر، بكثرة في الفيلم، وهي ألوان صريحة، يستخدمها في نغمتها الفاتحة المباشرة لتجسيد عالم الأحلام.
ولعل الشخصيات الكثيرة التي تمر كالأطياف في حياة جوليتا وكل ما تشهده من "خيالات ومواقف ومشاهد ولا أقول أحداثا، تقع أغلب الظن، خارج نطاق الواقع، أي في تلك المنطقة الواقعة بين الوعي واللاوعي، وكأن بطلتنا تمر بمرحلة استدعاء للذكريات، لتعقيدات الماضي، لمشاكل الحاضر، كما لو كانت تمر بجلسة خاصة من جلسات التحليل النفسي، ولكن تحت يدي فيلليني، وليس أحد أطباء النفس، الذين يسخر منهم فيلييني بشكل واضح في فيلمه.
والغريب أنه رغم حصول فيلليني على كل الإمكانيات التي ساعدته على صنع هذا الفيلم، بما في ذلك الكثير من الممثلين والممثلات، إلا أن هذا الفيلم (الذي جاء مباشرة بعد فيلمه الناجح "8 ونصف" الذي أخرجه عام 1963) فشل فشلا ذريعا في عروضه التجارية، كما هاجمه النقاد، مما جعل فيلليني يدفع ثمنا باهظا بسبب ذلك الفشل، فقد توقف عن الإخراج لنحو خمس سنوات إلى أن أخرج رائعته "ساتيريكون" Satyricon عام 1969.

إنني أكتب هذا المقال في 2010، لكي أدعو إلى ضرورة إعادة الاعتبار إلى فيلم "جوليتا والأرواح".. وأحرض عشاق وهواة السينما الحقيقية، على ضرورة مشاهدته والاستمتاع به، ووضعه في إطاره الصحيح ضمن مسيرة فيلليني العظيم (1920- 1993).
لنستمتع بموسيقى نينو روتا صاحب موسيقى معظم أفلام فيلليني، ونتأمل في الأزياء الغريبة المميزة التي صممت خصيصا لهذا الفيلم، وكيف يصور فيلليني الشخصيات النسائية التي تظهر في هذا الفيلم بأزيائها الغريبة، وأشكالها التي تميل إلى التمرد والصخب من السطح، ويجعلهن تبدين مثل طواويس ملونة ومزركشة بلا أدنى رح أو طعم.. فقط جوليا، ببراءتها، وبساطتها تظل الشخصية المحورية الآسرة.
ولاشك أن هذا هو أيضا أفضل أفلام جوليتا ماسينا كممثلة، فهي تعبر بنظرات عينيها عن كل ما يمكن تخيله من أحاسيس تشعر بها الزوجة المخدوعة، التي تحاول أن تبدو متماسكة بينما تصطرع في داخلها عشرات المشاعر.
عاش فيلليني 73 عاما، وعاشت جوليتا، زوجته التي ظل معها حتى نهاية عمره، أيضا 73 عاما، وتوفيت بعد عام واحد من وفاته أي في 1994.


((تحذير: حقوق النشر محفوظة ويحظر الاقتباس او اعادة النشر دون الحصول على تصريح مكتوب من الناشر- المؤلف))

الاثنين، 1 مارس، 2010

فيلم "تسع نساء": استعراض بدون جاذبية وسحر فيلليني

أخيرا شاهدت فيلم "تسع نساء" Nine (وبالمناسبة هكذا يجب أن يسمى بالعربية، وليس "تسعة" والاكتفاء بالرقم فقط يجعله "تسع" وليس تسعة على أي حال). وقد شاهدته بعد إلحاح من عدد من الأصدقاء والزملاء الذين أدهشني حماسهم للفيلم،وكأننا أمام فتح جديد في عالم السينما. وكان قد فاتتني مشاهدته في عرضه العالمي الأول في افتتاح مهرجان دبي السينمائي أواخر العام الماضي.
وبعد أن شاهدت الفيلم لم أستطع أن أفهم حتى الآن لماذا كل هذا الحماس لعمل ليس فيه أي قدر من التجديد أو الإبداع أو حتى التماسك الفني، في إطار النوع، أي في إطار هذا اللون من الأفلام الموسيقية الأمريكية، وما الذي أضافه الفيلم في معالجته، إلى الفيلم الإيطالي الشهير للمخرج الراحل فيديريكو فيلليني الذي يحمل عنوان "ثمانية ونصف" وكان يقصد معنى آخر مختلفا تماما من الرقم في عنوانه عما يقصد من "تسع" هنا. فقد كان يشير إلى عدد الأفلام التي اخرجها فيلليني قبل فيلمه هذا الذي أخرجه عام 1963 بالأبيض والأسود.
كان فيلم فيلليني المقتبس عنه فيلمنا هذا فيلما طليعيا بكل معنى الكلمة، أي عملا من أعمال سينما الحداثة الشعرية في أرقى أنواعها.. فقد كان دالا على عصره بكل ما فيه من تساؤلات وجودية حميمية عن الذات الفردية او الأنا الذكورية، وعلاقتها بالإثم والخطيئة والإبداع، وكيف يرتبط الذاتي بالموضوعي، والخيالي بالواقعي، والمخرج الحقيقي صاحب الفيلم الذي نشاهده، أي فيلليني، بشخصية المخرج في داخل الفيلمن أي "جويدو" الذي قام بدوره مارشيللو ماستروياني. وكان فيلم فيلليني أيضا يمتليء بالإشارات الفرويدية، وبالكثير من الرموز المرتبطة بالجنس والحب، بالأوديبية والشبق ومفهوم العلاقة بين الرجل والمرأة، وارتباط الإبداع بعقد الطفولة وذكرياتها، والعلاقة مع الكنيسة كمؤسسة للقمع: قمع الفكر والبدن، بغرض فرض قيم معينة.. وغير ذلك الكثير الكثير، ومن خلال أسلوب عذب، أخاذ، فيه من الشعر بقدر ما فيه من التأملات والهواجس الشخصية المعذبة التي كنا نستطيع أن نتابعها من فيلم إلى آخر، من أفلام فيلليني.
اما "تسع نساء" Nine للمخرج روب مارشال، فهو رغم اقتباسه من فيلم فيلليني المشار إليه، إلا أنه يفتقر إلى كل ما كان يميزه، ويعوض ذلك عن طريق تحويل الأنظار من الدراما، إلى الأغاني والاستعراضات الراقصة، ويستخدم أسماء كبيرة لنجمات لامعات في عالم السينما ولكن بلا ججدوى بل ودون اي ضرورة تذكر، فالفيلم لا يعتمد على الأداء التمثيلي المعقد بقدر ما يعتمد على المرور سريعا على الشخصيات ثم تقديم الاستعراضات والأغاني.
والموضوع كما في فيلم فيلليني يدور حول مخرج سينمائي مصاب بعدم القدرة على كتابة سيناريو فيلمه القادم، مستغرق في مشاكله وهواجسه الذاتية، ممزق بين حبه لزوجته وعدم شعوره بالإشباع معها في الوقت ذاته، وعلاقاته النسائية المتعددة مع بطلات أفلامه، وما ينتج عن ذلك من شعور بالذنب.

غير أن الشخصيات النسائية هنا تتحول إلى مجرد إطار خارجي تماما (لا نقترب في أي لحظة من أي شخصية من تلك الشخصيات بما في ذلك الأم التي يفترض أن تكون قد توفيت منذ فترة).. باستثناء شخصية الزوجة التي يمكن فهم مشاعرها، فإن معظم الشخصيات النسائية في الفيلم عبارة عن أجساد تتلوى بالرغبة والشبق، وتكاد احداهن (بنيلوب كروز) أن تكون مصابة بهاجس جنسي مرضي يدفعها دفعا لمطاردة البطل رغم أنها متزوجة، ورغم إعراض صاحبنا "جويدو" عنها. وهي تغالي كثيرا في الكشف عن فتنتها لإثارته بشتى الطرق دون أن تنجح في الاستيلاء عليه.
ولا أفهم كيف أن كل هاته النسوة الحسناوات تطاردن شخصا كئيبا أو على الأقل لا تتضح لنا جوانب جاذبيته وسحره، على هذا النحو، اللهم إلا أن تكون هذه الجاذبية مستمدة من كونه مخرجا سينمائيا فقط، وإن كنت أنا شخصيا، أعرف الكثير من المخرجين السينمائيين المحبطين كثيرا في علاقاتهم النسائية، ولكن هذا موضوع آخر بكل التأكيد!
ولكي يهرب المخرج من هشاشة السيناريو وضعف بناء الشخصيات، يلجأ إلى الانتقال الآلي، من الحدث الواقعي في حياة البطل، إلى الاستعراضات الراقصة، ويجعل كل ممثلة من ممثلاته تغني أغنية من أغاني الفيلم، التي تدور كلها أو في معظمها، حول استدعاء الرغبة في الحبيب الغائب المغيب الذي يعاني من الوحدة على الرغم من كل هذه المطاردات والعروض.. أليس هذا أمرا يغيظ فعلا!
الحقيقة أن الفيلم نفسه هو الذي يجعلك تشعر بالغيط، فلا الاستعراضات الراقصة فيها أي جديد يجعلها تتجاوز مثلا ما سبق أن ظهر في أفلام أخرى (أمريكية شهيرة) مثل "كل هذا الجاز" لبوب فوسن أو حتى "شيكاغو" للمخرج نفسه بوب مارشال، ولا الحبكة وطريقة البناء تنجح في تجاوز الإطار المسرحي المحدود الذي تدور فيه عادة مسرحيات برودواي الاستعراضية الراقصة، بديكوراتها المصنوعة وأضوائها المصطنعة، وملابسها شديدة البذخ.
أما التمثيل فقد تساءلت بيني وبين نفسي وأنا أشاهد الفيلم: أين ذهبت الموهبة الخارقة لممثل بحجم موهبة العملاق داني داي لويس، وماذا تفعل ممثلة مثل نيكول كيدمان في هذا الدور الباهت الذي يجعلها تطل علينا مرة أو مرتين ثم تختفي كما ظهرت، ولماذا كل هذا التلوي والمبالغات من بنيلوب كروز الجميلة على نحو بدا لنا وكأنها تبتذل نفسها في دور تافه، وأين ذهبت صوفيا لورين بل وما فائدتها أصلا في الفيلم؟
وأخيرا تساءلت: أين هذا من فيلم عصري بكل معنى الكلمة مثل "الراقصون" Hipsters الروسي الذي صعد بنا آفاقا جديدة في الفيلم الاستعراضي. ليت الروس يدبلجونه إلى الإنجليزية ويوزعونه في السوق الأمريكية لكي يتعلم الأمريكيون كيف يحتفون بتراثهم الموسيقي في السينما كما ينبغي!
جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com