الأربعاء، 27 يوليو، 2016

كم هناك من مضحكات







في مصر الكثير من الغرائب والعجائب، بل المضحكات، التي تبدو وكأن القائمين عليها ليس لديهم سوى محاولة لفت الأنظار واختراع ما لا يمكن اختراعه، فقط لمجرد الادعاء باكتشاف أبواب جديدة وأشياء جديدة لم تكن تخطر على بال الجن نفسه!
هناك مثلا الإخوة الذين اخترعوا جوائز أطلقوا عليها "الأوسكار العربي"، والمقصود في الحقيقة "المصري" فلا علاقة للأفلام العربية بها، ولكنه التشبث بالمفهوم الناصري الذي جعل التليفزيون المصري يطلق على نفسه التليفزيون العربي، كما جعل من مصر مجرد "جمهورية عربية" لا اسم لها، ولكن ليس هذا هو الموضوع على أي حال. فالموضوع هو أن هؤلاء الاخوة استأجروا قاعة في فندق، ووجهوا دعوات لبعض نجوم السينما، بحي يضمنوا وجود تغطية صحفية وتليفزيونية لحفلهم هذا الذي لم يسبق الاعلان عنه، واتخذوا له عنوان "الأوسكار العربي" بل وتجرأوا بمنح عدد كبير من الجوائز (التي نعتبرها جوائز وهمية ممن لا يملك إلى من لا يستحق) في كل فروع العمل السينمائي على غرار الأوسكار الاميركي، كما ومنحوا المطربة "أصالة" جائزة أفضل أغنية عن الأغية التي غتنها في فيلم "ولاد رزق" كما منحوا جائزة أحسن ممثل الى الممثلالراحل نور الشريف عن دوره في فيلم "بتوقيت القاهرة"، ولكن دون أن نعرف من الذي منح، وعلى أي أساس، وما الغرض من هذه التظاهرة، ومن الذي يقف وراءها، وما موقف الدولة ممثلة في وزارة الثقافة التي تضع شروكا محددة للمهرجانات والمسابقات الفنية والثقافية التي تقام في مصر، فلم يعد أي من هذه الأشياء يهم، بل الأهم أن تلتقط الصور وتنشر الأخبار في الصحافة الاستهلاكية التي أصبح يمتلكها بعض ممن لا علاقة لهم بالنشر بل بصناعة الحديد والاستثمار في المقاولات!
وهناك أيضا ما نشر مؤخرا عما أطلق عليه "مهرجان الفيلم النقي" بل وترجموه أيضا الى الانجليزية دون أدنى شعور بالخجل الى "بيوريفيايد موفي فيستيفال" (أي الفيلم الذي تمت تنقيته!)، ولك بالطبع أن تضع ما تشاء من من علامات التعجب أمام هذه التسمية المثيرة السخرية.
ويقول صاحب المهرجان وهو صاحب اسم نشك في وجوده، أن مهرجانه هذا "لن يكرم أو يسمح بمشاركة الأفلام الغير مهذبة الخالية من تحرى المبادئ والقيم حتى ولو كانت من ضمن الأفلام التى حققت نجاح جماهيري وحصدت على أعلى الأيرادات خلال السنوات السابقة" (كذا). وأضاف أن مهرجانه "سيكون نواة لمشروع كبير يخدم السينما المصرية والعمل على تنشئة جيل جديد من صناع السينما النقية التى كانت ولا زالت (كذا) مقصد ومثل أعلى للعالم أجمع فى السينما والفن" وقد تركنا كلمات البيان العبقري كما هي بأخطائها اللغوية الفادحة.
والمشكلة أن من يقومون بابتكار هذه الطرائف يوما بعد يوم، لا أحد يعرف من هم ومن الذي يقف وراءهم ويمولهم ويسمح لهم بالظهور على حساب السينما، ولكن المشكلة الأخطر أن يجد هؤلاء من الأسماء اللامعة للسينمائيين والممثلين ونجوم السينما، من يقبل الظهور في استعراضاتهم المزيفة، فقط لمجرد التوتجد وحب الظهور أمام الكاميرات،  وهم بهذا المسلك، يضفون مشروعية على أشياء وهمية زائفة لا تستحق مجرد الالتفات. فالعالم على سليب المثال، يعرف ما هي "مياه الشرب النقية" لكنه لم يعرف بعد السينما النقية"!
من الواجب على الدولة المصرية ممثلة في وزارة الثقافة، أن تفرض حجرا على هؤلاء وتحاسبهم، فهم باختصار يشوهون، سمعة مصر الثقافية في العالم. لكن المصيبة أن أصحاب هذا المهرجان التعيس يعلنون انه سيقام برعاية المجلس الأعلى للثقافة ووزارة السياحة، أي أن الدولة التي يفترض أن تكون أكثر وعيا، أصبحت مشارك فعال في الجريمة!


السبت، 23 أبريل، 2016

الأفلام العربية "الأجنبية"


هيفاء المنصور مع بطلة فيلمها "وجدة|



قد يبدو هذا العنوان غريبا بعض الشيء، فكيف يمكن أن تكون الأفلام العربية أجنبية؟ والحقيقة أن من يتابع عن كثب تطور الأفلام التي يخرجها مخرجون ينتمون الى العالم العربي سيجد نفسه أمام مفارقة غريبة كل الغرابة، هي أن أفضل تلك الأفلام ليست من الإنتاج العربي بشكل خالص، ولا أقصد بـ "الإنتاج" هنا التمويل فقط، فمن الممكن أن يحصل المخرج السينمائي على تمويل من 14 شركة مختلفة في 14 دولة، فالإنتاج المشترك أصبح سمة العصر السينمائي الحالي.
ويصر البعض على نسبة الإنتاج - بشكل مضلل- الى الدول، كأن يقولون لك إن فيلما ما اشتركت في إنتاجه فرنسا والجزائر، بينما الصحيح القول إنه "فيلم جزائري فرنسي"، فنسبة الفيلم إلى الدولتين في هذه الحالة، يوحي بأن الجزائر وفرنسا اشتركتا معا في إنتاجه، وهو غير صحيح بالطبع فالدول لم تعد تنتج الأفلام، بل عادة ما يكون المقصود "شركات" الإنتاج السينمائية الخاصة التي تعمل في هذه الدول، وأحيانا تكون هذه الشركات أيضا مملوكة للأجانب كما كان الحال في ثمانينيات القرن الماضي مع شركة "كانون" (الأميركية التي أسسها وكان يملكها ويديرها المخرج والمنتج الإسرائيلي مناخيم غولان مع إبن عنه يورام غلوبوس)!
أما ما نقصده بـ "الفيلم العربي الأجنبي"، فهو كون العمليات الفنية الأساسية التي تشكل الصورة الفنية السينمائية لأي فيلم تكون عادة من صنع أياد "أجنبية".
لدينا مثلا فيلم "وجدة" للمخرجة السعودية هيفاء المنصور. هذا الفيلم عرض في العالم كله منذ عرضه في مهرجان فينيسيا عام 2012، باعتباره فيلما "سعوديا"، في حين أنه من إنتاج وتمويل 17 شركة، الغالبية العظمى منها شركات ألمانية، مع مساهمة من شركة روتانا (ومقرها الرياض) ودعم مباشر من مؤسسات مثل مهرجان صندانس الأميركي، وصندوق الدعم في مهرجان روتردام، وصندوق دعم السينما في دبي (إنجاز). وكلها جهات أصيلة في إنتاج الفيلم، وقد نسب الفيلم الى السعودية كونه يتناول قصة تدور أحداثها في السعودية ومخرجته سعودية والممثلون الذين اشتركا فيه سعوديون. ويبلغ عدد المنتجون الذين تولوا تنفيذ الفيلم 9 منتجين منفذين، جميعهم من الألمان باستثناء عنصر واحد فقط سعودي.
غير أننا سنكتشف أن مدير التصوير والمونتير ومؤلف الموسيقى ومهندس الديكور ومصمم المناظر والمؤثرات البصرية، جميعهم من الألمان. وإذا ما عرفنا كيف تُصنع هذه الأفلام "المشتركة" تحت إشراف الطرف الإنتاجي الأقوي، وهو الطرف الألماني في هذه الحالة، لابد أن ندرك أن هناك الكثير من المساعدين والمشرفين على الإنتاج الذين يتدخلون ويوجهون المخرج خصوصا اذا كان من المبتدئين.
أما فيلم "ذيب" الذي يمثل "العرب" كما يقال، في مسابقة الأوسكار، فصحيح أنه من إخراج الأردني هاني أبو نوار، لكن مدير تصويره هو النمساوي ولفغانغ ثالر، والمونتير هو البريطاني روبرت لويد، ومصممة المناظر هي البريطانية أنا لافيل، ومؤلف الموسيقى التصويرية المصاحبة هو البريطاني جيري لين.. وهكذا. وقد تلقى أبو نوار مساعدة ملموسة يعترف هو بها، من جانب مستشاري السيناريو (الأوروبيين) أثناء كتابة السيناريو.
هذه الحقائق تدفعنا الى التساؤل عن مدى "عربية" أفلام من هذا النوع.. إلى أي حد تعكس المستوى السينمائي "العربي"، وتعبر عن الفكر السينمائي "العربي" وتعرض المهارة التقنية السينمائية "العربية".
لقد أصبحت هذه القضية "خلافية" حقا، فكثير من النقاد لا يعتبر تلك الافلام أفلاما عربية أنتجت في نفس الظروف وبموجب نفس الامكانيات الموضوعية التي تتاح لغيرها من الأفلام العربية التي تعتمد على جهود العرب وحدهم.
والأمثلة في هذا المجال كثيرة لمن يريد أن يدرس تلك الظاهرة، التي أرى أنها تستحق الدراسة بلاشك.



جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2015- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com