الأحد، 10 مايو 2009

كان 2009 قبل رفع الستار: عمالقة السينما ورعب أنفلونزا الخنازير

لقطة من فيلم "نجمة ساطعة" للمخرجة جين كامبيون (في المسابقة)

كثيرون راهنوا على تراجع الدورة الجديدة، الثانية والستين، لمهرجان كان السينمائي بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية الطاحنة التي ألقت بظلالها على صناعة السينما.
غير أن المظاهر البادية حتى الآن تشير إلى أن المهرجان سيشهد منافسة شديدة بين عدد كبير من عمالقة الإخراج السينمائي في العالم، سواء داخل أم خارج المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة.
وفي كان ثلاث مسابقات: مسابقة الأفلام الروائية الطويلة، ومسابقة قسم "نظرة خاصة"، ومسابقة الأفلام القصيرة. وهناك بالتالي ثلاث لجان تحكيم لمنح الجوائز التي تنحصر في حالة المسابقتي الثانية والثالثة في جائزة واحدة لأحسن فيلم، اما في حالة المسابقة الرسمية للأفلام الطويلة فتمنح اللجنة إضافة إلى جائزة أحسن فيلم (السعفة الذهبية) عدد آخر من الجوائز منها أحسن ممثل وممثلة وإخراج.
وهناك بالطبع لجنة التحيكم الدولية التي يشكلها الاتحاد الدولي لنقاد السينما (الفيبريسي) التي تمنح ثلاث جوائز لأحسن الأفلام في المسابقة و"نظرة خاصة" وأسبوع النقاد الذي يعرض سبعة أفلام لمخرجين جدد. وسأكون مشاركا في هذه اللجنة التي ستعلن جوائزها في 23 مايو أي قبل يوم واحد من إعلان الجوائز الرسمية.
وعادة ما تستقطب المسابقة التي تتنافس أفلامها على السعفة الذهبية الشهيرة اهتماما كبيرا من جانب النقاد ورجال الصناعة الحاضرين في كان. وجدير بالذكر ان عروض المهرجان ليست مفتوحة أمام الجمهور العام كما في مهرجانات أخرى بل قاصرة على أهل المهنة فقط باستثناء تظاهرة "نصف شهر المخرجين" وهي تظاهرة موازية شديدة الأهمية لها اخيتاراتها الخاصة.
الأسماء الكبيرة حاضرة هذا العام سواء في المسابقة أم خارجها. في المسابقة هناك أفلام لألمودوفار الأسباني، ولارس فون ترايير الدنماركي، ومايكل هانيكه النمساوي، وألان رينيه أسطورة الموجة الجديدة الفرنسية (في الثمانينيات من عمره)، والبريطاني الذي تجاوز السبعين وإن كان لايزال أكثر الجميع شبابا- كن لوتش، والأمريكي الذي يثير ضجيجا كبيرا بأفلامه أينما حل، كوينتين تارانتينو بفيلمه الجديد "صعاليك مجهولون"، والنيوزيلاندية جين كامبيون الحاصلة على السعفة عام 1992 عن "البيانو"، والعملاق الإيطالي ماركو بيللوكيو الذي تربينا على أفلامه الملهمة في طفولتنا "الأيدي في الجيوب" و"الصين قريبة"، وأنج لي صاحب الأفلام الصادمة مثل "جبل بروكباك" و"شهوة وحذر".. الذي سيقدم فيلمه الجديد "تحرير وودستوك".. ماذا أيضا يريد مجانين السينما الفنية (غير التقليدية)؟
خارج المسابقة هناك إسمان من أكبر الأسماء في تاريخ السينما المعاصرة: الأسطوري فرنسيس فورد كوبولا (صاحب ثلاثية الأب الروحي) بفيلمه المستقل الجديد بعد انقطاع طويل قطعه قبل عامين بفيلم لم يبق في الذاكرة، وها هو يعود بفيلم مستقل يبدو شديد الحماس له، والأمريكي الشارد بعيدا عن أمريكا بأفلامه الغرائبية المثيرة للفكر والخيال تيري جيليام بفيلم الجديد "خيال الدكتور بارناسوس" (آخر ما شاهدته له كان في مهرجان فينيسيا 2006 وهو فيلم "الاخوان جريم").
للمرة الأولى في تاريخ المهرجان وأي مهرجان دولي كبير يفتتح "كان" هذا العام بفيلم من أفلام الرسوم (او التحريك حسب موقفك الشخصي من الفن.. فهل الفن لديك مجرد تحريك أو تعبير بالرسم!). والفيلم هو Up أي "إلى أعلى" أو باختصار وبعيدا عن التحذلق اللغوي "فوق".
وللمرة الأولى سيرتدي الصحفيون والنقاد في "كان" نظارات خاصة توزع عليهم لمشاهدة الفيلم الذي أنتج بتقنية الأبعاد الثلاثة. وستكون تجربة غريبة ومثيرة بلاشك تستحق التسجيل!
هناك بالمناسبة فيلم من المكسيك بعنوان "دانييل وأنا" للمخرج دانييل فرانكو في "نصف شهر المخرجين".. وإذن سيكون هناك وفد من المكسيك، بل ومن كل الدول التي تشهد انتشارا شبه وبائي لفيروس أنفلونزا الخنازير.. ولا أعلم حتى الآن أي احتياطيات اتخذتها إدارة بلدية مدينة كان وإدارة المهرجان الشهير لتفادي انتقال العدوى خصوصا أن العروض تتم داخل قاعات مغلقة وممتلئة بالبشر من شتى أرجاء المعمورة.. ولا يخلو الأمر طوال الوقت من العطس والسعال!
لا أظن أن الأمر سيكون سهلا.. ولكن دعونا نقدم التفاؤل ونأمل في أن السلطات واعية بحجم الخطر المحتمل، وأنها استعدت لمواجهة أي اشتباه على الفور والتعامل معه لحصره حتى لا يعكر صفو الاحتفالات المستمرة ليلا ونهارا في عيد السينما السنوي على شاطيء الكروازيت.
ستوزع على النقاد نظارات لمشاهدة فيلم الرسوم، فهل ستوزع عليهم أيضا كمامات واقية!

برامج وأقسام مهرجان كان 2009

من فيلم "الأحضان المهشمة" لألمودوفار

أفلام مسابقة مهرجان كان
تشمل مسابقة المهرجان 20 فيلما روائيا طويلا هي:


* "صعاليك مجهولون"- كوينتين تارانتينو (أمريكا)

* "نقيض المسيح"- لارس فون ترايير (الدنمارك)

* "نجمة لامعة"- جين كامبيون (نيوزيلاندا)

* "ما يبقى من الزمن"- إيليا سليمان (اسرائيل- -فرنسا- بلجيكا-ايطاليا)

* "عطش"- بارك تشان ووك (كوريا الجنوبية)

* "حمى الربيع"- لو يي (الصين)

* " تحرير وودستوك" -أنج لي (أمريكا)

* "وجه"- تساي مينج لينج (ماليزيا-فرنسا)

* "عناقات مهشمة" - بيدرو ألمودوفار (اسبانيا)

*"البحث عن إريك"- كن لوتش (بريطانيا)

* " حوض الأسماك"- أندريا أرنولد (بريطانيا)

* "الشريط الأبيض"- مايكل هانيكه (ألمانيا-النمسا-فرنسا)

* "الانتصار" -ماركو بيللوكيو (إيطاليا)

* "الحشائش البرية"- آلان رينيه (فرنسا)

* "نبي" - جاك أوديار (فرنسا)

* "في الأصل" - زافيير جيانوللي (فرنسا)

* "إدخل إلى الفراغ" - جاسبار نويه (فرنسا)

* "انتقام"- جوني تو (هونج كونج)

* "شؤون عائلية" Kinatay - بريلانتي ميندوزا (الفليبين)

* "خريطة أصوات طوكيو" - إيزابيل كواكسيه (اسبانيا)

* فيلم الافتتاح (13 مايو): "إلى أعلى" Up- بيتر دوكتر وبوب بيترسون (أمريكا)

* فيلم الختام (24 مايو): "كوكو شانيل وايجور سترافنسكي" للمخرج يان كوينن من هولندا. والفيلمان خارج المسابقة.

قسم "نظرة خاصة"
يعرض داخل هذا القسم التالي في أهميته بعد المسابقة 20 فيلما هي:

* "شمشمون ودليلة"- وارويك ثورنتون (استراليا)

* "عائم" – هيتور داليا (البرازيل)

* "رحلات الريح"- سيرو جيرا (كولومبيا)

* "غدا بعد الظهر" Demain des l'aube - دينيس ديركور (فرنسا)

* "إيرين"- آلان كافالييه (فرنسا)

* "دمية الجنس"- هيروكادو كوريدا (اليابان)

* "الاستقلال"- رايا مارتن (الفليبين- فرنسا- المانيا)

* "والد أبنائي"- ميا هانسون لوف (فرنسا-ألمانيا)

* "سن الكلب" Dogtooth – لورجوس لانثيموس (اليونان)

* "لا أحد يعرف شيئا عن القطط الفارسية"- بهمن قوبادي (إيران)

* "عيون مفتوحة على اتساعها"- حاييم تاباكمان (إسرائيل)

* "الأم"- بونج جون هو (كوريا الجنوبية)

* "الجيش الصامت"- جان فان دي فيلد (هولندا)

* "يموت كرجل"- جواو بيدرو رودريجيز (البرتغال)

* "الشرطة.. صفة"- كونيليو برونبو (رومانيا)

* "حكايات من العصر الذهبي"- خمسة مخرجين (رومانيا)

* "حكاية في الظلام"- نيكولاي خوميركي (روسيا)

* "القيصر"- بافل لونجين (روسيا- فرنسا)

* "مهووسة جنسيا"- راتانا روانج (تايلاند)

* "بريشس"- لي دانييلز (أمريكا) خارج المسابقة

خارج المسابقة:
* " خيال الدكتور بارناسوس"- تيري جيليام (كندا- فرنسا)
* "جيش الجريمة"- روبير جيديجيان (فرنسا)
* "أجورا"- اليخاندرو أمينبار (اسبانيا)
عروض منتصف الليل
* "بلدة تدعى فزع"- ستيفان أوبييه وفنسنت باتار (بلجيكا)
* "لا تعودي"- ماريان دو فان (فرنسا- بلجيكا- لوكسمبورج- ايطاليا)
* "إجذبني إلى الجحيم"- سام ريمي (أمريكا)عروض خاصة
* "التماس"- تشاو ليانج (الصين)
عروض خاصة
* "من ي Min ye"- سليمان سيسي (مالي)
* "يافا"- كيرين يدايا (إسرائيل)
* "مانيلا"- أدولفو الكس ورايا مارتن (الفيلبين)
* "جاري.. قاتلي"- آن أجيون (أمريكا)


برنامج نصف شهر المخرجين
* "فيلم الافتتاح: "تيـترو"- فرنسيس فورد كوبولا (أمريكا)

* فيلم الختام: "عجمي"- اسكندر قبطي ويارون شاني (إسرائيل)
* "الأولاد الحلوين"- رياض سطوف (فرنسا)
* "أمريكا"- شيرين دابس (أمريكا- كندا- الكويت)
* "كاراكاس"- دينيس كوتيه (كندا)
* "دانييل وأنا"- مايكل فرانكو (المكسيك)
* "عائلة فولبرج"- أكسل روبرت (فرنسا)
* "إذهبي هاتي حاجة ياروزماري"- بني وجوش صفدي (أمريكا)
* De Helaasheid der dingen - فيلكس فان جروننجن (بلجيكا)
* "هنا"- تسو نين هو (سنغافورة)
* "أحبك يافيليب موريس"- جلن فيكارا وجون ريكوا (أمريكا)
* "قتلت أمي"- زافيير دولان (كندا)
* "كاريوكي"- تشانج فوي تشونج (ماليزيا)
* "نافيداد"- سبستيان ليلو (تشيلي)
* "لا يغير شيئا"- بيدرو كوستا (البرتغال)
* "أوكسهيد 2"- ليو جيا ين (الصين)
* "الخيمة"- تيزا كوفي وراينر فريمل (النمسا)
* "بوليتكنيك"- دينيس فولينيف (كندا)
* "ملك المراوغة"- آلان جيرودي (فرنسا)
* "أرض الجنون"- لوك موليه (فرنسا)
* "لوكي ونينا"- نوبيرو سوا وإيبوليت جيرادو (فرنسا- اليابان)

برنامج أسبوع النقاد
* فيلم الافتتاح: "لا يوجد أفراد"- ماتياس جوكييب (فرنسا)


* فيلم الختام: "فيلم الأب الروحي"- هييرو دو جاب إيبانيز (اسبانيا)

أفلام الاسبوع:
* "هواتشو" Huacho- اليخاندرو فرنانديز ألمندراس (تشيلي- فرنسا-ألمانيا)
* "أناس عاديون"- فلاديمير بريستش (صربيا- فرنسا)
* "منطقة المفقودين"- كارولين ستروب (بلجيكا)
* "الوداع ياجاري"- نسيم عموش (فرنسا)
* "يوم سيء للذهاب للصيد"- ألفارو بريخنر (أوروجواي-اسبانيا)
* "همس مع الريح"- شهرام العيدي (العراق)
* "ألتيبلانو" Altiplano- بيتر بروسس وجيسيكا وودورث (بلجيكا-ألمانيا-هولندا)

لجان التحكيم في مهرجان كان
* لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الروائية
رئيسة اللجنة: الممثلة الفرنسية إيزابيل أوبير
الأعضاء:
آسيا أرجنتو: مخرجة وكاتبة وممثلة (إيطاليا)
نوري بيلج سيلان: ممثل وكاتب سيناريو ومخرج (تركيا)
لي تشانج جونج: كاتب ومخرج (كوريا الجنوبية)
جيمس جراي: كاتب ومخرج (أمريكا)
حنيف قريشي: كاتب سيناريو (بريطانيا)
شو كي: ممثلة (تايوان)
روبين رايت بن: ممثلة (أمريكا)
شارميلا طاغور: ممثلة (الهند)

* لجنة تحكيم الأفلام القصيرة:
جون بورمان: مخرج ومنتج وكاتب سيناريو (بريطانيا)
برتران بونيللو: مخرج (فرنسا)
فريد بوغدير: مخرج (تونس)
ليونور سيلفييرا: ممثلة (البرتغال)
تشانج زيي: ممثلة (الصين)

* لجنة تحكيم النقاد
تتكون لجنة التحكيم التي يشكلها الاتحاد الدولي للصحافة السينمائية (الفيبريسي) التي تمنح 3 جوائز لأحسن الأفلام المشاركة في المسابقة وقسم "نظرة خاصة" و"إسبوع النقاد" من 9 أعضاء هم:
مايك جودريدج (أمريكا)
نجيون ترونج ينه (فرنسا)
يانوس فروبلوفسكي (بولندا)
مايك نافس (هولندا)
دومنيك وايدمان (فرنسا)
أمير العمري (مصر)
ألينن تاشيان (تركيا)
أحمد جمال (بنجلاديش)
إيما جراي (السويد)

السبت، 9 مايو 2009

فلسطين وإسرائيل وإيليا سليمان


لا أفهم إصرار ناقد، يكتب عمودا يوميا في صحيفة مصرية يومية، على اعتبار فيلم المخرج الفلسطيني إيليا سليمان المشارك في مسابقة مهرجان كان فيلما إسرائيليا. فهو يكرر ويعيد ويزيد يوما بعد يوم، أن فيلم "الزمن المتبقي" أو "ما يتبقى من الزمن" (في انتظار أن نرى العنوان العربي للفيلم كما سماه مخرجه) هو فيلم إسرائيلي، في حين أن إسرائيل موجودة في الفيلم بحكم الاستعانة بشركة تقديم خدمات إنتاجية قد تكون لا علاقة لها على الإطلاق بالسياسة الرسمية الإسرائيلية بل وقد تكون مناهضة لها.
في الوقت نفسه الفيلم يحمل أسماء شركات أو جهات إنتاجية ساهمت في إنتاجه من كل من فرنسا وبلجيكا وإيطاليا فلماذا إذن لا يقال إنه فيلم "إيطالي" أو "فرنسي" أو "بلجيكي" كما يقال إنه فيلم "إسرائيلي"!
هل هي محاولة للتأكيد على أن إسرائيل دولة تتمتع بديمقراطية حتى في التعامل مع أعدائها الفلسطينيين، وأنها تتيح لهم بالتالي، فرصة تحقيق أفلامهم وعرضها في المهرجانات الدولية أيضا؟
هل هي محاولة للانتقاص من جهود إيليا سليمان والتقليل من شأن ما يفعله، أم للقول إنه يحقق ما يحققه بفضل "إسرائيل"!
الحقيقة أن الأمر يبدو محيرا بالنسبة لي، فلا أفهم تماما ما يرمي إليه هذا الناقد ولا غيره ممن يصرون على استخدام نفس التعبير. فهل كون إيليا سليمان يحمل جواز سفر من إسرائيل بحكم انتمائه للأرض التي سلبها الإسرائيليون من الفلسطينيين، يتيح أن نصفه هو أيضا بأنه "إسرائيلي"؟ وبهذا المعنى، هل كان محمود درويش شاعرا إسرائيليا؟ وهل كانت أشعاره التي طبعت في "إسرائيل" أشعارا إسرائيلية؟
قلت من قبل وأكرر اليوم أن أعلام الدول التي تحملها الأفلام لم تعد لها أهمية كبيرة كما يعتقد صديقنا الناقد إياه، ومهرجان كان على أي حال كف منذ سنوات طويلة عن أن يكون "مهرجان دول" بل أصبح بحق مهرجان مخرجين، وخصوصا بعد أن تعددت جهات الإنتاج وتشابكت بصورة محيرة. المهم هو الهم والهاجس الثقافي ولغة التعبير والموضوع الذي يعالجه ومن أي أرضية ينطلق في معالجته.
إن لصق كلمة "إسرائيل" بالفيلم في تصوري لا علاقة لها سوى بأن المخرج "إسرائيلي الجنسية" وكان حريا القول إنه فلسطيني لولا خشية إدارة مهرجان كان من رد الفعل الإسرائيلي الذي لا يعترف بـ"فلسطين"، وربما يتغاضى عن تعبير "أراضي السلطة الفلسطينية" لكنه لا يسمح أن يكون ما تعتبره "مواطنا" إسرائيليا ممثلا لفلسطين!
ونحن لم نر الفيلم بعد ولا نعرف عما يتكلم سوى من خلال الأسطر القليلة المنشورة هنا وهناك.
المؤكد في النهاية أن إيليا سليمان ينتمي "ثقافيا" إلى العالم العربي، وإلى الثقافة العربية، وقبل هذا وذاك، إلى فلسطين وثقافتها.

الجمعة، 8 مايو 2009

"وودستوك" وهيباتيا والاسكندرية

لا أعرف لماذا يصر معظم من يكتبون التقارير الصحفية في الغرب على أن هناك فيلما واحدا يمثل السينما الأمريكية في مسابقة مهرجان كان السينمائي الثاني والستين الذي سيفتتح في الثالث عشر من مايو.
كل التقارير والبيانات التي تنشر في صحف ومجلات محترمة ومعروفة تتباكى على قلة الأفلام الأمريكية في المسابقة وتركز كلها على فيلم المخرج كوينتين تارانتينو المغرم بألاعيبه الشكلية المتحذلقة وابتكاراته في تصوير العنف والمغالاة في ذلك.
الجميع يتوقف طويلا عند فيلمه الذي تسبقه كلمة (المنتظر) وهو بعنوان "صعاليك مجهولون" (أو على نحو اكثر دقة "أولاد زانية شائنون") رغم ان موضوعه على ما يبدو، يعود إلى الماضي، على الحرب العالمية الثانية، ويدور حول مقاومة مجموعة من المتطوعين (بينهم بعض اليهود) ضد النازية.
لكن هناك فيلما ثانيا أمريكيا في المسابقة لا يشير إليه أحد هو فيلم "تحرير وودستوك" للمخرج الأمريكي من اصل تايواني أنج لي. ولا أفهم لماذا لا يعتبره بعض كتاب تلك التقارير الصحفية فيلما أمريكيا رغم أن موضوعه أكثر أمريكية بكثير من موضوع فيلم تارانتينو الذي لا أتوقع منه كثيرا شخصيا. ففيلم أنج لي يدور في اجواء تلك "الثورة" الخطيرة التي عرفتها أمريكا في الستينيات ووصلت إلى ذروتها في 1968 في "وودستوك" وشارك فيها ملايين الشباب الذين أعلنوا تمردهم على القيم الاجتماعية المتخلفة القديمة، ورفضوا الخضوع للتجنيد في حرب فيتنام، وتحدوا المؤسسة القائمة العتقية: الأسر، والدولة، والكنيسة، والجيش.
من ناحية أخرى سعدت سعادة شخصية بتحول موضوع "هيباتيا" إلى فيلم سينمائي سيعرض خارج المسابقة بعنوان Agora وهي كلمة يونانية معناها "الساحة" التي كان يجتمع فيها المثقفون والشعراء والعلماء في أثينا القديمة أو في الاسكندرية (في هذه الحالة تحديدا). وهيباتيا هي العالمة الاغريقية الأسطورية التي اثارت سخط الكنيسة القديمة التقليدية، كنيسة الاسكندرية، بسبب نبوغها العلمي وتأثيرها الكبير في المجتمع رغم كونها "وثنية" رفضت الانصياع للتعاليم الجامدة للكنيسة في تلك الفترة من القرن الرابع الميلادي.
وهيباتيا إحدى الشخصيات الرئيسية في رواية "عزازيل" العظيمة للكاتب يوسف زيدان الفائزة بجائزة بوكر العربية لعام 2009 (سبق أن نوهت بأهميتها في هذه المدونة)، وهي التي ينتهي مصيرها بالقتل بطريقة تقشعر لها الأبدان، على أيدي المتعصبين، الذين يبيحون قتل الآخرين باسم الدين، بل ويحرقونوها وهي مازالت حية. وقد قدم زيدان في روايته وصفا تفصليا أدبيا رفيعا لحادث اغتيالها في "الساحة" الرئيسية بمدينة الاسكندرية وهي في طريقها لالقاء محاضرة على جمهورها.
وهيبا- من هيباتيا- هو الإسم الذي أطلقه بطل الرواية، الراهب المصري الذي جاء من الصعيد إلى الاسكندرية للتزود بعلوم اللاهوت، وبدلا من ذلك انساق وراء التعلم من تجارب الحياة ذاتها. وقد تسمى باسم هيبا تحية وإعجابا بالعالمة اليونانية العظيمة التي راحت ضحية التعصب والتزمت والجهل. ألا يعيد التاريخ نفسه اليوم ولكن على شكل مهزلة، كما كان قال كارل ماركس!
"أجورا" Agora فيلم للمخرج الاسباني أليخاندرو أمينبار جرى تصويره في جزيرة مالطا، حيث شيدت ديكورات هائلة لمدينة الاسكندرية القديمة. ونحن في انتظاره بترقب لنعرف ما اذا كان سيرقى إلى مستوى التوقعات.

فيلم كوبولا الجديد في نصف شهر المخرجين


نجح أوليفييه بير مدير تظاهرة "نصف شهر المخرجين" المستقلة التي تقام بالتوازي مع مهرجان كان السينمائي في إقناع المخرج الأمريكي الكبير فرنسيس فورد كوبولا بالمشاركة بفيلمه الجديد "تيترو" Tetro الذي سيعرض في افتتاح التظاهرة (يوم 14 مايو) التي تلقى عادة اهتماما كبيرا من المتابعين والنقاد.
وكان كوبولا قد أعلن رفضه المشاركة بفيلمه خارج المسابقة في البرنامج الرسمي بعد استبعاده من المسابقة وقال إن فيلمه "فيلم مستقل، ممول ذاتيا، وسيوزع بالجهود الذاتية" وأضاف أن مساعديه سيركزون كل وقتهم وجهدهم على السوق الأمريكية التي سيبدأ فيها توزيع الفيلم في العاشر من يونيو القادم.
إلا أن نجاح "نصف شهر المخرجين" في الحصول على الفيلم يعد ضربة لإدارة المهرجان الرسمي، ويدعم التظاهرة التي ستنطلق عروضها الرسمية يوم 14 مايو القادم.
ويعد الفيلم نوعا من السيرة الذاتية، فهو يدورحول العلاقة بين شقيقين في أسرة فنية من أصل إيطالي. ويقوم بالأدوار الرئيسية في "تيترو" فنسنت جاللو وكلاوس ماريا براندور (بطل الفيلم المجري الشهير "ميفيستو") وألدن إهرينريتش.
وتظاهرة "نصف شهر المخرجين" مهرجان آخر مستقل ومواز لمهرجان كان الرسمي، له مطبوعاته الخاصة ومكتبه الصحفي ومقر عروضه في قاعة نوجا هيلتون التاريخية التي كان المهرجان قديما يعقد بها.
وقد تأسست هذه التظاهرة المهمة التي تنظمها جمعية السينمائيين الفرنسيين كتظاهرة مناهضة للمهرجان الرسمي (الذي اعتبر في ذلك الوقت احتفالا بالسينما البورجوازية التقليدية) عام 1969 في عز الغضب والثورة والتمرد شارك فيها كبار السينمائيين الفرنسيين مثل فرنسوا تريفو جان لوك جودار، بعد التأثير الذي تركه امتداد انتفاضة 68 الباريسية الصاخبة بشاطيء الكروازيت وارغام منظمي مهرجان كان على إلغاء دورة 68.
ونجحت التظاهرة في اكتشاف الكثير من الأسماء الجديدة في عالم الاخراج السينمائي والتي أصبح لها شأن كبير فيما بعد مثل فيم فيندرز وفيرنر فاسبندر وفيرنر هيرتزوج وناجيزا أوشيما وجورج لوكاش ومارتن سكورسيزي ومايكل هانيكه وجيم جارموش وسبايك لي.

العرب في مهرجان كان (13- 24 مايو)


ليست هناك أفلام "عربية" في مهرجان كان السينمائي هذا العام. والمقصود أن تكون من الإنتاج العربي وتتناول مواضيع تدور في البلدان العربية وينتمي مخرجوها للعالم العربي وللثقافة العربية عموما، والأفضل طبعا أن تكون أيضا ناطقة باللغة العربية.
ودعونا لا نخدع أنفسنا كثيرا. هذه هي الحقيقة. فيبدو أن أفلام مرزاق علواش ويسري نصر الله ومروان حامد وكاملة أبو ذكري التي دار الحديث طويلا حول احتمال اشتراكها في المهرجان لم تنجح في إقناع المسؤولين عن البرنامج في إداراجها، سواء بالمسابقة أو خارجها علما بأن علواش يخرج أفلاما "فرنسية" وإن كانت يمكن أن تنسب ثقافيا للعالم العربي.
هناك في المسابقة فيلم واحد لمخرج ينتمي "ثقافيا" إلى العالم العربي هو إيليا سليمان الفلسطيني الذي سيعرض فيلمه "ما يبقى من الزمن" وهو شرف كبير لأي سينمائي. لكن الفيلم من الإنتاج المشترك الذي لا يدخل فيه – بكل أسف- أي طرف عربي، فهو من الانتاج المشترك بين (إسرائيل- فرنسا- بلجيكا- ايطاليا) ولاشك لدينا أن كلمة "إسرائيل" هنا كطرف في الإنتاج يعود إلى الاستعانة بشركة إسرائيلية لتقديم بعض الخدمات أثناء التصوير داخل فلسطين المحتلة التي يطلق عليها الفرنسيون إسرائيل، والأجدر بهم أن يطلقوا عليها "فلسطين المنهوبة"!
أما الفيلم الثاني الذي سيعرض ضمن تظاهرة "نصف شهر المخرجين" فهو فيلم "أمريكا" للمخرجة شيرين دابس الفلسطينية – الأردنية الأصل التي تقيم في الولايات المتحدة. والفيلم من الإنتاج الأمريكي مع مساهمة من الكويت. وشأنه شأن فيلم إيليا سليمان لابد أنه يعبر ثقافيا عن انتماء مخرجته وعما يشغلها.
وهناك مخرج ثالث هو رياض سطوف وهو فرنسي الجنسية من أصل عربي (نصف ليبي نصف سوري)، ومن مواليد باريس. ويعرض فيلمه "الأطفال الحلوين" وهو من أفلام الرسوم، أيضا ضمن تظاهرة "نصف شهر المخرجين" وهو فيلم فرنسي بالكامل.
فيلم الختام في تظاهرة "نصف شهر المخرجين" هو الفيلم الإسرائيلي "عجمي" ِAjamai الذي أخرجه المخرج الفلسطيني من داخل الأرض المحتلة اسكندر قبطي (وهو اسم جديد تماما) بالاشتراك مع المخرج الاسرائيلي يارون شاني، وهو عن مدينة بافا والعلاقة بين الفلسطينيين والاسرائيليين الذين يعيشون فيها.
أما في تظاهرة "إسبوع النقاد" فيشارك الفيلم الفرنسي "الوداع ياجاري كوبر" للمخرج نسيم عموش وهو من أصل جزائري، ويشارك أيضا فيلم كردي (أي ناطق بالكردية) يمثل العراق بعنوان "همسة من القلب" لمخرج شاب هو شهرام العيدي.
في لجان التحكيم يشارك المخرج التونسي فريد بوغدير في لجنة تحكيم مسابقة الأفلام القصيرة، ويشارك أمير العمري (كاتب هذه السطور) في لجنة التحكيم الدولية للنقاد. وكفى الله المؤمنين شر القتال!

"المومياء" ضمن كلاسيكيات كان


للسنة السادسة على التوالي يحتضن مهرجان كان السينمائي هذا العام كلاسيكيات السينما من الأفلام القديمة التي أعيد ترميمها واستعادة نسخها بعد أن كانت قد تعرضت للكثير من الضرر.
يفتتح هذا القسم المهم من المهرجان هذا العام المخرج الأمريكي مارتن سكورسيزي الذي يبدي منذ سنوات اهتماما كبيرا بكلاسيكيات السينما في العالم وانقاذ التراث السينمائي من النيجاتيف المصور على شرائط سيلولويد كانت تدخل في صنعها مادة نترات الفضة القابلة للتحلل بل والتي تحلل الكثير منها في العام بالفعل بسبب اهمال السلطات المنوطة بالثقافة وجهلها بل واهمالها المتعمد كما يحدث في بلادنا العزيزة رغم المناشدات والمطالبات المستمرة. وقد أنشأ سكورسيزي مؤسسة خاصة لهذه الغاية تقدم خدماتها للسينما في العالم.
يفتتح برنامج "كلاسيكيات كان 2009" بالفيلم البريطاني "الحذاء الأحمر" (1948) للمخرجين المرموقين مايكل باول وإيمرت برسبرجر.
ويشمل البرنامج عرض أفلام "بييرو المجنون" (1965) لجان لوك جودار، و"المغامرة" (1960) لمايكل أنجلو أنطونيوني، و"حواس" (1954) للوتشينو فيسكونتي، و"عطلة السيد إيلو" (1953) لجاك تاتي.
ويحتفل البرنامج أيضا بمرور مائة عام على مولد السينمائي الأمريكي الكبير جوزيف لوزي (عمل في بريطانيا منذ خروجه من أمريكا بسبب الحملة المكارثية) وسيعرض له فيلمان هما "الحادث" (بطولة ديريك بوجارد) من عام 1967، ونسخة جديدة من فيلم "دون جيوفاني" (1979).
مؤسسة سكورسيزي لإنقاذ التراث السينمائي ستعرض نسخة جديدة من الفيلم المصري "المومياء" (1969) لشادي عبد السلام، و"يوم صيف صحو" (1991) لادوارد يونج، و"الحمر" (1936) لفريد زينمان واميليو جوميز موريل.

الخميس، 7 مايو 2009

"خربوشة" المرأة الأسطورة التي هزمتها المعالجة السينمائية

من الأفلام المغربية التي أتيح لي مشاهدتها في مهرجان تطوان السينمائي الأخير فيلم "خربوشة" عن سيناريو الزميل والصديق الناقد السينمائي خالد الخضري مع شقيقه عبد الباسط الخضري، وأول أفلام المخرج حميد الزوغي.
هذا الفيلم يدور أساسا حول شخصية المغنية الشعبية والشاعرة "حادة الزيدية" التي تحدت القائد أو الحاكم المستبد الطاغية في التاريخ المغربي الذي يعود إلى أواخر القرن التاسع عشر، وجعلت سلاحها الوحيد في مواجهة بطشه هو الكلمة والغناء. وقد عرفت أشعار حادة، أو "خربوشة"، بالعيطة، وهو نوع من الغناء التحريضي المشوب بنغمة حزينة، فقد قتل الطاغية المستبد كل أفراد أسرتها ونجت هي لكي تحقق انتقامها وتصبح سلاح الضعفاء في مواجهة الاستبداد، وذلك كله في اطار الصراع القبلي الذي كان سائدا في تلك الفترة قبل تأسيس المغرب كدولة حديثة.
هناك جانب "أسطوري" لاشك فيه، في حكاية "خربوشة"، رغم أنها رواية حقيقية. وقد تطورت الأسطورة واستقرت في ضمائر المنشدين والمغنين من الأدب الشعبي أو الشفوي المغربي، عبر العصور، لأن الشخصية المتمردة هنا التي تمكنت من قهر القائد الظالم وتحطيمه نفسيا وأصبحت رمزا للبطولة هي شخصية امرأة.
وهو يحاول إسكاتها بشتى الطرق: بالتهديد والوعيد والإيذاء والاعتقال، ثم لا يجد سوى سلاح القهر الذي يستخدمه الرجل ضد المرأة في مجتمعات القبيلة، أي بالزواج كوسيلة للإخضاع. فيعرض عليها القائد عيسى بن عمر أن تتزوجه، لكي يضمن بالتالي سكوتها بعد أن تصبح حريصة على مصالح القبيلة التي تندمج فيها. لكنها توافق، بينما تخفي بالطبع "أجندتها" الخاصة، وهي تحطيمه وفضحه على الملأ من منابر السلطة.
لا تكف خربوشة عن الغناء، وتبتكر كلمات جديدة تتسق مع التطور الذي وقع لها، وتصر على المضي قدما في فضح "الزوج" الديكتاتور أمام الأعيان والكبراء، وتهينه بل وتحرض على الثورة ضده.
وفي النهاية لا يجد "القائد" سوى أن يأمر بدفنها حية، فيقوم رجاله بوضعها داخل فجوة في جدار ثم يشيدون جدارا عازلا آخر حولها لكي تلقى مصيرها، اختناقا على الأغلب كما حدث في الرواية الحقيقية. لكن الثورة تكون قد قامت ضد الحاكم المستبد، وجاء وقت سقوطه في نفس اللحظة التي تدفع هي حياتها ثمنا لشجاعتها وجرأتها لكنها تفقد حياتها وتكون قد تحولت بالفعل إلى أسطورة حية ملهمة في أوساط الناس، وتظل الأجيال تتناقلها.
هذا الموضوع الشائك ذو الدلالات المعاصرة الجريئة كان يقتضي معالجة تستنهض الطاقة الشعرية الكامنة في الكلمات والأشعار، في المعاني والأفكار، وتحركها وتجسدها في صور ولقطات، يختلط فيها الحلم بالواقع ربما، والحقيقة بالأسطورة، ويضفي عليها السيناريو وأسلوب ولغة الإخراج نوعا من الشاعرية والرونق الداخلي.
أما ما شاهدناه، سواء من خلال المعالجة الدرامية أم الإخراج، فهو شيء أقرب إلى أسلوب المسلسلات التليفزيونية التقليدية: الأداء المسرحي الساكن، اللقطات الطويلة، الاعتماد على الحوارات الطويلة في شرح الأحداث، الدوران حول الفكرة، التركيز على ما يحدث على مستوى البنية العليا وإهمال ما يقع هناك، على الجانب الآخر، على مستوى البنية السفلى، أي على مستوى الناس، أصحاب المصلحة الحقيقية، والشركاء الطبيعيين لخربوشة في تمردها.
هناك دون أدنى شك، جهد كبير واضح في إدارة التصوير في المواقع الطبيعية، ومطابقة جيدة للكثير من الأجواء التي كانت سائدة في تلك الفترة، وتحكم كبير في أداء الممثلين وعلى الأخص الممثل الذي قام بدور القائد عيسى (عباس كمال) رغم أنني لن أنبهر بأداء الممثلة هدى صدقي الذي وجدته نمطيا وعلى وتيرة واحدة ووجدتها تميل أيضا إلى المبالغة المسرحية رغم حصولها على جائزة التمثيل في مهرجان الفيلم المغربي في طنجة.
وهناك أيضا اهتمام بتوزيع الإضاءة وبتصميم الملابس وخلق التكوينات الموحية. لكن الفيلم، الذي يسير في قالب تقليدي، لا يتجاوز كثيرا، رغم مما بذل فيه من جهد، الطابع المسرحي في الحركة والأداء والاعتماد الأساسي في توصيل الفكرة على الحوار. وبدا الفيلم أيضا خطابيا زاعقا يخلو من اللحظات الشعرية المكثفة التي توحي أكثر مما تشرح أو تفسر.

لهذا كله جاء فيلم "خربوشة" رغم شجاعته، فيلما فاقدا لروح الأسطورة، بينما هو يعتمد اعتمادا أساسيا على شخصية أسطورية رغم واقعيتها، وعلى الرغم من حقيقة أنها كانت موجودة في الماضي الذي كان.
ربما تكون كلمات الأغاني والأشعار القريبة من روح أشعار "العيطة" قد نجحت في تكثيف المعاني العديدة التي يارد إيصالها إلينا من وراء تجسيد تلك الشخصية بما ترمز إليه. ولكن الفيلم أقل موسيقية بشكل عام مما كان ينتظر من فيلم أساسه اللحن والكلمة الملحونة.
مؤلف الموسيقى أراد تضخيم الشخصية فلجأ إلى الطابع الكلاسيكي الموسيقي الصارخ أحيانا، وأفرط المخرج في استخدامه للموسيقى التصويرية أي المصاحبة للمشاهد عبر أجزاء فيلمه، وأصيب الفيلم أيضا بحالة من الترهل بسبب الإطالة في المشاهد التي تعتمد على الحوارات الطويلة كما أسلفت.
يقول خالد الحضري في كتاب "خربوشة" الذي أصدره عن تجربته في الفيلم وعن الشخصية التي قام بتحقيقها إن "حادة" كانت "امرأة حادة اللسان زائدة الذكاء، لم تكن جميلة بقدر ما كانت جريئة صريحة تواجه الظلم والظالم وجها لوجه" كما كانت "شاعرة جعلها دمامة وجهها وقبحه تنزح إلى هذا اللون لتخلق لنفسها فضاء شعريا من خلاله".
وفي رأيي أن الفيلم هنا لم يكن في حاجة إلى الالتزام الحرفي بحقيقة أنها كانت "دميمة" أو غير جميلة، بل كان من الأفضل كثيرا للمشاهد أن تكون خربوشة شخصية محببة رقيقة تتمتع بالجمال والسحر العامض الذي يليق حقا بصورة "الأسطورة".. فالصوت الجميل والكلمات المعبرة الموحية التي لاشك أن خالد الخضري اجتهد في صياغتها، لا تكفي وحدها في السينما.
((بهذا المقال عن فيلم "خربوشة" أتوقف مؤقتا عن تناول مجموعة الأفلام المصرية والمغربية التي وعدت بتقديمها لقراء هذه المدونة، وأنتقل للتركيز على الحدث الأهم الذي سيفرض نفسه علينا خلال الفترة القادمة أي مهرجان كان السينمائي الذي أنتقل إليه يوم 12 مايو الجاري والذي سيفتتح رسميا في اليوم التالي 13 مايو.. أي الأربعاء القادم فإلى اللقاء، وفي انتظار تعليقاتكم ورسائلكم - أمير العمري)).

الأحد، 3 مايو 2009

فيلم "زمن الرفاق" سينما سياسية في زمن ما بعد السقوط

الفيلم المغربي "زمن الرفاق" للمخرج الطموح محمد الشريف الطريبق، يعود بنا إلى زمن السينما السياسية المباشرة بمفهومها اليساري "المؤدلج" التقليدي ولكن من خلال "رؤية" تمزج الواقع بالخيال، والدراما السياسية بالكوميديا السوداء.
الزمن بداية التسعينيات في الجامعة المغربية.. عندما كان الاتحاد السوفيتي على وشك السقوط، وكان المد اليساري الكاسح في الجامعات المغربية، يكاد ينحسر مفسحا الطريق أمامه لزحف التيارات التي تسمى بـ"الإسلامية" أو بالأحرى التيارات التي يطلق عليها الفيلم عن حق "التيارات الظلامية" التي نجحت باستشرائها في المجتمع وتغلغلها بل ونفاذها عبر أنظمة الشرطة والقضاء والتعليم في مجتمعاتنا عموما، في العودة بنا إلى الوراء عشرات السنين، لكي نبدأ مجددا في مناقشة الكثير من الأمور التي كنا نتصور أنها حسمت في بداية القرن العشرين.
طبيعي أن يكون فيلم "زمن الرفاق" منحازا وليس موضوعيا تماما، فهو يتكلم من منظور رؤية شخصية أو تجربة خاصة بمؤلفه عزيز قنجاع الذي كتب المذكرات التي بني عليها سيناريو الفيلم. وطبيعي أن تكون هذه الرؤية متسقة مع تصورات ومفاهيم وأفكار المخرج وكاتب السيناريو (الطريبق) في رغبته في التعبير عما كان يشغل رفاق جيله حتى لو لم يكن قد قضى هو شخصيا في الجامعة كل تلك السنوات التي يكثفها في فيلمه. فهو منحاز للتيار الذي ارتبط به سواء داخل الجامعة أم خارجها، وهو وإن لم ينجح تماما في التعبير عن تلك الرؤية السياسية بطريقة فنية تخلو من المباشرة، إلا أنه يحسب له كونه أحد تلك الأفلام العربية القليلة بل والنادرة التي تتجرأ على التطرق لهذه الفترة ولهذا الموضوع.

وقد شهدت مثلا الجامعات المصرية سجالا طاحنا قبل الفترة التي يعالجها الفيلم المغربي بنحو خمسة عشر عاما، أي في منتصف السبعينيات بعد أن بدأت الدولة للمرة الأولى في تاريخها تتبنى الجماعات "الإسلامية"، فأخرجت رموزها من المعتقلات وبدأت تمدها بالدعم بل وتزودها بالسكاكين والسلاسل الحديدية لكي ينقض "أزلامها" (ومنهم من أصبح اليوم في موقع القيادة لا يكف عن التشدق بكلام أجوف عن إيمانه الديمقراطية.. ديمقراطية السكاكين للمعارضين لهم بالطبع!) على قوى اليسار لضربهم وتحطيم اراداتهم بل وتعاونوا مع قوى الأمن في مطاردتهم وتشريدهم والقبض عليهم في حملات مشهودة تحفظها أجهزة أمن نظام السادات جيدا. ومن بين أدران تلك الفترة المظلمة خرج أيمن الظواهري وأتباعه وولد فيما بعد التنظيم الدولي المعروف بـ"القاعدة".
موضوغ فيلم "زمن الرفاق" سياسي في المقام الأول، وهو ما دفعني هنا للعودة إلى تلك التداعيات لكي أشير فقط إلى أهمية فتح تلك الملفات الملتبسة على الكثيرين، ولأشير أيضا إلى أنه رغم كل ما كتب في مصر من مذكرات وكتب حول فترة الحراك الطلابي وما واجهه من قمع في السبعينيات إلا أن السينما المصرية لم تتجاسر على تناول هذا الموضوع حتى الآن، فالرقابة المفروضة لن تسمح، والمنتجون المهيمنون يرغبون أساسا في اتقاء شر جماعات الشر!

عودة إلى "زمن الرفاق" الذي بدا لي أنه أقرب في بنيانه وأرضيته إلى الفيلم السياسي "الرومانسي" ليس فقط لأنه يعتمد على المزج بين قصة حب بين طالب جامعي (سعيد) وطالبة حسناء (رحيل) وبين المواجهات بين من يطلق عليهم في الفيلم "القوى الظلامية" وعناصر اليسار من أجل السيطرة على الاتحاد العام لطلاب المغرب، بل لأنه يتبنى أيضا تصورا شديد التبسيط أي يخلو من التعقيدات الدرامية الضرورية لتكثيف العمل الفني، في تعامله مع الموضوع من كل زواياه وجوانبه، أي من زاوية حركة المجتمع ككل بما في ذلك موقف السلطة أيضا.
يقوم البناء كما أشرت، على المزج بين العام والخاص، وبين العاطفي والثوري، لكنه إذا كان قد نجح في تقديم الجانب الرومانسي العاطفي (ثلاثة شبان يتصارعون على قلب فتاة تميل هي إلى سعيد) لكنه لم يوفق في التعبير عن تطور شخصية سعيد لكي يسير في طريق الانتماء الكامل ويصبح أحد زعماء الحركة الطلابية. فقد اعتمد على تصوير مشاهد طويلة تسودها الخطابة والاستخدام الانشائي للعبارات اللفظية، وتعاني من محدودية المكان وعدم القدرة على الانتقال في الزمن بحيث يكتفي المخرج بالإيحاء أكثر من الافصاح، وبالاشارات أكثر من الوعظ المباشر. وهذه هي آفة الفيلم السياسي "المؤدلج" رغم كل ما يتمتع به من حسن نوايا.
هناك الكثير من مشاهد الاضرابات والمسيرات التي تؤرخ لأحداث سياسية شهدتها الساحة العربية في تلك الفترة، وتجاوب طلاب الجامعة معها. وهناك إشارة إلى عدم اكتمال الأشياء بل وانحسار الفكر الثوري الغاضب من خلال عدم اكتمال العلاقة نفسها أو جعل الفتاة تغادر الجامعة وتتخلى عن الحلم الرومانسي.. في اشارة إلى نهايته، لكن موضوع زحف التيار البديل (الظلامي) كان يقتضي التعامل السينمائي معه بطريقة أكثر جدية، وأكثر إيجازا في الوصف، وكثافة في الصور السينمائية واستخدام لغة التعبير المرئي.
لكن الفيلم بشكل عام يكشف عن ثقة مخرجه في التعامل مع الممثلين، وفي كونه التزم بالبناء الكلاسيكي ولم يشطح في ترهات تحطيم الشكل كثيرا في أولى تجاربه في السينما الروائية الطويلة، فربما يكون من المطلوب أن يتعلم السينمائي أولا كيف يسيطر على أدواته التقليدية قبل أن يتطلع إلى تحطيمها وتجاوزها.
ولاشك أنه يستطيع عن طريق التحرر أكثر عند ترجمة المعاني إلى لغة سينمائية مستقبلا، أن يمد تلك التجربة على استقامتها وأن يقدم لنا عملا أكثر جمالا.

الجمعة، 1 مايو 2009

فيلم "العطش": سينما جميلة ولكن بدون روح


((المقال التالي لم يأخذ حظه في النشر عند كتابته قبل سنوات لأسباب كثيرة، فأحيانا ما تسبب السباحة عكس التيار الكثير من المتاعب لأصحابها، أنشره هنا كوثيقة رأي في فيلم لقي من الاشادة أكثر كثيرا مما يستحق في رأيي واستنادا إلى آراء النقاد الغربيين)).
فيلم "العطش" هو اول الأفلام الطويلة للمخرج توفيق أبو وائل، ابن بلدة أم الفحم الفلسطينية الذي أراد أن يسبح عكس التيار، أي بعيدا عن الأفلام الفلسطينية التقليدية التي تناقش الحصار الاسرائيلي والتوغلات العسكرية ومظاهر المعاناة اليومية والصمود (أفلام رشيد المشهراوي مثلا)، كما أراد الابتعاد عن سينما ميشيل خليفي التي تنتقد الواقع الفلسطيني دون ان تبتعد عن قضيته الرئيسية أي الاحتلال، كما تهتم بالجماليات دون ادعاء وتعال وصراخ بين اللقطات.
لقد أراد توفيق أبو وائل أن يقتفي أثر ثيو انجلوبولوس اليوناني صاحب الأعمال التي تحمل الكثير من الدلالات الكامنة، تكشف عنها بحساب شديد، وتعتمد أكثر على التأمل الفلسفي في مصائر الشخصيات وربطها بمصير العالم ومعنى الوجود فيه.
ولا عيب في ذلك بالطبع، بل إن المحك هو: هل نجح- مع تأثره هذا- في أن يحتفظ بهوية خاصة له؟
أمر مشروع تماما من الناحية الفنية أن يرغب توفيق أبو وائل في تحطيم الشكل السردي التقليدي، وأن يكتشف مكانا جديدا في أرض فلسطين ويكشف لنا عنه (هو هنا منطقة جافة تمتلئ بالفحم). وجميل أنه يريد أن يعبر عن غياب التواصل بين البشر، ربما داخل الأسرة الواحدة، وأن يفضح علاقة الحب – الكراهية بين الأب والإبنة، وجميل أن يقول لنا كلاما كبيرا على شاكلة أن الكبت بكل أشكاله هو الذي يقمع الرغبة في التحرر، فهذه كلها أشياء قد تبدو جذابة في التصريحات الصحفية التي تنشرها صحف الغرب التي تهتم كثيرا بهذا النوع من المقابلات مع السينمائيين غير الأوروبيين. لكن الواقع يظل أقوى من كل التصريحات. والواقع هو أن فيلم توفيق أبو وائل ليس من الممكن اعتباره فيلما فلسطينيا لأسباب عديدة:
أولا: لا يوجد فلسطيني يعيش في الفراغ، بل هناك أرض وشعب وماء ونبات وحياة وقضايا محددة الملامح لها جذور وتاريخ. أما أن يأتي أبو وائل فيصور كيف يهجر الفلسطيني أرضه الخضراء المزدهرة بالنباتات إلى الصحراء المجدبة التي تنعدم فيها أوليات الحياة بسبب وقوع ابنته المراهقة الشابة في الخطيئة، فهو يعكس نوعا من المراهقة الفكرية، فالفلسطيني لم يهجر أرضه لأسباب من هذا النوع كما يعرف كل المشاهدين في العالم. وهو من خلال هذا يريد بالطبع أن يقول لنا أن الفلسطينيين أسرى لتقاليد الماضي البالية العتيقة الاقطاعية، وهي نفس ما يردده الصهاينة عن الفلسطينيين أمام العالم منذ أكر من 60 عاما، سواء كان أبو وائل يدري أو لا يدري.
ثانيا: لا توجد أزمة في التركيبة النفسية الفلسطينية يمكن تناولها على نحو مجرد يعزلها بالكامل عن واقع الاحتلال والإرث العربي المتخلف المتراكم، كما عبر عن ذلك بصورة شاعرية رائعة ميشيل خليفي في "عرس الجليل" على مستوى تقليدي، أو كما عبر عنه إيليا سليمان في فيلمه الكبير "يد إلهية" على مستوى ما بعد حداثي.
إن مشكلة فيلم " العطش" ليست في اهتمام مخرجه بالتراجيديا كشكل درامي، فهذا اختيار مشروع، بل المشكلة هي أن هذه التراجيديا لا تتميز بملامح خاصة فلسطينية، بل هي تراجيديا مجردة، أو تجريدية أي تحدث في الفراغ، في منطقة أقرب إلى المناطق المحايدة التي لا تنتمي لأي طرف على الحدود بين دولتين، تماما مثل فيلمه الذي لا تعرف إن كان فلسطينيا أم أوروبيا استشراقيا!
والموضوع حول رجل اقطاعي مستبد وابنته الشابة التي ارتكبت فيما يبدو إثما، يأخذ أسرته ويرحل بعيدا عن قريته إلى منطقة صحراوية قاحلة، يقيم منزلا من لا شئ ويزوده بالماء عن طريق توصيل أنبوب طويل ملتف، يصعد جبلا لكي يزود الأسرة باحتياجاتها من الماء، هذا الأنبوب يتعرض بانتظام للتخريب من قبل مجهولين، فيلجأ الرجل مع ابنه إلى تناوب حراسة الأنبوب ليلا ونهارا، غير أنه لا يستطيع قمع الفتاة والسيطرة عليها إلا بعد ان يحبسها داخل كهف معتم وراء قضبان، ويحاول الفتى- الإبن- الشقيق- تحطيم بابه دون جدوى لأنه أيضا عاجز شأنه شأن والده.
نحن هنا أمام تكوينات مصطنعة لا علاقة لها بالبيئة الفلسطينية كما نعرفها (يمكن للمخرج القول إنه أكثر معرفة بها منا بالطبع!)، ودلالات رمزية مفتعلة للماء الذي يفجر الصراعات بدلا من أن يساهم في تبريدها، ومشاهد بالغة القسوة للقمع البدني من جانب الأب لابنته، والخلاصة أن "العطش" يمكنه أن يحقق نجاحا في بعض المهرجانات ولكن دون أن يتخذ له أي موقع في تاريخ سينما بلده، فهو أقرب إلى الأفلام "الريفية" الإيرانية التي سببت هوسا لدى بعض النقاد ومتعهدي المهرجانات في العالم، ولكن دون أي شئ يبقى في الذاكرة.
ولعل تبني جهات إنتاج إسرائيلية له (انتج بدعم إسرائيلي وشارك بالعمل فيه طاقم إسرائيلي) يعود إلى معرفتهم بأنه لا يمثل أي خطر عليهم فهو فيلم فاقد للهوية بل إنه يروج للفلسطيني التائه في مقابل أسطورة اليهودي التائه.. الذي عثر على وطن له أخيرا.

الخميس، 30 أبريل 2009

"العيون المسروقة": البحث عن جسر للتواصل دون التخلي عن الهوية

من الأفلام الممتعة التي تناولت العلاقة بين الأديان البلغاري "العيون المسروقة" Stolen Eyes من إخراج رادوسلاف سباسوف Spassov.
هذا ليس فيلما كسائر الأفلام، ليس فقط لأنه يتجرأ فيناقش قضية كانت تعد، حتى وقت قريب، من الممنوعات في بلغاريا، بل لأنه يعرض لموضوعه بكثير من الرونق، ويبرز فيه الحس الجمالي العالي، ويتميز الأداء التمثلي الذي يستولي على المشاعر.
فيلم "العيون المسروقة" (2005) لا يتوقف عند حدود الرؤية الاجتماعية بل يثير – وإن على نحو خافت يجري تحت جلد الصورة- تساؤلات فلسفية حول معنى الوجود من خلال العقيدة والعلاقة مع الآخر، وما هو أصل الأشياء كما خلقها الله.
وإضافة إلى هذه التساؤلات، يثير الفيلم قضية العلاقة بين الدولة والأقليات العرقية، وبين الفكر الشمولي وتعامله مع الموروث الديني حتى لو لم يكن يمثل أدنى خطورة على وجود الدولة.
ولكي نلم بأبعاد الموضوع علينا أن نعود قليلا إلى الوراء، إلى التاريخ الحديث القريب، لنرى ماذا حدث في بلغاريا.

الخروج القسري
مع تداعي ثم انهيار الإمبراطورية العثمانية، ظلت هناك أقليات مسلمة من أصول تركية، تعيش في بعض البلدان التي كانت تحت هيمنة تلك الإمبراطورية الغابرة. ومن أكبر هذه الأقليات تلك التي كانت – وربما لا تزال – تعيش في بلغاريا.
ورغم هجرة الملايين من بلغاريا إلى تركيا خلال القرن العشرين فقد ظلت هناك أقلية مسلمة في بلغاريا كانت تقدر بنحو مليون شخص في ثمانينيات القرن العشرين.
وفي بداية الثمانينيات بدأت في بلغاريا أكبر عملية لتبديل هوية الأقلية المسلمة. فقد صدرت قوانين تحظر ارتداء الأزياء الإسلامية، كما تفرض على البلغاريين من أصول تركية اتخاذ أسماء بلغارية لهم، وإعادة تسجيل أنفسهم ونقلهم من أماكن إقامتهم قرب الحدود مع تركيا إلى أماكن أخرى.
وفي عام 1989، دعا الزعيم البلغاري الشيوعي تيودور جيفكوف تركيا إلى فتح حدودها كما فعلت بلغاريا أمام البلغاريين المسلمين، بعد أن كانت قد بدأت أكبر عملية ترحيل قسري شملت 350 ألف بلغاري من أصول تركية لدفعهم للهجرة إلى تركيا. في أجواء تلك الفترة تحديدا تدور أحداث هذا الفيلم البلغاري المدهش.

حفظ الأختام
هناك أولا الشاب البلغاري "إيفان" الذي يجند في الجيش، ونظرا لإجادته لعبة الشطرنج يتم تكليفه بمهمة حفظ الأختام الجديدة التي تحمل أسماء الأماكن الجديدة التي يتم نقل الأتراك البلغار إليها.
ويصور الفيلم كيف كانت السلطات ترغم الناس على التخلي عن أسمائهم وتمنحهم أسماء جديدة، وتقوم بإزالة عشرات القرى الجبلية من الوجود أو تغيير أسمائها ونقل سكانها وترحيل من يرفض الانصياع إلى الجنب الآخر من الحدود التركية.
وسط هذا كله تبرز من بين الأقلية المسلمة المعلمة الشابة الأرملة "آيتان" التي ترفض تحت كل الظروف التخلي عن هويتها، وتقود أهالي قريتها لاستعادة المسجد الذي دمرت القوات الحكومية جزءا منه، وتحاول سرقة الأختام الرسمية التي تستخدمها الجهة الإدارية لختم أوراق الهوية الجديدة للسكان الأتراك. وهنا يقع احتكاكها الأول بالمجند الشاب إيفان الذي تعجبه شجاعتها وتمسكها بقضيتها.
وفي مواجهة بين قوات الجيش وأهالي قرية مسلمة – ومن بينهم آيتان- يقع حادث بشع عندما يقود إيفان عربة مدرعة استجابة لأوامر قائده، مباشرة في اتجاه تجمع احتجاجي لنساء القرية مما يؤدي إلى مقتل ابنة آيتان الصغيرة. ويتسبب الحادث في أزمة نفسية عميقة لدى كل من إيفان والأم الشابة، ويُلحق كلاهما بمستشفى للعلاج النفسي.
ولا يكف إيفان منذ تلك اللحظة عن متابعة آيتان، يريد أن يكفر بكل طريقة ممكنة عن خطيئته، بينما لا تستطيع هي رغم انجذابها الواضح له، أن تسامحه أو تغفر له، فقد حرمها من أعز ما تملك في لحظة انصياع أحمق لبطش السلطة.
ويسعى شقيق الفتاة إلى إقناعها بمغادرة بلغاريا إلى تركيا، حيث يرى أنها ستصبح بمأمن هناك. إلا أنها تفضل البقاء في بيت قديم بالقرية. يطاردها إيفان ويبوح لها بالحب، ويقول بأنه متمسك بها وأنه يحترم عقيدتها بل ويعرض على جدها الشيخ، أن يصبح واحدا من الأسرة، ينتمي إلى عقيدتها.
التمسك بالهوية
وفي مشاهد تشيع فيها الشاعرية والرقة، يتغنى الفيلم بتمسك المرء بهويته، فالدين هنا جزء من الهوية، وليس مرادفا للتعصب الفكري.
ويعد "العيون المسروقة" الفيلم الروائي الثاني للمخرج سباسوف، الذي درس التصوير السينمائي وعمل مصورا في أكثر من 20 فيلما بلغاريا، قبل أن يتحول للإخراج.
ولا شك أن تجربته في التصوير تنعكس هنا كأفضل ما يكون، وتتبدى في اهتمامه الكبير بالتكوين والتشكيل والاستفادة الكبيرة من مواقع التصوير التي اختارها بعناية كبيرة، ونجح في استغلالها في تأكيد العلاقة بين الإنسان والمكان، وبين الماضي والحاضر، تأكيدا على فكرة التمسك بالهوية.
ولا شك أيضا أن من أكثر الجوانب بروزا في هذا الفيلم، الأداء الرفيع المتميز للممثلة فاسيلا كازاكوفا في دور آيتان (التي ترفض تغيير اسمها إلى آن)، بتعبيرها الدقيق عن التطور الذي يطرأ تدريجيا على الشخصية. فهي تبدو في البداية شديدة التمسك بجذورها، أقرب إلى العناد الطفولي في مواقفها ورفضها للآخر والتشكك فيه لمجرد انتمائه للطرف الثاني. وبعد وقوع الحادث وفقدانها ابنتها تمر بمرحلة صعبة، بين الجنون والعقل، وهنا تتألق الممثلة كثيرا وتجيد التعبير بالعينين والحركة الرصينة والصمت.

نهاية سعيدة
ولا يتخذ الفيلم مسارا منطقيا في خط صاعد نحو الذروة ثم الهبوط نحو الانفراجة الأخيرة، بل يبدأ من حيث تأزم الموقف بين أبناء الأقلية المسلمة والسلطات، ثم يعود إلى متابعة نمو العلاقة بين الشاب والفتاة، قبل أن يعود أخيرا إلى تأكيد فكرة الارتباط القدري بين الطرفين: آيتان وإيفان.
تمر فترة اختبار طويلة وشاقة، لتهيئة إيفان للانضمام إلى الأسرة المسلمة، وتحت رعاية ومراقبة الجد الشيخ، ينجح إيفان أخيرا في كل ما تعرض له من اختبارات، فهو يتخلى عن شرب الخمر، وينصاع لفكرة الانتظار لممارسة الحب بعد الزواج، ويبذل كل ما يمكنه من جهد في ترميم المسجد، وأخيرا يتزوج الاثنان ويقوم إيفان بترميم المنزل القديم في البلدة الحدودية المدمرة التي يقرر الاثنان البقاء فيها رغم كل ما يحدث.
هذه النهاية السعيدة التي يختتم بها الفيلم تحمل هنا معنى رمزيا: فهي ترمز إلى إمكانية التعايش بين البشر، وانتصار إرادة التسامح على روح التعصب والبغضاء.
وتعبر اللقطة المتكررة في الفيلم لدقات جرس الكنيسة القديمة في القرية التي تختلط – على شريط الصوت- بصوت المؤذن أعلى مئذنة المسجد، عن التعايش بين الأديان والعقائد، وعن الروح المشتركة التي تواجه معا الظلم.
ولعل من أكثر ما يؤكد تلك الروح التي يشيع فيها الحس بالتسامح والرغبة في التكفير عن الماضي، والتطلع المشترك إلى المستقبل، أن هذا الفيلم جاء ثمرة للإنتاج المشترك بين بلغاريا وتركيا، وإن كانت الفكرة والنص والإخراج لمخرجه البلغاري.

الأحد، 26 أبريل 2009

واقع الكتابة السينمائية في المغرب

من فيلم "كل ما تريده لولا"


ندوة في طنجة تطرح إشكالية علاقة القلم بالصورة

عبد الله الدامون


لماذا نحب الخيال ونعشق الحكايات؟ ما هي أفضل كتابة سينمائية؟ ما هو موقع المخرج داخل هذه الكتابة؟ ما هو واقع الكتابة السينمائية في المغرب؟ مخرجون منتجون، نقاد، مبدعون يقاربون هذه الأسئلة من خلال ندوة في موضوع «واقع الكتابة السينمائية في المغرب» شارك فيها أيضا الكاتب الأفغاني عتيق رحيمي، وهي ندوة نظمت مؤخرا بمدينة طنجة على هامش معرض الكتاب.
أجمع المشاركون في ندوة «واقع الكتابة السينمائية في المغرب» على أهمية الكتابة السينمائية التي تعتبر الرافد الأساسي لسينما متطورة، غير أنهم اختلفوا في تقييم طبيعة الكتابة ودرجة أهميتها.
شارك مخرجون وكتاب ومنتجون، بينهم الكاتب الأفغاني عتيق رحيمي، في الندوة، التي نظمت بقصر مولاي عبد الحفيظ بطنجة، على هامش المعرض الدولي للكتاب والفنون، وهي ندوة من بين عدة ندوات وموائد مستديرة نظمت على هامش معرض الكتاب وتطرقت إلى المواضيع مختلفة تهم الفنون والثقافة بشكل عام.
وقال محمد نجيب الرفايف (صحافي ومدير بالقناة الثانية)، الذي تكفل بتنسيق الندوة ، إن الفن السينمائي، خلافا لباقي الفنون الإبداعية مثل الكتابة والمسرح والتشكيل، لا يعتبر موجودا إلا عندما يشاهد الناس الفيلم، وهذا مصدر تميز السينما التي تحتاج إلى المال لأنها صناعة.
وقدم، في بداية الندوة، محمد باكريم، ناقد سينمائي ومسؤول في المركز السينمائي المغربي، حصيلة السينما المغربية التي قال إنها تطورت كما وكيفا، وقدر عدد الأفلام الطويلة التي يتم إنتاجها سنويا بما بين 12 و15 فيلما، والأفلام القصيرة في حدود 50 فيلما سنويا.
وقال باكريم إن الإنتاج السينمائي المغربي موجود ويفرض نفسه بقوة، عبر المهرجان الوطني السنوي للسينما المغربية الذي ينظم كل عام في طنجة، بالإضافة إلى مهرجان الأفلام القصيرة في نفس المدينة، وعدّد مظاهر اختلاف وتميز السينما المغربية التي قال إنها تحظى بوجود جيل سينمائي جديد، مشيرا إلى أن نقطة الضعف الكبير للسينما المغربية هي قلة قاعات العرض.
وأشار باكريم إلى ما أسماه «السنوات الصعبة للسينما في المغرب»، وأن هناك «سينمائيين صمدوا خلال تلك الفترة، وهم اليوم يجنون ثمار صمودهم»، مضيفا أن «المغرب يدعم السينما الوطنية بحوالي 6 ملايين أورو في السنة، رغم أنه ليس بلدا بتروليا».
تدخل باكريم وصفه منسق المائدة المستديرة، نجيب الرفايف، بأنه متحمس، على الأقل في نبرته وأرقامه، وأثار أيضا تعليقا ساخرا من جانب المخرج السينمائي أحمد معنوني الذي علق بقوله إن «تفاؤل باكريم يعني أن الإيطاليين، الذين ينتجون أفلاما أقل كل عام، سيهاجرون قريبا إلى المغرب من أجل إنتاج أفلامهم، وأن واقع السينما المغربية لا تعكسه نبرة التفاؤل».
المخرج السينمائي جيلالي فرحاتي، الذي يكتب أفلامه بنفسه، قال إن رؤية المخرج الشخصية أساسية، وأن الكتابة السينمائية لا تنفصل أبدا عن رؤية المخرج. «لنا الحق في التصرف في الكتابة السينمائية ونمضي وقتنا في فعل ذلك، والمخرج له رؤية خاصة في رسم الواقع والشخصيات»، مضيفا أن «السيناريو يكون مقدسا في البداية، ثم تتم التضحية به بعد ذلك تبعا لضرورات كثيرة من بينها المونطاج»، مشيرا إلى أن السينما صنعت أساسا من أجل الذين لا يعرفون القراءة، أو للذين يتكاسلون عن القراءة. وختم فرحاتي تدخله بالقول إن «الواقع في المغرب يفوق الخيال». من جهته، تساءل المخرج أحمد معنوني عما يوجد وراء إنتاج 12 أو 15 فيلما كل سنة. ووصف واقع السينما المغربية بأنها سلسلة غير مكتملة ومليئة بالثقوب». وقال معنوني: «صحيح أنني يمكن أن أرتدي بذلة، لكنها بذلة يمكن أن تكون كلها مثقوبة».
وأشار معنوني إلى أنه لا يتم التركيز كثيرا في المغرب على الكتابة السينمائية، وأعطى مثالا حول فيلمه «ليام آليّام» الذي قال إنه قضى في كتابته سنة كاملة، وتحدث عن فيلم «قلوب محترقة» الذي قال إنه حاول أن يعكس من خلاله نفسه وطفولته، وأيضا مغربيته وتخيلاته.
وتحدث الكاتب الأفغاني عتيق رحيمي، الحاصل على جائزة الغونكور الأدبية في فرنسا، والذي أنتج وأخرج بدوره عدة أفلام تسجيلية، عن أن ولادة السينما كانت سردية، وأن مشهد وصول قطار إلى محطة مثلا يحمل في طياته صيغة حكائية لأن الكتابة السينمائية تولد في الحركة.
وتساءل رحيمي قائلا: لماذا نحب الخيال كثيرا ولماذا نعشق الحكايات؟. وأجاب عن تساؤله بنفسه قائلا: «لكي تصبح الواقعية حقيقة يجب أن نحكيها».
واعتبر رحيمي أن السينما لا ينبغي أن تتجاوز الأدب، بل يجب أن تتجاوب معه، وعلاقة التجاوب لا تحدث فقط بين الأدب والسينما، بل في فنون أخرى مثل التشكيل حيث إن فهم لوحات بيكاسو مثلا تتطلب فهم تاريخ الفن لأن الحركة السردية توجد وراء كل الفنون.
واعترف رحيمي بأنه يستعين شخصيا بكاتب سيناريو من إيران من أجل تحويل النصوص الأدبية إلى نصوص سينمائية لأنه لا يستطيع شخصيا القيام بهذا العمل. واعتبر الكاتب والسينمائي الأفغاني أن المرور من النص الأدبي إلى السينما يتطلب تدمير أشياء كثيرة. في البداية يتم تدمير الرواية لصناعة سيناريو، وبعد ذلك يجب تدمير السيناريو لصناعة فيلم، وأن القضية في عمقها عملية تدمير مستمرة للوصول إلى الصورة، وصولا إلى المونتاج الذي يعتبر عملية كتابة سينمائية جديدة، مضيفا أن «إنتاج فيلم فن يكتب باستمرار».
من جهته، تساءل الناقد السينمائي المغرب حمادي كيروم عن أي سينما نصنع في المغرب، معتبرا أن مدارس السينما تصنع التقنيين في الأساس، وأنه شخصيا حين يتوجه إلى السينما فإنه يتصرف كطفل ويبحث عن الحكاية.
وعبر كيروم عن إعجابه بالفيلم الإيطالي «سارق الدراجات»، وقارن بين نص السيناريو وبين مشاهد الفيلم التي كانت مختلفة عن نص السيناريو، معتبرا أن السينما ليست كتابة في المكان بل في الزمن، وأنها مثل حبة تزرع فتكبر باستمرار.
وجهة نظر المنتجين السينمائيين قدمها صارم الفاسي الفهري، الذي كان وجيزا في تدخله، وأشار إلى أن أفضل الكتابة بالنسبة إليه هي الكتابة الموجودة على شيك بنكي، مضيفا أن المنتجين ينظرون إلى الزمن السينمائي بطريقة مختلفة، يعني أن المخرجين ينظرون إلى المشهد السينمائي كونه من بضع دقائق، بينما ينظر إليه المنتجون ماديا لكونه مشهدا من عدة ملايين.
وأشار الفهري إلى أن اختيار الأعمال السينمائية من طرف منتج تبدأ باختيار سيناريو، وهو سيناريو يمكن تنقيحه بعد ذلك لكي يعجب المنتج والمشاهد معا.
الصورة الصغيرة: نور الدين الصايل مدير المركز السينمائي المغربي
* عن جريدة "المساء" المغربية

الخميس، 23 أبريل 2009

فيلم "واحد صفر": رؤية اجتماعية ساخرة معاصرة

من أفضل الأفلام المصرية التي ظهرت في الفترة الأخيرة فيلم "واحد صفر" للمخرجة كاملة أبو ذكري (ملك وكتابة، عن العشق والهوى). والسبب يعود إلى الأسباب التالية:
أولا: سيناريو الكاتبة الشابة مريم ناعوم المتماسك الذي يفضح ويكشف ويعري فساد الواقع بل وفساد البسطاء من الناس وأفراد الطبقة الوسطى الذين يحتالون جميعا بشكل أو بآخر من أجل الاستمرار في الحياة، ولكن لا يتعامل الفيلم معهم بقسوة بل بحب وتفهم، ويكشف السيناريو ولغة الإخراج والتحكم في أداء الممثلين، عن الجوانب "الإنسانية" في الشخصيات، بل إن طريقة المعالجة الساخرة الخفيفة تجعلهم يبدون وكأنهم يشتركون جميعا في لعبة واحدة لها قواعدها المشتركة التي يحترمها الجميع ويرتضون بها من أجل التحايل على جوانب الحياة الشاقة.
ثانيا: مازلنا في السيناريو أيضا، الهيكل العظمي للدراما أو العمود الفقري للفيلم، وهو هنا لا يعتمد البناء التقليدي الذي يروي قصة لها بطل أساسي وشخصيات فرعية، بل يقدم نماذج لشرائح اجتماعية متباينة ومتعددة تصل إلى نحو عشر شخصيات، تتداخل علاقاتها معا على نحو أو آخر، وتتشابك، لكي تصل إلى الذروة. وتدور الأحداث كلها في يوم واحد، هو يوم مباراة كرة القدم بين منتخب مصر ومنتخب الكاميرون في بطولة الأمم الإفريقية. ويتخذ الفيلم من هذا الحدث (الذي انتهى كما نعرف مسبقا بفوز مصر واحد صفر وحصولها على البطولة) "موتيفة" أو اللحن المتكرر الذي يجمع كل الشخصيات من كل الطبقات وعلى كل المستويات، ويجعلها تضل وتتوه وتتصاعد وتيرة رغبتها الهستيرية في الحصول على التعويض النفسي الجماعي عن طريق الانتشاء بتسجيل هدف أو الحصول على "النصر" في الملعب بينما يحصد الجميع كل الهزائم في الواقع. وعندما يأتي النصر في المباراة في نهاية اليوم، يكون الغطاء قد انكشف عن كل إفرازات الهزيمة الاجتماعية على بساط الحياة.

مسخرة
وبدلا من جعل هذا اليوم يوم فرح وانتصارات وتفاؤل وأمل يجعل منه السيناريو وأسلوب معالجة السيناريو سينمائيا من خلال الإخراج والأداء التمثيلي، نوعا من "المسخرة" فالجميع، الذين تبدو مصالحهم ومشاربهم متناقضة أو متفاوتة يتفقون على الاهتمام بالمباراة القادمة، ويتحسبون ويستعدون لها: ضابط الشرطة لا يهتم باجراء التحقيق المطلوب مع المذيع التليفزيوني الذي يتصور أنه يصدم بسيارته طفلا صغيرا هو حفيد سايس موقف السيارات بينما الحفيد يمثل تمثلية يتحايل من خلالها للحصول على تعويض مالي، ونيللي كريم الممرضة المحجبة وحبيبها العامل في محل الأطعمة الشعبية ينتقم منهما أمين الشرطة الفاسد بعد أن ترفض الفتاة الاستجابة له والذهاب معه متخلية عن موعدها مع الحبيب أو الخطيب المنتظر.
والمستشفى التي يتوجه إليها المذيع بالطفل الجريح (ولو تمثيلا وتحايلا) يتوقف تماما عن العمل وعن الاهتمام بتقديم الاسعافات اللازمة للطفل المصاب ولغيره من المرضى، فالكل في انتظار المباراة الكبرى.
وهناك العارضة "زينة"- شقيقة نيللي كريم - التي تحولت، على النقيض من شقيقتها، إلى مغنية للأغاني الشائعة التافهة وهي القادمة من بيئة شعبية (تقطن أحد الأحياء العشوائية) وتقبل بإقامة علاقة جسدية مع "حسين الإمام" منتج الأغاني المصورة (المعروفة بالفيديو كليب) رغم حبها بمساعد الكوافير (أحمد الفيشاوي). وهي تستغل الفرصة اليوم وتقدم أغنية من تلك الأغاني الهابطة التي تتغنى فيها بالمنتخب الوطني وبالحلم الوطني الكاذب، بالنعرة الوطنية الشوفينية التي يسخر منها الفيلم في هذا المشهد بشكل واضح وغير مسبوق في السينما عموما، مما يجعله يقول الكثير عن تدني شخصية الإنسان الفرد وتدني طموحاته.
يستغل الفيلم فكرة المباراة النهائية في البطولة الافريقية لكشف عورات المجتمع وما حدث له من تشوه، ليس من خلال شعارات أو كلمات كبيرة، بل من خلال نسيج العلاقات والتفاصيل الصغيرة بين الشخصيات.
المرأة "البلانة"- أي تلك التي تعمل على تجميل النساء في البيوت (تؤدي الدور انتصار في أفضل أداء على الإطلاق في الفيلم كله)- تحتال وتوهم زبوناتها من النساء بأنها تقدم لهم إحدى مواد التجميل "المستوردة" بينما هي تقوم بتركيب "الاختراع" بنفسها بخلط مواد بدائية تنتج عنها التهابات شديدة في الجلد كما نرى.
ابنها "أحمد الفيشاوي" مساعد الكوافير، يغش ويسرق معلمه صاحب المحل، ثم يسعى أيضا لسرقة الزبائن منه إلى المحل الذي يعتزم هو افتتاحه لحسابه.
المذيع التليفزيوني خالد أبو النجا (المسيحي) الذي أدمن الخمر ربما هربا من شعوره بالتوتر بسبب مشكلة إلهام شاهين التي تكبره في السن والتي أقام معها علاقة جسدية، والتي تحمل منه دون أن تنجح أبدا في الحصول على الطلاق من زوجها بسبب تعنت الكنيسة ورفضها الطلاق حسب قوانينها الخاصة العتيقة.
وهكذا تدور الأحداث وتتشابك وصولا إلى حالة النشوة التي تشبه الغيبوبة الكاملة بفوز منتخب كرة القدم، وكأن لا شيء يحدث سوى الاستغراق في مزيد من الأوهام.. أوهام المجد والنصر بينما الجميع يواصلون الاحتيال على بعضهم البعض.

روح الفيلم
ولاشك أن كاملة أبو ذكري نجحت في تجسيد السيناريو، ونجحت في إضفاء طابع الكوميديا الاجتماعية على فيلمها. وهذا النوع عادة ما يرتبط بالمبالغات وبالتصوير الكاريكاتوري للشخصيات، لكنها نجحت في تجنب المبالغات رغم بعض المغالاة أحيانا كما نرى في المشهد الذي يسخر فيه المذيع من المغنية ويهينها، أو كما في مشهد الحافلة عند تصوير رد فعل الناس بعد محاولة رجل اغتصاب "انتصار" أمام الجميع بعد تلامس جسدي مثير. وإن كانت المخرجة نجحت في تركيب المشهد منذ البداية بحيث تجعل انتصار أيضا تكاد تستجيب، كامرأة وحيدة وهبت نفسها سنوات طويلة لتربية ابنها الوحيد، لنداء الرغبة، أو على الأقل تسرح بفكرها في ثنايا الشوق إلى لحظة لقاء جسدي من خلال لقطات "الفلاش باك" قبل أن تستفيق على الفعل الخشن من جانب الرجل الجالس إلى جوارها وتعود إلى التمسك بل والمغالاة في التمسك بالمفهوم الاجتماعي السائد لفكرة "الفضيلة".
هذا المشهد الجريء الذي يقتحم المسكوت عنه، جنبا إلى جنب مع تصوير العلاقة بين "إلهام شاهين" المنفصلة دون طلاق عن زوج لا تريده، والتي تصارع الكنيسة للحصول على حقها في الزواج ممن تحب، وترفض اللجوء إلى الإجهاض للتخلص من الجنين، كما ترفض تغيير دينها واعتناق الإسلام كما يقترح محاميها، ضمانا للحصول على الطلاق، وهو ما يجسد التناقض الكائن داخل الكنيسة كرمز من رموز المؤسسة الاجتماعية القائمة، التي تدعي ظاهريا، المحافظة على القيم، فيما تحول بتمسكها بالقوانين العتيقة بين المرأة والحصول على حقها الطبيعي في إقامة علاقة شرعية مع من تحب.
هذا الجانب في الفيلم، الذي لا يحتل سوى مساحة صغيرة، هو الذي أقام الدنيا ولم يقعدها، بعد أن رفع البعض دعاوى قضائية ضد الشركة المنتجة والمخرجة والممثلة، علما بأن كاتبة السيناريو مريم ناعوم تنتمي لأسرة مسيحية وتعرف عما تتكلم. وما المانع إذا كانت تدعو في فيلمها إلى تغيير التقاليد والقوانين العتيقة البالية لصالح الإنسان.. وهل جاء الدين لمعاقبة الإنسان أم لوضع أسس لسعادته في الدنيا والآخرة!

الفيلم كله مصور باستخدام الكاميرا الحرة المحمولة على الكتف بغرض إضفاء الواقعية على الشخصيات والأحداث، لكن هناك إفراطا، في مشهد أو اثنين، في استخدام الحركة الأفقية السريعة pan من اليسار لليمين وبالعكس، للانتقال بين شخصيتين تتحاوران بطريقة تعكس قدرا كبيرا من التوتر الذي لا يخدم هدفا، ولا يجسد فكرة بل يشتت المتفرج ويجعله يشعر بالاصطناع الواضح في تحريك الكاميرا. ولا أدري ما الذي يدفع كاملة أبو ذكري إلى هذا النوع من المراهقة التقنية في استخدام الكاميرا!
ولعل من المآخذ التي يمكن رصدها على الفيلم أيضا جنوحه إلى المغالاة في الشرح وإلى إضفاء منطق على الأشياء، بينما في هذا النوع من الأفلام تحديدا (الكوميديا الاجتماعية) لا تكون هناك حاجة إلى الشرح والتفسير والتبيان. ولعل مشهد المواجهة بين الهام شاهين ومحاميها مثال على ذلك، فهو كله مبني على اللقطات المتوسطة المتبادلة عن طريق القطع، والحوار الذي تردده الشخصيتان هو حوار مصطنع يذكرنا بالحوار في المسلسلات التليفزيونية، أي حوار يبدو مقتبسا من الكتب والمقالات، لكي ينقل للمشاهد أكبر قدر من المعلومات. وهو بالتالي نموذج للحوار غير السينمائي الذي يجب أن يتميز بالتلقائية والبساطة والتناسب مع طبيعة الشخصية التي تنطق به.
ويتميز الفيلم بإيقاعه السريع المتدفق، وبانتقالاته السلسة بين الشخصيات، وبمنحها جميعا مساحات جيدة، رغم أن شخصية الممرضة (نيللي كريم) تختفي لبعض الوقت قبل أن تعاود الظهور. ولا يهبط الإيقاع سوى في المشهد الذي يتوقف أبو النجا فيه على بوابة المستشفى في انتظار أن يفتحه له الحارس ليدخل بسيارته وهو مشهد لا حاجة ليه في السياق.
الأداء حماسي من جانب الجميع باستثناء أداء خالد أبو النجا في دور المذيع. والحقيقة أن خالد يؤدي الدور كما يؤدي كل أدواره في سائر الأفلام التي يمثلها، أي بنوع من التكاسل والآلية والتهام مخارج الحروف والكلمات. وأظن أنه في حاجة إلى تدريب شاق على النطق وعلى الأداء التمثيلي باستخدام صوته، حتى يمكنه الابتعاد عن النمطية. فالملاحظ أنه لا يتعلم شيئا من كثرة ظهوره في الأفلام وهي آفة لا علاج لها إلا بالخضوع للتدريب إذا كان حقا يريد أن يواصل ويصبح ممثلا حقيقيا.
لا يبتعد الفيلم بالتأكيد تماما عن السينما السائدة، لكنه يسعى بجدية إلى تجاوز قوالبها وحبكتها وأبنيتها الفنية، ويعكس بروحه الساخرة "رؤية" حارة وصادقة لأصحابه، ستنجح، إذا أتيح لها أن تمتد على استقامتها، في تجاوز السمات التقليدية للفيلم المصري.
ويبقى أهم ما في الفيلم روحه المعاصرة التي تتكلم عن أناس وأشياء يعرفها المشاهد جيدا حقا، لكنه يراها في سياق العمل الفني كما لو كان يراها للمرة الأولى.. وهذا هو سحر السينما.

الثلاثاء، 21 أبريل 2009

معركة حديثة .. دراما تسجيلية : سرقة أم تناص؟


بقلم: حسن الكعبي

لا يوجد ما يدعو للتساؤل عن كون المقال الموسوم - معركة حديثة دراما تسجيلية عن ‏واقعة حقيقية للكاتب حسين علي ؟! - والمنشور في مجلة الشبكة العراقية / في العدد الواحد ‏والعشرين بتاريخ 4/5/ 2008، عما اذا كان المقال تناصا ام سرقة لانه وببساطة، مقال ‏مسروق حرفيا ودون أي تغيير من مقالين احدهما للكاتب أمير العمري الذي نشر في موقع ‏البي بي سي اربك كوم بتاريخ 16 /4 /2008 مقاله المعنون(رؤية سينمائية بريطانية لمعركة ‏حديثة) والآخر للدكتور إبراهيم علوش الذي نشر مقاله (فيلم معركة حديثة محاولة ‏بريطانية لتقليد افلام هوليوود الحربية بنكهة انسانية مفتعلة) في موقعين هما (مدونة القومي ‏العرب بقلم: حسن الكعبيي، والبصرة منبر العراق الحر).
لكن الطريف في تساؤلي هذا الذي أثبته بوصفه ‏عنونة لمقالي انه ورد وعن طريق الصدفة - طبعا - وجود مقال في نفس العدد من مجلة ‏الشبكة العراقية للدكتورة بشرى موسى صالح بشأن مصطلح التناص في فضائيه العربي ‏والغربي وعن كيفية تطوير جوليا كريستفيا له كنظرية لعلم النص في اطار استفادتها من ‏حوارية باختين او البولوفونية (تعددية الاصوات) التي تشير الى الكرنفالية والتنافذات ‏الاجناسية باعتبار ان علم الانثروبولوجيا وجد ان ثمة مشابهات عائلية لمسرودات ‏ومثيولوجيات بين الشعوب، تسمح ببلورة مفهوم للهوية المرنة، لكن هذه المشابهات لا تعني ‏وذلك ما أوضحته الدكتورة أن يقوم فرد ما بنسخ تجربة الآخر ويدعي إنها تنتمي إليه (لأنه ‏في هذه الحال يتعدى الامر كونه تناصا ليغدو سرقة ليس إلا) وإلا فما الجدوى من البحث ‏والتقصي.. الخ من مشترطات الكتابة ؟
ان هذه الخصائص إنما هي تقاليد مهيمنة يعمل المبدع على تذويبها في منظومته وتطويعها ‏بحيث إن هذه التقاليد تعمل على إظهار قدرة المبدع وموهبته في الابتكار من داخل هذه ‏المهيمنات واعتقد إن التناص وتقسيماته أمر معروف بالنسبة للانتليجنسيا عموما..
لكن الإشارة ‏لمقال الدكتورة يصلح مبحثا تطبيقيا لمقال (حسين علي) الذي أشرت إلى انه مسروق من ‏المقالين المذكورين. ‏توخيا لعدم الإطالة فإنني سأثبت سرقة الكاتب عبر توليفه بين المقالين المجني عليهما من ‏خلال إثبات الجمل الأولى المسروقة انتقالا إلى الجمل الأخيرة أي عبر القفز على متواليات ‏الجمل التي تقع بين طرفي الجمل الأولى والأخيرة والتي ستنوب عنها علامات التنقيط،‏وذلك لان مقالة حسين علي انتحلت مقالتي علوش والعمري بالكامل وان كان العمري هو ‏المجني عليه كليا كما سيتضح لاحقا، وبالتالي فان مقالي سيشغل حيزا كبيرا من مساحة ‏المجلة هذا من جهة ومن جهة أخرى فإنني حددت المواقع التي نشرت فيها هاتين المقالتين (‏المجني عليهما) ولذلك يمكن للقارئ الاطلاع عليهما، كما إني سأقوم بتثبيت مقاطع النصوص ‏الأصلية من دون اللجوء للمقارنة مع النص المنتحل لأن المقالة المنتحلة (بكسر الحاء) منشورة ‏حديثا وبإمكان القارئ أن يقوم بنفسه بالمقارنة (باستثناء بعض المقاطع التي سأقوم بمقارنتها ‏مع النصوص الأصلية لأنها خضعت للتقديم والتأخير والحذوفات الطفيفة)‏.
ولنبدأ بالعمري حيث يقول في ثنايا مقاله (ولا يجعل برومفيلد فيلمه يتمحور بين الأبيض ‏والأسود، بل ينجح في تحقيق التوازن في بناء الشخصيات.....دون أن يبرر لهم).‏انتحل حسين علي هذا المقطع وجعله مقدمة للمقال، لكن عبر تقديم بعض الجمل وتأخير ‏بعضها على هذا النحو (نجح المخرج البريطاني برومفيلد في فيلمه الأخير معركة حديثة في ‏تحقيق التوازن وبناء الشخصيات، ولم يجعل فيلمه يتمحور بين الأبيض والأسود.....دون أن ‏يبرر لهم).

يترك العمري ليتابع في المقطع التالي هذه المرة وحرفيا من دون أي تقديم أو تأخير الانتحال من ‏مقطع في ثنايا مقال الدكتور علوش حيث يقول هذا الأخير (فيلم معركة حديثة ليس فيلما ‏وثائقيا. بل......... في غرف منازلهم).‏
ويتابع انتحاله لعلوش بعد حذف بعض الجمل(وقد نقل نك برومفيلد القادم من تقاليد الأفلام ‏‏....... سبق أن قاتلوا في العراق) إلى هذا الحد ينتهي من علوش ليعود للعمري وحرفيا هذه ‏المرة لينتحل من البداية في مقال العمري الذي قسمها سياقيا وفق ثلاثة محاور على النحو ‏التالي (محاور الفيلم يعيد المخرج- المؤلف برومفيلد رواية ما وقع من خلال ثلاثة محاور ‏درامية : الأول محور المسلحين....... جنود المارينز. حياة أسرة عراقية المحور الثاني ‏يركز على أسرة عراقية...... القتل الجماعي المجنون. أما المحور الثالث فيركز على ‏فصيلة الجنود المارينز........ في البدن) ويتابع انتحاله للعمري بدون تقديم وتأخير و لكن ‏بحذف واو العطف وتحويل الفعل المضارع إلى فعل ماض يقول العمري (ويسيطر برومفيلد ‏سيطرة مدهشة على الأداء التمثيلي....... (حيث جرى تصوير الفيلم)) في حين يقول ‏حسين علي - في إطار الانتحال - (سيطر برومفيلد سيطرة مدهشة على الأداء التمثيلي ‏‏........(حيث جرى تصوير الفيلم)) ويتابع انتحاله للعمري حتى في الخاتمة التي عنونها ب ‏‏(مشاهد القتل)وهو العنوان الفرعي نفسه الذي وضعه العمري، وهذه المرة من دون أي تغير ‏اللهم إلا حذف واو الاستئناف حيث يقول العمري (ويصور برومفيلد مشاهد القتل........ ‏في،، معركة الجزائر،،) ويتابع حسين علي في إطار الانتحال ذاته، ولكن هذه المرة ‏بحذف أداة النصب (إن) حيث يقول العمري (إن فيلم،، معركة حديثة،، رغم أي ‏ملاحظات......... في تجربة شديدة الجرأة والشجاعة). وبالخاتمة نفسها يختتم حسين علي ‏مقاله المنتحل.‏
أعتقد إن الإجابة التي أكدت في مطلع مقالي ستتضح (ان لم تكن قد اتضحت) بمجرد عودة ‏القارئ إلى النصوص الأصلية التي ذكرت مواقعها ومقارنتها بالنص المنشور في مجلة يعتز ‏بها القراء لرصانتها وهذا دافعي الأول للتصدي لمثل هكذا سرقات (ولي من بعد هذا مآرب ‏أخرى).‏

رابط: مقال أمير العمري عن فيلم "معركة حديثة" في موقع بي بي سي


الأحد، 19 أبريل 2009

فيلم "ميكانو": تمصير ممسوخ لفيلم لا يقدم شيئا

شاهدت فيلم "ميكانو" للمخرج محمود كامل في مهرجان تطوان السينمائي. ولاحظت من أول وهلة غرابة الموضوع وأجوائه تماما عن سينمانا بل وعن واقعنا وانعدام صلته بإيقاع الحياة المصرية وبالسمات السائدة في المجتمع ولو حتى من الناحية الشكلية الخارجية.
هذا فيلم يدرك المشاهد من أول وهلة، أنه فيلم أجنبي جرى تمصيره ولوي عنق أحداثه بقوة لكي تتلاءم أحداثه وشخصياته مع الممثلين الذين سيقومون بأداء الأدواء الرئيسية.
وفي مناقشة مع المخرج مجدي أحمد علي عقب مشاهدة الفيلم أكد لي مجدي أن الفيلم فعلا ممصر، وذكر أنه مأخوذ عن فيلم أمريكي هو فيلم "50 موعدا أول" (2004) First 50 Dates من اخراج بيتر سيجال، وكان مجدي قد شاهده ولم أشاهده. وقد حصلت على الفيلم وشاهدته لكي أتأكد من حقيقة نقله مع التصرف والتعديل إلى السينما المصرية، فبدلا من الفتاة التي تفقد الذاكرة نتيجة تعرضها لحادث، هنا شاب هو الذي يفقد ذاكرته تماما بين فترة وأخرى، بسبب ورم في المخ كان قد أزيل بعملية جراحية. وقد أحكم شقيقه الأكبر السيطرة على حياته بالكامل ومنعه من الخروج من المنزل وأبقى عليه معزولا عن العالم الخارجي يأتيه بكل ما يحتاج إليه، على اعتبار أنه "ثروة قومية" أو بالأحرى ثروة عائلية خاصة يستفيد منها الشقيق بل ويتعيش عليها أيضا!
فالأخ الذي يفقد ذاكرته، الذي يقوم بدوره الممثل تيم الحسن، مهندس معماري عبقري يقدم من التصميمات الفنية ما يعجز أي عقل بشري في مصر من تقديمه لمشاريع طموحة، ويقوم الشقيق بتسويق هذه التصميمات الفذة لشركات الإنشاءات مقابل مبالغ مالية كبيرة.
والسؤال البديهي هنا: إذا كان صاحبنا هذا يفقد ذاكرته تماما بحيث لا يتذكر حتى تلك الفتاة الجميلة التي قابلها قبل أسبوع (تقوم بالدور الممثلة نور) فكيف يظل محتفظا بذاكرته الهندسية طوال الوقت، يعرف بدقة كل الخطوط والأشكال ويمكنه التجويد والابتكار دون أي اضطراب!
لا يوجد في الفيلم أي تطور درامي حقيقي بل مجرد مجموعة من المشاهد التي تعكس أولا خشية الشقيق من افتضاح حقيقة شقيقه مما يمكن أن يؤدي إلى تخلي الشركات عن الاستعانة برسومه (وهو ما يحدث فيما بعد بالفعل) دون أن نعرف السبب، فماذا يهم من أمر الحالة الصحية للأخ العبقري طالما أن رسومه العبقرية تؤدي الهدف المطلوب!
ثانيا: نتابع تطور قصة الحب التي تبدأ أولا من طرف نور تجاه الأخ تيم الحسن، ثم يتجاوب معها تيم الحسن فيما بعد في أداء آلي كسول، وبطريقة نمطية تجعله يبدو أقرب إلى البلاهة منه إلى الشخص فاقد الذاكرة أو الذي يخشى أن يفقدها (في لحظات استفاقته بالطبع من نوبات الفقدان المتعاقبة التي لا نعرف متى تأتي)!
هناك استطرادات كثيرة في تفاصيل لا معنى لها سوى أنها تراكم من التأكيد على الفكرة البدائية القديمة التي تقول إن الحب يحقق المعجزات، ويصبح بالتالي بطلنا "تيم"، متيما بحب نور وعلى استعداد للتضحية بكل أموال الدنيا من أجلها رغم تحذير شقيقه له عدة مرات مما يمكن أن يؤدي إليه استغراقه في تلك العلاقة، ملوحا له باحتمال أن يرتد فاقدا الذاكرة، فلا يستطيع أن يتعرف عليها بعد ذلك.
أداء نور في دور الحبيبة التي لا تكف عن محاولة مساعدة حبيبها على التذكر ورغبتها في أن يبادلها الحب وأن يطلق العنان لمشاعره، هو أداء لا بأس به في اطار الحدود المغلقة للدور وطبيعته الرومانسية البسيطة.
أما الأداء الأكثر بروزا وتأثيرا في الفيلم ولعله أيضا الحسنة الوحيدة هنا، فهو أداء الممثل خالد الصاوي الذي يتقدم بقوة فارضا نفسه كأحد الممثلين الكبار في السينما المصرية، فهو يضفي الكثير بأدائه الواثق المعبر، وقوة شخصيته، على دور الشقيق المهيمن الذي يحب شقيقه ويخشى أيضا عليه، كما يخشى ضياع المستقبل إلى أن يستسلم للواقع ويقبل بحقيقة أن الحب يمكنه أن يصنع المعجزات، فيتخلى عن محاصرة شقيقه.
الأخ وائل حمدي (وهو صحفي يشاهد الأفلام ويكتب عنها أحيانا) يضع اسمه على الفيلم ككاتب للسيناريو متصورا أن لا أحد غيره شاهد الفيلم الأمريكي، وكان حري به أن يشير إلى اقتباسه له عن الفيلم الأمريكي، لكنه لم يفعل بل صرح بأن الفكرة من وحي خياله:
"فكرة الفيلم كانت من وحى خيالى، ولم أكن أعلم أن مرض فقدان الذاكرة المؤقت حقيقى، وعندما كتبت قصة قصيرة فى مجلة «جود نيوز سينما» عام ٢٠٠٥ بمناسبة عيد الحب، نشرت ضمن مجموعة قصص لأصدقاء فى المجلة، وبعد ذلك تلقيت اتصالا من صديق أبلغنى أن الحالة المرضية التى تعرضت لها فى القصة حقيقة، وأكد لى أن فقدان الذاكرة بشكل دورى حالة علمية وبعض الأفلام الأمريكية استعانت بها فى أفلام كوميدية ومن هنا بدأت أهتم بالموضوع بشكل أكبر" (جريدة "المصري اليوم"- 4-2-2009).
هذا هو الحال اليوم في السينما المصرية السائدة، فلا يبدو أن أحدا يمانع: لا المخرج ولا الشركة المنتجة، ولا نقاد ذلك النوع من السينما الذين اعتبروا الفيلم "من أفضل أفلام الموسم" كما قرأت، بل ولا حتى الجمهور الذي يرغب في رؤية أحلامه المجهضة باستمرار تتحقق على الشاشة: في الحصول على الحب رغم كل المعوقات، ولو خارج الدنيا وخارج التاريخ!

الأربعاء، 15 أبريل 2009

"سميرة في الضيعة": الجنس في الغرب فقط!

ضجة كبيرة أثارها ظهور الفيلم المغربي "سميرة في الضيعة" للمخرج لطيف الحلو، منذ بدء عروضه في المغرب محققا اقبالا جماهيريا كبيرا. والسبب يعود إلى أن الفيلم يتناول "تابو" الجنس المستقر عميقا في الضمير العربي، وإن لم يكن في التراث العربي الذي يتضمن أكثر أنواع "الخيال الجنسي" إيغالا في الحسية والتصوير الحسي.
الفيلم الذي كتب له السيناريو ابراهيم هاني وأخرجه لطيف الحلو، يقوم على البناء الدرامي التقليدي (الأرسطي) أي يعتمد على وحدة الزمان والمكان والحدث، كما يتضمن بداية وذروة ونهاية، ويدور بين عدد محدود من الشخصيات هي هنا، مرة أخرى، الزوج والزوجة والعشيق: أي الثلاثي الشائع في الدراما الغربية لعقود.
الزوجة هي سميرة (سناء موزيان) إبنة الأسرة الفقيرة من الدار البيضاء التي ترغب في الزواج لكي تتحرر كما تظن من قيد الأسرة، والزوج هو إدريس (محمد خوبي) في الخمسينيات من عمره، وصاحب الضيعة والأرض الزراعية التي يسخر في العمل فيها عددا من المزارعين والعمال، والعشيق الذي سيكون، هو فاروق (يوسف بريطل) ابن شقيقة ادريس، وهو شاب يتمتع بالقوة والوسامة، يستقدمه الزوج لكي يساعد زوجته في كل ما يتعلق بأشغال المنزل.
سميرة تتزوج وتغادر المدينة إلى الريف، وبينما تتصور هي أنها تترك عالمها المغلق المقيد إلى حيث الحرية، تصبح الضيعة بمثابة السجن، سجن الحياة العقيمة الجافة التي تخلو من كل ود وحب، والأهم، من الإشباع الجنسي والارتواء الجسدي.
الزوج لا يشغل باله إلا أمران فقط: محصول الأرض ووالده المقعد العاجز. ويتعين على سميرة أن ترعى الوالد المشلول، وتعاني من أجل ذلك كثيرا، وهنا يأتي دور فاروق، الذي يبدأ في القيام بكل أعمال المنزل، بل إنه يقوم أيضا بطهي الطعام فيتحول من مجرد مساعد إلى شخص يهيمن على الأمور داخل البيت.
إدريس الزوج المشغول البال بأمور زراعته وتجارته عاجز جنسيا من البداية بل إنه لا يحاول حتى مجرد المحاولة الاقتراب من زوجته المثيرة جسديا التي تلجأ إلى كل ما تستطيع من وسائل لاثارته ولكن دون جدوى.
ويقع المحظور بالطبع، فتقيم سميرة علاقة جنسية عنيفة مع فاروق الذي يبدو في البداية مترددا قبل أن يستسلم للإغواء الذي لا يقاوم.
الزوج العاجز الذي يدرك عجزه، ويدرك أنه أتى بفتاة فقيرة اشتراها كزوجة- جارية- خادمة ،تسهر على خدمة والده أساسا، وسترا للمظهر الاجتماعي التقليدي في الريف، يبدأ في الشك فيما يمكن أن يحدث أثناء غيابه في العمل.. ثم يتيقن من وقوع المحظور، فيقوم بطرد فاروق من المنزل رغم بكاء الزوجة واستعطافها له أن يتركه، فهي تعرف أن خروجه من المنزل يعني الحكم عليها بالوحدة الأبدية داخل الجدران الأربعة للمكان المعزول.
الفيلم كما أشرت، يقوم على الصراع الدرامي التقليدي الذي يتجسد بشكل مباشر وليس من خلال إيحاءات أو رموز كثيرة. هناك فقط الحذاء المدبب اللامع الذي تشتريه سميرة لفاروق عندما تذهب إلى المدينة للتسوق وتعود لتهيديه إياه لكنه لا يرتديه بل يحتفظ به داخل دولابه الخاص، إلى أن يعثر عليه الزوج المتشكك فيكون رمزا لوقوع المحظور بين فاروق وسميرة.
ولكي يكسر وتيرة الإيقاع البطيء لفيلمه يلجأ لطيف الحلو من خلال المونتاج إلى استخدام "الفلاش باك" أو مشاهد العودة إلى الماضي التي نرى من خلالها كيف كانت سميرة تقيم علاقة جسدية كاملة مع شاب تحبه وترغب في الزواج منه لكنه يرفض أن يتزوجها رغم إلحاحها عليه، وهي مشاهد لا أرى إلا مغزى واحدا لها في سياق الفيلم، فهو يريد أن يقول لنا إن سميرة ضحية للرجل في كلتا الحالتين، سواء كان صحيحا أم عاجزا في إشارة إلى تخلف النظرة الذكورية للمرأة عموما في المجتمع الشرقي، فالذي يقيم علاقة عاطفية بما فيها الجنس يرفض الزواج من الفتاة التي أقام معها تلك العلاقة، والزوج العاجز جنسيا يرفض تطليق زوجته وإطلاق سراحها حتى تجد رجلا آخر يتزوجها، بل يعتبرها من ممتلكاته الخاصة التي لا يجوز التفريط فيها، وإلا أصبح الأمر نوعا من "العار"، وهي بالطبع نظرة إقطاعية ترتبط بقيم عتيقة، لا أظن أنها منتشرة على نطاق واسع في مجتمع المغرب حاليا.
هناك سيطرة لا شك فيها على الممثلين الذين يبدو أداؤهم جميعا في أحسن مستوياته، وهناك اختيار جيد لأماكن التصوير، وسيطرة على المشاهد، واحكام في التنفيذ بعيدا عن كل "شطحات" الإخراج السائدة في الكثير من الأفلام المغربية. لكن هناك أيضا نوع ما من الشعور بغرابة ما في سياق الأحداث والشخصيات رغم أنها ترتدي ملابس مغربية وتتحرك في ديكورات طبيعية مغربية وتتحدث باللغة العربية وباللهجة المغربية، هذا الإحساس بالغرابة قد يكون نابعا من استلهام موضوع الفيلم من بيئة أخرى، قد تكون اسبانية مثلا، فهو يذكرني بالفيلم الاسباني (القطالوني) البديع "السنيورة"La senyora (إخراج جوردي كادينا- 1987) وهو أيضا عن موضوعة القهر الجنسي كمرادف للقهر الاجتماعي، ويتضمن تحديدا ثلاثة شخصيات هي: الزوج (وهو عجوز منفر عاجز يتقزز من الجنس) والزوجة الحسناء التي تتفجر بالأنوثة، والخادم الوسيم). وكانت أحداث ذلك الفيلم تدور أيضا في ضيعة بالريف الإسباني، ويحتوي على الكثير من المشاهد الصريحة في الأداء الجنسي.
هنا مع فيلم "سميرة في الضيعة" قامت الضجة الكبرى في الإعلام الذي يبحث عن أي شيء مثير، بسبب كون هذا الفيلم يصور فكرة العجز الجنسي عند الرجل والرغبة الجنسية عند المرأة، ويصور مشاهد للزوجة وهي تمارس ما يعرف بـ"العادة السرية" (وهي تسمية خاطئة علميا على أي حال)، وأخرى للعلاقة الجنسية بين فاروق وسميرة وإن كنت أرى أن تلك المشاهد صورت من جانب لطيف الحلو على استحياء شديد وراعت عدم خدش حياء الجمهور في المغرب وفي العالم العربي عموما، الذي لا يمانع من مشاهدة مشاهد العري والجنس في الأفلام الأجنبية، بينما تصدمه مشاهد أقل حدة في الأفلام العربية، فاللحم الأجنبي "حلال" أو مستباح لنا لمشاهدته، أما نحن فالجنس في حياتنا مستور ومحجوب ووراء الستار ولا يجب أن نتكلم عن مشاكلنا الجنسية ولا هواجسنا ولا نعبر عنها بأي شكل من الأشكال، في القصيدة واللوحة والسينما والرواية وإلا أصبحنا من الهراطقة، بل وكثيرا ما نتظاهر أيضا بأن الجنس "لا وجود له".. إلا في الغرب بالطبع!

الثلاثاء، 14 أبريل 2009

*عزازيل

رواية "عزازيل" التي فازت مؤخرا بجائزة بوكر العربية تأليف الدكتور يوسف زيدان، هي نموذج للعمل الملحمي الكبير الذي لا يطرق مؤلفه الطريق السهل بل يتعمق عبر طبقات من التاريخ، في بلاده وفي المنطقة عموما، ساعيا إلى سبر أغوار حقبة مجهولة لم يسبقه أحد في التعرض إليها على صعيد الابداع الأدبي.
والرواية أساسا، عمل فني كبير يقوم على أسس وحقائق تاريخية في شخصياتها وأحداثها، مع مزجها وتغليفها بالخيال الروائي الجميل، وهي تشبع الباحث في التاريخي والجمالي والسياسي والديني والايروتيكي في وقت واحد، وأهم ما يميزها التجرؤ على شق الظلام الدامس، وإخراج المسكوت عنه.
إنها أساسا رواية عن طعم الحرية، عن طريق التأمل في مغزى القهر باسم الدين، ولعل كاتبها يتمثل التاريخ لكي يسقطه على الحاضر، فهي رواية ليست بعيدة بمعانيها المتعددة وطبقاتها المتركمة فوق بعضها البعض، رغم أنها تغوص في التاريخ وصولا إلى القرن الرابع الميلادي.
وما الضجة والغضب والرفض من جانب كل من الجهات المتشددة المتزمتة على الطرفين، المسلم والمسيحي، إلا لأن الرواية عمل إبداعي كبير ينتصر للفنان، وللمفكر ضد سلطة القهر سواء جاءت من الكنيسة أم الجامع، باسم محمد أو باسم المسيح.
وربما إذا كانت الرواية قد صدرت في مجتمعات تتمتع بقدر حقيقي من الحرية لأنتجت هذه الرواية في السينما والتليفزيون، بل ولتقرر تدريسها على طلاب المدارس العامة، فهي تحفة فنية بصورها وبنائها بل واهتمام مؤلفها الكبير بالكشف عن كنوز خافية في اللغة العربية.و"عزازيل" أيضا عمل أدبي يتجاوز بكل أسف الحركة النقدية العربية السائدة ويكشف تهافتها وعجزها عن مسايرة الإبداع واللحاق به شأنها شأن حركة النقد السينمائي التي لاتزال حائرة، تواصل الدوران بين "الشكل والمضمون"!

الاثنين، 13 أبريل 2009

مهرجان تطوان السينمائي الـ15


أجمل ما في مهرجان تطوان السينمائي هو أنه لايزال رغم زحف الدولة عليه، يتمتع بطابع حميمي بفضل مجموعة من المخلصين من عشاق السينما الذين أسسوا سويا هذا المهرجان قبل أكثر من عشرين عاما، من خلال جمعية خاصة صغيرة لمحبي السينما أو بشكل دقيق "جمعية أصدقاء السينما بتطوان"، وأقاموه في البداية كحدث يقام كل عامين على غرار مهرجان قرطاج السينمائي الذي ربما يكون المهرجان الوحيد الدولي في العالم العربي، الذي ينعقد كل عامين بالتناوب مع مهرجان قرطاج المسرحي.
فرسان المهرجان يتقدمهم أحمد الحسني، ثم ادريس السكايكة وعبد اللطيف البازي ونور الدين بن دريس.
وقد استمر الأمر على هذا النحو إلى أن تحول مهرجان تطوان قبل ثلاث سنوات إلى حدث سنوي، يحصل على دعم من الجهات الرسمية، ويستضيف عددا أكبر من الضيوف، ويحظى بشكل تنظيمي أكثر دقة.
دورة هذا العام التي اختتمت في الرابع من الشهر الجاري بعرض الفيلم التركي "القردة الثلاثة" للمخرج نوري بيلج سيلان. وشهدت الدورة تكريم السينمائي المصري الراحل يوسف شاهين، وافتتحت بعرض فيلم "اسكندرية ليه" في الافتتاح، إلى جانب عرض عدد من أفلام شاهين بعد ذلك منها "اسكندرية نيويورك" و"هي فوضى".
وقد كرم المهرجان أيضا الممثل المغربي الراحل حسن الصقلي ونظم ندوة حول دوره في السينما المغربية.
ونظم المهرجان ندوة حول سينما شاهين شارك فيها عدد من النقاد والسينمائيين منهم الناقد المغربي مصطفى المسناوي والممثل المصري محمود حميدة الذي شارك في عدد من أفلام شاهين، وتحدث عن تجربته في العمل مع المخرج الراحل الكبير.
شهدت المسابقة الرسمية للمهرجان وهي مخصصة كعادة المهرجان منذ تأسيسه، للأفلام من دول بلدان البحر المتوسط، عرض 10 أفلام روائية طويلة، و9 أفلام قصيرة، إلى جانب 11 فيلما وثائقيا في مسابقة خاصة بالأفلام المصورة بكاميرا الفيديو.
وغاب الفيلم السوري "أيام الضجر" للمخرج عبد اللطيف عبد الحميد بسبب تعذر وصوله، كما لم يحضر مخرجه. وغاب أيضا الفيلم الفلسطيني "المر والرمان" للمخرجة نجوى النجار. وكان الفيلمان قد أدرجا في جدول المسابقة.
أما باقي الأفلام المتسابقة فكانت من البوسنة (ثلج) وايطاليا (سونيتاولا) وفرنسا (مرحبا) واليونان (إصلاح) واسبانيا (خطيب لياسمينة) ورومانيا(الصرف) والمغرب (زمن الرفاق) وتركيا (مارلوني وبراندو) ومصر(خلطة فوزية) وفلسطين (عيد ميلاد ليلى).
المهرجان احتفى احتفاء خاصا بالسينما الاسبانية وعرض عددا من أفلامها، كما نظم استرجاعا لعدد من أبرز الأفلام المغربية التي أنتجت خلال السنوات الأخيرة.
رأس لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الطويلة المخرج المغربي الجيلالي فرحاتي، وشارك فيها سينمائيون ونقاد من اسبانيا وفرنسا وإيطاليا وتونس. ومنحت اللجنة جائزة أحسن فيلم للفيلم البوسني "ثلج". ولثم يحصل أي فيلم عربي على أي من جوائز لجنة التحكيم.

باعتباري من المهتمين بوجه خاص بدور العرض السينمائي، أود أن أذكر هنا أن في تطوان، تلك المدينة الواقعة في أقصى الشمال المغربي (قرب طنجة) والتي كانت واقعة تحت الاحتلال الاسباني العقود طويلة، داران للعرض أعتبرهما من أجمل دور العرض في العالم: هما اسبانيول وأبينيدا. وقد حضرت المهرجان أيام أن كانتا مهملتان تماما وفي حالة رثة بعد إهمالهما طويلا.
لكن الأمر تغير منذ سنوات بعد إعادة الرونق والسحر القديم إليهما وترميمهما بالكامل واستعادة كل الملامح الأصلية لهما بالتعاون مع معماريين ومصممين من اسبانيا وبالاستعانة بالرسوم والتصميمات الأصلية.
وكانت دار إسبانيول تأسست عام 1911 كمسرح ثم تحولت إلى دار للعرض السينمائي في الثلاثينيات من القرن الماضي، وأقيمت دار أبينيدا في 1945. وتتسع كل منهما لـ 1100 مقعد. ومشاهدة الأفلام في الدارين متعة للعين وللقلب حقا، فالصوت والصورة على أعلى مستوى من الوضوح والنقاء، والراحة متوفرة تماما في المقاعد، ولتطوان أن تفخر بأنها تضم هذين الكنزين النادرين من كنوز فن العرض السينمائي في عصره الأول الجميل.
سبق أن انتقدت بشدة مهرجان تطوان على سوء التنظيم وبعد تجربتي الشخصية معه في 2005 لكن هذه العيوب تم تجاوزها الآن بشكل يدعو للإعجاب، والأهم أن النقد لم ينقص الود بل بدا أن أصحاب الشأن فهموا وتفهموا!
جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2020- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com

Powered By Blogger