الخميس، 9 أبريل 2009

"خلطة فوزية": إطلالة على سحر الدنيا من داخل الهامش

يبدو فيلم "خلطة فوزية" للمخرج مجدي أحمد علي متميزا كثيرا بلغته التي تقترب من عالم السينما الفنية، رغم أنه مصنوع في إطار السينما السائدة، فمجدي أحمد علي يطور في إطار ما هو سائد، ويلعب، بقدر ما تسمح به شروط السوق، في المساحة الواقعة بين السينما الشعبية والسينما الفنية، وطبيعة موضوعات أفلامه قد تفرض عليه احيانا بعض الأنماط في الأداء التمثيلي أو القوالب التي يقصد من وراءها عادة الإضحاك أو التأثير الكوميدي الخفيف، وهو ما يبدو وقد أصبح أحد شروط هذه السوق السينمائية بتضاريسها القاسية.
ولعل أهم ما يميز الفيلم ليس واقعيته في رسم ملامح الشخصية الرئيسية وما يقع لها في حياتها الصاخبة التي تتميز بالجمع بين أزواجها السابقين كل أسبوع، والاعتناء بهم، والاهتمام بأولادها منهم.، بل تعبيره عن الواقع بلغته الخاصة، ومن خلال رؤية للواقع قد لا تحاكي الواقع نفسه بالضرورة.
فوزية المرأة من قاع المجتمع، التي تقطن حيا هامشيا فقيرا وإن كان يتمتع بجمال خاص كونه يقع في بقعة ساحرة تطل مباشرة على النيل، تتزوج رجلا وراء الآخر، وهي تتزوج في لحظة احتياج إنساني ونتيجة لشعورها الدائم ربما بـ"انعدام الآمان" والرغبة في الاحتماء بالرجل، لكنها سرعان ما تكتشف أن الرجل الذي تتشبث بالبقاء في ظله يخذلها، ويفصح عن شخصية أكثر ضعفا منها، بل إنها أقوى كثيرا في الواقع بكل ما تملكه من قدرة على الابتكار (في إعداد وجبة عذائية خاصة تثير الشهية والشعور بالمتعة يطلقون عليها خلطة فوزية بل هي خلطة السعادة) إلى جانب نجاحها في العمل على ترويج منتجها هذا، وتطويره، والعناية أيضا بالأطفال الكثيرين الذين تنجبهم من أزواجها الأربعة الذين تتلاشى أحلامها معهم بالحصول على "الستر" واحدا وراء الآخر، أساسا بسبب خيانتهم لها أو عدم تحقق إحساسها المنشود بالسعادة و"غياب البسمة من البيت".
لكن عند فوزية يجتمع الأزواج الأربعة كل اسبوع لتناول الوجبة المفضلة من يديها، والائتناس معا وزيارة أبنائهم منها، الذين لا تهمل تربيتهم أو العناية بهم جميعا.. إلى أن تلتقي بشاب يصغرها سنا، هو السائق "حودة" الذي سرعان ما يصبح الزوج الخامس والذي يبدو أن زواجها منه سيستمر هذه المرة.
لا أهمية كبيرة لرواية تفاصيل قصة الفيلم، فالأفلام تصنع لكي تُشاهد لا لكي تٌقرأ ملخصاتها، لكن من المهم رصد هذا الخيط الرئيسي في الفيلم لأنه المدخل إلى الموضوع بأسره: حكاية هؤلاء الناس الذين يعيشون على الهامش، يرتبون حياتهم بحيث تتجاور مصائرهم وتتشابك، يملكون القدرة على خلق الإحساس بالسعادة، كما يعرفون كيف يحزنون ويتضامنون معا في المصائب، وصحيح أنهم يخالفون القانون، لكن هذا أولا نتاج لإحساسهم بالظلم الاجتماعي وقسوة الحياة، ورمز في الوقت نفسه للتمرد على السلطة، سلطة الدولة القمعية التي لا تعرف سوى التهديد والوعيد. هنا مثلا يجعل سيناريو الفيلم من فكرة تضامن السكان من أجل بناء حمام عام يليق بإنسانية الإنسان ودون أن يتعرض لتلصص الآخرين حتى عند ممارسة الاحتياج الجسدي الطبيعي بين الزوج والزوجة (كما نرى في مشهد غير مسبوق في السنيما المصرية بين فوزية وحودة) رمزا ما للرغبة في التحرر، في الحصول على المبادرة الفردية دون انتظار لتدخل الدولة، بل إن الدولة ممثلة في القضاء والشرطة، تريد هدم البناء يدعوى أنه يقوم على أرض مملوكة للدولة، وضع الفقراء الهامشيين أيدهم عليها.


ميزة السيناريو
لاشك هنا أن سيناريو هناء عطية يتميز بأجوائه الخاصة الحميمية التي تشع منها عشرات الإسقاطات على ما يجري في الواقع ولكن من خلال رؤية ما "سحرية"، تلمس المألوف مما يجري يوميا في حياة المهمشين، جنبا إلى جنب مع لحظات تأمل في مسار الحياة وهي تفضي إلى الموت. فالموت حاضر في الفيلم بقوة. "سيد" السباك، الزوج الرابع السابق لفوزية يرغب في الزواج من صديقتها "نوسة" (غادة عبد الرازق) وفوزية التي تقيم وزنا كبيرا للصداقة والعِشرة والجيرة بل والتضامن بين النساء، ترحب وتساعد وتذهب بنفسها لكي تشتري للعريس ملابس الزفاف، وتقدم النصائح لصديقتها أيضا في كيفية استمالة الزوج وكسب وده، لكن سيد يلقى نهايته بالموت في موقف عبثي تماما ليلة زفافه عندما يصاب برصاصة طائشة.
والموت الذي يجاور الحياة ويبدو لصيقا بها حاضر بقوة أيضا من خلال شخصية الراقصة العجوز (نجوى فؤاد) التي تتشبث بالحياة بل وتتطلع إلى علاقة عاطفية مع البقال، في الوقت الذي اشترت فيه قبرها، بل وأخذت ترقد فيه لكي ترى ما إذا كان حجمه سيناسب حجم جسدها بعد أن تموت وتدفن هناك، وهي تموت بالفعل بعد قليل، دون أن نشعر بالطابع المأساوي لموتها، بقدر بل نشعر بحتمية مسار الأشياء، هنا يتجاور الحب والموت.. الراقصة كانت قد اشترت بما تبقى معها من مال هاتفا محمولا لكي تتحدث يوميا مع البقال الذي لا يبعد دكانه سوى خطوات عن منزلها. بل إن الفيلم أيضا يصور لنا الكثير من المظاهر الشعبية المرتبطة بالموت مثل تغسيل الميت ودق المسامير في النعش وزيارة المقابر وتوزيع شطائر "الرحمة" على الفقراء وغير ذلك، ومع تجاور مظاهر الحياة مع تقاليد الموت، ففي الطريق أثناء نقل النعش لدفن الميت، تلتقي عربة نقل النعش بسيارة رجال الاطفاء التي يعمل عليها أحد أزواج فوزية السابقين، وتتصاعد الضحكات والتعليقات التي تعكس التشبث بالحياة والسخرية من عبثيتها.
والموت أيضا يتجسد ويتوقف الفيلم أمامه كثيرا من خلال الميتة العبثية الأخرى للإبن المعاق لفوزية الذي يلقى نهايته بعد أن تصدمه سيارة وهو يعبر الطريق بعربة المعاقين.
ومن أجمل مشاهد الفيلم وأكثرها جرأة المشهد الذي يدور بعد العودة من دفن الإبن المعاق، حيث تجلس فوزية في صمت بينما يتناول الجميع الطعام ويضحكون ويتبادلون الحكايات، ومع تصاعد شعورها بالحزن تقلب المائدة وتطرد الجميع وتنفجر فيهم غاضبة بعد أن ظلت تكتم مشاعرها منذ أن تلقت خبر وفاة الإبن. وفي طقس يعود إلى بداية العلاقة بين الإنسان والكون، تتجه نحو شجرة في الفضاء، ترفع رأسها إلى أعلى وتناجي الله، وتساءل لماذا كتب عليها أن تفقد ابنها على هذا النحو!

مفهوم الواقعية
وربما كان من المهم التأكيد هنا على أن محاسبة الفيلم على مقدار واقعيته من حيث ما تتمتع به الشخصية الرئيسية من "صدق" هو مدخل يظلم العمل كثيرا، فالعبرة ليست بمدى مطابقة شخصية "فوزية" للواقع، أو مدى تطابق شخصيات الأزواج السابقين الذين يتقابلون أسبوعيا عندها بل ويتطرقون أحيانا إلى نوع من الإشارات اللفظية الواضحة التي تلمح إلى الجنس والتغزل في قدرات فوزية الخاصة ومفاتنها في هذا المجال، بل بما يكمن وراء تلك "الرؤية" السينمائية الخالصة التي قد تتجاوز كثيرا فكرة مطابقة الشخصيات أو حتى الأحداث لما يوجد بالفعل في قلب الواقع، وبما إذا كانت هذه الرؤية مقنعة وتتمتع بالحرارة سينمائيا، وهو ما يتوفر في الفيلم على نحو يتأكد من خلال اللغة السينمائية المستخدمة وأسلوب الإخراج والمزج بين صراحة الواقع ومباشرته، وبين ما يتولد من الشخصيات من مشاعر تأخذنا بعيدا عن الواقع إلى داخل النفس البشرية بتعقيداتها وعلاقتها بالكون وبالناس، بالحياة وبالحب والموت.
الأسلوب هنا يعتمد على السيناريو المتقن الذي يمنح مساحات كافية لكل شخصية: الأزواج الخمسة، فوزية وصديقتها نوسة والراقصة، والأم، ويجعل هذه الشخصيات تتمتع بالحرارة والحياة، ويضعها في مساحة ما بين الواقع الصلب والخيال السينمائي الجميل. وما المانع، فالسينما ليست فن مطابقة الواقع ولا حتى محاكاته مهما بالغ السينمائي في التوغل في تصوير المشاهد التسجيلية الطابع، كما يفعل مجدي أحمد علي هنا في لقطاته ومشاهده العديدة التي تدور داخل الحي "العشوائي" الشعبي بتفاصيله الحقيقية وديكوراته الطبيعية التي طوعها مصمم الديكور بحيث تصبح صالحة للتصوير مع تمتعها أيضا بجمال خاص رغم مظاهر الفقر الواضحة التي تتبثدى في جنباتها.
السينما تعتمد أساسا، على سينمائي يقدم "رؤيته" الخاصة للواقع وللدنيا والحياة والبشر كما يراها هو (يعبر عنها المؤلف ويجسدها المخرج) ومهما حاول أن يحاكي الواقع فإنه لا يمكنه أبدا مطابقته، لأنه يستخدم أدوات فنية مثل زوايا التصوير والمونتاج وأحجام اللقطات والإيقاع الخاص داخل المشهد الواحد، أو داخل الفيلم ككل.
في هذا الإطار يمكن فهم شخصية فوزية وأزواجها الخمسة، علاقاتها مع صديقاتها وجيرانها ودورها المحوري في المنطقة التي تسكن فيها، وعلاقتنا نحن كمشاهدين للعمل، نتلقى ما نراه ربما "خارجا عن المألوف" أو بعيدا عما نعرفه، غير أن استقبالنا له يعتمد على الصدق في التعبير، في الرؤية، في الأداء والتجسيد مهما بلغ من شطط بعيد عن المألوف.. فهل ما نشاهده في النهاية ممكن الحدوث دراميا أم لا، وما هي قدرة السينمائي وخياله الخاص على التعبير عنه بصدق.

رؤية متفائلة
مجدي يميل بالطبع إلى تغليب رؤية تفاؤلية تشيع بالمرح والتداخل بين الحكايات الشخصية الكثيرة المرتبطة بالشخصيات المتعددة: السباك الذي كان يراقب والده وهو طفل صغير كعامل للعرض السينمائي وولعه بالأفلام والخيال السينمائي ورشدي أباظة، السائق الرومانسي الذي يعرف كيف يقدم الورود لامرأة حتى لو كانت فوزية، والذي لايزال يمكنه أن يتذكر كيف كان يشم رائحة الفانيليا في فتاة صغيرة كان متيما بها قبل عشر سنوات. وهكذا.
ويجتهد مجدي كثيرا في اختيار أماكن التصوير وفي دفع الحركة داخل فيلمه: إنه مثلا يصور مشهد تذكر "حودة" وهو صغير فتاة الفانيليا، على ظهر قارب مع فوزية، ويجعل المشهد ينتهي برقص فوزية في حركة دائرية، وعلى خلفية موسيقية بحيث تساهم الموسيقى والحركة والحوار الشاعري البسيط ونظرات الحزن في عيني فتحي عبد الوهاب في إضفاء طابع غنائي خاص على المشهد.
إنه يستخدم مثلا الحركة الحرة للكاميرا في المشهد الذي يدور بين فوزية والراقصة العجوز، ويصل بالمشهد إلى لحظة شاعرية خاصة تمزج بين الحسي والروحي، وبين الماضي والحاضر، بين الجسد الذي كان (في ذاكرتنا لنجوى فؤاد) والقادم الذي لا محالة منه أي الضمور الجسدي ثم الموت.
وتتصاعد الشاعرية المشبعة بحزن كامن في المشهد الذي تروي فيه نجوى فؤاد، على خلفية لأغنية قديمة، موت طفلها الوحيد وهو بعد رضيع، وكيف ظل الحليب ينساب من ثديها.. وفي لحظة تسليم جميل بالقدر تستطرد قائلة "الحمد لله اللي ساب لي الفردة اللي ناحية القلب" مما يفهم منه أنها مرت بتجربة إزالة صدرها الأيمن بعد اصابتها بسرطان الثدي.. هكذا ببساطة ومن خلال حوار آسر ومقتصد، ولعل مشهد رقصها المشترك مع فوزية من المشاهد الموحية الجميلة التي لا تنسى خاصة وأنه يبدو ملاءما تماما لشخصية نجوى فؤاد نفسها حتى ليبدو وكأنه كتب لها خصيصا.
ويصور المخرج الكثير من مظاهر الاحتفال الجماعي بالحياة: الأفراح وموائد الرحمن التي تقام في شهر رمضان، وصور الإفطار الجماعي على الرصيف، واللقاءات الاسبوعية حول مائدة فوزية، كما يمزج بين الفرح والحزن، والسعادة والشقاء، والمأساة والجرأة الشديدة التي تجعل أهل الحي لا يتوانون حتى عن اختلاس النظر إلى حودة وفوزية وهما يمارسات الجنس داخل الحمام. وينجح أيضا في تجسيد العلاقة الخاصة المليئة بالحب والتمرد بين فوزية ووالدتها التي تُستدرج وراء عواطفها وتتوهم امكانية الحصول على قطرات أخيرة من السعادة لكي تجد نفسها ضحية لاحتيال الرجال، ويصور كيف تسعى فوزية إلى التسرية عن امها بالاغتسال معها داخل الحمام، والأخذ بيدها كما لو كانت الأدوار قد انعكست فأصبحت الإبنة تقوم بدور الأم.
ولاشك أن الفيلم بطابعه الخاص فيلم "أنثوي" تماما بمعنى اهتمامه الكبير بمشاعر المرأة وتناقضات العلاقة بين النساء في الأحياء الشعبية (الشروع في الخيانة الذي يتمثل في رغبة "نوسة" في مقاسمة فوزية زوجها "سيد" ثم محاولتها إغواء حودة الزوج الأخير لفوزية، ورغم ذلك تساعدها فوزية عند زواجها من طليقها الذي ينتهي قبل أن يبدأ بالموت، ثم عندما تتزوج من شاب آخر في النهاية.
ورغم تعامل الفيلم مع شخصياته بحب ونعومة شديدة إلا أنه لا يتجاوز عن رصد الملامح السلبية فيهم: السرقة والاحتيال والكذب والطمع وإهمال الأبناء والتورط في الخيانات أو الشروع فيها.
وكعادته يهتم مجدي أحمد علي كثيرا بشريط الصوت الذي يجعله يعلق من خلال الأغاني الرومانسية التي تنتمي إلى الماضي، على الكثير من الأحداث، أو لإبراز السمات المختلفة للشخصيات (لحن أغنية أهواك مثلا) أو تجسيد التناقض الكامن في الواقع، ويستخدم أيضا الأُغاني الشائعة التي تعكس الذوق السائد (أغاني الأفراح المتدنية)، كما يصل أيضا إلى التعليق المباشر من خلال الصورة في اللقطة التي نرى فيها صورة الرئيس مبارك أعلى خرائب الحي العشوائي فيما اللافتة المكتوبة تقول: "معا نصنع المستقبل"!
مشاهد زائدة
ومع ذلك، يبدو مشهد سيد السباك (عزت أبو عوف) وهو يروي في "مونولوج" عن ماضيه لنوسة (غادة عبد الرازق) ويحدثها عن أمه وأبيه وعن زواجه من فوزية، مشهدا زائدا في الفيلم، كما يبدو أن هناك افراطا في تكرار ظهور شخصية سيد بعد وفاته حينما يتبدى شبحه لفوزية في المواقف العديدة التي تمر بها (وفاة الإبن المعاق، الزواج من حودة.. إلخ) وهو تكرار ربما يكون قد أخل بالإيقاع، كما بدا أنه ليس من المنطقي أن تنسحب فوزية من حفل زفافها بحودة وتتجه شاردة نحو شبح سيد الذي يتبدى لها في صورة رومانسية وهو ويناولها وردة حمراء ويرتدي بذلة أنيقة (بالبابيون أيضا)!
ومن الشخصيات الزائدة في الفيلم وكان يمكن ببساطة الاستغناء عنها لربما أصبح الفيلم اكثر إحكاما، شخصية "ليلى" شقيقة حودة التي تقوم بدورها هالة صدقي، وهي ممرضة فضلت العيش مع المجانين داخل مصحة للأمراض العقلية على صحبة البشر في الحياة العادية التي تراها شديدة القسوة في الخارج.. وهي شخصية زائدة لأنها لا تلعب دورا أساسيا في تطوير رؤية الفيلم أو الإضافة إليها، وبدا أنها كتبت خصيصا لكي تؤديها هالة، أو أنها شخصية ثانوية "أدبية" أغوت الكاتبة بضمها إلى السيناريو. وربما يكون مشهد الفتاة الثرية التي تهبط من سيارة فاخرة في المقابر لوضع الزهور فوق قبر والدها أيضا من المشاهد الزائدة عن الحاجة، والمباشرة في تعبيرها عن التناقض بين تعامل كل من الطبقتين مع الموت.. وهو موضوع تم لمسه بشكل عابر لا يضيف للفيلم.
وربما يبدو أسلوب إخراج المشهد الافتتاحي في الفيلم الذي نعود فيه من خلال "فوتومونتاج" إلى زواج فوزية وطلاقها عدة مرات، مشهدا كاريكاتوريا في الأداء والحركة والأسلوب، ولاشك أنه صنع هكذا بقصد الاضحاك، وتصوير المدخل إلى "الحكاية" بطريقة تبدو "هزلية"، وهو ما يتناقض بالكامل مع الطابع العام الأكثر رصانة للفيلم.
ولعل من أجمل مشاهد الفيلم المشاهد ذات الطابع الايروتيكي التي تدور في الحمام بين فوزية وزوجها الشاب، وإن كانت مقتضيات الرقابة فرضت الاكتفاء بتصويرها من زاوية قريبة حتى تبدو الأجزاء العليا من جسديها فقط في الصورة. ويقترب الحوار في الكثير من المشاهد من مناطق محظورة على صعيد الإيحاءات الجنسية خاصة في الحوارات التي تدور بين النساء (بين فوزية ونوسة مثلا) وهي تتمتع بالمصداقية والحرارة والجرأة معا.
وربما يعاني الفيلم من غياب مساحات كافية للتنفس، للصمت، للتأمل، فتراكمت المشاهد واللقطات وغلب الحوار الطويل على البعض منها، وهو ما دفع مجدي لتنويع زاويا الصورة (كأن يلجأ للتصوير من زاوية عالية دون ضرورة درامية للتغلب على طول الحوارات).


أكثر من نهاية
وربما يكون من عيوب الفيلم أيضا وجود أكثر من نهاية لأحداثه: أكمل أهل المنطقة بناء الحمام بعد أن تضامنوا في شراء قطعة الأرض او حصلوا عليها بالتبرع من صاحبها.. وأكملوا وضع بلاطاته ومتعلقاته وأصبح لهم أخيرا حمام يحمي خصوصيتهم، وتتحرك الكاميرا خارج الحمام من اليمين إلى اليسار، في الفضاء الخارجي ملقية نظرة وداع رصينة على المنظر العام.. للنيل الجميل الحاضر بقوة في الخلفية، ونتخيل أن الفيلم بهذا بلغ نهايته الطبيعية من دون أي حاجة إلى شرح أو تعليق، ولكن مجدي يختار العودة إلى شخصيات الفيلم: الأزواج السابقون وفوزية معهم وتبدأ كل شخصية في الحديث كما لو كانوا يلقون "مونولوجات" فردية على خشبة مسرح، ثم يعيد إلينا لقطة ظهور عزت أبو عوف وهو يلوح بالوردة الحمراء ويضحك بسعادة.. ويختم على لقطة للجميع أمام مرآة الحمام وهم يضحكون بينما تظهر صورتهم مشوهة على سطح المرآة.. دون أن نعرف لماذا التركيز على لقطة بهذا الشكل وماذا تخدم!
هذه النهاية في رأيي تنتقص كثيرا من الفيلم، وتجعلنا نأسف لأن ينتهي عمل كبير فيه كل هذا الجهد هذه النهاية الضعيفة بينما النهاية الرصينة الجميلة الموحية كانت هناك، وكانت ستترك تأثيرا أكبر.. لكنه اختيار المخرج. وهو بالطبع حر في اخياراته.
تأثير مجدي على الممثلين وقدرته على التحكم في أدائهم وضبط ايقاعهم واضح في الفيلم الذي يعد أفضل أفلام الهام شاهين وفتحي عبد الوهاب وغادة عبد الرازق دون شك، بل إن نجوى فؤاد تختتم مسيرتها في السينما بدور سيبقى طويلا في الذاكرة.
ولعل أبرز ما يميز الأداء هو الانسجام التام وروح التعاون الواضحة بين الممثلين، والحماسة الجلية في المشاهد الخارجية التي يلعب فيها المكان دورا واضحا أيضا ويساعد الممثلين على تجسيد أدوارهم بإخلاص كبير دون أي افتعال، باستثناء دور عزت أبو عوف الذي انتزع مساحة أكبر مما تقتضي الأحوال داخل الفيلم، بل وتخرج عن نطاق القدرة على التلاحم مع باقي الشخصيات رغم إجادة أبو عوف لدوره في حدود المطلوب. ولكن مرة أخرى.. هذا اختيار المخرج، وكلنا مسؤول عن اختياراته. أليس كذلك!

((حقوق النشر محفوظة ويحظر تماما إعادة النشر بدون تصريح من الناشر))

الثلاثاء، 7 أبريل 2009

دليل السينمائيين المغاربة

الزميل الناقد السينمائي المغربي خالد الخضري طاقة من الحركة والنشاط، فهو لا يعرف التقوقع أو التجمد أو يكتفي بالحديث عن أمجاد الماضي كما يفعل البعض، بل يقدم على تقديم الجديد من دراسات وكتب عاما وراء عام. وقد صدر له أخيرا كتابان الاول "خربوشة" عن الأسطورة المغربية الشهيرة التي تحولت مؤخرا إلى فيلم سينمائي كتب له الخضري السيناريو، والثاني وهو موضوعنا هنا، فهو قاموس أو بالأحرى "دليل المخرجين المغاربة" باللغة الفرنسية، وهذا الكتاب هو الطبعة الثانية من الدليل الذي كان قد أصدره على نفقته الخاصة عام 2000 وتمكن بنشاطه وقدرته الكبيرة على الحركة من توزيعه بالكامل.
الدليل مرجع لا غنى عنه أمام الدارسين للسينما المغربية والمهتمين بالاتجاهات والتيارات المختلفة داخل هذه السينما التي تزداد ثراء وتنوعا يوما بعد يوم. وليت خالد الخضري يصدر طبعة عربية منه، يوزعها عن طريق شبكة الانترنت.
يضيف الخضري إلى الطبعة الجديدة أسماء جيدة للمخرجين المغاربة الذين ظهروا منذ اصدار الطبعة الأولى مما يصل بالعدد الكلي للمخرجين الذين يقدم معلومات وافية عنهم هنا إلى 274 مخرجا. وتتضمن المواد المنشورة عن المخرجين معلومات شخصية عن كل مخرج مثل تاريخ ومحل الميلاد، والشهادات الدراسية التي حصل عليها، والخبرات المتعددة في العمل السينمائي ثم قائمة كاملة بالأفلام التي أخرجها والجوائز التي قد يكون حصل عليها ثم العنوان البريدي للمخرج أو المخرجة. ويحرص على وضع صورة فوتوغرافية لكل مخرج.
وفي القسم الثاني من الكتاب يقدم الخضري قائمة بالأفلام المعربية التي أنتجت من عام 1958 إلى 2008 أي عبر 50 عاما، ويقدم معلومات وافية عن كل الأفلام: أسماء العاملين وموجز لموضوع الفيلم، ويحرص على نشر صورة من الفيلم أو لملصق الفيلم بشكل فني جدير بالتقدير.
ويقدم المؤلف كتابه بمقدمة وافية يشرح فيها الاتجاهات المختلفة في السينما المغربية ويشير إلى الأسماء الجديدة التي برزت في عالم الاخراج السينمائي في المغرب ويقدم يقسم المواضيع التي تتناولها الأفلام المغربية التي ظهرت خلال السنوات الخمس (من 2001 إلى 2005) إلى أفلام تهتم بقضايا المرأة، وأفلام ركزت على الماضي أي على حقبة القمع والذاكرة المستمدة من سنوات المعتقل وفيها نوع من السيرة الذاتية أيضا كما في أفلام جيلالي فرحاتي "الذاكرة المعتقلة". وهناك أيضا الأفلام التي تتناول قضايا اجتماعية مثل "كازابلانكا في الليل" و"طرفاية" و"طنجة"، ثم الأفلام التي تتناول قضية الهجرة، والأفلام الكوميدية، والأفلام المغربية التي اقتبست من أعمال أدبية.
ويتناول الخضري أيضا ما يطلق عليه "مسألة المهرجانات" يسلط فيها الضوء على ما يقام في المغرب من مهرجانات تتكاثر باستمرار، كما يسلط الضوء تفصيلا على تناقص عدد قاعات العرض السينمائي في المغرب خلال خمس سنوات أي منذ صدور الطبعة الأولى من الدليل.
ولاشك أن الكتاب يوفر مادة مفيدة للغاية أمام دارسي السينما المغربية خصوصا النقاد الفرنسيين أو الناطقين بالفرنسية أو دارسي سينما المغرب العربي والسينما العربية عموما من الطلاب في فرنسا وبلجيكا تحديدا، وهو هدف جيد غير أنه يجعل الكتاب بعيدا عن متناول الدارسين والمهتمين في العالم العربية الذين لا يقرأون بالفرنسية، وليت الخضري يبادر بجهده الكبير وطاقته الهائلة، إلى ترجمة هذا المرجع المهم إلى اللغة العربية حتى يكتمل جهده ويكلل باعتباره ناقدا "عربيا" في الأساس، بل هو أيضا من النقاد المغاربة الذين يكتبون وينشرون أساسا باللغة العربية.

الكتاب يقع في 358 صفحة من القطع المتوسط وقد أصدره المؤلف على نفقته الشخصية.
للاتصال بالمؤلف:
khalid.elkhodari@gmail.com

الاثنين، 6 أبريل 2009

لماذا نكره الجنس؟

يشعر كثيرون بالغضب من تناول السينما العربية لقضايا الجنس، فالمفاهيم "الأخلاقية" او تلك التي تتلحف بالأخلاق القويمة وتتشدق بالحديث عن "القيم" و"التقاليد" و"الثوابت"، ترى أن الجنس "حرام"، وتصويره يثير الغرائز، ويحض على الرذيلة بالضرورة كما لو أن الجنس فعل سري يجب إستنكاره، ويتعين علينا إنكاره أو تغييبه من تناولنا الأدبي والفني.
هؤلاء يذكرونني بالنعامة التي لا تريد أن ترى وتفضل أن تدفن رأسها في الرمال.نحن جميعا نعرف أن الشباب، وأعني كل الشباب في العالم بما في ذلك العالم العربي، مهتم كثيرا بالجنس، ويريد أن يفهم العلاقة بين الجنس والحياة، وبين المجتمع والجنس، وبين الفن وتصوير الجنس. وفي فهم الجنس فهم للعلاقة الصحية بين الرجل والمرأة، وكيف يمكن أن تصب في اتجاه صحيح وتبتعد عن الانحرافات والتشوهات النفسية الخطيرة، وفي فهم طبيعة الجنس فهم للحياة، ولا يمكن للسينما أن تنعزل عن الحياة. وأي إنكار لأهمية تناول الجنس على الشاشة وغير الشاشة، هو إنكار لأهمية التعلم والتنوير والفهم بل وإنكار للحياة نفسها.
وقد أثار الكثير من الأفلام العربية غضب الكثيرين واستنكارهم بعد أن أصبحت المجتمعات العربية تعود إلى الوراء بل وترتد، إلى مناقشة ما كنا نتصور أنه حسم من قضايا في بدايات القرن العشرين، وذلك تارة باسم "الصحوة" في حين أنها في الواقع "غفوة" جلبها تجار "الأفيون الفكري" معهم من جبال أفغانستان ووزيرستان وحطوا بها على مجتمعاتنا التي كانت مهيئة لاستقبال كل تلك الأفكار المتخلفة العتيقة البالية بعد هزيمة مشروع التحرر على أيدي الطبقات الحاكمة التي ارتضت حاليا بالتبعية (للغرب على الصعيد السياسي عموما، ولأكثر الأفكار البالية تخلفا على الصعيد الفكري خصوصا - وأنظر قناة الجزيرة الفضائية نموذجا بينا واضحا لتلك الازدواجية المرضية!).
لقد أثار فيلم "سميرة في الضيعة" للمخرج المغربي لطيف الحلو، مناقشات صاخبة بسبب تصويره لمشكلة الجنس في اطار اجتماعي واضح. وكان فيلم "حين ميسرة" قد قوبل من البعض بنوع من الهجوم غير المسبوق إعلاميا بدعوى تناوله البين للجنس، وقبل هذا وذاك، تعرض الكثير من السينمائيين لهجمات من أشخاص لا يحبون السينما أصلا بل يكرهونها ويعتبرونها شرا مستطيرا.
وسوف أتطرق قريبا إلى هذا الموضوع بالتفصيل من خلال التناول النقدي لفيلم "سميرة في الضيعة" لكي نرى حقا ما إذا كنا "جماعة بشرية" محصنة ضد إغواء الجنس بل ضد ضرورته، أم أننا نكذب على أنفسنا وعلى غيرنا ونريد أن يصدق الآخرون أكاذيبنا!

السبت، 4 أبريل 2009

"طرفاية" نداء السفر إلى البلاد البعيدة القريبة


من أهم وأفضل ما أنتجته السينما المغربية من أفلام خلال السنوات الأخيرة فيلم "طرفاية" (أو "باب البحر) ثالث الأفلام الروائية الطويلة للمخرج داود أولاد السيد. وقد لقي هذا الفيلم اهتماما نقديا وجماهيريا كبيرا حيثما عرض، وفاز بجائزة النقاد في مهرجان تطوان السينمائي 2005، وكان كاتب هذا المقال عضوا في لجنة التحكيم التي منحت الجائزة للفيلم.
ويستمد الفيلم مادته الرئيسية من إحدى القضايا التي تتناولها، بشكل شبه يومي، عناوين الأحداث الجارية، وهي قضية تتعلق بالعلاقة المعقدة بين ضفتي المتوسط، بين أوروبا الغربية وبلدان شمال أفريقيا أو المغرب العربي.
يصور الفيلم كيف يستبد الحلم بالهجرة، من الجنوب الفقير إلى الشمال الغني، بالشباب ويقض مضاجعهم، وينتهي عادة إلى كارثة يدفع ثمنها الفقراء الحالمون. إلا أن الفيلم لا يقتصر فقط على البعد السياسي الضيق للموضوع، بل يوسع إطاره، ويجعل من الحلم الدائم بالهجرة عند بطلته الشابة البريئة "مريم"، حلما تغذيه عشرات الإحباطات الاجتماعية المرتبطة بالفقر والتخلف والقهر والكبت: الجنسي والسياسي والاقتصادي.
الحلم والواقع
يبدو هذا الحلم - الذي يصل إلى مرتبة الهاجس القهري الذي يفرض سيطرته على الخيال والوعي - مرتبطا أيضا ومنذ زمن طويل، بأسطورة قريبة من أسطورة "النداهة" أو جنية البحر التي ترقد تحت الماء، تدغدغ مشاعر الحالمين، وتغوي الضائعين وتغريهم بقدرتها السحرية على انتشالهم من وهدة الفقر والوحدة والتشرد والضياع.
شخصيات الفيلم "الذكورية" من الرجال لا تقل ضياعا عن بطلتنا مريم: عبد السلام ضابط شرطة حراس الحدود الذي أوشك على التقاعد وبدأ يفقد توازنه بفعل ما يشاهده يوميا منذ سنوات من محاولات متكررة للفرار ينتهي معظمها بمأساة، وزميله الضابط الشاب الذي يبحث عن فرصة للتسلق الاجتماعي ولو عن طريق الارتباط مؤقتا بعاهرة، وحسن.. الصعلوك المغامر الذي أراد الإفلات من واقعه الاجتماعي القاسي بالسطو على البؤساء وحرمانهم من كل ما يملكون من مال يريدون أن يدفعونه ثمنا للحرية أي للذهاب إلى البلاد القريبة- البعيدة.
وهناك أيضا الضالعون في عمليات تهريب البشر بحرا، ومنهم "ريكي" الذي يمارس مهنته البشعة متسترا بثقوب في النظام، ويدفع ضحاياه ثمنا باهظا مقابل القيام برحلة تنتهي عادة إلى كارثة محققة، والصبي "نوح" الذي يعمل وسيطا بين الراغبين في السفر ومحترفي تهريب المسافرين.
هذه الشخصيات كلها تدور بشكل أو بآخر حول شخصية مريم.. الخادمة التي تسعى للفرار من مصيرها المحتوم، تراودها أحلام الثراء والحرية في أسبانيا، لا يستطيع أحد أن يثنيها عن المحاولة رغم أنها فقدت ثلاثة من أخوتها في محاولات مماثلة، إلا أنها تنتهي أكثر ضياعا وشعورا بالوحدة.
وهناك أيضا فاطمة: تلك المرأة المتبرجة، مخدومة مريم، التي جاءت إلى هذه المنطقة النائية للبحث عن مريم، تتهمها بسرقة بعض المال من مسكنها قبل هروبها.
وتثير "فاطمة" المطلقة اللعوب، بدلالها والحلي الذهبية التي تتدلى من ذراعيها، شهية ضابط حراس الحدود الشاب وتولد في داخله أحلامه الخاصة وتدفعه إلى رسم خططه الواهية لمستقبل قد لا يأتي أبدا.

نوح يقود مريم إلى "الحاجة" التي تمتلك منزلا غريبا في البلدة الساحلية، تؤجر غرفه للنساء الراغبات في الفرار من مصيرهن. محركها الأول كما نرى - هو المال، ورغم إلحاحها في الحصول عليه بشتى الطرق لا تعدم بعضا من طيبة قلب وإحساس خفي بالتضامن مع نزلاء منزلها.
أهمية المكان
المكان في الفيلم يكتسب أهمية خاصة. طرفاية هي تلك البلدة الساحلية في جنوب المغرب قبالة جزيرة "فيورا فنتورا" الأسبانية التي عرفت كمدخل إلى الأراضي الأسبانية والأوروبية عموما بالنسبة للكثير من الحالمين بالهجرة.
وفي البلدة التي يطلق عليها أيضا "باب البحر" تنتعش تجارة تهريب البشر، وإيواء الراغبين في أماكن هي أقرب إلى أقبية وكهوف تنعدم فيها أي وسيلة إنسانية، تمهيدا للمغامرة التي قد تنتهي بالهلاك.
مريم تتعرض للسرقة من جانب حسن مباشرة بعد أن تطأ قدماها أرض البلدة. عبد السلام الضابط ينجح في إعادة المسروقات إليها. حسن الضائع الضعيف يعاني بعد ذلك مباشرة من عقدة الإحساس بالذنب تجاه مريم، فيحاول أن يثبت لها أنه يصلح رجلا لها فيسرق أموال العصابة التي يعمل لحسابها لكي يعطيها لها علها تتراجع عن رغبتها في السفر.
الشرطي العجوز يسيطر عليه أيضا هاجس إنقاذ مريم. والحاجة تحاول أن تزين لمريم استغلال ما يبديه هو تجاهها من اهتمام دون ان تمنحه نفسها، لعله يساعدها في تحقيق حلمها بالسفر. ونكتشف أن مصدر اهتمام الشرطى العجوز بميرم لا ينبع من رغبة في مضاجعتها بل يرى فيها ابنته التي يخشى أن تلقى مصيرا مشابها.
عمل ملحمي
يصنع داود أولاد السيد عملا ملحميا كبيرا دون تزويق ودون ادعاءات، من خلال أسلوب سينمائي رقيق وحساس، وسيناريو مدروس بدقة. وهو يلمس بمبضع حاد الكثير من المناطق الحساسة: الازدواجية التي يكشف عنها التناقض بين مظاهر التدين الجوفاء وامتهان مهن أقرب إلى القوادة، ممارسة الشعوذة والاحتيال وادعاء الطهارة والرجولة والتجرؤ على إسداء النصح للآخرين، الاشتغال بمهنة حماية المجتمع (الشرطة) بينما الفساد الداخلي يعشش داخل الرؤس والقلوب، وهكذا. إنها ثنائيات يطرق عليها الفيلم دون أن ينجرف إلى الخطابة أو المباشرة الزاعقة.
مخرج الفيلم داود أولاد السيد

ويستخدم المخرج أسلوبا سينمائيا أقرب إلى الواقعية السحرية التي تميز الأدب الأمريكي اللاتيني، فهو يخفي أكثر مما يكشف، يتناول الواقع لكن بلمسة تأمل روحي عميق. وينجح في شد أنظار المشاهدين إلى فيلمه المتميز بلقطاته الموحية، من خلال الاهتمام الكبير بالتكوين وحركة الكاميرا واختيار زوايا التصوير والاستغلال البارع للمواقع الطبيعية.
ويتميز الفيلم أيضا بالمزج بين التسجيلي والروائي، فهناك رصد دقيق بالكاميرا لواقع البلدة: مظاهر الجفاف والفقر والتخلف والقهر والعزلة السرمدية والانتظار اللانهائي.
لحظات صمت
وهناك لحظات المراقبة والترقب التي تسيطر على الجميع، يتم التعبير عنها من خلال اللقطات الطويلة التي تتركز على سيارة الشرطة الكامنة في الانتظار أو على شخصيات النساء اللاتي يقبعن في منزل "الحاجة" في انتظار الخلاص، بعد أن هجرهن الأزواج أو تخلى عنهن الدهر.
وهناك أيضا التصوير الدقيق للحظات المطاردة بين المهربين والشرطة، والتواطؤ بين الشرطة الأسبانية وبعض رجال الشرطة المغربية، حيث يبدو الجميع كما لو كانوا يشتركون في لعبة مشتركة مستمرة طيلة الوقت.
في النهاية تنجح مريم في إقناع الشرطي بتقديم يد المساعدة لها، وتجد نفسها في سفينة صغيرة وسط عشرات البائسين الفارين، إلا أن مشاجرة بين الرجال تنشب في القارب بسببها، فتهرب إلى قارب صغير يتأرجح بها في عرض البحر. وينتهي الفيلم دون أن نعرف كيف يكون مصيرها.
تروي فاطمة للشرطي الشاب حكاية قصيرة ذات مغزى فتقول إنها أتت من بلدة تدعى "لاجارا" وهي مملكة ضاق ملكها ذرعا بشعبه فقرر بيعها للفرنسيين. هل يعني هذا أن شعب هذه المملكة أصبح عبيدا عند "الآخر"، أو أن شعبا بدون ملك أصبح شعبا ضائعا عليه البحث عن وطن آخر يحكمه ملك، أم أن "لاجارا" معادل مجازي للمغرب بأسره!
أخيرا ربما كانت "طرفاية" بأطلالها الباقية، تعبر بحق، كما يقول المخرج، عن قارة أفريقيا المفقودة التي يبدو أن الجميع قد أصبحوا يرغبون في الفرار منها. ولعل هذا هو مغزى المكان والزمن.. بطلا هذا الفيلم البديع حقا.

الثلاثاء، 31 مارس 2009

تحرير الروح والجسد بالرقص والغناء والحب


لا أعرف لماذا توقف المخرج المغربي أحمد المعنوني عن الإخراج السينمائي طوال تلك السنوات، فمنذ عام 1993 ، أي منذ أن أخرج فيلما تسجيليا قصيرا لم يقدم المعنوني عملا جديدا.
وبعد فيلمه الأول الكبير "الأيام.. الأيام" (1978) الذي كان بمثابة بداية قوية للسينما المغربية الحديثة ثم فيلم "الحال" (1981) عن فرقة ناس الغيوان الموسيقية الشعبية الشهيرة، شاء المعنوني الابتعاد عن السينما بشكل أو بآخر، بل والابتعاد أيضا عن محيطه الطبيعي في المغرب، إلى فرنسا حيث انشغل بالعمل في أشياء أخرى بعيدة عن السينما.
والمؤكد بعد ذلك أن عودة المعنوني إلى الإخراج بفيلمه الجديد "القلوب المحترقة" تعتبر بمثابة عودة الروح إلى السينما المغربية، ففيلمه يكشف، ليس فقط عما حققه من نضج كبير في معارفه السينمائية، بل عن ازدياد رؤيته عمقا، وأنه لايزال لديه الكثير الذي يمكن أن يضيفه إلى السينما في بلاده. وربما يكون الفيلم أيضا إعادة كشف عن موهبته السينمائية الجامحة المشتعلة التي لا تعرف حدودا.
إن المعنوني يجعل من فيلمه قصيدة بصرية بليغة، فيها من الذات بقدر ما فيها من الواقع، لكنه ليس شاعرا من شعراء زمن البطولات والآمال الكبيرة والجموع الصاعدة المتطلعة إلى الكلمة الرنانة، بل شاعر الانكسار الفردي، والإحباطات التي استولت على حياتنا فحفرت الحزن في داخلنا، لكن دون أن تفقدنا القدرة على الاحتفال بالحياة والحب.
إنه يعبر بمفردات اللقطة وبزاوية التصوير، بالظلال والألوان، وبالأبيض والأسود، وموسيقى الروح، ويتلاعب كما يشاء بالإيقاع في فيلمه البديع لكي يعبر عن رؤية جريئة تقتحم الكثير من المحظورات في السينما المغربية والعربية عموما: محظورات الجنس والتعبير عن الجسد، ولكن أساسا، الإفضاء بمكنون الذات وتقديم نوع من "سينما الاعترافات" على غرار أدب الاعترافات الذي لم تعرفه بلادنا إلا لماما.
المعنوني يتلاعب في فيلمه بالشكل لكي يطوعه لأفكاره ومنهاجه، كما يلعب على توليد التداعيات الحرة، والانتقال بين الأزمنة ببراعة وسلاسة، في إطار عمل ملحمي كبير حقا هو "القلوب المحترقة".
بناء الفيلم
عن أي شئ يحكي المعنوني في فيلمه، وماذا يقول إذن؟
إن السينما الحداثية التي يقدمها المعنوني في فيلمه لا علاقة لها بالوصفات الدرامية الجاهزة التي تُحبك من أجل توصيل "رسالة" ما، أو مضمون أخلاقي أو سياسي محدد. ومن الممكن القول إن فيلم المعنوني لا يقول اي شئ على الإطلاق، لكنه في الوقت نفسه يتحدث عن كل شئ: عن الحياة والموت، عن الحب والقيمة، عن الفن والجمال، عن الماضي والحاضر وتأثير الأول على الأخير، وعن الرغبة في الانعتاق، من قسوة الواقع ومن ضراوة الماضي، عن الأحلام الزائلة، وعن القدرة على التسامي فوق الجروح.
إن بطله "أمين" العائد من الخارج بعد غياب أكثر من عشر سنوات عن بلاده، يعود إلى مدينته التي اضطر للرحيل عنها مكسورا مهزوما مدمرا، بعد أن فقد أباه، ولم ير أمه، وبعد أن عانى في زمانه الأول، أي طفولته، من القهر والعذاب والاضطهاد الجسدي في أعمال أقرب إلى السخرة على يدي خاله المتعجرف الفظ، الذي كأنه له كالقدر العاتي الذي لا يرحم.
لكن خاله يرقد الآن على فراش المرض، فقد القدرة على الكلام، ينتظر النهاية بالموت.
أمين يعود لكي يواجه الماضي الذي كان، كما يواجه الواقع المتغير في مدينته "فاس"، غير قادر على إقامة أي علاقة حقيقية مع المكان، تطارده الذكريات، بحلوها ومرها، وكلما أراد الانطلاق متحررا من أسر الماضي بقتامته وسواده، وجد نفسه مشدودا مرة أخرى إليه.
أمين الذي خبر كل حجر في المدينة، وهو المعماري الذي "يمكن أن تروي هذه الجدران عن طفولته" كما يقول له الشيخ، حائر حيرة هاملت، هل يقبل على الحياة التي يحبها بين أسوار مدينته وينسى الماضي أو يصفي حسابه معه، وكيف؟ أم يعود من حيث أتى، أي مهاجرا كما كان في الغرب وهو الذي يشعر بالغربة في موطنه. ولكنه إذا عاد "فسيصبح كل الناس هنا عائدين " كما يقول لحبيبته حورية عندما تسأله لم لا يعود من حيث أتى.
إنه عاجز عن اقامة علاقة عاطفية حقيقية مع حورية التي تتطلع إليه باعتباره المنقذ من الاضطهاد الاجتماعي الذي تناله على يدي شقيقها الذي يعارض في ذهابها إلى فرنسا للبحث عن فرصة عمل. أمها تقول لها: "إنه لا يشأ أن يجعلك تزورين خالتك في الدار البيضاء".
على العكس تماما من أمين.. هناك صديقه "عزيز" فنان الرسم والنحت على الخشب، الذي يصنع لوحات جميلة، ويبيع أعمالا فنية له ولأصدقائه، وهو مقبل على الحياة، يريد أن يعانق الدنيا، ويتطلع إلى اقامة علاقة جسدية ساخنة مع امرأة تنتمي لطبقة أخرى.. سيدة أعمال، فاتها قطار الشباب، تسعى لانتزاع قطرات من السعادة الأخيرة قبل فوات الأوان مع عزيز. وعزيز بتكوينه المغامر المندفع المتدفق بالحيوية لا يمانع، ولا يرى ما يمنع، من ارتشاف قطرات الحب حتى الثمالة.
عزيز يتوسط لحورية لدى صديقته الثرية، لكي تلحق الفتاة بالعمل في مصنع النسيج الصغير الذي تمتلكه، لكن حورية التي تختنق في واقع لا يمكنه استيعاب طموحاتها ويحد من حريتها في الحركة والفعل، تواصل الحلم بالهجرة إلى فرنسا وتتشبث به.
أما أمين فهو عاجز عن منحها بصيص من الأمل في مستقبل أفضل معه رغم حبه لها، بسبب عجزه عن الهرب من أسر الماضي وذكرياته التي تطارده أثناء جولاته في كل أركان المدينة: في الحارات والأزقة والأسواق والحوانيت بل وتلحق به في منامه أيضا.


من السيرة الذاتية
لاشك أن فيلم "القلوب المحترقة" فيه الكثير من الحياة الشخصية لمبدعه ومؤلفه أحمد المعنوني نفسه. إنه يغزل وينسج خيوط فيلمه ببراعة وبمعرفة تامة بالصور المحفورة في ذاكرته والتي يعيد ترتيبها بطريقته الفنية التي تتخلص تماما من أسلوب السرد القائم على المنطق التقليدي، فليست هناك عقدة تدفع الأحداث إلى الأمام، ولا حبكة تدور من حولها الأحداث إلى أن تنتهي نهاياتها الطبيعية أو الدرامية المنطقية.
إنه يصنع بناء سرديا يدور حول عدد من التداعيات التي تنبت في الذاكرة وتتصل بالحاضر بحيث لا يمكن التفرقة بين الزمنين.
ويستخدم الراوي، الشيخ الذي كان شاهدا على مأساة البطل الشخصية في طفولته، ويجعله يتوقف ويقطع تدفق الذكريات ويعلق بل ويتحاور مع بطله في الحاضر أيضا، كما يستخدم التعليق الموسيقي والغنائي من خلال شريط صوت شديد الثراء والجمال والإمتاع.
إن الموسيقى والغناء الشعبي الصوفي المغربي في فيلم المعنوني لا يمكن فصلهما عن الفيلم كصور، كلقطات، كلوحات بصرية مذهلة يُشيع فيها التصوير بالأبيض والأسود نوعا من التغريب فتدفعنا أيضا إلى تأمل ما تحتويه الصور وما تعكسه من أحاسيس ومعان، رغم كل ما تمتلئ به من مشاعر.

متاهة
ويكاد بناء الفيلم يشبه متاهة كبيرة يجد البطل نفسه في داخلها: متاهة من الصور واللوحات والأماكن والشخصيات، تمتلئ بالانتقالات السريعة بين الأسواق والمقابر (زيارة قبرالأم التي لم يعرفها صغيرا)، وبين المنازل التي تتسم بالثراء والفخامة، وتلك التي تشبه زنازين خانقة، من الشيخ الذي يحرس الجامع إلى مدمن المخدرات الذي ينعزل عن الدنيا ويعيش في خياله الخاص، من أجواء الغناء الشعبي في الأزقة والحارات إلى أجواء الرقص الاحتفالي داخل منزل المرأة الثرية.

ثنائيات
ويدور الفيلم حول ثنائيات من نوع: القهر والحرية، والقديم والجديد، والغنى والفقير، والتقليدي والحداثي، والحب، العذاب، الماضي والحاضر، الألم والفرح، التحرر والعبودية.. وينتصر في النهاية لضرورة التصالح مع الذات عن طريق تحرير الروح والجسد بالرقص والغناء.
يستخدم المعنوني حركة الكاميرا الدائرية في بداية الفيلم في لقطة طويلة تدور فيها الكاميرا حول وجه أمين، وينتهي، في المشهد قبل الأخير من الفيلم، بالحركة نفسها ولكن ونحن نرى أمين بعد دفن الخال، يقوم بحرق صوره ودفنها في الصحراء.. لعله يدفن الماضي الحزين.. لكنه أيضا يبكي.. ولا نعرف ما إذا كان بكاؤه فرحا أم توديعا لماض هو في النهاية جزء من حياته.
لكن المعنوني ينهي فيلمه بالتفاؤل والأمل، على لقطة لطائر في السماء، ثم أطفال يصعدون التل وهم يلوحون بفرح، على دقات دفوف ونغمات أغنية عن الحرية والتحرر، ويرتفع صوت الغناء حتى النهاية.


براعة الصورة
ولاشك أن المعنوني تمكن من تحقيق ذلك الطابع البصري الخاص المتميز الثري لفيلمه بفضل ذكاء وبراعة وقدرة مدير التصوير الفرنسي بيير بوفتي على التقاط التفاصيل، والإلمام بالمكان، والإحاطة به، وتوفير إضاءة مناسبة ذات نغمة خافتة تتناسب مع لقطات الأبيض والأسود، وتضفي بشحوبها أحيانا، أجواء الحلم أو الكابوس على الفيلم.
ولاشك أيضا أن من أبرز العوامل التي لعبت دورا أساسيا في نجاح الفيلم فنيا، سيطرة المعنوني المدهشة على فريق الممثلين والممثلات وإجادة تحريكهم واستخراج أقصى ما عندهم من إمكانيات في التعبير والأداء. ولعل الأداء في "قلوب محترقة" هو الأفضل في كل ما شاهدناه من أفلام مغربية من قبل.
وقد برع بوجه خاص هنا ممثل الدور الرئيسي هشام بهلول، وكذلك باقي الممثلين الذين قاموا بالأدوار الرئيسية: عبد العزيز الطاهري وعز العرب الكغات ونادية العلمي وخلود ومحمد درهم وأمل الستة.
إن فيلم "القلوب المحترقة" مغامرة في السينما كانت تستحق أن يخوضها المعنوني الحاضر بعد غياب.. وأظن أنها مغامرة أثمرت، ولعل المعنوني بعدها يبقى ويصر على مواصلة العطاء والعمل والإضافة.

الجمعة، 27 مارس 2009

نساء وودي ألين حسب مزاجه الشخصي!

أعترف بداية أنني لم أعجب على الإطلاق بفيلم وودي ألين (73 سنة) الأخير الذي يحمل اسما سخيفا للغاية هو "فيكي كريستينا برشلونة" Vicky Cristina Barcelona.
وودي ألين الذي يخرج فيلما كل تسعة أشهر تقريبا منذ أكثر من ثلاثين عاما، لا يتمكن دائما من العثور على موضوع جيد يثير الخيال والفكر، فهو يبدو مدفوعا بنوع من الهاجس الشخصي العنيف لإخراج الأفلام، بل ويخرج أحيانا أكثر من فيلم في العام الواحد، كما لو كان الإخراج السينمائي يتيح له فرصة التنفيس عن مشاعره المكبوتة الكائنة تحت السطح، أو كنوع من "العلاج" النفسي.
في حالة فيلمنا هذا، الذي أعجب البعض من عشاق وودي ألين، يمكن القول إنه لم يوفق أساسا في بناء الموضوع في حين أن الفكرة نفسها طريفة بل ومبتكرة.
ما هي الفكرة؟ الحب والجنس.. أو بالأحرى، العلاقة بين الرجل والمرأة، ولكن من خلال المقارنة بين ثقافتين يراهما مختلفتين تماما: الثقافة الأمريكية (الأنجلو ساكسونية عموما) والثقافة الإسبانية- اللاتينية: الأولى يراها باردة لا تحوي الكثير من المشاعر، وعادة ما تنتهي العلاقات بين الجنسين فيها بشكل مفاجيء وغير مفهوم بعد أن تستنفذ أغراضها التي تتمثل في الانجذاب نحو الغرابة والطرافة والجموح. أما الثانية فهي مشتعلة بالمشاعر الجامحة التي قد تصل حد الق أو الانتحار ولا تنتهي العلاقات فيها حتى بعد الفراق الحتمي بل تمتد وقد تصل إلى ذروتها الدرامية العنيفة أيضا.
هنا نحن أمام ثلاث شخصيات رئيسية: فتاتان هما سكارليت جوهانسون وربيكا هول، ورجل هو الممثل الاسباني خافيير بارديم. الفتاتان الأمريكيتان تزوران مدينة برشلونة في رحلة مظهرها سياحي وجوهرها البحث عن التحقق أو التحرر والانطلاق بعيدا عن برودة الحياة وما يكتنفها من احباطات. أما الرجل فهو رسام إسباني بوهيمي يكاد يكون مدفوعا بقوة خفية إلى إغواء النساء، كل النساء. وهو يتمكن من إقامة علاقة مع كل من الفتاتين، ثم تظهر زوجته السابقة: بنيلوب كروز، التي نجت أخيرا من محاولة انتحار بسبب عدم استطاعتها البقاء بعيدة عنه، وتفرض نفسها عليه وعلى صديقته الجديدة. ويقبل هو بالعيش المشترك مع الاثنتين، بكل ما تكتنفه من توتر وهياج عصبي وتكاد تنتهي بجريمة قتل عندما تطلق طليقته النار عليه بسبب احساسها بالغيرة.
وليس من المفيد هنا الاستطراد في رواية أحداث الفيلم لأن الفكرة الرئيسية التي تسيطر على وودي ألين واضحة، وهي تتجسد كالعادة من خلال المقارنة بين الشخصيات، والحوارات الطويلة المجهدة التي تفتقد هنا بالمناسبة، إلى أي نوع من خفة الظل، بل إنني وجدت أيضا أن شخصية خافيير بارديم شخصية تدعو للنفور، ولم أفهم كيف تولع فتاتان على كل هذه الدرجة من الجمال بهذا الشخص الذي يمكنك أن تشم رائحته وأنت تتفرج على الفيلم!
لكن هكذا يشاء وودي ألين، بل إنه يجعل إحدى الفتاتين تتزوج من خطيبها الأمريكي في برشلونة ثم تخدعه وهي لاتزال في بداية شهر العسل، وتخونه مع باديم الذي تجد أن سحره لا يقاوم حقا!
أعترف أن نظرة وودي ألين للمرأة في هذا الفيلم أزعجتني كثيرا، فالنساء الثلاث يغرمن بالأخ بارديم بدرجة مثيرة للدهشة، وتبديان على استعداد للمضي قدما في العلاقة معه حتى النهاية الدموية، وإن كانت إحداهن تنهي علاقتها معه بدون مبرر، ربما بعد أن تكون قد شبعت من التجربة، أما الثانية التي يتخلص منها هو بعد الليلة الوحيدة التي يقضيها معها في البداية، فتعود إليه مشدودة بسحر التجربة مع الغريب، أو لخوض ما لا تستطيع تجربته مع زوجها!
وبصراحة شديدة، فقد رأيت أن نظرة وودي ألين للمرأة في فيلمه هذا نظرة تحمل الكثير من الازدراء وتجعلها تبدو مثل الحيوان الذي ينجذب إلى الجنس فقط من أجل الجنس بعيدا عن أي مشاعر، وعندما توجد هذه المشاعر (في حالة بنيلوب كروز) فإنها تصل إلى حافة الهاوية وتصبح شديدة التدمير.
والخلاصة أن وودي ألين في فيلمه هذا يستدعي من خياله الشخصي عن المرأة ويفصل منه حسب مزاجه الشخصي، ربما تعبيرا عن انتقامه الخاص من المرأة التي سببت له الكثير من المتاعب في حياته، وربما أيضا تعبيرا عن تجربته الشخصية مع عشرات النساء بعد أن أصبح "فنانا" مرموقا تسعى إليه الممثلات.. لكي يدفعهن إلى طريق الحصول على جوائز العم أوسكار.
وبصراحة أيضا لا أجد أن أداء بنيلوب كروز (وأنا من المعجبين بها تاريخيا) يستحق أصلا الترشح للأوسكار ناهيك عن حصولها على جائزة أحسن ممثلة، فهو أداء "نمطي" للمرأة العصبية يمتلئ بالمبالغات والصياح والاكثار من تحريك اليدين. ولكن الدنيا حظوظ.. ولاشك أن حظ وودي ألين مع النساء أكبر كثيرا من حظي!

الاثنين، 23 مارس 2009

من مخزن الذاكرة: فالنسيا وأيام فالنسيا



الصورة العليا في مهرجان فالنسيا السينمائي مع المخرجة المصرية الشهيرة عطيات الأبنودي وكانت في تلك السنة (أظن أنها في 1988) رئيسة لجنة التحكيم للأفلام التسجيلية والقصيرة، يليها طلعت شاهين وكان وقتذاك مقيما في اسبانيا يحضر لرسالة الدكتوراه التي نالها بعد سنوات في الأدب المقارن، وكان أيضا مراسلا لجريدة "الحياة" اللندنية.
أما الصورة الثانية (الوسطى) فهي من نفس المهرجان عام 1991 مع الناقد محمد رضا والممثل الفلسطيني سهيل حداد. وكان حداد قد لعب دورا في فيلم "نهائي كأس العالم" الاسرائيلي الشهير للمخرج عيران ريكليس (مخرج العروس السورية) الذي اعتبره الكاتب الفلسطيني الراحل إميل حبيبي في تلك الفترة، نموذجا للعمل المشترك بين التقدميين الاسرائيليين والفلسطينيين، خصوصا وان بعض رجال الأعمال الفلسطينيين شاركوا في تمويله، حسب تصورات وأفكار حبيبي التي كنت أعترض عليها بالطبع. وقد كتبت عن الفيلم بعد ذلك في كتابي "سينما الهلاك" وأوضحت تفصيلا كيف أنه من نفس فصيلة الأفلام الاسرائيلية "الناقدة" لبعض الممارسات لكنها لا تنفي الولاء للصهيونية.
المهم أن مهرجان فالنسيا كان في تلك الفترة يجمع الكثير من النقاد والسينمائيين العرب بحكم اهتمامه الكبير بالسينما العربية التي كانت في أوجها في تلك الفترة. وأذكر أنه في عام واحد فقط هو 1988 فازت ثلاثة أفلام عربية بالجوائز الرئيسية الثلاث في المهرجان. وكان الصحفيون والنقاد والسينمائيون العرب يستقبلون هناك استقبالا حافلا وقت أن كانت إدارة المهرجان تمثل اليسار أو أتى بها الحزب الاشتراكي الذي كان يسيطر على البلدية وعلى الدولة كلها، أما بعد الانتخابات التي أتت بعد ذلك بالبلدية اليمينية فقد وقعت بالطبع تغييرات في إدارة المهرجان شملت مديره واتت تلك الإدارة بممثل محدود الموهبة وإن كان يملك الملامح الخارجية الجذابة فقد كان يشبه إلى حد ما، الممثل الفرنسي آلان ديلون. وربما من فالنسيا جاءت فكرة تعيين حسين فهمي مديرا لمهرجان القاهرة السينمائي فيما بعد.
وكان هناك في فالنسيا، شخص عربي يدعى زهير الدواليبي، يعمل مترجما في البلدية، أتوا به للمهرجان لكي يسهل ترجمة الرسائل والمكاتبات ويترجم لهم نبذة عن الأفلام العربية التي كانوا يعرضونها. وكان زهير هذا شابا متواضعا مهذبا جدا، يعرف جيدا حجم دوره ومكانه، ويتعامل مع الجميع باحترام وأدب جمين.
وبعد تغير الأحوال وجدت الإدارة اليمينية نفسها تعاني من فراغ في الكوادر القادرة على فهم السينما العربية والتعامل مع السينمائيين العرب بعد أن استغنوا عن خدمات هؤلاء الخبراء الذين كانوا أيضا يتميزون بمعرفتهم وإلمامهم الكبير بالسينما العربية والسينما العالمية وبأهمية التواصل الثقافي بين بلدان المتوسط. ولجأت الإدارة في سد الفراغ إلى زهير الدواليبي هذا، فقفز وأصبح مساعدا في إعداد البرنامج ثم المبرمج الرئيسي للأفلام العربية في المهرجان. وتصور الدواليبي انه أصبح بقدرة قادر، خبيرا في السينما، يناقش مستوى الأفلام ويعترض عليها انطلاقا من مفاهيم أشبه بمفاهيم بائعي "الحمص"(مع الاعتذار لهؤلاء الشرقاء بالطبع فليس مطلوبا منهم أن يفتوا في السينما) وكان الدولبيني بكل جرأة، يجادل مع النقاد الذين أفنوا سنوات عمرهم من أجل الإلمام بتاريخ ولغة السينما، وجابوا العالم لمشاهدة الأفلام والاطلاع على أحدث إنجازات السينما. فما المانع، ألا يكلف الأمر أكثر من مكالمة تليفونية مع مخرج ما لدعوته للمشاركة بفيلمه وإحضار النجمة فلانة والنجم فلان معه "من شان خاطر عيون السينما العربية ياعيوني.. وتكرم عيونك". والطريف أيضا أنه بدأ يشكو من عدم توجيه الدعوة إليه من المهرجانات السينمائية التي تقام في العالم العربي، بل وبدأ ويتهجم على المسؤولين عن تلك المهرجانات ويكاد يقول لنا بصراحة لا مواربة فيها: أنظروا كيف ندعو "نحن" كل هؤلاء السينمائيين من هذه الدولة أو تلك، في حين لا يدعونني هم إلى مهرجاناتهم!
وكان لسان حاله يقول إنه يتوقع الحصول على دعوات مقابل دعوة سينمائيين العرب إلى فالنسيا، وهو أولا منطق غير مقبول، ثانيا هذا هو بعينه ما أصفه دائما بأنه "التأثير العربي" على المهرجانات الأوروبية، فهذه المهرجانات تتبع عادة سياسة علمية موضوعية في العمل، لكن ما أن يصبح واحد من هؤلاء العرب (إياهم) مستشارا لديها أو حتى طرطورا، إلا وينتقل الفساد العربي بأكمله إلى تلك المهرجانات، فأشباه المتثاقفين من العرب هم أسوأ أنواع البشر في هذا المضمار. وكان شيئا مثيرا للنفور بل والاستفزاز حقا أن هذا الشخص كان يعرف جيدا أن من أوليات حرفته الجديدة المكتسبة أنه يتعين عليه أن يضمن حضور ممثلين عن السينمات العربية إلى مهرجان فالنسيا وإلا سقط ما يدعيه المهرجان بأنه لسينما بلدان البحر المتوسط، ولم يكن هناك بالتالي فضل لأحد على أحد، لكنه الفساد المتأصل الذي غذته وزرعته الأنظمة الفاسدة في العالم العربي.

وكانت تلك الكوكبة من الأسماء اللامعة مثل يوسف شاهين ويسرا وعمر الشريف وليلى علوي وأسامة محمد وعبد اللطيف عبد الحميد وأيمن زيدان ومحمد ملص ويسري نصر الله ومحمد خان ومحمد القليوبي ومحمود عبد العزيز وغيرهم، هي التي تخلق لمهرجان فالنسيا قيمة، وتثير حوله الاهتمام الإعلامي في العالم العربي، وكذلك الأمر بالنسبة للإعلاميين على قدم المساواة فمن دونهم لم يكن أحد ليعرف شيئا عن هذا المهرجان.
كان زهير هذا يعبر صراحة عن أفكاره في الجلسات التي كانت تجمعنا أحيانا، ثم بدأ يتحدث بغلظة عن النقاد والصحفيين العرب، وبلغ به الأمر أن قال ذات مرة أمامي أن المهرجان يتكلف الكثير من أجل دعوة هؤلاء وإذا لم يكتبوا مساحات كافية فلماذا ندعوهم، وأشار إلى ناقد بالإسم قائلا إنه لم يكتب سوى مقالتين في صحيفته وإن من الأوفر والأرخص للمهرجان في هذه الحالة تكليف مكتب دعاية لكتابة مواد من هذا النوع، وكان رد فعلي عنيفا إزاء هذا الكلام الفارغ الذي سمعته منه،وقلت له إن قيمة الناقد لا تقاس بعدد ما يكتبه من مقالات، وإن هذا الكلام لا يمكن أن يتردد في أي مهرجان محترم حقا، وإن الناقد ليس مندوب دعاية لأي مهرجان بل ومن حقه أيضا أن ينتقد دون أن يعاقب وإن مبدأ العقاب والثواب الذي يلوح به شيء متخلف، وإن المهرجانات السينمائية لا يمكنها أن تعيش بدون اعلام أو نقد ومن الممكن طبعا أن يستغنى أي مهرجان عن النقاد والصحفيين، ولكن عليه ألا يعتبر نفسه مهرجانا دوليا، ويمكنه الاكتفاء بدعوة حفنة من المطبلاتية من الصحف المحلية او من أصدقاء المدير ومسامري الغفير.
منذ تلك اللحظة أظن أن علاقتي بالمدعو زهير لم تعد أبدا إلى ما كانت عليه، (وأظن أيضا أنه لايزال أحد مسؤولي إعداد برنامج المهرجان، الذي لم تعد له أي قيمة ولا أي ذكر). وكان هو من النوع الذي يعرف حجمه كما أشرت فكان يؤثر أن ينزوي عندما يراني، وطبعا وصلت الأمور إلى أننا التقينا مرة أخيرة في مهرجان القاهرة عام 1995 وأبلغته أنني توقفت من العام الماضي عن الحضور إلى فالنسيا بعد أن فقد معناه، بل إنني رفضت الذهاب إلى عشاء دعانا إليه طلعت شاهين في منزله بالقاهرة (وكان قد انتقل للعيش هناك) لأنني وجدت بصراحة شديدة، أن دعوة شخص كهذا قد تفهم على أنها نوع من التزلف له، وكان هو قد شعر بالزهو وانتفخت أوداجه عندما وجه له طلعت الدعوة. وحتى هذه اللحظة لا يعرف طلعت شاهين السبب الحقيقي الذي دعاني للاعتذار عن عدم الذهاب بل ولا أظن أن العشاء تم في بيت طلعت نفسه الذي اعتذر فيما علمت أو أجل الدعوة أو شيئا من هذا القبيل بعد اعتذاري عن عدم الحضور (والغريب أن طلعت فسر لابن شقيقته الصحفي علي حامد كما علمت بعد سنوات طويلة، أنني تراجعت عن قبول العشاء في بيته بدافع الرغبة المبيتة في إفساد علاقاته الدولية) أو شيئا ساذجا بهذا المعنى!
ما أعرفه أن المهرجان بدأ منذ تلك السنة بالفعل في الهبوط والتضاؤل، وابتعد عنه السينمائيون الكبار، كما آثر النقاد الذين يحترمون أنفسهم الابتعاد عنه ومنهم محمد رضا وأحمد صالح ورءوف توفيق ويوسف شريف رزق الله وفوزي سليمان، وكانوا من المترددين عليه بانتظام.
كنا أنا ومحمد رضا في تلك الفترة قريبين إلى حد ما، فقد كنا نقيم في لندن، وكانت لندن رائعة في تلك الفترة، والحياة فيها أكثر جمالا أو ربما يبدو لنا الماضي دوما أجمل من الحاضر، وكنا نلتقى من حين إلى آخر، نتكلم، نتفق ونختلف ونتبادل الرأي ونضحك ونسخر من عشرات الأشياء، ولكننا لم نتشاجر أبدا. وكان ما يجمعنا أساسا هو حبنا الكبير للسينما وإيماننا بما نفعله، ولا أظن أنه جمعنا أي شيء آخر له علاقة من أي نوع بالاستفادة المادية مثلا، أو المصالح الانتهازية المحدودة، أو أننا حتى تصارعنا من أجل الفوز بعمل ما، فقد كنت أعتبر نفسي دائما أكبر من أي صراع من هذا النوع، أنا الذي ضحيت بالكثير جدا في حياتي الشخصية لكي تتاح لي فرصة دراسة ما أحب والاطلاع عليه عن كثب وممارسة ما أحب أيضا. أما هو فقد كان يصارع في غابة لندن التي كانت مليئة بالتقلبات الصحفية التي كانت دون شك، انعكاسا للصراعات والتقلبات السياسية، ولم يكن هو طرفا في تلك الصراعات، وربما كان بالتالي يدفع الثمن في النهاية، أو أن هذا كان انطباعي.

وكان انطباعي أيضا أن محمد رضا يقضي خارج لندن، بل خارج بريطانيا كلها، وقتا أطول مما يقضيه في لندن، فقد كان دائم الترحال، حتى أنني لا أتذكر أنني شاهدته ولا مرة واحدة يحضر مهرجان لندن السينمائي الذي كنت أداوم على حضوره ومازلت. ويبدو أن الصحف التي كان يكتب لها كانت تفضل أن يقوم هو بتغطية مهرجانات أخرى تقام وقت انعقاد مهرجان لندن. وكان من طبيعته أيضا أننا حين كنا نلتقي كان يقترح أن نذهب إلى السينما، وكان بالتالي يفضل مشاهدة الأفلام على تضييع الوقت في تبادل الحديث مثلا.

وظل كل منا يشق طريقه في هدوء، بعيدا عن صخب هواة الصخب. وكان كلانا يعرف جيدا أن لكل منا أسلوبه وطريقته ومنهجه الخاص المختلف في النظرة إلى السينما والتعامل معها وفهمها، وأن لا أحد يطرح نفسه "شيخا" أو "فقيها" على قبيلة النقاد أو يزعم لنفسه ما ليس منها بالضرورة، بل كنا ندرك أننا نجتهد في مجال صعب يمتليء بالمغامرين والمحتالين والمدعين وهم كثر ولا يمكننا أن نوقف تدفقهم. كنا نجتهد إذن، نصيب أحيانا، وقد نخطيء أحيانا أخرى، دون أن يؤدي هذا إلى الاندفاع للرد والتعليق والتعقيب وتصيد كلمة هنا أو كلمة هناك، بل على العكس، كنا نحترم ما يكتبه بعضنا البعض رغم خلافنا المعلن حول الأفكار بالطبع، وهو خلاف مشروع ويكتسي بالاحترام. وقد كتب محمد رضا مقالا امتدح فيه كتابي الأول "سينما الهلاك" عند صدوره في أوائل 1993. وقد وضعت مقتطفا منه على ظهر غلاف الكتاب عند صدور طبعته الثانية (2006). وكنت قد آثرت أصلا الابتعاد عن أي منافسة في مجال الصحف السعودية والخليجية والممولة خليجيا واخترت العمل في جريدة، فقيرة، لكنها منحتني الحرية، وكانت في تلك الفترة لاتزال تتمتع بمصداقيتها كجريدة "فلسطينية" أساسا، تصدر بمنهج ورؤية واضحتين. وعندما اختلفت تلك "الرؤية" والهدف، اختلفت مع تلك الجريدة وخرجت منها.
الجريدة المقصودة هي "القدس العربي"، التي كنت أعمل بها مسؤولا عن صفحة السينما والفنون اليومية، وكان زميلي وصديقي أمجد ناصر المحرر الأدبي للجريدة، وكانت بيننا علاقة ألفة وصداقة وتعاون، وكنت أتحرك وأسافر وأكتب كما يحلو لي، بحرية كاملة، أحيانا على الصفحة كاملة، مما جعلني أبقى في الجريدة منذ تأسيسها تقريبا عام 1989 إلى أن خرجت منها في منتصف 1994 بعد أن تغيرت الظروف والأحوال وسارت "دماء" كثيرة في الأنهار، والتحقت بالعمل بتجربة تليفزيون بي بي سي العربي الأولى التي لم تستمر طويلا على أي حال.
وقد فكرت مع أمجد في عام 1992 في استضافة ندوة بالجريدة حول "السينما العربية والدولة"، وقمت بإدارة الندوة، وكان من المدعوين الذين سُجلت مناقشاتهم ونُشرت على أكثر من حلقة على صفحة كاملة من الجريدة: الناقد محمد رضا، والسينمائي الفلسطيني أنيس البرغوثي، والروائي والكاتب الصحفي (في جريدة الحياة) جاد الحاج (وكانت له مساهمات بارزة في النقد السينمائي)، والسينمائي المعروف جان شمعون، وطبعا أمجد ناصر.
والصورة الثالثة (السفلية) مأخوذة من تلك الجلسة في مكاتب الجريدة ويظهر فيها إلى جواري أمجد ناصر يتكلم بانفعاله المعروف، ثم أنيس البرغوثي، وجانب من وجه وجسد محمد رضا.
الصور لا يمكن لأحد أن يلغيها أو يعيد النظر فيها، فهي جزء من الذاكرة شئنا أم أبينا.. وهي جزء من حياتنا وشاهد عليها. لقد سرت بالطبع "مياه" كثيرة في الأنهار منذ التقاط تلك الصور، وكبرنا وكبرت معنا همومنا ومشاكلنا وتضاءلت أحلامنا وودعنا الكثير من الأوهام. لم أعد أعرف أين أنيس البرغوثي الآن، وكان قد درس السينما في لندن، ربما يكون قد عاد إلى الضفة وعمل بالتليفزيون الفلسطيني. أعرف أن جاد الحاج عاد إلى بيروت ولايزال يعمل في جريدة "الحياة" بعد أن انتقلت إلى هناك قبل سنوات، وصار يتردد بين استراليا (التي يحمل جنسيتها) ولبنان. طبعا أمجد ناصر لايزال في "القدس العربي" كما هو، وقد التقيته مؤخرا عندما جاء إلى مكاتبنا في بي بي سي. ويواصل جان شمعون إنتاجه السينمائي المتميز مع زوجته ورفيقته السينمائية مي مصري.. أما محمد رضا فهو كعادته، بين الأفلام
!

الخميس، 19 مارس 2009

فيلم "القاريء" والمنظمات اليهودية والأوسكار

لو قدر لي ترشيح ممثلة لجائزة الأوسكار لأحسن ممثلة لكنت قد رشحت كيت بلانشيت عن دورها في فيلم "الحياة الغريبة لبنيامين بوتون". ولكن الغريب أنه رغم ترشيح الفيلم لثلاث عشرة جائزة إلا أن بلانشيت لم ترشح عن دورها فيه لجائزة أحسن ممثلة. ولاشك أن أداء بلانشيت يفوق كثيرا أداء براد بيت الذي رشح لأحسن ممثل عن دوره في الفيلم نفسه، وهو دور لاشك في صعوبته، غير أن التكيف مع الدور المكتوب ببراعة والذي ساهم الماكياج والمؤثرات الخاصة في إبرازه شيء، والإبداع في الدور وإكسابه أبعادا إضافية من عند الممثل شيء آخر، وهو ما أرى أن براد بيت لم يفعله بل قدمته كيت بلانشيت ببراعة.
ولاشك أيضا أن أداء بلانشيت في الفيلم المشار إليه، وهو بالمناسبة أحد الأفلام "الفلسفية" القليلة التي خرجت من هوليوود حديثا، أقوى وأبرز وأهم من أداء كيت ونسليت في فيلم "القاريء" دون أن يعني هذا بأي حال، التقليل من براعة ونسليت في تقمص الدور، وإضفاء مسحة من الحزن الغامض والألم النبيل عليه.
ولكن الغريب أن الفيلم نفسه، الذي رشح لخمس جوائز رئيسية هي أحسن فيلم وإخراج وسيناريو (معد عن أصل أدبي) وتصوير وتمثيل نسائي، لم يحصل سوى على الجائزة الأخيرة، رغم تفوقه في نواح أخرى كثيرة على فيلم "مليونير العشوائيات" الذي حصد ثمانية جوائز رئيسية وفرعية، كذلك الأمر بالنسبة لفيلم "بنيامين بوتون" الذي لاشك أنه يتفوق كثيرا في التصوير والسيناريو على فيلم "المليونير" المقرر له مسبقا الفوز بكل الجوائز الرئيسية لأنه النوع المطلوب تسويقه هذا الموسم.. بعيدا عن الفلسفة والتاريخ ومغزى الحياة ومعنى الموت.
أما فيلم "القاريء" فلاشك أنه يعد من الأفلام الأكثر جرأة التي خرجت من هوليوود عما يسمى بـ"الهولوكوست"، والمقصود أنه يتجاوز كل الأنماط والقوالب المألوفة الشائعة التي صورت الألمان، خصوصا ذوي الماضي المرتبط بالنازية منهم.
هنا نحن أمام سيدة جميلة، حزينة، فيها من الضعف الكثير رغم أنها تتظاهر بالتمسك بقيادة العلاقة العاطفية الملتهبة التي تقيمها مع شاب في عمر ابنها والسيطرة عليها وتوجيهها.
وهي تختلف أيضا عن مثيلاتها من الألمانيات اللاتي تعاون مع النظام النازي في كونها بسيطة، كانت تبحث عن عمل لكي تتعيش منه، وأن علاقتها بمعسكر الاعتقال الجماعي (أوشفتز) الذي عملت به لا تتجاوز أداء وظيفة من أجل التعيش وليس نتيجة لأي دافع أيديولوجي. وهي تحمل أيضا من النبل ما يجعلها ترفض الادعاء بعدم معرفة مصير السجناء الذين كان يتعين عليها اختيار البعض منهم (عشرة أشخاص) كل شهر لكي يذهبوا للإعدام.
هذه الصورة الإنسانية الجديدة تكتمل مع الجانب الآخر، الذي قد يكون الأهم هنا، وهو الرجل.. أي مايكل الذي يرتبط بها وتتغير حياته إلى الأبد نتيجة علاقته بها، ويظل يشعر بنوع من المسؤولية تجاهها حتى بعد أن يحكم عليها بالسجن المؤبد. هذه العلاقة الممتدة في ذاكرته إلى النهاية، قد تكون السبب في فشل زواجه، وفي شعوره المؤرق الدائم الممتد، خاصة بعد أن يتقاعس عن تقديم شهادته التي كان يمكن أن تنقذ المرأة من مصيرها التراجيدي.. حينما تضطر للاعتراف أمام المحكمة التي حاكمتها بعد سنوات طويلة من نهاية الحرب العالمية الثانية، بمسؤوليتها كتابة أمر بسوق 300 امرأة يهودية إلى داخل كنيسة يتم تفجيرها وقتلهن جميعا، في حين أنها لم تكن في الحقيقة تستطيع أن تكتب أي أمر لأنها ببساطة شديدة "أمية" لا تكتب ولا تقرأ، وهي لم تشأ أن تفضح جهلها أمام المحكمة، إحساسا منها بالعار كونها أمية فأقرت بمسؤوليتها عن كتابة الأمر، وأدانت بالتالي نفسها.
ربما تكون هذه هي المرة الأولى في السينما التي يصبح مسموحا به في فيلم "غربي" من أفلام التيار العريض بأن يقع رجل ألماني في حب امرأة ألمانية ترتبط بالنازية بأي شكال من الأشكال، بل ولا تبدو نادمة على ما صار "فالموتى سيبقون أينما هم" على حد تعبيرها، ولم يعد ينفع التفكير فيما وقع. وعندما يسألها مايكل عند زيارته لها في السجن قبيل الإفراج عنها عما تعلمته من تجربة السجن، تجيب أنها تعلمت القراءة!
إذن هنا نموذج إنساني لامرأة جذابة، تحتضن الفتى وتقيم معه علاقة جسدية مليئة بالمشاعر، ثم تقرر الاختفاء من حياته عندما تدرك أن علاقتها به قد تدمر مستقبله، وتواصل حياتها بعد الحرب دون أي شعور بالندم لأن عملها مع النازيين كان بدافع العيش وليس إيمانا بالنازية شأنها شأن ملايين الألمان، ورغم تضاؤل مسؤوليتها إلا أنها تتحمل بشجاعة المسؤولية كاملة حتى بعد أن يصدر الحكم بسجنها مدى الحياة. ومفهومها للوظيفة والإخلاص لها مفهوم بسيط يتسق مع شخصية امرأة أمية، بل وعندما يسألها القاضي ما إذا كانت تعرف أن السجناء الذين كانت تختارهم سيمضون إلى الموت، ترد عليه بقولها: وماذا كنت ستفعل أنت!
وهي تنتحر قبيل الافراج عنها بعد أكثر من 20 عاما في السجن، بعد أن تدرك أنه لم يعد لديها ما تفعله في الخارج، وأن الهوة واسعة بينها وبين حبيبها السابق الذي ظلت بالنسبة إليه "ذكرى" ولم تعد حقيقة يمكنه التعامل معها.
كان من الطبيعي والفيلم على هذا النحو، أي كعمل سينمائي يتخلص تماما من "التركيبة" النمطية المألوفة لشخصية الألمانية أو الحارسة في معسكر اعتقال بسمعة "أوشفتز" الرهيبة، أن تنبري المنظمات اليهودية للهجوم المنسق عليه.
رون روزنباوم مؤلف كتاب "شرح هتلر"، الذي يحلل فيه كيف تمكن هتلر من كسب تأييد الشعب الألماني، قال إن الفيلم "غير دقيق" ووصفه بأنه "أسوأ فيلم ظهر عن الهولوكوست"، وطالب أعضاء مؤسسة الأوسكار بتجاهله. وأضاف قائلا: إن الفيلم "يطالبنا بالتعاطف مع امرأة مارست القتل الجماعي دون أن تبدي أي شعور بالندم". واتهم الفيلم بأنه يروج أن الألمان العاديين لم يعرفوا شيئا عن سياسة هتلر في الإبادة الجماعية إلى ما بعد الحرب.
وقد أيده في رأيه مارك فايتزمان، رئيس فرع نيويورك للمنظمة التي تعرف باسم "مركز سيمون فيزنثال" على اسم اليهودي النمساوي الذي تخصص في تعقب النازيين السابقين. وقال فايتزمان إن فيلم "القاريء" هو ضمن مجموعة من الأفلام التي أنتجت في هوليوود حديثا وتتسم بخطيئة "التشكيك فى الهولوكوست".
ودعا عدد من المنظمات اليهودية الأمريكية أنصارها إلى الاحتجاج على الفيلم لدى الأكاديمية الأمريكية التي تمنح جوائز الأوسكار، واستغل أنصار الأفلام الأخرى المنافسة الموقف وأرسلوا الآلاف من رسائل البريد الالكتروني إلى "الأكاديمية" طوال الأسبوعين اللذين سبقا إعلان الجوائز، يستنكرون فيها ترشيح الفيلم لجوائز الأوسكار، ويطالبون بإسقاطه. وهكذا خرج "القاريء" من مولد الأوسكار دون جوائز سوى جائزة الممثلة كيت ونسيلت التي سبق أن صرحت بقولها إنها رشحت كثيرا في الماضي دون أن تحصل على الجائزة أبدا ولذا فقد قامت هذه المرة ببطولة فيلم عن الهولوكوست لكي تزيد فرصتها في الحصول على الجائزة، وهو ما يعني أن أفلام الهولوكوست عادة "تكسب".. لكن يبدو أن الأمر لم يكن كذلك هذه المرة!
من جهة أخرى توقعت صحيفة "ديلي تليجراف" البريطانية أن تؤثر تلك الحملة على مستقبل مخرج الفيلم ستيفن دلدري (مخرج فيلم "بيلي إيليوت" الجميل)، وكاتب السيناريو الشهير ديفيد هير أحد كبار كتاب ومخرجي المسرح الانجليزي.

السبت، 14 مارس 2009

كلاسيكيات حديثة: "الأرض والحرية" رؤية معاصرة للحرب الأهلية الإسبانية



يعتبر فيلم "الأرض والحرية" Land and Freedom - 1995 أكبر المشاريع السينمائية للمخرج البريطاني الكبير كن لوتش، سواء من حيث الميزانية، أم الطموح الفني لتحقيق فيلم "أوروبي" متكامل يعيد فتح ملف أحد أهم الأحداث الأوروبية والعالمية في القرن العشرين، أي ملف الحرب الأهلية الإسبانية 36- 1939 من خلال منظور يسعى إلى اكتشاف حقيقة ما حدث في ضوء ما يزال يحدث اليوم في قلب القارة الأوروبية من تغليب المصلحة السياسية المحدودة على المبادئ، واعتماد النفاق وازدواجية المعايير منهاجا في التعامل مع القضايا الكبرى التي تمس مستقبل الإنسان، وعلى حساب الإنسان نفسه الذي يدفع الثمن في كل العصور.
وقد اقتضت العودة إلى أحداث الحرب الأهلية الإسبانية في فيلم "الأرض والحرية" من كن لوتش المخرج، وجيم ألن كاتب السيناريو، القيام بدراسة موسعة شملت الانتقال بين العديد من القرى الإسبانية التي شهدت أعنف المواجهات بين أنصار الفاشية، وأنصار الجمهورية من شتى الأطراف، كما اقتضت الاستعانة بعشرات الوثائق والشهادات الحية وقصاصات الصحف والمذكرات.
والنتيجة أننا أمام عمل كبير بكل المقاييس، عمل متماسك صارم يتشرب بالواقعية، ولا يخلو مع ذلك، من اللحظات الشاعرية الرقيقة والمواقف المرحة، شأن الأعمال الكبيرة في الفن عموما.
"الأرض والحرية" هو أكثر أفلام كن لوتش (مخرج "حياة عائلية" و"نظرات وابتسامات" و"المفكرة السرية" و"ريف راف" و"تمطر حجارة" و"الريح التي تهز الشعير") تعبيرا عن موقفه الأيديولوجي الرافض منذ ما قبل سقوط الاتحاد السوفيتي، للاشتراكية الستالينية بطابعها الشمولي، فهو ثائر على النظام الرأسمالي في الغرب ولكن دون رفض العمل في أطره القائمة، وهو يعبر في كل أفلامه عن نقده الشديد لمقومات القمع الكامنة داخل هذا النظام.

خلفية الفيلم
تعود بدايات التفكير في مشروع فيلم "الأرض والحرية" إلى أوائل التسعينيات بعد سقوط الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية، فمنذ ذلك الوقت بدأ جيم الن وكن لوتش البحث المكثف في خلفيات الفترة، واطلعا على الكثير من الوثائق الشخصية ومنها مذكرات العامل البريطاني من ليفربول الذي يبدأ الفيلم بوفاته في الزمن المضارع، وتبدأ ابنته الشابة الاطلاع على المذكرات التي تركها، وعلى قصاصات الصحف التي ظل يحتفظ بها طوال تلك السنوات.
ومن وجهة نظر العامل الراحل يروي الفيلم قصة الحرب الأهلية الإسبانية من زاوية نقدية لها بالتأكيد اسقاطاتها المعاصرة.
يقول كن لوتش: لقد تم قمع الثورة الإسبانية في ذلك الوقت عبر السياسة الدولية للحزب الشيوعي الروسي بمساعدة الغرب الذي تضامن مع الفاشية في إسبانيا. ومن خلال فيلمه يكشف لوتش للمشاهدين في الحاضر أنه كان هناك طريق آخر بديل للاشتراكية يختلف عن طريق الشيوعية الروسية الستالينية في ذلك الوقت. ويصبح الفيلم في الكثير من أبعاده معبرا بدرجة كبيرة عن الواقع الأوروبي الحالي كونه يجيء بعد عودة النزاعات القومية المتعصبة إلى الظهور في زمن انتشار البطالة وانفجار الحروب في أوروبا الوسطى خاصة في البوسنه التي شهدت للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية، ما عرف بعمليات "التطهير العرقي". العودة إلى الماضي
تدور أحداث الفيلم حول "ديفيد" الشاب العاطل عن العمل الذي ينضم للحزب الشيوعي البريطاني باعتباره البديل المتاح أمام الطبقة العاملة. ويذهب ديفيد من مدينته ليفربول، إلى برشلونة في بدايات الحرب الأهلية عام 1936 لكي يلتحق بحركة النضال ضد الفاشية تحت راية الحزب الشيوعي. ومن برشلونة إلى جبهة الأراجون حيث ينضم ديفيد إلى مجموعة تنتمي للميليشيات الجمهورية تضم 16 مناضلا من بلدان مختلفة.
ومن خلال تجربة الحرب ينمو وعي ديفيد، ويتفتح على حقيقة الموقف السوفيتي الرسمي من الحرب، وحقيقة التحالف غير المعلن، بين شيوعيي موسكو، وبين الأنظمة الرأسمالية الغربية بغرض احتواء الجمهوريين أولا، ثم التآمر لضربهم والإجهاز عليهم في النهاية لحساب الفاشية.
هنا تسقط كل المبادئ "الديمقراطية" المعلنة، وكل الشعارات "الاشتراكية" الأممية أمام تطور الحرب المناهضة للفاشية في اسبانيا والتي تتجه بالفعل في ذلك الوقت، إلى توزيع الأراضي على الفلاحين، وسيطرة العمال على المصانع، وتسليح الجماهير من أجل حماية أنفسهم بعد رفض الحكومة الجمهورية تسليحهم خشية من تجذر الحركة وتجاوزها الإطار الستاليني من ناحية، وخوفا من رد فعل الأنظمة الغربية من ناحية اخرى.
لكن هذا التردد، أو بالأحرى التواطؤ غير المباشر الذي يصل، كما نرى في الفيلم، إلى حد خيانة الشيوعيين الرسميين للأجنحة الاشتراكية في حركة المقاومة ضد الفاشية، وهو الذي يؤدي بعد ذلك إلى النهاية التراجيدية الدامية التي تنتهي إليها تجربة الجمهورية الإسبانية.

البناء الدرامي
يتخذ الفيلم، دراميا، من شخصية "ديفيد" الشيوعي التقليدي، مدخلا لتناول الصراع السياسي تفصيلا بقدر كبير من الصدق في تصوير الأحداث وتحليل التناقضات بين الفصائل المختلفة داخل حركة المقاومة: الفوضويون والاشتراكيون الراديكاليون من ناحية، والشيوعيون التقليديون المحافظون من ناحية أخرى.
وخلال تجربته في النضال المشترك مع زملائه المتطوعين في فصيل الميليشيا، يرتبط ديفيد بالحب مع فتاة تدعى "روزانا" تصبح هي الطرف الآخر المحرك للأحداث، فهي شخصية مليئة بالرومانسية العاطفية والثورية معا. إنها تشهد كيف يموت حبيبها الأول غدرا، وتمر بفترة من الحزن والغضب، ثم ترتبط بصداقة مع ديفيد، تتحول فيما بعد إلى علاقة عاطفية مشوبة بالحذر في البداية بسبب موقف ديفيد السياسي، ثم تصبح الفتاة بمثابة المفجر للتساؤلات عنده حول حقيقة ما يجري في الواقع من حوله.
يترك ديفيد المجموعة التي ينتمي إليها تنظيميا، ويعود إلى برشلونة بناء على تعليمات من قيادة الحزب، ويقضي فترة هناك مع فصيل الحزب الشيوعي الذي يرضخ للاوامر الصادرة من موسكو فيحجم عن الاشتراك في النضال المسلح، وهو ما يجعل ديفيد يتمرد ويقرر العودة بقرار شخصي منه، على خط المواجهة مدفوعا بالحب وبالرغبة في المعرفة الحقيقية بعد ان يصبح على يقين من صدق ما حدثته عنه روزانا.
ويصور كن لوتش مناقشات طويلة عديدة تدور بين افراد الميليشيا، كما يصور ما ينشأ بينهم من خلافات، ومغامراتهم الطريفة، ومشاجراتهم ومشاركتهم بالسلاح في الدفاع عن المنطقة الريفية التي يسيطرون عليها، بل إنه يصور أيضا صعوبة التفاهم فيما بينهم من الناحية اللغوية بدافع اختلاف اللغات والثقافات التي ينتمون إليها، وينجح بإقناعنا تماما بواقعية الأحداث وفي إعادة تجسيد أجواء إسبانيا في الثلاثينيات.
في أحد المشاهد الكبيرة في الفيلم يصور لوتش هجوم الفاشيين على إحدى الكنائس واحتجازهم امرأة عجوز رهينة قبل أن يقضي عليهم رجال المقاومة. ويصور في مشهد آخر طويل ينضح بالمأساة قيام الشيوعيين الجمهوريين بنزع سلاح مجموعة الميليشيا.
ويعتبر الفيلم بأسره درسا في أهمية الوعي بالتاريخ، والاستفادة من الأخطاء التي ارتبكت وقابلية تكرارها في أماكن أخرى من عالمنا ولو بطرق وأشكال مختلفة.
يقول جيم ألن كاتب سيناريو الفيلم: "لو كان فرانكو قد هُزم ربما لم تكن الحرب العالمية الثانية قد قامت. لقد استخدم هتلر وموسوليني إسبانيا كحقل تجارب لقواتهم ومعداتهم العسكرية. وعندما طلبت الحكومة الجمهورية المنتخبة في إسبانيا ديمقراطيا من فرنسا وبريطانيا تزويدها بالسلاح للدفاع عن نفسها رفضت الدولتان طلبها، وفضلا عن ذلك فقد تركوها فريسة للذبح. كان السيناريو سيختلف لو كان فرانكو قد هُزم"!

أسلوب الإخراج
يستخدم كن لوتش في تصوير فيلمه طريقته المعهودة في التصوير حسب تسلسل السيناريو، مانحا بذلك الممثلين مساحة كبيرة للإجادة والتجويد. وهو ينجح كثيرا في السيطرة على مجموعة الممثلين الستة عشر الذين ينتمون إلى بلدان مختلفة، ويوحد بينهم في تجربة فريدة مثيرة، جعلت الكثيرين منهم يندمجون في أدوارهم إلى حد التقمص التام.
ويضفي لوتش على فيلمه اللون البني القاتم تعبيرا عن أجواء التراجيديا، كما يستخدم الموسيقى الملحمية التي كتبها جورج فينتون، للتعليق على الأحداث والمشاهد، والتمهيد لظهور الشخصيات. ويعتمد لوتش على المشهد كوحدة بناء في الفيلم وليس على اللقطات المتداعية المنفردة، ويصوغ فيلمه في بناء كلاسيكي يتقدم إلى الأمام دون انتقالات إلى الماضي باستثناء العودة الطويلة، بطول الفيلم كله، إلى الماضي، بعد البداية المعاصرة التي تدور في التسعينيات.
وقد استعان لوتش بعدد كبير من الخبراء والمتخصصين، سواء في تاريخ الفترة التاريخية، أو الخبراء في المنطقة التي أدار فيها التصوير في جبال قطالونيا أي في الاماكن الحقيقية التي شهدت الكثير من المعارك الدامية، كما استعان بعدد من خبراء المتفجرات واستخدام الأسلحة لتدريب الممثلين على أساليب استخدام الأسلحة العتيقة. ويستخدم لوتش حركة الكاميرا في فيلمه بحيث تتناسب مع الطابع التسجيلي للفيلم فهي تبدو كما لو كانت تتابع تحركات أبطاله "الحقيقيين" في تجربتهم المثيرة، وربما لا توجد سوى مشاهد قليلة في الفيلم صورت في الاستديو، وفيما عدا ذلك قدمت وزارة الثقافة الإسبانية وغيرها من المؤسسات المعنية بالتراث مساعدات هامة لإنجاز الفيلم.
وقد جاء الفيلم نموذجا للإنتاج السينمائي "الأوروبي" بمعنى الكلمة، فهو من الإنتاج المشترك بين شركات بريطانية واسبانية وفرنسية وايطالية والمانية، كما تلقى دعما مباشرا من مؤسسة دعم الإنتاج السينمائي التابعة للاتحاد الأوروبي.
ويعد الفيلم نموذجا بارزا للسينما الواقعية التي عرف بها لوتش في معظم أعماله، مع مسحة شاعرية رومانسية. ورغم قوته التعبيرية الهائلة، يعاني الفيلم من بعض نقاط الضعف مثل الإطالة واللقطات الزائدة في بعض المشاهد، والتكرار، والاعتماد معظم الوقت، على اللقطات العامة (البعيدة) على حساب المتوسطة والقريبة (كلوز اب) التي تقل كثيرا في الفيلم، وذلك رغبة منه في إضفاء الواقعية التسجيلية على الفيلم، وتأكيد العلاقة الوثيقة بين الشخصيات والمكان، إضافة إلى النزعة "النوستالجية" الواضحة في الكثير من مشاهد الفيلم مما يجعله يخرج عن السياق أحيانا ويستطرد.
ولكن على الرغم من أي ملاحظات سلبية على الفيلم وهي قليلة، يظل "الأرض والحرية" أحد أهم أفلام مخرجه، وأحد أكثر الأفلام شجاعة في عصرنا، وتجربة جديرة بالمشاهدة والاهتمام كونها تدفع إلى إعمال العقل وإلى التأمل فيما يدور في عالمنا اليوم.

الاثنين، 9 مارس 2009

طباخ الريس.. ولتحيا الملوخية!

طبول كثيرة دقت لفيلم "طباخ الريس" للمخرج سعيد حامد، باعتباره فتحا جديدا في عالم الكوميديا أو تحديدا الكوميديا السياسية، ولم أكن لأعير الفيلم أدنى اهتمام إلى أن قرأت أن الفيلم لقي استجابة من جانب بعض "النقاد" أعضاء جمعية نقاد السينما المصريين، التي منحت جائزتها هذا العام، لحسن الحظ، لفيلم "جنينية الأسماك" للمخرج يسري نصر الله. وكان الفيلم من الأفلام التي نوقشت طويلا بين الأعضاء قبل التوصل إلى الفيلم الذي ينال الجائزة، بل إن أحدهم أعتبره أحد أهم عشرة أفلام!
وذكرت بعض التقارير أيضا أن البعض، من نقاد المعارضة الناصرية المتشنجة عادة فيما يتعلق بفهم الأفلام السينمائية، أيدوا الفيلم واعتبروه يقدم نموذجا لما يجب أن يتحلى به رئيس الجمهورية من صفات.
أما الفيلم نفسه فلم يكن هناك أفضل منه للدعاية لمؤسسة الرئاسة في مصر والعالم الثالث بشكل عام، فهو في الحقيقة، يقدم صورة مثالية أسطورية لرئيس الجمهورية: البريء، الذي لا يعرف شيئا عن معاناة الشعب بسبب وجود مجموعة من الفاسدين المحيطين به، بل إنه هو الذي يطلب ويصر على النزول إلى الشعب للاطلاع على ما يعانيه على أرض الواقع، ويقوم بكشف ألاعيب المسؤولين المنافقين.
والحقيقة أنه لم يوجد في مصر حتى الآن رئيس جمهورية (من محمد نجيب إلى حسني مبارك) ولا في غير مصر في المنطقة المتخلفة المحيطة، قام ولو مرة واحدة فقط، بلفت نظر أي منافق من المنافقين الكثيرين الذي يهتفون ويهللون في المؤتمرات الحزبية الرسمية (للحزب الحاكم) ويقف بعضهم أحيانا لكي يقرأ قصيدة مديح مباشر في شخص الرئيس، بل إن هناك من رفعوا لافتات تقول (إن الجنين في بطن أمه يبايع الرئيس) دون أن يتدخل الرئيس، أي رئيس، بل إنه ينتشي على مثل هذه النفاقات المفضوحة، وتنتفخ أوداجه ويريد أن يصدق ويصدقه الجميع، أن مثل هذه المبادرات الحماسية الفاسدة جاءت طبيعية وبدافع من الحب.. أي حب يارجل!
فيلم "طباخ الريس" نموذج لسينما الأنماط النمط الكاريكاتوري التي تقوم بتأليه الرئيس، والسخرية من الشعب في حين يدعي صناع الفيلم الحديث باسم بسطاء الشعب.. فمشكلة الناس كما يعرضها الفيلم، لا تخرج عن نطاق الأكل والجنس: بطل الفيلم الطباخ يغوي كل المحيطين به بل ويرشي المسؤولين في المصالح المختلفة بأطباق الطعام الشهية، ويعاني في الوقت نفس من عدم القدرة على تحقيق الارتواء الجنسي مع زوجته المثيرة جدا داليا مصطفى!
ولا يوجد مشهد واحد في الفيلم، من جهة لغة السينما، مبتكر أو طريف بحق في بنائه وحركته، بل يبدو وكأن الفيلم يتوالد في مشاهده من داخل نفس الأنماط السابقة المتكررة في هذا النوع من الكوميديا المتدنية (التهريج) في السينما المصرية، وإن تلحف برداء النقد السياسي.
لذلك يؤكد بطل الفيلم الممثل طلعت زكريا أن الرقابة لم تعترض على أي حرف في السيناريو، بل أبدت سعادتها بالفيلم قبل وبعد تصويره.
والمؤكد أن الفيلم عرض على الرئيس نفسه وأنه أبدى سعادته به.. وربما يكون قد امر أيضا باستكمال الموضوع من خلال أفلام أخرى مثل"عودة طباخ الريس" و"انتقام طباخ الريس" و"طباخ الريس يقود الحركة الديمقراطية من أجل التغيير".. تغيير طبق البامية إلى طبق القرع الاسطمبولي طبعا.. ولتحيا الملوخية!

ملصقات الفيلم الكلاسيكي" المدمرة بوتيمكين"



سبق أن نشرت ملصقا أصليا من فيلم "المدمرة بوتيمكين" (1925) للمخرج الروسي سيرجي أيزنشتاين وكان من تصميم الشقيقين جيورجي وفلاديمير شتاينبرج، وهما من المتخصصين في تصميم الملصقات في بدايات السينما في روسيا. وقد انضما إلى جماعة من الفنانين التجريبيين الذين كانوا يجربون في إطار المدرسة الشكلانية الروسية التي كانت تعتمد على التركيب والتجميع (ينتمي إليها بلا شك رائد التجريب في السينما العالمية كوليشوف).
واليوم أنشر ثلاثة ملصقات أخرى من الفيلم نفسه الذي اصبح إحدى الكلاسيكيات الكبيرة في تاريخ السينما.
الملصق العلوي مجهول وقد أصبح من الممكن نشره بعد أن انتهى الحظر على النشر بعد مرور سبعين عاما على ظهوره (عام 1927) وكانت ملكيته لاستديو جوسكينو في موسكو.
والملصق الثاني (في الوسط) هو أيضا من الملصقات الأصلية للفيلم الكلاسيكي وهو مجهول النسب أيضا مثل سابقه وملك لاستديو جوسكينو الذي أنتج الفيلم.
والملصق الثالث (السفلي) من تصميم الفنان الكسندر رودشنكو عام 1926. وقد توفي الفنان في أواخر 1941.
من كتاب "فنون السينما" الذي ترجمه الناقد والمخرج عبد القادر التلمساني أقتبس السطور التالية التي وردت عن فيلم "المدمرة بوتيمكين" (يترجمه المدرعة) في الجزء المعنون "عشرة افلام هزت العالم":
"في عام 1958 في بروكسل - أعلنت لجنة تحكيم من مؤرخي السينما في 62 دولة أن فيلم «المدرعة بوتيمكين» هو «أجمل فيلم في العالم». وقبل ذلك بعشر سنوات - عام 1948- اتفقت آراء النقاد العالميين كذلك على وضع فيلم «المدرعة بوتيمكين» على رأس قائمة أحسن عشرة أفلام أنتجتها السينما في العالم حتى ذلك التاريخ. ولا جدال في أن هذا الفيلم العبقري سيظل إلى آماد بعيدة علامة كبرى من علامات الخلق السينمائي الأصيل. ويعتبر فيلم «المدرعة بوتيمكين» الرسالة الأولى للسينما السوفييتية إلى العالم كله, يؤكد خصوبة وروعة الثورة الاشتراكية الأولى حينما تتفجر هذه الثورة في قلب فنان شاب.
أنتج الفيلم عام 1925، في السنة الأولى لتنظيم السينما في الاتحاد السوفييتي على الطريقة الاشتراكية. والفيلم يدور حول حادث واحد وقع سنة 1905 وهو تمرد بحارة «المدرعة بوتيمكين» واشتعال الثورة في الميناء - وقد جاء هذا الحادث في صفحة واحدة من نص السيناريو المكتوب. وتم تصوير الفيلم على هذه الصورة في ستة أسابيع - من نهاية سبتمبر حتى بداية نوفمبر - وقد ارتجل أيزيشتاين أغلب أجزائه أثناء التصوير .. وانتهى مونتاج الفيلم في صباح يوم عرضه في 21 ديسمبر 1925, في ليلة من ليالي مسرح البولشوي بموسكو. واستقبله الجمهور بحماس بالغ. لم يلبث أن امتد إلى جمهور برلين ولندن وباريس وكل العواصم حتى القاهرة. حيث عرض (بعد إنتاجه بنحو أربعين سنة). وقد كتب أيزينشتاين عام 1939 دراسة قيمة عن الوحدة العضوية والانفعال النفسي في فيلم «المدرعة بوتيمكين» قال عنها:
- يبدو فيلم «المدرعة بوتيمكين» من الظاهر على أنه تاريخ لأحداث . ولكنه يترك تأثيره في المتفرج كدراما. والسر في هذا التأثير يكمن في الخطة التي بنيناها متمشية مع قوانين التكوين الصارم للمأساة. إن العمل الفني لا يصبح عملا عضويا , ولا يصل إلى قمة الانفعال الحقيقي إلا عندما يصبح موضوع ومضمون وفكرة العمل كلا عضويا مستمرا مع أفكار وأحاسيس المؤلف, بل ومع أنفاسه نفسها. ويعود النجاح العالمي الكبير الذي لقيه هذا الفيلم إلى شكله الفني السينمائي الخالص. وإلى مستوى عال من الإتفاق لا مثيل لهما. كما يعود على الخصوص إلى الحرارة الإنسانية".

الجمعة، 6 مارس 2009

فيلم "جران تورينو": تأملات في الحياة والموت

"جران تورينو" Gran Torino هو الفيلم الثاني الذي يخرجه كلينت إيستوود خلال عام واحد بعد "التبديل" (أو المبادلة أو الاستبدال). موضوع يليق بكلينت إيستوود الذي تقدم بع العمر الآن (78 عاما) كما يليق بممثل ومخرج أصبح يميل أكثر إلى التأمل في معنى الحياة والموت بينما يتأهب لاستقبال الموت.
من السطح يبدو هذا الفيلم كما لو كان عملا يدور أساسا حول العنصرية، اختلاف الأجناس والاحتكاك الذي ينشأ بالضرورة خاصة عندما يكون المحور رجل عجوز هو وولتر كوالاسكي (ايستوود).. كان مقاتلا سابقا في الحرب الكورية في أوائل الخمسنيات، وعاملا في مصنع للسيارات يظل مرتبطا بذكراه من خلال الشيء الوحيد العزيز على قلبه وهو سيارة الجراند تورينو من عام 1972.
هذا الرجل يصبح وحيدا تماما في الحياة بعد وفاة زوجته (التي تقام جنازتها في المشهد الاول من الفيلم)، فهو منفصم الصلة بولديه وأحفاده الذين لا هم لهم إلا ترقب أن يرثوا ما لديه بعد وفاته، بل إن حفيدته التي لا تتورع عن حضور الجنازة بلباس يكشف عن بطنها، لا تتورع أيضا عن سؤاله مباشرة عن مصير سيارته العزيزة بعد موته بل وتطالبه بأن يهبها لها، ويسعى ولده وزوجته إلى إيداعه بيتا للعجائز المسنين للاستيلاء على منزله ومتعلقاته.
لكن وولتر ليس ضحية عاجزة بل رجل يمتليء بمشاعر عنيفة في داخله، لا يخفي عنصريته تجاه جيرانه من الصينيين الذين وفدوا إلى تلك البلدة الأمريكية الهادئة، وتنبع نظرته الرافضة لهم من ماضيه حيث قتل الكثير من الكوريين في الحرب ولايزال يحتفظ بمسدس ضخم وبندقية. ولا يكف وولتر عن تعليقاته العنصرية. وهو يرفض جيرانه ويرفض ولديه وأحفاده كما يرفض الكنيسة ومحاولات القس الكاثوليكي دفعه للعودة للكنيسة والاعتراف، بل وعندما يحدثه القس الشاب عن الحياة والموت يتساءل وولتر بحدة: ماذا تعرف أنت عن الحياة والموت. ويروي له جانبا مما خبره خلال الحرب من مآس مازال تأثيرها قائما عليه. وعندما يسأله القس: وماذا عن الحياة؟ لا يعرف كيف يجيب بل إنه يوافق القس على أنه عاش حياة فارغة
فيلم "جران تورينو" إذن يدور في هذا الإطار، في إطار بحث رجل موشك على الموت، خاصة أنه مريض، غالبا بسرطان الرئة، عن التصالح مع نفسه، بل وبحثه عن "الخلاص" ولكن بمفهوم دنيوي مباشر.
إنه كرجل يؤمن بضرورة إحقاق الحق ولو لحد التزمت، يتحول في موقفه من معاداة جيرانه الصينيين إلى مدافع عن ولدهم الشاب الساذج الذي تسعى عصابة من الصينيين الأشقياء لضمه إليها بشتى الطرق، ويعتدون على شقيقته وينتهي الأمر أيضا إلى اغتصابها.
الفيلم يدور حول ثنائيات كامنة مثل الأنا والآخر، الحياة والموت، الحقد والتسامح، الآباء والأبناء، النظرة إلى النفس والنظرة إلى الآخر، هل التطهر بالاعتراف أم بتقديم عمل صالح.. وغير ذلك.
يتصدى وولتر لعصابة الأشقياء كرجل يؤمن بالحق والعدل، بالعنف تارة، وبالتهديد تارة أخرى، ويتبنى الشاب الصيني وشقيقته في نوع من "التعويض" عن افتقاده العلاقة مع ولديه وأحفاده، ويكتشف أن "الآخر".. الجار.. المختلف، لديه ليس أقل أو أدنى بل لديه أيضا حكمته الخاصة وثقافته التي تمتليء بالحب والاحترام.
ما ينتهي إليه الفيلم يكشف عن جوهره: هذا الإنسان الذي يكتشف نفسه من خلال علاقته مع الآخر، ويعرف أخيرا معنى لحياته عندما يقرر أن يهب كل ما يملك للآخرين بل ويهب أيضا حياته عندما يتصدى وحيدا لعصابة الأشقياء، دون سلاح لكي يورطهم في قتله بالرصاص وبالتالي يتم تدمير حياتهم بطريقة قانونية تماما، فهو يفقد حياته، ويقضون هم حياتهم خلف القضبان، ويفوز الجار الصيني الشاب بسيارة الجراند تورينو بعد أن تعلم من وولتر كيف يصبح رجلا، يواجه الحياة.
يختلف الفيلم كثيرا عن أفلام إيستوود الأخرى رغم ما أشار إليه البعض من علاقته بأفلام "هاري القذر" أو بالأحرى بشخصية هاري كالاهان الذي يقوم بتنفيذ القانون بيديه، أي بتصفية خصومه الذين يعرف أنهم مدانون بنفسه. ورغم خشونة الشخصية الرئيسية من الظاهر، إلا أنه يعد هنا تجسيدا لأبناء جيله ولمفاهيم عصره، وأسيرا لتجربته الشخصية القاسية في الحرب أيضا. لكنه أيضا يفتح عينيه على حقيقة أنه لم يعش الحياة كما ينبغي ولم يفهمها على حقيقتها، ويتجه إلى نوع من "التكفير" بالتضحية بالنفس، ليس بالضرورة من أجل الآخر، بل من أجل تقديم "قيمة" عظمى في الحياة قبل أن يودعها.
هذا فيلم بسيط، بديع، رقيق، حافل بالإشارات المرحة رغم قتامة الشخصية الرئيسية وتشددها. ولعل أداء ايستوود هنا يضفي عليها أيضا رونقا خاصا، هذا الأداء السهل البسيط المعبر الواثق. إن إيستوود هو الذي يحمل الفيلم كله على كتفيه، ويبدو كالأستاذ الذي يعلم الممثلين الآخرين في الفيلم كيف يتعاملون معه دون وجل.
كلينت إيستوود أعلن أن هذا الفيلم سيكون الأخير له كممثل. وأقول إنه ربما يصبح أيضا الفيلم الأخير له كمخرج.. ففيه نوع من إعادة اكتشاف الذات دون أن يكون بالضرورة يدور حول "الرؤية الذاتية".

السبت، 28 فبراير 2009

ملامح مشروع تخريب السينما

لقطة لدار سينما أوبرا بالقاهرة التي أغلقت


حين نشرت قبل سنوات عددا من المقالات، في أماكن مختلفة، تحت عنوان "مشروع تخريب السينما في مصر"، تساءل كثيرون عما قصدته تحديدا بهذا المشروع، وهل يمكن أن يكون هناك مشروع من هذا النوع، أم أن الأمر لا يعدو كونه نوعا من "مبالغات" الشعراء!
الإجابة تتلخص في أنه مشروع "مضاد" و"تراجعي" و"عتيق" غير مكتوب وغير موقع بالطبع، وغير معتمد رسميا بالتالي، لكنه، على نحو غير مباشر، يلقى الموافقة والدعم والتشجيع من قطاعات مختلفة، منها ما هو في الحكومة: داخل نظم الإعلام والتعليم والثقافة، ومنها ما هو في المعارضة، تلك المعارضة الرجعية، المتزمتة، المتخلفة التي تؤمن بنمط الحياة في مجتمعات التصحر والبداوة وترغب في نقل هذا النموذج المتخلف إلى بلادنا. ويكفي أن نقرأ ما يكتبه أنصار هذا النوع من "المعارضة" من تعليقات تنشر أسفل ما ينشر يوميا في الصحف من مواضيع تتناول قضايا السينما وغيرها من الفنون، وتتاح الفرصة للتعليق عليها على مواقع تلك الصحف الموجودة على شبكة الانترنت، لكي نتبين حجم ما وصلنا إليه من تدهور فكري، ونقص تعليمي خطير، ومدى ما وصلت إليه أيضا حالة "الهستيريا" الدينية المرضية التي باتت تستلزم علاجا عاجلا داخل غرفة العناية المركزة.
أما مشروع تخريب السينما في مصر فله قسمات وسمات وملامح مشتركة، كما أن له حُراسه وسدنته، منهم من يعمل تطوعا تحت تصور أنه يعمل للصالح العام، ومنهم من تلبسته حالة الهستيريا التي أشرنا إليها بسبب نقص الكثير من الجوانب التي تساعد على التوازن في الحياة.
أما أهم سمات المشروع فيمكن تلخيصها في النقاط الرئيسية التالية:
1- تحويل السينما إلى ظاهرة لقيطة منفصلة عن ثقافة المجتمع الذي تنشأ فيه، كأنما يمكن زرع فن السينما "الحداثي" جدا في مجتمع اقطاعي بدوي رعوي تقليدي لا مكان للمرأة فيه مثلا، بل ولا مكان فيه أصلا، لدراسة الفلسفات الحديثة التي هي أساس كل الفنون الحديثة.
2- تحويل المشاهدة السينمائية إلى فعل لا معنى له مرتبط بالوجبات السريعة، وبالتالي تحويل أماكن المشاهدة من "دور عرض" لها أسسها ومناسيبها المعروفة التي تجعلها لا تقل أهمية ورونقا واهتماما بالديكورات والمعمار عن المسرح، إلى مجرد "قاعات" شبيهة بالعلب الصغيرة التي تحتوي على عدد محدود من المقاعد المتراصة أمام شاشة صغيرة تشبه شاشة التليفزيون المنزلي الذي أصبح يطلق على شاشاته الكبيرة حاليا "السينما المنزلية". وليس من الغريب إذن أن توجد هذه القاعات المتعددة داخل "مجمع سينمائي" واحد بالقرب من مطاعم تقدم الوجبات السريعة مثل ماكدونالدز وبيتزا هوت وكنتكي فرايد تشيكن وغيرها. وإن كان أهم ما يميز تلك المجمعات السينمائية وجود ما يعرف بـ"الفشار" أو pop corn ومن هنا جاء تعبير أفلام الفشار pop corn movies أي تلك الأفلام (الأمريكية غالبا) التي تصنع للتسلية المطلقة، وتسبح في عوالم خيالية أو تمتلئ بالكائنات الغريبة التي تشيع نوعا من الفزع الخفيف والإثارة التي تدفع الجمهور، وهو في معظمه من المراهقين، إلى استهلاك أكبر كمية من الفشار.
وتوجد هذه المطاعم والمجمعات السينمائية داخل مجمعات استهلاكية ضخمة يعرف المجمع الواحد منها بالمول mall أي ذلك السوق المتعدد الطوابق الذي يحتوي على عدد من المطاعم والمقاهي أيضا. وهو نموذج أمريكي يجمع العديد من الخدمات الاستهلاكية في مكان واحد بما في ذلك الأماكن التي تقدم "عروض التسلية". ومن المستحيل بالتالي أن تجد في هذه الأسواق المتعددة مسرحا أو معرضا لأعمال الفن التشكيلي، أما "علب" عرض الأفلام فهي متوفرة بغزارة.
3- إغفال الاهتمام باللغة السينمائية التي تعبر بالإشارة والدلالة والاخفاء والاظهار والظل والضوء والتكوين والعلاقة بين اللقطات والصور، وتحويلها إلى مجرد انتقالات آلية "أو ميكانيكية" بين اللقطات لتسهيل رواية قصة ذات مضمون أخلاقي وعظي بسيط ومباشر.
4- تحويل الثقافة السينمائية إلى معلومات استعراضية لا سياق لها، ودون أي قدرة تحليلية، أي إلى مجرد أرقام وأسماء وميزانيات وجوائز ومسابقات ونجوم وألاعيب لا تشبع أي رغبة حقيقية في المعرفة، ولا في فهم العالم والإنسان. وتلعب البرامج التي تقدم على شاشة التليفزيون، دورا أساسيا في تمييع فكرة الثقافة السينمائية بمفهومها الحقيقي، أي المشاهدة العميقة والمناقشة والتحليل وفهم نسق العلاقات داخل الفيلم، سواء العلاقات الدرامية أم البصرية داخل الصور واللقطات والمشاهد. هذه البرامج تستعرض أكثر مما تحلل، وتركز في استعراضها على الأمريكي السائد blockbusters أكثر من تقديم المحاولات الفنية في السينما الأمريكية وغير الأمريكية، وتهتم بالمقابلات مع النجوم أكثر من تحليل الفيلم، وبالعرض أكثر من النقد، وباستعراض جسد المذيعة وكمية المساحيق التي تغطي وجهها، أكثر مما تهتم بالجمهور نفسه وبالنماذج البسيطة التي تعبر أفضل عن هذا الجمهور. وعندما تستعين بعض هذه البرامج بالجمهور فإنها تقدمه مثل مجموعة من القرود، حيث يتم رصهم في صفوف خلف المذيعة أو مقدمة البرنامج لكي يصفقوا ويهللوا للمذيعة وللضيف أو الضيفة عند لحظات معينة، واستجابة لإشارات يصدرها لهم شخص مكلف بذلك، بينما تجري المذيعة مقابلاتها مع هذا النجم أو تلك النجمة.

5- بدلا من أن يؤدي تكوين كيانات إنتاجية كبيرة إلى دعم الأفلام الأكثر طموحا من الناحية الفنية والإنتاجية، وتحقيق الأحلام المؤجلة لكبار السينمائيين مثل محمد خان وداود عبد السيد ورأفت الميهي، يبدو أن تلك الكيانات التي تحولت إلى احتكارات مهيمنة، تسعى إلى تخريب السوق السينمائية في مجالي الإنتاج والتوزيع، فهي تسعى إلى طرد الأفلام الجادة واستبعادها والتسويف في عرضها، و"اعتقال" عدد من السيناريوهات المتيزة والتسويف في إنتاجها، وتشجيع السائد الذي يمكن أن يدر ربحا سريعا، والخلط بين منطق إنتاج "فيلم" وافتتاح "مطعم" سياحي، والوقوف في وجه اختيارات الجمهور عن طريق فرض نوعية محددة على ذوقه، وتأجيل عرض الأفلام الأخرى التي تخرج عن أنماط التهريج السائدة.
6- إجهاض وضرب والإجهاز على تجربة نوادي السينما التي بدأت في الستينيات في مصر وازدهرت في السبعينيات، وقبل ذلك في تونس والمغرب. ومن نوادي السينما تخرج عادة ثقافة جديدة، حداثية، تميل إلى المرونة والجمال وتنبذ التشدد والتزمت والقبح: في السلوك كما في المظهر.
7- إغفال أي ذكر أو اهتمام بالسينما في مناهج التعليم، بل والاستغناء تماما عن عرض الأفلام السينمائية في المدارس والجامعات كما كان يحدث في الماضي ولو على سبيل الاستفادة اجتماعيا من مضامين الأفلام. وهو تراجع يتسق مع التراجع في تدريس الدراما أو الاهتمام بالمسرح المدرسي والجامعي والإجهاز على فرق التمثيل بالجامعات، خضوعا لفكرة أن التمثيل حرام، وأن مشاركة المرأة بالتمثيل على المسرح من الكبائر وغير ذلك من فتاوى التكفير المنتشرة بغزارة بسبب تهافت الإعلام السائد وعجزه عن نشر ثقافة حقيقية ذات اسس واضحة لا تساوم ولا تسعى إلى إمساك العصا من المنتصف.
8- ازدراء دراسة الفنون والرسم والتشكيل والتحريض على عدم التقدم للالتحاق بالمعاهد التي تدرس هذه الفنون، واعتبار دراسة الرقص حرام، حسبما قالت عميدة معهد الباليه في مصر لطالبات المعهد، ونشرت الصحف ذلك ولم يصدر أي تعليق من المعهد بل ولم تصدر وزارة التعليم العالي قرارا بالتحقيق مع العميدة.
9- تخلي الدولة عن نشر الكتاب السينمائي والمجلة السينمائية، وجعل ما يصدر منها قاصرا على المناهج والمعلومات المتداولة القديمة في الغرب، والتخلي عن دراسة الاتجاهات والظواهر الراسخة في السينما المصرية والعربية، وجعل مكافأة الترجمة أضعاف مكافأة التأليف، وجعل المهرجان السينمائي تظاهرة ذات طابع احتفالي سياحي ترويجي لصورة النظام بدلا من أين يكون معهدا ومدرسة لتأهيل هواة السينما لكي يضيفوا ثقافيا إلى رصيد المجتمع الجمالي والفكري والفني.
10- سيطرة مجموعة من أشباه السينمائيين وأصحاب النفوس المريضة والذين كفوا أن تكون لهم أي علاقة حقيقية بالابداع السينمائي منذ عقود، على النقابات الفنية والسينمائية والتمثيلية بوجه خاص، واستغلال العمل النقابي لمعاقبة الفنانين المتميزين الجادين وفرض الغرامات عليهم والتعسف معهم في اصدار تصريحات بالتصوير وغير ذلك من القرارات والتصريحات التي تشوه صورة الفن عندما يتحدثون عن السينما كما لو كانوا معادين بالفطرة للثقافة، وكما لو كانت السينما شيئا أشبه بالكباريه!
11- انتشار مجموعة من أشباه الكتبة الذين نشأوا في بيئة ثقافية متدنية ولم يطلعوا أو يبذلوا أي جهد في الإطلاع على النماذج المتقدمة في السنيما العالمية على مجال كتابة السيناريو ، حتى أصبح كل من يجيد كتابة التعليقات السوقية الغليظة والبذيئة أحيانا، كاتبا للسيناريو يتسابق ممولو الأفلام للتعاقد معه.
12- فساد الرقابة التي لا تجرؤ على التصدي لأفلام كتبة السيناريوهات من أنصاف الأميين سينمائيا، في أشكالها المتدنية فنيا وفكريا والمعادية للإنسان نفسه في صورته البسيطة، بينما تتجرأ الرقابة دوما وتعترض على أي عمل حقيقي يتصدى لمناقشة الفساد السياسي والاجتماعي المتفشي، وتراقب كل ما يتعلق بنقد سلطة الشرطة والقضاء بينما أصبحت هاتان المؤسستان تحديدا من أكثر المؤسسات فسادا في مصر والعالم العربي.
والقائمة بعد ذلك طويلة.. ليت هناك من يستطيع أن يكملها غيري!

محمد خان يفتح ملف "ستانلي"

الملف الذي فتحه المخرج الكبير محمد خان على مدونته "كليفتي 2" حول وقائع ما جرى وما زال يجري لمشروع فيلمه الطموح "ستانلي"، دامغ في تأكيده على أن "مشروع تدمير السينما" قائم ومستمر، سواء بوعي أو بدون وعي.
محمد خان ليس مخرجا مبتدئا، بل علم من أعلام السينما في مصر والعالم العربي. وقد أثبت طوال أكثر من أربعين عاما، أنه مخرج يعتد بأفلامه، بل إن منها أفلام أصبحت علامات في تاريخ السينما التي تنتج في بلده. وشرف لأي منتج سينمائي يقول إنه جاد في تعامله مع السينما، أن ينتج فيلما لمحمد خان. لكن الواقع المزري الذي يؤكد لنا يوميا غياب المنتج الحقيقي وسيطرة "الممول" الذي طرأ على السينما دون معرفة، ودون فهم بل ودون حتى أن يفرق بين المشروع السينمائي، والمشروع السياحي، هو المسؤول عن تعثر مشروع خان ومشاريع أخرى كثيرة مؤجلة لنخبة من السينمائيين في مصر والعالم العربي.
توافق شركة إنتاج مزعومة على إنتاج الفيلم (تمويله بالأحرى)، ثم تتهرب، ويطرح الممثل الذي يفترض أن يقوم ببطولة الفيلم اسم شركة أخرى للإنتاج (نجيب ساويرس)، دخلت المجال بضجيج كبير وكلام كثير حول الحداثة والنقلة النوعية والتصدي للتيارات الظلامية، لكنها انتهت بالوقوع في أحضان الشركة الأولى (لصاحبها المستثمر السياحي كامل أبو علي) التي تتعامل مع مشروع الفيلم كما لو كان مشروع مطعم جديد، ويتغير الممثل- البطل، ويكتب السيناريو بالكامل ويتم الحصول على موافقة جهاز التخلف المزمن أي الرقابة، ولكن دون أن يتحرك المشروع!
يقول محمد خان: "ومرت الأيام والأسابيع ولم يتصل بى السيد كامل أبو على ..لم أيقن حينذاك هذا الأسلوب الجبان فى ترك الأمور معلقة بلا مبالاة للطرف الآخر .. أسلوب يتضمن عدم الرد على التليفونات أو الرسائل .. الى أن تأكدت من تراجع كامل أبو على عن طريق محمود عبد العزيز ومحاولته تحويل تعاقده مع محمود الى مشروع فيلم آخر أو مسلسل تليفزيونى .. الفيلم الذى كان يحاول كامل إغراء محمود به كان ـ طباخ الرئيس ـ الذى قام طلعت زكريا ببطولته بعد ذلك".
ويستطرد خان: "نعود الى نجيب ساويرس. وبعد مرور شهور أبلغتنا شركته انها تحبذ تأجيل المشروع لشتاء آخر .. ولم نكن على علم بأن هناك تخطيطا لتكوين شركة جديدة ـ مصر للسينما ـ تجمع بين ساويرس وكامل أبو على كشركاء .. وأشيع أن المخرج خالد يوسف من المحتمل أن يدير مشاريع الشركة ..وبالفعل عن طريق خالد يوسف عاد المشروع الى كامل أبو على مؤقتا فى مرحلة تأسيس الشركة الجديدة إلا ان الإدارة منحت لآخر كان يعمل فى شركة روتانا اكتشفت فيما بعد ان خبرته السينمائية الإنتاجية ضئيلة للغاية .. وتم التعاقد هذه المرة بينى وبين شركة ألباتروس مؤقتا الى ان يتم تجهيز عقود المصرية للسينما".

وينتهي الأمر كما هو متوقع إلى التذرع بالأزمة الاقتصادية العالمية لتأجيل البت في المشروع بعد الاستيلاء على السيناريو!

هذا هو المأزق الحالي الذي يحتاج إلى قاريء كف لكي يقول لنا كيف يمكن الخروج منه!

إنها فضيحة بكل المقاييس. يشترك فيها المنتج الجاهل مع المنتج الذي يقولون عنه إنه مثقف، مع الممثل المفترض أنه صاحب مصلحة مباشرة، لكن عينه على الفيلم وعلى غيره من الأفلام أيضا.

أن تتقاعس شركات كامل أبو علي وساويرس وعماد أديب وآر إيه تي عن تمويل فيلم محمد خان فيما الحديث لا يكف عن أنهم جاءوا إلى السينما لطرح نماذج جديدة وتطوير الإنتاج والانفتاح على الأفكار وغير ذلك من كلمات للاستهلاك المحلي، ما هي إلا فضيحة بكافة المقاييس، وحلقة أخرى ضمن مسلسل مشروع "تخريب السينما" بدعوى إنقاذها!
جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2020- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com

Powered By Blogger