الأربعاء، 10 فبراير، 2016

الأصول الاجتماعية والثقافية والفلسفية لمفهوم النقد



لكي يتعلم بعض من لا يريدون التعلم أن "الصنعة" ليست بالصراخ والعويل والبكاء على غياب النقد وتدهور النقد وجهل النقاد، نعيد نشر هذا المقال الهام للكاتب والمفكر ابراهيم الحيدري الذي نراه مفتاحا لفهم الكثير من الأشياء..



                     الأصول الاجتماعية والثقافية والفلسفية لمفهوم النقد

                                                                  بقلم: ابراهيم الحيدري
 


لا يمكن فهم الاصول الاجتماعية والثقافية والفلسفية لمفهوم النقد من دون الرجوع الى الفلاسفة وعلماء الاجتماع الذين ساهموا في ارساء قواعده. ويقف على رأس هؤلاء عامنوئيل كانت في نقده للعقل الخالص وفردريك هيغل في جدليته وكارل ماركس في نقده للاقتصاد السياسي. وكذلك دلتاى وركرت في اتجاههم التأويلي ورواد مدرسة فرانكفورت في علم الاجتماع النقدي. ان هذه التيارات الفكرية شكلت المصادر الاساسية والاطار العام للفلسفة وعلم الاجتماع النقديين وكذلك لجميع الاتجاهات النقدية الحديثة الاخرى.

مفهوم النقد
ان مفههوم النقد، بوصفه ظاهرة من ظواهر التاريخ والمجتمع والثقافة يعود الى نهاية القرون الوسطى، التي مهدت الطريق لتطور مفهوم النقد في ابعاده الاجتماعية والثقافية والفلسفية والسياسية.
فلسفيا، بدأ النقد حسب الموضوع ثم اصبح حسب الكلمة. وجاءت كلمة نقد( Kritik،Critic) لاول مرة في اللغة الاغريقية ( techne)، بمعنى الاختبار او الحكم، الذي يعتبر اهم المقدرات عند الانسان التي تحفظه من الخطأ او الخديعة، وبصورة خاصة، فيما يخص الشخص ذاته، وهو ما اطلق عيه بـ "النقد الذاتي"، وفي ذات الوقت دلت كلمة "نقد" على نوع من الجدل العقلي او النشاط المتميز للعقل من اجل الوصول الى معرفة اخرى.
جاء مفهوم النقد عند افلاطون بمعنى فلسفي تماما، ولكن ليس بالمعنى الشائع اليوم لكلمة "نقد" وانما بمعنى مختلف وهو " الحكم "، اذ اعتبر افلاطون النقد كقطيعة بين الروح والجسد وربطه باسطورة الحكمة الإلهية لليوم الآخر. فالروح حين تخرج من الجسد في اليوم الاخر يكافأ الانسان اما بالصعود الى عالم السماء او النزول الى عالم الجحيم والعذاب. وبصورة او باخرى فالانسان يولد من جديد.
اما عند سقراط فجاءت كلمة " نقد" بمعنى التمييز بين ما هو حقيقي وبين ما هو غير ذلك. وتشير كلمة نقد، تقنية Technik او فن Kunst او " تقنيةالاخلاق" الى نفس معنى الحكم او اصدار قرار، وهو المعنى الذي انتقل الى الفلسفة الاخلاقية. والحال ان الفلسفة منذ قرون هي نظام للعمل النقدي الذي ميزه بلوتارخ في نظريته:"ما هو الجميل/ الاصيل" عن القبيح المشين، وكذلك ماهو العادل وغير العادل. وبايجاز شديد: ما هو القصد، وما هو المخرج ؟
وكان من الطبيعي ان ياتي دور العقل في المرتبة الثانية بعد الايمان وبخاصة بعد توسع نفوذ الكنيسة وهيمنتها على المجتمع حيث اخذ مصطلح النقد يشير الى عملية اصدار احكام صحيحة تستند على معلومات حقيقية تتعلق بدراسة النصوص القديمة، سواء كانت كلاسيكية او مقدسة، واستخدم من قبل الاتجاهات الدينية المختلفة آنذاك كسلاح ذو حدين. فقد استخدمه الكاثوليك كمنهج لغوي للتدليل على اهمية ودور الكنيسة مثلما استخدمه البروتستانت في دعم أولوية الاعتماد على الكتاب المقدس ذاته. وقد اكد القديس اوغسطين على قاعدة اصولية مؤداها " ان سلطة الكتاب المقدس هي اكبر من جميع قوى العقل الانساني." وبعد تنامي الفلسفة المدرسية، اخذت هذه النظرة تتغير بالتدريج وذلك بفعل افكار اريجين الفلسفية، الذي كان معاصرا للفيلسوف العربي ابو يوسف الكندي. كما كان اول فيلسوف أوربي ربط بين سلطة العقل وموضوع الدين، واكد بان اي سلطة لا تقوم على العقل تعتبر سلطة كسيحة، واول من اعطى لنفسه الحرية في تفسير النصوص الدينية تفسيرا عقلانيا، ولذلك نظرت الكنيسة بعين الريبة والحذر الى افكاره، وامرت بحرق كتبه وطرده من الكنيسة. كما كان القديس أنسلم ، الذي عاش في القرن الثاني عشر الميلادي، احد الدعاة الى تحكيم العقل في امور الدين.
وخلال القرن الثالث عشر ازدادت النزعة العقلية (النقدية) على اثر اتصال الاوربيين بالعرب والمسلمين عن طريق الحروب الصليبية وترجمة امهات الكتب الفلسفية للمفكرين العرب الى اللغة اللاتينية وبخاصة مؤلفات الكندي وابن سينا والفارابي وابن رشد. ومع بدايات القرن الرابع عشر، الذي جاء محملا برياح التغيير، تزعزعت الابنية الفكرية القديمة وتفجرت الصراعات بين الانظمة الملكية الجديدة وبين الكهانة وظهرت بدايات الفصل بين الدين والفلسفة. ويعتبر الفيلسوف اوكام (1349) اول من قام بحركة قوية لنقد الفلسفة الكهنوتية والمطالبة بالفصل بين السلطتين الدينية والمدنية.
والواقع بقى النقد في تلك الفترة لا يخرج عن كونه عملية اصدار احكام صحيحة تستند على معلومات حقيقية تتعلق بدراسة وتفسير النصوص القديمة سواء كانت دينية او دنيوية.

المنهج النقدي
غير ان المنهج النقدي لم يحقق نوعا من الاستقلالية الا بعد ان حلت الافكار التأملية الرشيدة مكان المفاهيم والافكار التقليدية القديمة، وبخاصة تلك التي ترتبط بالحق والمقدس. وبالتدريج اصبحت فكرة النقد تعني " الجدل العقلي" ثم النشاط المتميز للعقل باعتبارها اداة تحكيم عقلانية. ثم تطور مفهوم النقد ليصبح عملا من اعمال الفكر في شروط المعرفة الممكنة، اي القدرات التي تمكن الانسان من المعرفة والنظر في الامور بحرية. لان هدف النقد هو ان لا يضيع الانسان في واقع مزيف او يستسلم لحقيقة كاذبة، او يتوهم بانها ابدية ولا يمكن مسها بالنقد والتجريح. كما ان هدف النقد هو ايقاض الوعي الانساني عن طريق القدرة على الرفض، الذي يلغي الحق في التفكير الحر، ورفع القدرة على الابداع. ومن هنا تاتي أهمية النقد باعتباره عملية رفض وتحد وليس خضوعا واستسلاما.
والنقد هو " فن ألحكم "، أي الفصل بين الاشياء والحقائق التي يختلف حولها ووضعها موضع التساؤل. وهو بهذا احد أهم القابليات العقلية في الاختبار والحكم التي يمتلكها الانسان والتي تجنبه الخطأ والضلال، وبخاصة ما يمس الشخص ذاته، مثلما يشير الى القدرة على استخدام النقد، أي المعرفة والاستيعاب والقابلية على التصرف بحكمة للوصول الى الهدف الأصل و القدرة على التمرن على ممارسة النقد. فالنقد يشترط وجود قدرة وامكانية لمعرفة مناحي القوة او الضعف في الموضوع المنقود او في كليهما، مثلما يشترط ان لا يكون هجوما على الشخص ولا حتى الشعور بالهجوم، لأن أي تعامل خاص مع أي موضوع أو نص أو وجهة نظر تعتبر عموما حكم مسبق يظهر خاصة بتأثير عاطفة او نزوة او مصلحة. وقابلية النقد هي جزء من قابلية الثقافة والجماعة واستعدادها على تقبل النقد.

جوهر النقد هوالحرية
والصعوبة في عملية النقد تأتي من خضوعه لاختبار حر ومفتوح، لأن العامل الاساسي الفاصل في ذلك هو تقديم الدلالات والبراهين الكافية لبيان مناطق القوة والضعف، مثلما ترتبط قابلية النقد بقابلية تقديم الحجج المقنعة. واذا كان النقد عادلا، فيعني ذلك وجود من له قابلية على النقد واستعداده للاعتراف بنقاط الضعف في الموضوع المنقود.
والنقد عملية تساعد على تنمية التفكير وتحريكه والتخلص من عقدة الخوف والوجل والتردد من قول الحقيقة، وتوليد افكار ورؤى جديدة، ولذلك فهو عملية ضرورية للتخلص من الطاعة العمياء والخضوع والانقياد للقدر الاعمى، وعدم طرح الاراء والافكار من دون تأمل، كما يرتبط سؤال النقد بالحرية، لان نقد الفكر من الداخل غالبا ما يكون محكوم بقيم وقواعد واعراف وشروط انتاج المعرفة في المجتمع. واذا كان جوهر النقد هو الحرية، فهل يستطيع الناقد ان يرفض القيم الاجتماعية ويتخطاها؟ هذا هو السؤال الجوهري؟!
يقول فولتير:" قد اخالفك فيما تقول، ولكنني اضحي بحياتي دفاعا عن حقك في ما تقوله". ويقول الامام الشافعي:" رأي صواب يحتمل الخطأ، ورأى غيري خطأ يحتمل الصواب". ومعنى هذا، ان النقد يرتبط بالرأي، الذي يحتمل الصواب والخطأ، وكذلك بالموقف من الآخر، وكل رأي معرض الى الخطأ والصواب، لان الرأي والموقف نسبيان ولا يرقيان الى الحقيقة المطلقة. وعندما يكون في الرأي احتمال الخطأ، يكون هناك اختلاف. واذا غاب النقد عن الاختلاف، يكون هناك خلاف وانحراف عن الاحكام العقلية.
النقد والابداع
النقد منذ البداية جزء من تاريخ الفكر والمعرفة والثقافة، الذي انبثق عنها، لانه قائم في سياق تاريخي واجتماعي وارتبط بالتغيرات الذاتية والموضوعية وكذلك بالمناخ الاجتماعي ـ الثقافي وبتاريخ الافكار والنظم والفلسفات في العصر الحديث التي اثرت بدورها على حركة النقد وانواعه واتجاهاته، وبخاصة الحركات الفكرية والاجتماعية والسياسية.
ويشكل النقد لولب الحراك الاجتماعي الذي ينتج عمليات التغير والتغيير والتطور والتقدم الاجتماعي. ولولاه لظل التفكير الاجتماعي ثابتا وجامدا. وهو جزء من الوعي الانساني بالذات وبالآخر ومحركه، وهدفه ايقاظ الوعي الاجتماعي عن طريق القدرة على الرفض وعدم الغاء الحق في التفكير والحرية في الرأي والقدرة على الابداع. فهو عملية تحد وصمود وعدم الاستسلام او الخضوع لقمع اي فكر تسلطي.
ورسالة النقد ذات ابعاد متعددة، فهو آلية من آليات الخلق والابداع، التي تفكك الخطاب وتحلله وتؤوله، بعد ان تستشرف فضاءاته وآفاقه وابعاده ودواخله وتسبر جوهره لتعيد انتاجه بخطاب جديد يقوم عليه. ولهذا اصبح النقد شرط الابداع. والابداع شرط التطور والتقدم.
ولا يكسب النقد شرعيته الا بعد ان يستكشف الناقد ما يكمن داخل الخطاب ـ النص، من دلائل ورموز ومعاني واشارات، بل ويكشف عن ما هو غامض وسري ودفين فيه.
واذا كان النقد ابداعا، فهو يشترط ذائقة نقدية، مثلما يشترط امتلاك ادواته النقدية، وكذلك ذائقة جمالية، لان النقد خطاب جمالي ذو منطلق علمي تتحدد قيمته بمدى الحرية المفتوحة امامه، ومدى الوعي بهذه الحرية واستخدامها، وكذلك التمكن من استخدام ادواته النقدية وذائقته الجمالية ومخزونه المعرفي، الذي ينبغي ان يستجيب للتعديل والتحوير والتطوير ليكون ابداعا وابتكارا واصالة.
وكان افلاطون اعتبر الابداع لغزا محيرا لا يمكن تفسيره الا بالإلهام، ونسبه الى الآلهة والقوى السماوية. اما ارسطو فقد اعتبر الطبيعة مصدر الالهام والابداع وهو تفسير عقلاني يتجاوز رأي افلاطون بارجاعه الى عوامل سحرية وما ورائية.
غير ان كانت، كان اكثر وضوحا حين شدد على ان جوهر الابداع هو خلق وابتكار ما هو غير موجود وليس تقليدا ومحاكاة محضة لما في الطبيعة، وميز بين الخلق والتقليد وعزا الخلق والابتكار الى العبقرية، وقرن الابداع الحقيقي بالفن وليس العلم. فالابداع عنده هو النتيجة الطبيعية للتفاعل المتبادل بين التصور والادراك. في حين اعتبر سيغموند فرويد بان منشأ الابداع في اللا شعور، ويعود الى خصوبة الخيال والفنطازيا في التفكير.
وهكذا فالنقد منهج مفتوح على المعرفة العلمية وعلى وعي جديد يكشف عن المعلوم والمجهول في الفكر متطابقا او مخالفا معه، ليؤسس لفكر جديد.

المصادر:
1-Philosophisches woerterbuch, Kritik, Kroener Verlag، Stuttgart,1965, s.331
-2W. F.Haug. Zur Kritikbegriff markistischen Denkens, Das Arqument, Heft 240. 2001
- 3Kritik, in,dtv.Lexikon, Bd. 10
4- ابراهيم الحيدري، صورة الشرق في عيون الغرب، دار الساقي 1996
5- رينيه ويليك، تاريخ النقد الادبي الحديث 1750 - 1950، الجزء الاول، (ترجمة)، القاهرة 1998
6- محمد مندور، في الادب والنقد، القاهرة 1988
جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com