الخميس، 27 أغسطس، 2015

خروتشوف والنقد السينمائي!



في عام 1956 زار الزعيم السوفييتي نيكيتا خروتشوف، بريطانيا في زيارة رسمية، إبان ذروة الحرب الباردة، بهدف تخفيف التوتر بين المعسكرين المتصارعين.
وكان خروتشوف فلاحا روسيا خشنا، وشيوعيا مخلصا يؤمن بالطبقة العاملة كصانعه للتاريخ. وقد نظم البريطانيون له استقبالا رسميا ملكيا باعتباره أول زعيم سوفييتي يزور بريطانيا.
وكان يصحبه مرافق ومترجم، وقد صافح خروتشوف الملكة، وعندما قدموا له زوج الملكة، الأمير فيليب تساءل في عفوية وبساطة، ومن يكون الأمير فيليب؟ فهمس المرافق في أذنه: إنه زوج الملكة يا سيدي.
ومع ذلك عاد خروتشوف يسأل بصوت مرتفع: طيب.. هو زوج الملكة في الليل، ولكن ماذا يفعل في النهار؟ وقد اندهش الجميع من هذا التعليق الذي يخرج عن الأعراف الدبلوماسية، واقتضى الأمر نوعا من الاعتذار تفاديا لوقوع أزمة دبلوماسية كان الطرفان في غنى عنها في ذلك الوقت.
ولو أنني كنت محل مرافق خروتشوف، لربما همست في أذنه على الفور: الأمير فيليب يا سيدي يعمل في الحقيقة زوجا للملكة في النهار، ثم يكتب النقد السينمائي في الليل.
ولا شك أن خروتشوف كان سيرفع حاجبيه في دهشة وتعجب، ويتصور أنني أسخر منه، ولكنت قد وجدت نفسي مطرودا من عملي، لكن ربما كنت سأنجح أيضا في العثور على وظيفة ناقد سينمائي ولو على موقعي “تويتر” و“فيسبوك”.
فقد أصبح النقد السينمائي مشاعا، يمارس دون أي معرفة حقيقية أو جهد، بل وأصبح الجمع بين صناعة الأفلام وكتابة النقد معا، ولو كتعليقات عابرة سريعة على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، عادة مزمنة ومزعجة، في هذا الزمن العجيب.
يعاني العالم العربي، بصورة استثنائية، من وجود الكثير ممن يصنعون الأفلام، من كتاب السيناريو أو المخرجين، الذين لا يجدون حرجا في كتابة سيناريوهات الأفلام أو إخراجها في النهار، ثم كتابة مقالات نقد أفلام الآخرين في الليل، بينما يجب أن يتمتع الناقد بالاستقلال عن عملية صناعة الأفلام، أي لا يكون طرفا فيها.
والمشكلة أن كثيرا من المخرجين وكتاب السيناريو الشباب، يلحون على معرفة رأي الناقد في سيناريوهاتهم التي لم يتم تصويرها بعد، وكثيرون منهم يطلبون من الناقد قراءة السيناريو ثم كتابة ملاحظاته كخدمة تطوعية بالطبع، وقد تلقيت شخصيا مئات الطلبات بهذا المعنى من سينمائيين شباب.
واعتذرت عن عدم تلبية مطالبهم، ليس فقط لأن “تصليح السيناريوهات” ليست وظيفتي، بل ولأنني لا أريد أن أجد نفسي متورطا كطرف مباشر، في صناعة الفيلم، وأفقد بالتالي استقلاليتي في التعامل مع الأفلام كناقد.
هذا الخلط الموجود عند كثيرين، هو الوجه الآخر لمشكلة كاتب السيناريو الذي يجمع بين كتابة السيناريو وكتابة النقد، فكيف يمكن أن يبقى محايدا في حكمه على أفلام لمخرجين قد يعمل معهم في المستقبل؟
ومن المضحكات أنه توجد في مصر جمعية تطلق على نفسها “جمعية كتاب ونقاد السينما”، تجمع بين نقاد السينما وكتاب السيناريو، وهو ما لا وجود له في العالم.
وقد توجد أيضا ممثلة، كانت تعمل في الصحافة قبل أن تصبح ممثلة بالصدفة، تعتقد أن من حقها كتابة انطباعاتها عن أفلام الآخرين الذين تعمل معهم أو لا تعمل، دون أن تدرك أنها بهذا تلعب دورا سلبيا في التأثير على جمهورها، خاصة وأن كل تعليقاتها إيجابية، كلها عبارات إشادة وتمجيد مطلقة، لأفلام من النوع الرديء.
فإذا أرادت كتابة النقد فلماذا لا تتوقف عن التمثيل وتتفرغ للنقد، فلعل النقد يربح شيئـا، بينما السينما لن تخسر أيّ شيء؟

الخميس، 20 أغسطس، 2015

عن نور الشريف الذي فقدناه




لم يكن نور الشريف الذي رحل عن عالمنا مؤخرا، مجرد ممثل عبر حياتنا رغم تألقه الكبير في السينما والمسرح والتلفزيون على مدار ما يقرب من خمسين عاما، فقد كان نموذجا لأحد نجوم -الطبقة الوسطى المصرية- التي كانت، أي قبل أن تتهاوى بفعل ما تعرضت له من ضربات قاسية، أدّت إلى هجرة الملايين من أبنائها للعمل في الخارج، وانعكاسات تلك “الهجرة”على الحالة الاجتماعية.
وكما استطاع نور الشريف أن يعبر عن طموح شباب الطبقة الوسطى في مسلسل “القاهرة والناس″ (1967)، استطاع في ما بعد أن يعبر أيضا عن سقوط تلك الطبقة واغترابها في أكثر من فيلم لعل أشهرها “سواق الأتوبيس″ لعاطف الطيب، ثم “سكة سفر” لبشير الديك.
نور الشريف الذي تألق في المسرح والسينما والتلفزيون، لم يكن مجرد ممثل محترف، يجيد الصنعة، بل كان أساسا، هاويا عظيما لفن التمثيل، وعندما كان يتحدث عن أدواره، كان يبدو مثل العاشق المتيم الذي يتطلع إلى أن يبذل أقصى ما لديه لكي يجيد ويتألق.
وكانت روح الهواية هي التي جعلته يصعد ويصل إلى أعلى مراحل النجومية، لكنه ظل نموذجا للممثل- النجم، فنجومية نور الشريف نبعت من علاقته المباشرة بالناس، بقدرته على تجسيد كل الشخصيات “الشعبية” التي تجسد معاناة البسطاء.
وكما نجح في أداء شخصية الطالب، نجح في تجسيد شخصيات الصعيدي والفلاح والسائق والموظف والتاجر، الحالم والمتمرد والرجعي والمتطلع. وليس من الممكن مثلا أن ننسى دوره في فيلم “قلب الليل” عن رواية نجيب محفوظ، الذي جسد فيه شخصية ابن الطبقة الوسطى في طور السقوط، الذي يضل في متاهات الفكر الأيديولوجي، يخرج من مأزق لكي يسقط في مأزق آخر.
لعب نور الشريف أيضا دورا بارزا في حركة السينما الجديدة في مصر التي ظهرت في أواخر الستينات، فهو بطل فيلمين من أهم أفلام السينما الجديدة هما “زوجتي والكلب” (1970) و”الخوف” (1972) للمخرج الراحل سعيد مرزوق، كما قام ببطولة فيلم “ضربة شمس” أول أفلام محمد خان، ثم “الصعاليك” أول أفلام داود عبدالسيد، و”أهل القمة” لعلي بدرخان، و”العار” لعلي عبدالخالق.
وكان القاسم المشترك في الكثير من أفلام السينمائيين الشباب الذين كانوا يتطلعون إلى تأسيس سينما جديدة مختلفة، وكان يواصل أيضا العمل في الأفلام الشعبية أمام العمالقة مثل دوره في “قطة على نار” أمام فريد شوقي، و”الكرنك” أمام كمال الشناوي، و”السكرية” أمام يحيى شاهين.
لم تكن أهم أفلام نور الشريف هي أفلام الاحتجاج السياسي الاجتماعي الميلودرامية المباشرة، بل تلك التي تتعامل مع البعد الفلسفي، والتي تخفي أكثر مما تكشف، وتحمل أبعادا مركبة وتلقي بظلال أبعد من الواقعي، طارحة تساؤلات وجودية كما في “الشيطان يعظ” و”قلب الليل” و”البحث عن سيد مرزوق”.
وكان نور الشريف يجد نفسه أكثر في مثل هذه الأفلام، فقد كان نموذجا للممثل المثقف الذي يضفي على الدور من ذاته، يتماهى معه ويمنحه من ثقافته ومن فهمه الخاص له، ولذلك برز أكثر في الأدوار المركبة.
وقد ترك وراءه تراثا هائلا من الأفلام والمسلسلات التلفزيونية التي أثارت الكثير من الجدل في الشارع العربي.
لقد امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بعبارات تفيض بالحب وتطفر بمشاعر الحزن والأسى لوفاة نور الشريف، على نحو لم يسبق أن رأيناه من قبل، وهو ما يعني أن صورة ذلك الإنسان النبيل والفنان العظيم، استقرت في قلوب الملايين وستبقى ما بقيت أعماله الفنية التي تركها لنا.
ولا شك أن نور الشريف سيبقى في ذاكرة عشاق السينما في العالم العربي طويلا، تماما كما ظلت ذاكرة عبدالحليم حافظ باقية في عالم الغناء.. ليرحمه الله رحمة واسعة ويغفر له ويتولاه.

الثلاثاء، 18 أغسطس، 2015

هذه البارانويا السينمائية!






يصيني كثير مما ينشر في الصحف العربية عن السينما وقضاياها، وخصوصا السينما الأجنبية، بالكثير من الدهشة وأحيانا، الصدمة، من حجم ما يمكن وصفه يقينا، بـ "التلفيق" و"الفبركة" سواء من أجل مغازلة النزعات الشوفونية الضيقة لدى بعض القراء، فكثيرا ما اخترع الصحفيون، جوائز وهمية للأفلام "العربية"، يزعمون أنها حصلت عليها في المهرجانات السينمائية الدولية.
وكثيرا أيضا تتردد أنباء مبالغ فيها كثيرا، عن "الوجود العربي" في المهرجانات الكبرى، في حين أن ذلك الوجود المزعوم يكون عادة بأفلام لا علاقة للعرب بها، لا من قريب ولا من بعيد، فهي ليست من الإنتاج العربي ، كما أنها لا تنطق بالعربية، ولا تدور أحداثها في واقع عربي محدد، بل يتم نسبتها إلى "العرب" لمجرد أن يكون مخرجها "من أصول عربية" حتى لو كان قد ولد ونشأ وتعلم وانتمى إلى ثقافة أخرى مختلفة تماما، وأصبح يعتبر نفسه إبنا شرعيا لتلك الثقافة، يعبر عن مشاكلها وقضاياها، يتحدث لغتها، ويعمل بانسجام مع نظامها السينمائي.
غير أن دهشتي إتسعت عندما قرأت أخيرا تقريرا تفصيليا طويلا نشرته صحيفة عربية تصدر في لندن تحت عنوان مثير هو "خطة هوليوود للسيطرة على العقل العربي"، يوجه كاتبه نقدا شديدا لما يطلق عليه "الإدارة العامة للسينما في وزارة الثقافة" (المقصود المصرية) التي يأخذ على برنامجها السينمائي أنه يتضمن أفلاما أمريكية يرى أنها أنتجت بغرض "تخريب المجتمعات العربية بالتسلل الخفي لعقل ووجدان الجماهير، وبث الأفكار المسمومة لإحداث تغييرات نفسية وإنسانية وأيديولوجية عبر أزمان طويلة لضمان الانقياد والسير في اتجاه الهدف".
ودون الإشارة إلى أي مصادر حقيقية، يتوصل الكاتب إلى أن "الإدارة الأمريكية هددت بفرض عقوبات على الشركات الإنتاجية التي لم تلتزم بالنظام السينمائي العالمي الجديد، وأوعزت بعدم توزيع أفلامها المنتجة حديثا داخل الولايات المتحدة، وبالفعل خشيت بعض الدول من إنزال العقوبات وتوقفت عن إنتاج أفلام العنف لفترة تجاوزت الثلاث سنوات"!
نعم.. هناك مكاتب لوكالات الاستخبارات الأمريكية داخل هوليوود، يمكنها أن تقترح وتساعد أحيانا في تطوير بعض الأفكار، أو تقدم بعض المساعدات خصوصا الأفلام التي تدور حول أعمال الاستخبارات مثل فيلم "30 دقيقة بعد منتصف الليل" عن عملية قتل بن لادن،  أو "لارغو" عن تهريب رهينتين من إيران، لكن الأمر لا يصل قط إلى حد تدخل الحكومة الأمريكية بشكل مباشر في عملية الانتاج، أو أن تحدد للشركات داخل وخارج أمريكا أيضا ، خطا معينا يتعين عليها الالتزام به بدعوى أن هذا هو "النظام العالمي السينمائي الجديد"- حسب تعبير الكاتب، فهذا مجرد هراء من بارانويا الستينات. لكن المشكلة أنه أصبحت للهراء جاذبيته هذه الأيام!





جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com