الأربعاء، 9 ديسمبر، 2015

عن متحف السينما في تورينو



قد تكون فرنسا هي "أم السينما" في العالم، فهي صاحبة الاختراع الأول للسينماتوغراف، وهي التي تمتلك أكبر وأعظم دار للمحفوظات السينمائية (سينماتيك) في العالم، تضم أكبر مجموعة من الأفلام والوثائق والصور وكل ما يتعلق بتاريخ تطور الصناعة السينمائية. لكن معظم هذه المقتنيات محفوظة بعيدا عن عيون الجمهور، أما متحف السينما الباريسي فهو جزء صغير من السينماتيك الفرنسية.
وقد فشل الانجليز في الإبقاء على "متحف الصور المتحركة" الذي افتتح عام 1988 بتبرعات عدد من المؤسسات الخاصة والأفراد، وأغلق عام 1999 بعد أن عجزت الحكومة عن تقديم الدعم المالي له، وهو ما يتسق مع نظرة الانجليز الذين يحسبون كل شيء بالمنفعة المباشرة والمردود المالي، فمؤسسة كهذه لا يتوقع أن تدر الكثير من المال بالطبع. ولم يكن المتحف يليق بتاريخ السينما البريطانية العريق.
أما المتحف الموجود في مدينة تورينو الإيطالية فهو بلاشك الأكبر والأجمل والأكمل في العالم على قدر علمي، سواء بتصميمه الفني الفريد الذي قدمه مهندس الديكور السويسري فرنسوا كونفينو، أو بمساحته التي تبلغ 3200 متر مربع والموزعة على خمسة طوابق من برج تورينو الشهير- رمز المدينة- أو بكم المقتنيات الهائل التي تشمل الكتب السينمائية والملصقات والملابس والأجهزة السينمائية للعرض والتصوير والمونتاج من بدء تاريخ الاختراع حتى وقتنا هذا، والصور الفوتوغرافية من الأفلام، والرسوم التوضيحية والجرافيكس وأعمال الفن. وهو مثلا يحتوي 300 الف ملصق سينمائي و80 ألف صورة و35 ألف كتاب ونحو 14 ألف بكرة من بكرات الأفلام، و20 ألف قطعة أصلية من الأجهزة السينمائية، ولديه أيضا دار للعروض السينمائية على مسافة قريبة من البرج تعرض كلاسيكيات السينما والاكتشافات الجديدة من الأفلام القديمة التي يتم ترميمها.
ومتحف تورينو ليس مجرد متحف للعرض بل معهد علمي يقدم بشكل عملي وتوضيحي سواء من خلال المعروضات أو الأفلام التي نشاهدها على شاشات موزعة على أقسام المتحف، تاريخ تطور فن السينما في العالم، ويأخذك في جولة شبيهة بمشاهدة فيلم، لكنه فيلم متعدد الطبقات والأساليب، حيث تنتقل من مرحلة ما قبل السينما (الحفريات السينمائية) إلى ظهور الاختراع، ثم الفيلم الصامت ومنه إلى ظهور الأنواع مثل الويسترن والفيلم الموسيقي، والواقعية الجديدة، وغير ذلك.
الانتقال من طابق لآخر يتم إما عبر الصعود التدريجي في ردهات دائرية طويلة، أو من خلال مصاعد مخصصة للزوار. والمساحة الرئيسية في المتحف أو "الغاليري" المفتوح يضم عددا من الشاشات التي تعرض عليها مقاطع من كلاسيكيات السينما في العالم. هذه القاعة تقع في قلب المبنى وعند التطلع إلى أعلا تشاهد المصعد الرئيسي للبرج وهو يصعد بالزوار إلى أعلى نقطة يمكن الوصول إليها من هذا البرج المسمى "مول أنطونيليانا" (نسبة إلى المهندس الذي صممه اليساندرو أنطونيللي وأشرف على بنائه حتى وفاته وهو في التسعين من عمره، أما كلمة مول فمعناها كتلة). وقد افتتح المبنى عام 1889، ويبلغ ارتفاعه 165 مترا، ويوصف بأنه أعلا متحف في العالم فمتحف السينما يحتل معظم طوابقه.
متحف السينما في تورينو اكتمل عام 2000، وأعيد تصميمه الجمالي البديع ليصبح على ما هو عليه اليوم عام 2006 قبيل افتتاح دورة الألعاب الشتوية العالمية التي شهدتها المدينة. ويتدفق عليه أكثر من نصف مليون زائر سنويا ويعتبر من بين أكثر متاحف إيطاليا جاذبية للزوار.
وجود متحف للسينما في أي مدينة في العالم يعتبر دليلا على الاهتمام بفن السينما ومساواة هذا الفن بالفن التشكيلي، أي أنه يستحق أن تخصص له متاحف ومعارض، ومهرجانات لا تكتفي باستعراض الأزياء والسير فوق البساط الأحمر كما يفعل كثير من مهرجانات السينما في العالم العربي.. ولكن هذا موضوع آخر!

0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com