الخميس، 5 نوفمبر، 2015

أفلام وأوهام!


من مفارقات الزمن الغريب الذي نعيشه الآن، تلك الإشارات المتكررة في أحاديث النخبة وغير النخبة عما يدعونه “الزمن الجميل”، بل والكثير من أبناء الأجيال الجديدة أيضا، مع ترويج مستمر في قنوات التلفزيون المصرية التي لم تعد تملك سوى ما تبقى من مخلفات البرامج الرياضية والأغاني والمسلسلات والأفلام القديمة من زمن “الأبيض والأسود” من الستينات.
وليس معروفا بالضبط من العبقري الذي اخترع تعبير “الزمن الجميل”، الذي أصبح من التعبيرات الراسخة في الصحافة والإعلام تتناقله الأجيال، بينما لا يوجد أصلا زمن جميل وزمن آخر غير جميل، فكل الأزمنة والعصور تعرف الجميل والقبيح، الصالح والطالح من الأعمال الفنية وغير الفنية.
وكما أننا نشهد منذ أكثر من عشرين عاما “طفحا” غريبا على جسد الكوميديا المصرية بفعل طوفان من أفلام التهريج وما يعرف في الشارع بـ”الاستهبال” أو -البلاهة العدمية- إذا جاز التعبير، فقد كان هناك في الماضي أيضا الكثير من مهرجي السينما الذين لم يكن ما يقدمونه يرقى إلى الكوميديا الإنسانية الرفيعة، بل كانوا في الحقيقة، قوالب نمطية يعاد إنتاجها مرات ومرات.
ومع ذلك فالمفارقة تكمن في أن الكثيرين يعتبرونهم الآن -بأثر رجعي- من كبار الكوميديين لا لشيء سوى لأنهم من “الماضي”.
فهل كان محمود شكوكو أو زينات صدقي أو وداد حمدي وماري منيب وغيرهم، سوى مجموعة من الأنماط السوقية المتكررة التي لا تجيد سوى “الردح”، في زمن كان نقاد الصحافة السائدة يعتبرون كل من يجيد “الردح” أمام الكاميرا أو الميكروفون، “فنانا شعبيا”.
على الصعيد السياسي سنجد أيضا أن الكثير من أبناء الأجيال الجديدة الذين لم يعيشوا أصلا زمن الرئيس المصري أنور السادات، يعتبرون السادات نموذجا للعبقرية والدهاء السياسي والزعامة التي لا يشق لها غبار، ويترحمون على أيامه التي لم يعيشوها، بينما كان السادات المسؤول الأول عما آلت إليه مصر من تراجع بموجب سياساته الاقتصادية وإعلائه من شأن “التفاهة” على “الثقافة”، وكراهيته المتأصلة للمثقفين وأساتذة الجامعات والمفكرين.
كان السادات هو من أصر على تخريب ما تحقق في أكتوبر 1973، ومضى في ما بعد إلى اتفاقات منحت إسرائيل أكثر مما حصلت عليه مصر، تحت شعار “أن حرب أكتوبر آخر الحروب” مصرا على أن مبادرته لزيارة القدس نجحت وقلبت التاريخ.
ومن المشاهد المضحكة المعروفة التي يصفها وزير خارجية السادات محمد إبراهيم كامل في مذكراته، وهو الذي استقال احتجاجا على طريقة إدارة السادات مفاوضات كامب ديفيد، ما يسرده عن السادات حين بادره بالقول بضرورة نسيان كل ما يعرفه من خبرات وتكتيكات تتعلق بإدارة العملية الدبلوماسية من تفاصيل وإجراءات ومناورات، مؤكدا له “أنا واخدك معايا عشان أدخلك التاريخ يا محمد!”.
ولم تكن مصادفة أن يظهر في عصر السادات وينتعش مطرب كباريهات يدعى “كتكوت الأمير”.
والطريف أن من يترحمون من أبناء الجيل الجديد على عصر السادات يستندون على ما يصوره فيلم رديء ظهر عن “السادات” قام ببطولته الراحل أحمد زكي، وفي أحد مشاهده يستدعي “أحمد زكي- السادات” السفير الإسرائيلي ويعنفه بشدة ويطلب منه أن يخبر رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغين عن “احتجاجه الشديد” على قصف المفاعل النووي العراقي، مؤكدا أنه لن يسمح ولن يسكت.. إلى آخر تلك “الهرتلات” التي لا أساس لها في الواقع.
فإلى أي قوة كان يمكن أن يستند السادات وهو يهدد بيغين، بينما كان قبلها قد ابتلع لسانه أمام بيغين الذي أعلن خلال مؤتمر صحفي في الإسماعيلية، أن أجداده اليهود هم بناة الإهرامات.

0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com