الثلاثاء، 18 أغسطس، 2015

هذه البارانويا السينمائية!






يصيني كثير مما ينشر في الصحف العربية عن السينما وقضاياها، وخصوصا السينما الأجنبية، بالكثير من الدهشة وأحيانا، الصدمة، من حجم ما يمكن وصفه يقينا، بـ "التلفيق" و"الفبركة" سواء من أجل مغازلة النزعات الشوفونية الضيقة لدى بعض القراء، فكثيرا ما اخترع الصحفيون، جوائز وهمية للأفلام "العربية"، يزعمون أنها حصلت عليها في المهرجانات السينمائية الدولية.
وكثيرا أيضا تتردد أنباء مبالغ فيها كثيرا، عن "الوجود العربي" في المهرجانات الكبرى، في حين أن ذلك الوجود المزعوم يكون عادة بأفلام لا علاقة للعرب بها، لا من قريب ولا من بعيد، فهي ليست من الإنتاج العربي ، كما أنها لا تنطق بالعربية، ولا تدور أحداثها في واقع عربي محدد، بل يتم نسبتها إلى "العرب" لمجرد أن يكون مخرجها "من أصول عربية" حتى لو كان قد ولد ونشأ وتعلم وانتمى إلى ثقافة أخرى مختلفة تماما، وأصبح يعتبر نفسه إبنا شرعيا لتلك الثقافة، يعبر عن مشاكلها وقضاياها، يتحدث لغتها، ويعمل بانسجام مع نظامها السينمائي.
غير أن دهشتي إتسعت عندما قرأت أخيرا تقريرا تفصيليا طويلا نشرته صحيفة عربية تصدر في لندن تحت عنوان مثير هو "خطة هوليوود للسيطرة على العقل العربي"، يوجه كاتبه نقدا شديدا لما يطلق عليه "الإدارة العامة للسينما في وزارة الثقافة" (المقصود المصرية) التي يأخذ على برنامجها السينمائي أنه يتضمن أفلاما أمريكية يرى أنها أنتجت بغرض "تخريب المجتمعات العربية بالتسلل الخفي لعقل ووجدان الجماهير، وبث الأفكار المسمومة لإحداث تغييرات نفسية وإنسانية وأيديولوجية عبر أزمان طويلة لضمان الانقياد والسير في اتجاه الهدف".
ودون الإشارة إلى أي مصادر حقيقية، يتوصل الكاتب إلى أن "الإدارة الأمريكية هددت بفرض عقوبات على الشركات الإنتاجية التي لم تلتزم بالنظام السينمائي العالمي الجديد، وأوعزت بعدم توزيع أفلامها المنتجة حديثا داخل الولايات المتحدة، وبالفعل خشيت بعض الدول من إنزال العقوبات وتوقفت عن إنتاج أفلام العنف لفترة تجاوزت الثلاث سنوات"!
نعم.. هناك مكاتب لوكالات الاستخبارات الأمريكية داخل هوليوود، يمكنها أن تقترح وتساعد أحيانا في تطوير بعض الأفكار، أو تقدم بعض المساعدات خصوصا الأفلام التي تدور حول أعمال الاستخبارات مثل فيلم "30 دقيقة بعد منتصف الليل" عن عملية قتل بن لادن،  أو "لارغو" عن تهريب رهينتين من إيران، لكن الأمر لا يصل قط إلى حد تدخل الحكومة الأمريكية بشكل مباشر في عملية الانتاج، أو أن تحدد للشركات داخل وخارج أمريكا أيضا ، خطا معينا يتعين عليها الالتزام به بدعوى أن هذا هو "النظام العالمي السينمائي الجديد"- حسب تعبير الكاتب، فهذا مجرد هراء من بارانويا الستينات. لكن المشكلة أنه أصبحت للهراء جاذبيته هذه الأيام!





0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com