الخميس، 23 يوليو، 2015

عن السينماتيك الغائبة



"السينماتيك" هي دار المحفوظات السينمائية، وهي توازي دار الكتب والمخطوطات، أي أنها تشمل حفظ الأفلام التي تنتج في الدولة التي تقام فيها إلى جانب روائع الأفلام العالمية التي يمكن الحصول عليها، سواء في نسخ أصلية (نيغاتيف) أو موجبة.
والآن أصبح أيضا من الممكن تحويل النسخ السلبية التقليدية المصورة بتقنية الـ35 مم إلى نسخ رقمية تقاوم الزمن، كما أن معظم الأفلام أصبحت تصور بتقنية الديجيتال الرقمية المتقدمة، وتحفظ بالتالي في أرشيف إليكتروني، حيث تصبح غير قابلة للاحتراق كما كان يحدث للأفلام المصورة على شرائط السليولويد المصنوعة من نترات الفضة في الماضي.
أي قبل أن يتطور السيليولويد ويصبح أكثر مقاومة للاشتعال، وإن كان يمكن أن تتحلل شرائط السيلولويد إن لم تحفظ في ظروف سليمة وفي درجة برودة محددة.
السينماتيك ليست فقط أرشيفا للأفلام، بل هي مكان أيضا لحفظ كل ما يتعلق بتاريخ السينما من صور وسيناريوهات ومخطوطات وغير ذلك، وليس من الممكن الحديث عن “تاريخ” للسينما في بلد ما، دون وجود سينماتيك حقيقية.
والسينماتيك تنظم أيضا عروضا لروائع السينما العالمية، أي أنها “مدرسة” يتعلم فيها الشباب من عشاق الفن السينمائي، كيف تطور هذا الفن من عصر الأفلام الصامتة إلى عصر الأبعاد الثلاثة.
والملاحظ أن معظم الدول العربية التي تنتج الأفلام، تغيب فيها السينماتيك، باستثناء الجزائر، لكن السينماتيك الجزائرية التي تأسست بعد استقلال الجزائر عام 1964 بالتعاون مع هنري لانغلوا مؤسس السينماتيك الفرنسية التي تعدّ الأكبر في العالم، فقدت ما يقرب من 50 في المئة من أفلامها التي بلغ عددها في وقت ما، عشرة آلاف فيلم.
وقد كثر الحديث خلال السنوات الأخيرة حول وجود خطة لإنشاء سينماتيك في القاهرة بالتعاون مع فرنسا. وكان وزير الثقافة المصري الأسبق فاروق حسني قد أعلن عن قرار بإنشاء سينماتيك في القاهرة. ومع ذلك أبديت وقتها تشككي في هذا القرار الذي هلّل له كثيرون في الصحافة المصرية باعتباره فتحا مبينا.
قد توارث رؤساء “المركز القومي للسينما” في مصر الذين تعاقبوا على رئاسته خلال الخمسة عشر عاما الأخيرة، خطة نظرية لإنشاء سينماتيك مصرية بمساعدة فرنسية، وكان كل هؤلاء المسؤولين يترددون كثيرا على العاصمة الفرنسية بحجة بحث تفاصيل إنشاء السينماتيك مع المسؤولين الفرنسيين، وقد تركوا انطباعا عاما بأن فرنسا ستبني لنا السينماتيك على أن تقدم لها الحكومة المصرية الأرض فقط.
ولم يكن هذا صحيحا، كما لم يكن فاروق حسني أو من خلفوه، جادين في اهتمامهم بالسينماتيك، فالسينما عندهم ليست سوى “صناعة وتجارة”، أي أنها لا ترقى إلى مرتبة الفنون التشكيلية والمسرح والشعر والأدب والعمارة.
والإيمان بإنشاء سينماتيك يرتبط بنظرة أخرى إلى السينما وإلى الفيلم باعتباره عالما بأسره، فهو يحفظ تاريخ الفترة التي ظهر فيها، بغض النظر عن المستوى الفني للفيلم نفسه، من أزياء وطرز سيارات ومبان وتصفيفات شعر وأغاني، بل وأسلوب في الحديث أيضا.
وفي المقابل كيف يمكن أن تتجه مثل تلك النظرة السائدة المتدنية إلى السينما، وهي نظرة لا تقيم أيّ تقدير لتاريخ السينما واعتبار الفيلم وثيقة دالة على عصره، إلى إنشاء “متحف للسينما” و”دار للمحفوظات السينمائية”.
فإذا كانوا يعتبرون السينما نشاطا يمارسه التجار والمغامرون، وليست جزءا من الضمير الثقافي العام، فلا بدّ أن يظل تاريخ السينما المصرية والعربية في مهب الريح!

0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com