الأربعاء، 5 فبراير، 2014

حول الفيلم الأمريكي "لاست فيجاس": كوميديا إنسانية بديعة






شاهدت عددا كبيرا من الافلام في الفترة الأخيرة منها ما يطلق عليه أفلاما تجارية، والمقصود الأفلام الشعبية التي يقال إنها صنعت بغرض التسلية وجلب الأموال لمنتجيها (وهو هدف لاشك فيه فيما يتعلق بكل الأفلام التي تمول من طرف شركات انتاج محترفة).. واكتشفت أن الكثير منها أهم كثيرا سواء في بنائها الفني أو مضمونها، من أفلام يعتد بها بعض النقاد ويعتبرونها أفلاما فنية.


من هذه الأفلام مثلا الفيلم الأمريكي "لاست فيجاس" Last Vegas للمخرج جون تيرتيلتاوب (معظم أعماله أخرجها للتليفزيون).. لكنه هنا يختار موضوعا إنسانيا كبيرا دون أي ادعاءات أو التواءات في الحبكة والسرد، عن أربعة من الاصدقاء القدامي، هم الآن في الستينيات من عمرهم، يرغبون في جمع الشمل مرة أخرى والقيام بمغامرة تذكرهم بمغامراتهم القديمة، فيذهبون لقضاء عطلة نهاية الاسبوع في لاس فيجاس، لكي يمارسوا اللهو واللعب والتحرر.. أحدهم يرغب في الزواج من فتاة تصغره بأكثر من ثلاثين عاما ويريد دعوتهم لحف زواجه بعد ان تنتهي مغامرتهم في لاس فيجاس، والثاني يستأذن من زوجته في تغيير طعم الحياة الزوجية بأخذ عطلة قصيرة من الزواج، فتسمح له بل ولا تنسى أن تذكره بضرورة أن يحمل معه الواقي الذكري أيضا، وهو الأمر الذي لا يفتأ يذكره لكل إمرأة يقابلها، والثالث يهرب من الرقابة الصارمة التي يفرضها إبنه عليه بسبب خشيته من تدهور حالته الصحية، والرابع توفيت زوجته حديثا ويحمل في نفسه غصة لأن صديقه الأول (الذي يستعد للزواج) تقاعس عن حضور الجنازة.

وهكذا وسط أجواء من التوتر النفسي والمشاحنات الصغيرة وأيضا المغامرات التي تؤدي الى مفارقات غير محسوبة، منها وقوع اثنين منهم في وقت واحد، في حب امرأة مطلقة في المخسينيات من عمرها، لاتزال تحتفظ بجاذبيتها وحسنها، وتنافسهما عليها، وما يحدث للمجموعة أيضا في صالات القمار الشهيرة في لاس فيجاس، يكشف الفيلم عما يكمن تحت سطح المفارقات الكوميدية من دراما انسانية بديعة، تصور كيف ان الانسان لا يكبر أبدا إلا إذا استسلم هو لفكرة الشيخوخة، وأنه يمكن أن يجد الحب ولو بعد أن ظل لسنوات طويلة يبحث عنه وينتظره، وكيف يمكن أن يدرك المرء قبل الوقوع في الخطأ، أن الحب قيمة أكثر كثيرا من مجرد فكرة نظرية، وأنه كان يمكن أن يقع في مشكلة أكبر إذا ما استسلم لفكرة الزواج من امرأة صغيرة السن كثيرا فقط لأنها توليه اهتماما واعجابا، وأن المغامرة لها أيضا حدودها والانسياق وراءها يمكن أن يؤدي إلى الوقوع في الكثير من التعقيدات.

فيلم مصنوع برقة وعمق، بعذوبة وبناء قصصي تقليدي ومشاهد مكتوبة جيدة يبرز فيها حوار رفيع بسيط متدفق طبيعي مناسب لكل شخصية من تلك الشخصيات الأربع.

لكن لعل ما يضفي على فيلم كهذا رونقا خاصا ذلك الأداء التمتيز من الممثلين الأربعة الذين يقومون بأدوار البطولة" روبرت دي نيرو، مايكل دوجلاس، مورجان فريمان وكيفن كلاين.. وهم يبدون هنا ربما أيضا أقرب إلى شخصياتهم الطبيعية، ويقفون أمام الكاميرا تدعمهم خبرات طويلة عميقة في التمثيل والحياة معا، بحيث أنهم يقنعون المشاهيدن بأنهم حقا أصحاب تجربة وصداقة مشتركة طويلة، توحد بينهم تلك الكيمياء التي تجمع بين أصدقاء يبقون على صداقاتهم لعشرات السنين، يتذكرون الماضين لديهم قدرة على الفهم والتسامح. وهي قيمة ربما لم نعد نجدها كثيرا اليوم!



أضيف أيضا ان مما ساعد على توهج الفيلم أيضا الأداء المميز لممثلة ماري ستينبيرجن التي أضفت بروحها المرحة وعمق أدائها قيمة إضافية غلى الفيلم ونجحت في الاستحواذ على اهتمام المشاهد بعد ان أصبحت هي المحور الذي يتصارع حوله دي نيرو وجاكسون من خلال مشاهد طريفة كلها مبتكرة، تعتمد على المفارقات الدرامية والحركة ولا تركن الى التعبير اللفظي والنكات الشائعة في أفلام كثيرة.

إن "لاست فيجاس" ببساطة، درس في الكوميديا الانسانية البديعة التي تعرض وتصور وتسلي وتمتع لكنها تتحمل ايضا في طياتها الكثير من الفكر الإنساني والقيم التي نفتقدها عن صداقة الرجال، عن عدم الاستسلام للشيخوخة أو المرض، وعدم الوقوع فريسة للماضي وما حدث فيه فربما نكون قد بنينا تصورنا على افتراضات خاطئة أصلا، وعن الحب الذي لا يكف الانسان عن السعي للعثور عليه.

0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com