الثلاثاء، 18 فبراير، 2014

سر قوة فيلم "12 عاما في العبودية"







أمير العمري





بعض التعليقات التي كتبت على الفيلم الأمريكي البديع "12 عاما في العبودية"  12 Years A Slave  تقول إن الفيلم لا يضيف جديدا، وإنه يجعل من قضية تحرير العبيد قضية قانونية تتعلق أيضا بشخص واحد بدلا من المجموع، وإنه بالتالي يقلل من قيمة وأهمية القضية، بل ويهمشها حينما ينتهي بحصول بطله على الحرية مع بقاء أقرانه عبيدا!

الحقيقة أن الفيلم يميل أولا، إلى الاخلاص للأصل الأدبي الذي يعتمد عليه، وهو الكتاب الذي يحمل العنوان نفسه الذي أصدره سولومون نورثروب في القرن التاسع عشر.. الذي يروي قصته الشخصية وما وقع له من مأساة. 

والرد على اتهام الفيلم بأنه يجعل القضية قضية أوراق قانونية فقط يجب أن يكون كالتالي: إنه حتى الأمريكي الأسود الذي كان يحما أوراق انعتاق من العبودية في تلك الفترة النظلمة من التاريخ الأمريكي، لم يسلم من الاستبعاد والبقاء في العبودية لإثني عشر عاما.. وهو ما يقوي موضوع الفيلم وقضيته وليس العكس، أي أن هذه الحالة الخاصة هي أبلغ ادانة لسياسة التفرقة العنصرية على أساس اللون، واستبعاد الانسان لأخيه الانسان وليست تهميشا للقضية. واختيار مشكلة شخصية تتعلق برجل معين، موهوب، يعزف على آلة الكمان، يجيد القراءة والكتابة، يتمتع بالفطنة وحسن التدبير والقدرة على الابتكار، كلها أمور تجعل الاختيار مثاليا في التعبير عن ضراوة المشكلة، فرجل بهذه المواصفات، أرغم على العمل في الحقول مثل أي عبد من زملائه، كما بقى في العبودية سنوات طويلة عاجز عن اثبات أنه رجل حر وكان يلقى السخرية حينا، أو الانكار والاتسنكار حينا آخر كلما انبرى يدافع عن حقوقه الى أن أرغم بالقوة على الصمت والقبول حتى بتغيير إسمه وتاريخه الشخصي حسب رغبة السادة الذين اختطفوه ثم باعوه ونقلوه الى الجنوب الأمريكي.

 بطل الفيلم يتمتع بقدرة عالية على ضبط النفس، وعدم اللجوء للعنف إلى أن يشتد الضغط عليه فينبري مرة واحدة للدفاع عن نفسه فيكون ذلك الانتقام القاسي الذي يتعرض له كما شاهدنا في مشهد الشنق الوحشي الذي لم يكتمل، إلا أن الفيلم لم يهمل تصوير غيره من نماذج بشرية أخرى بائسة تتعرض لشتتى أنواع الاعتداء والتنكيل ومنها الاغتصاب الجنسي والجلد والشنق الفعلي..إلخ
إذن الفيلم لم يهمل تصوير الموضوع في كليته وشموليته، ولكنه لم يكن ممكنا أن ينتهي بمشاهد عنيفة بطولية على طريقة (جانجو)- لأنه فيلم يقوم على موضوع وقصة حقيقيتين وليس على افتراضات خيالية فنية مثل تلك التي أبدعها تارانتينو في فيلم شديد الاختلاف حقا. 

ان الانتصار على العنصرية على الشاشة فقط لا يغير حقائق التاريخ، ولكنه ربما يغير صورة التعبير عن تلك الحقيقة على الشاشة. وهو ما لم يلجأ إليه المخرج ستيف ماكوين الذي ليس من الممكن اتهامه بأي درجة بأنه من السينمائيين الذين ينطبق عليهم وصف أنصار كوخ العم توم، بل على العكس تماما. إنه يستنكر ويصرخ ويحتج عبر بطله في هذا الفيلم البديع، على تلك الهمجية التي لم ينج منها حتى من اعتبرته "الحضارة الأمريكية" وقتها مواطنا حرا!
وهذا بلاشك من أفضل الأفلام التي عالجت المسألة بنظرة فنية رفيعة.

0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com