الجمعة، 22 نوفمبر، 2013

"قطار منتصف الليل إلى لشبونة": كيف أفسدت المعالجة السينمائية العمل الأدبي الكبير







بقلم: أمير العمري


لاشك أن العلاقة بين الأدب والسينما كانت دائما علاقة وثيقة، أثرت السينما من ينابيع الأدب، وتركت تأثيرها على السينما سواء في أساليب الحكي أو في الإيقاع العام وترتيب مسار الأحداث.
ويمتليء تاريخ السينما بمئات الأفلام التي تعتمد على أصول أدبية، من روايات وقصص ومسرحيات، لكن الشرط الأساسي لنجاح أي فيلم يعتمد على نص أدبي أي على وسيط يختلف تماما سواء في تقنياته أم في جمهوره، يعتمد عى قدرة السينمائيين على إعادة معالجة المادة الأدبية بحيث يصبح من الممكن التعامل معها بسلاسة من خلال أدوات السينما: الكاميرا، الميزانسين (الإضاءة، زوايا التصوير، الديكورات، المؤثرات، التكوينات..إلخ)، المونتاج، التمثيل.
ولا يعد الإصرار على الإخلاص الحرفي للعمل الأدبي عند تحويله إلى فيلم سينمائي عادة، ميزة إيجابية بالضرورة، بل يصبح هذا الإخلاص والتمسك بكل أو بمعظم مكونات النص الأدبي في الكثير من الأحيان، عبئا على الفيلم السينمائي قد يؤدي إلى عجزه عن الوصول إلى جمهوره فيما يبقى الأصل الروائي شامخا لا يضاهيه شيء!
أجد هذه المقدمة القصيرة ضرورية قبل الانتقال لعرض وتحليل فيلم جديد عرض خارج المسابقة في مهرجان برلين السينمائي (فبراير 2013) وهو فيلم "قطار الليل إلى لشبونة" Night Train to Lisbon من الإنتاج الألماني السويسري ومن إخراج المخرج الدنماركي الشهير بيللي أوجست صاحب التحفة التي تنتمي إلى سينما الثمانينيات، "بيللي الغازي"، الذي حصل على السعفة الذهبية في مهرجان كان وجائزة الأوسكار لأحسن فيلم أجنبي عام 1989.

الفيلم مقتبس عن رواية شهيرة بالعنوان نفسه، والإنتاج أوروبي تماما، ليس فقط كون الإنتاج والعمل الأدبي ينتميان إلى قلب أوروبا، بل ويضم الفيلم طاقما من الممثلين الأوروبيين المرموقين مثل جيريمي أيرونز وشارلوت رامبلنج وكريستوفر لي وتوم كورتناي من بريطانيا، وبرونو جانز من ألمانيا، ولينا أولين من السويد.. وغيرها. والفيلم ناطق بالإنجليزية حتى يسهل تسويقه عالميا.

صدرت رواية "قطار الليل إلى لشبونة" للكاتب السويسري باسكال ميرسييه (وهو إسم مستعار يستخدمه الكاتب الحقيقي الفيلسوف بيتر بيير) باللغة الألمانية عام 2004، وأصبحت من أكثر الأعمال الأدبية السويسرية نجاحا وانتشارا بعد أن ترجمت إلى أكثر من ثلاثين لغة، ووزعت نحو مليوني نسخة في البلدان الناطقة بالألمانية.



أفكار كبيرة
تنتمي هذه الرواية إلى الأدب الفلسفي الذي يقوم على طرح الكثير من التساؤلات حول مغزى ما يفعله الإنسان الفرد في حياته، مغزى وجوده، وإلى أين تمضي رحلة الحياة، وما الذي يبقى بعد أن يمضي قطار العمر، وهل زمن العيش القصير الذي نحياه يكفي لسبر أغوار الذات، أم أننا كلما مضينا في رحلة الحياة كلما تعمق شعورنا بالوحدة، وغير ذلك من الأفكار "الوجودية" الكبيرة، وهو يجعل هذه الأفكار تأتي في سياق الرواية- والفيلم، عبر السرد الأدبي الخاص الذي تركه خلفه رجل برتغالي كان جزءا أصيلا في حركة المقاومة اليسارية لديكتاتورية سالازار في البرتغال.

بطل الفيلم مدرس في مدرسة ثانوية في مدينة برن السويسرية، ويدعى ريموند جريجوريوس، وهو متخصص في تدريس اللغات القديمة اللاتينية والعبرية والرومانية (يقوم بالدور جيرمي إيرونز)، يلمح ذات يوم أثناء ذهابه إلى العمل، فتاة تشرع في إلقاء نفسها من أعلى جسر بالمدينة، فيلحق بها ويتمكن من إنقاذها ويصطحبها معه إلى الفصل الدراسي، لكنها تغافله بعد ذلك وتختفي تاركة وراءها معطفا أحمر وكتابا صغيرا بداخله ورقة دون عليها رقم تليفون، وبطاقة سفر بقطار الليل إلى لشبونة الذي سيقلع بعد 20 دقيقة. يطالع الرجل بعض صفحات صفحات الكتاب الصغير، وهو لطبيب برتغالي يدعى أماديو دو برادو، من هواة الأدب، لم يكتب سوى هذا الكتاب الذي دون فيه بعض أفكاره الخاصة عن العالم. وتتردد مقتطفات من أفكار أماديو على شريط الصوت مثل "إننا نرحل إلى ذواتنا لكي نواجه وحدتنا.. وإننا نحيا قسطا قصيرا جدا من تلك الحياة الطويلة التي أمامنا" وغير ذلك.

تسيطر أفكار أماديو تماما على ذهن ذلك المدرس الإنجليزي الذي تجاوز منتصف العمر، وتأسره شخصية أماديو الذي شارك في المقاومة اليسارية ضد ديكتاتورية الجنرال سالازار الذي حكم البرتغال بقضبة حديدية في الفترة من 1933 إلى 1974.

يهرع الرجل إلى محطة القطارات للبحث عن الفتاة، ينتظر قلقا بلا جدوى فيقرر أن يتخلى عن عمله وحياته ويقفز داخل القطار ويقرر البحث عن تلك الفتاة الغامضة وعن حقيقة هذا الرجل الذي وضع تلك الأفكار الآسرة.
هذه البداية المثيرة لاهتمام المتفرج، كانت كفيلة بأن تأخذنا في رحلة سينمائية مشوقة توفر متعة التأمل وجمال الصورة. لكن ما يحدث بعد أن يصل بطلنا إلى مدينة لشبونة، أن يستغرق في البحث عن حقيقة الكاتب من خلال الاتصال بكل من عرفوه قبل وفاته المبكرة، ويبدأ أولا بشقيقته (تقوم بالدور شارلوت رامبلنج) التي تخبره أن شقيقها ليس له سوى هذا الكتاب الذي قامت هي بنفسها بتحريره ونشره.. وترفض أن تطلعه على أي تفاصيل أخرى تتعلق بفترة النضال ضد فاشية نظام سالازار وما حدث لشقيقها، ثم يلتقي بعد ذلك بماريانا، طبيبة العيون، التي تقوده إلى عمها الموسيقار العجوز الذي يقيم حاليا في منزل للمسنين، والذي يقص عليه بعضا من ذكرياته عن فترة النضال ضد الديكتاتورية مع المجموعة اليسارية التي كان يتزعمها أماديو في السبعينيات من القرن الماضي، وكيف تعرض للتعذيب على أيدي رجال الشرطة السرية، وكيف كسروا عظام يديه وجعلوه بالتالي، عاجزا عن العزف على البيانو.



عن البطل الغائب
من هنا يصل ريموند إلى خورخي (يقوم بالدور برونو جانز) ثم إلى ستيفانيا (لينا أولين) والإثنان ارتبطا بعلاقة حميمية مع أماديو، وكانت ستيفانيا محورا للغيرة والرومانسية والنضال السري والعشق المبرح، فقد وقع الإثنان في حبها، واختلطت العاطفة بالغيرة التي دفعت أماديو إلى محاولة قتل خورخي بدعوى أنه خائن للتنظيم السري اليساري.

أجواء الحب الرومانسية والغيرة والصداقة والنضال السياسي ومطاردات الشرطة السرية والشكوك في الرفاق.. هي التي تملأ نسيج الفيلم من خلال ما ترويه الشخصيات الرئيسية عن البطل الغائب.

ويظهر أماديو في الكثير من مشاهد الماضي (الفلاش باك)، كشاب شديد الحماس والتدفق العاطفي والمثالية الرومانسية، فهو يتمرد على أسرته الأرستقراطية ووالده الذي كان قاضيا كبيرا مقربا من النظام، كما أن أماديو نفسه أصبح مقربا من أحد جنرالات الأمن بعد أن أنقذ حياته ذات مرة.. كل هذه التفاصيل تتدفق في الفيلم، من خلال ما تتذكره الشخصيات التي عاصرت أماديو ومازال معظمها على قيد الحياة، كما نستمع عبر شريط الصوت على الكثير من أفكار وآراء أماديو. ولكل هذا الازدحام والرغبة في الاحتفاظ بكل ما ورد في الرواية الأصلية، تجعل الفيلم يفقد بريقه ويتحول، بسبب تلك المعالجة التي تعتمد على السرد (الأدبي الطابع) إلى عمل ثقيل في إيقاعه.
وتكمن المشكلة الرئيسية هنا في السيناريو الذي كتبه كل من جريج لاتر وأولريخ هيرمان، فقد أصبح لدينا فيلم أفقي لا يمتلك حبكة محكمة، أو تطور حقيقي في الموضوع، بل إنه ينسى تماما شخصية الفتاة التي ظهرت في البداية، إلى ان يتذكرها قرب النهاية عندما نعرف أنها إبنة ستيفانيا حبيبة أماديو التي يقابلها بطلنا ويستمع أيضا إلى قسط من ذكرياتها.
على حين أننا في الأدب يمكننا تقبل قراءة أكثر من 400 صفحة من الوصف الأدبي التفصيلي للعديد من الشخصيات التي تكشف عن تلك الشخصية الرئيسية الغائبة التي تبدو غامضة ومثيرة للاهتمام من وجهة نظر ذلك المدرس الباحث عن المعرفة.. معرفة حقيقة الشخصية التي تأسره فلسفتها في الحياة، إلا أننا في السينما، يجب أن نحصل على التفاصيل من خلال الحدث الدرامي الذي يتجسد في صور وليس كلمات، فمن الضروري أن يحتوي فيلم يعتمد على رواية فلسفية من هذا النوع، على طريقة أو مدخل للربط بين الشخصيات والأحداث بشكل متماسك لكي يروي قصة تقع في نحو ساعتين، يشدنا إليها إلى أن تبلغ ذروتها
أما ما حدث فهو أن كاتبا السيناريو وقعا في غرام كل شخصيات الرواية فحافظا على هذه الشخصيات، ولم ينجحا في تقديم معالجة سينمائية جذابة تحول الأفكار الأدبية إلى صور ومشاهد ولقطات وعلاقات حية وانتقالات محسوبة في الزمن، بالشكل الذي يجذب المشاهدين، بل إستخدما تلك الشخصيات المتعددة في الكشف عن بعض الجوانب المتعلقة بشخصية أماديو.. وبهذا فقد المشاهد اهتمامه بالفيلم في نصفه الثاني.

أسلوب الإخراج
ولعل العلاقة الوحيدة التي يطورها الفيلم بين بطلنا وإحدى تلك الشخصيات هي علاقة ريموند بماريانا طبيبة العيون، التي تبدي اهتماما خاصا به، وهو يكشف لها في مشهد وحيد في الفيلم شيئا من حياته التي لا نعرف عنها سوى القليل، عندما يقول لها إنه كان متزوجا لكن زوجته تركته لأنها كانت تجدها شخصية "مملة"، فتقول له ماريانا إنها لا تجده مملا، بل على العكس، تجد صحبته ممتعة. وينتهي الفيلم ونحن نرى ريموند يقرر البقاء في لشبونة بعد أن يدرك تمسك ماريانا به وينمو حبهما المشترك، وهو بهذا القرار، أي البقاء، يلقي وراء ظهره بكل ما كان في حياته المغلقة التي كان يعيشها في برن، ويتمرد على ماضيه مقتنعا بأن لحظة البحث عن النفس لا يضاهيها شئ مهما بدا أنها أتت متأخرة في حياة المرء!
يعتمد الفيلم على الحوارات المكثفة، وعلى الانتقال من الحاضر إلى الماضي عبر مشاهد الفلاش باك، وعلى السرد الذي يدور حول الشخصية الرئيسية مثار اهتمام الفيلم، دون القدرة – كما أشرنا- على تطوير الحدث، ودون الاستفادة من طبيعة المكان، أي مدينة لشبونة بتضاريسها وطبيعتها الخاصة. إنه حقا يقدم لقطات ممتعة بصريا للحي القديم من المدينة الذي يتميز بالشوارع الضيقة الملتوية الصاعدة، والمناظر التي نراها من القلعة التاريخية القديمة أو تظهر القلعة في خلفيتها، بل ويجعل الفندق الصغير الذي يقيم فيه ريموند في ذلك الحي، يطل في الوقت نفسه، على المحيط، في حين أن المحيط الأطلسي يبعد كثيرا عن الحي القديم. لكن الفيلم يفشل بشكل عام في استخدام تلك الخلفية الخاصة للمدينة في تعميق الجانب الدرامي للموضوع، بل يدور في معظمه، داخل ديكورات داخلية.
أسلوب إخراج بيللي أوجست، كلاسيكي، يتميز بالإيقاع البطيء وبالكاميرا الثابتة، واللقطات ذات الأحجام المتوسطة والعامة، وهو يمزج الأفكار الفلسفية التي وردت بالرواية عبر شريط الصوت  فنسمعها من خارج الصورة، وهو أسلوب عتيق، يتكرر عبر الفيلم، ويعكس عجزا في تجسيد الموضوع من خلال الشكل الدرامي الذي يقوم على حركة الشخصيات والكاميرا في الفضاء، وعلى تعقد العلاقات بين الشخصيات، بل إن شخصيات الفيلم تبدو في معظمها كما لو كانت منفصلة عن بعضها البعض. ولذلك جاء أداء الممثلين، رغم مواهبهم الكبيرة بالطبع، باردا يفتقد للحرارة، بل وبدا كما لو كانوا لا يشعرون بالجو العام للفيلم. ولذلك جاء تمثيل جيرمي إيرونز جافا، لا يتغير من مشهد إلى آخر بل يسير على وتيرة واحدة عبر الفيلم رغم ما تكشف له عنه الشخصيات التي يلتقي بها ويستمع إلى شهاداتها عن فترة صاخبة في تاريخ البرتغال.
ولكن لعل من أفضل جوانب الفيلم أنه أعاد تجسيد فترة خصبة من تاريخ النضال اليساري ضد حكم سالازار في البرتغال، وكشف للكثير من المشاهدين في العالم تفاصيل مجهولة في تاريخ تلك الفترة الصاخبة.

السبت، 9 نوفمبر، 2013

ملاحظات لا تلزم أحدا!



من فيلم "بس يابحر" الكويتي

** استفتاءات اختيار احسن 10 أو 100 فيلم تكون عادة بين نخبة من السينمائيين والنقاد لا يزيد عددهم عن مائة مثلا خاصة وانه ليس لدينا في العالم العربي أكثر من 10 نقاد سينما، وأقل من 20 سينمائيا مثقفا.. أما أن يضم الاستفتاء المئات من الاشخاص فقد اصبح بالتالي استفتاء شعبيا وليس نخبويا.. وضم من يعرف ومن لا يعرف، من يشاهد ومن سمع فقط  عن بعض الأفلام.. وهذا هو سر الجدل الحالي. الخطأ أصلا خطأ من فتحوا الدنيا أمام كل من هب ودب...... وبالتالي فالاستفتاء لا يعتد به لأنه فقد المعايير العلمية الصحيحة..


** المؤكد أيضا أن فيلم "الزمن الباقي" أهم وأفضل كثيرا من فيلم "يد إلهية" لنفس المخرج ايليا سليمان، وفيلم "زوجتي والكلب" أهم تاريخيا وفنيا من "المخدوعون" لكن المخدوعين كثيرين في العالم العربي.. فلم يكن اختيار فيلم "بيروت الغربية"- رغم جودته ليوضع في قائمة العشرة الكبار، والطريف ان يكون لدينا كل هذا العدد ممن أطلق عليهم (البعض) "السينمائيين والنقاد وخبراء السينما"..



الرأي (الشعبي) السائد في الصحافة السينمائية ولدى العاملين بها أن الفيلم الجزائري "وقائع سنوات الجمر" للأخضر حامينا من أفضل الافلام العربية.. فقط بسبب حصوله على جائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان، في حين أنه فنيا ليس افضل افلام مخرجه بل أفضلها بلاجدال (لكن أحدا لم يشاهده ولم يروج له كثيرا) هو فيلم "رياح الأوراس" (1966) الذي فاز أيضا بجائزة مهمة في مهرجان كان لكنها ليست السعفة الذهب!

** تفوق فيلم متواضع المستوى كثيرا مثل "بس يابحر" الذي أنتج في الكويت في اوائل السبعينيات على كثير من الأفلام التي تفوقه فنيا وفكريا، مثل دعاء الكروان، والبوسطجي ، والسقا مات، والطوق والاسورة، والقاهرة 30 وشباب امرأة، وغيرها من الأفلام التي تعتبر من كلاسيكيات السينما العربية، هو أمر جدير بالتوقف أمامه أيضا.. 

** أخيرا الحديث عن غياب أفلام معينة من بلد معين، أو عدم تمثيل مخرج معين هو أمر لا طائل من وراءه، بل المسألة تبقى في النهاية "نسبية"!

الأربعاء، 6 نوفمبر، 2013

الفيلم الإيراني "لا تحرق المخطوطات" لمحمد رسولوف




جاء المخرج الإيراني المثير للجدل، محمد رسولوف، إلى مهرجان كان بمفاجأة جديدة مثيرة، هي فيلمه الجديد الذي أنجزه سرا في إيران، في حين قام بتصوير مناظره الداخلية – كما نشر- في ألمانيا.
جاء روسولوف لعرض فيلمه الجديد "لا تحرق المخطوطات" Manuscripts, Don’t Burn ليس في المسابقة الرسمية التي تتنافس أفلامها على السعفة الذهبية، الجائزة الكبرى للمهرجان، بل في قسم "نظرة خاصة"، القسم التالي في أهميته للمسابقة، وقد حصل على جائزة الاتحاد الدولي لنقاد السينما في كان.
أما المفاجأة فتتمثل في أن هذا المخرج كانت قد صدرت ضده أحكام عام 2009، بالمنع من العمل في السينما لمدة 20 سنة، كما حكم عليه بالسجن لمدة خمس سنوات تم خفضها فيما بعد، إلى سنة واحدة وإن كان التنفيذ مؤجل حتى الآن. ومن مظاهر التناقض في السياسة الداخلية الإيرانية ونتيجة لصراع الأجنحة، أن روسولوف في الوقت نفسه، مسموح له بالسفر إلى المهرجانات الدولية، بل وقالت بعض المصادر القريبة منه إنه يقيم منتقلا ما بين طهران وهامبورج في ألمانيا، كما ذكرت مصادر أخرى أن الفيلم الجديد أنتج في وقت إرتفعت بعض الأصوات داخل إيران على صعيد المؤسسة الرسمية، تنتقد بشدة الممارسات العنيفة التي تلجإ إليها أجهزة الشرطة السرية.
ما هذا النظام الإيراني؟ ومم يتكون؟ وما هذه التناقضات التي تجعل القائمين عليه يقضون بسجن مخرج ومنعه من العمل، ثم يسمحون له بالعمل وبالسفر وحضور مهرجان "كان" وتقديم الممثلين الذين تعاونوا معه في الفيلم على خشبة المسرح، وكيف يمكن أن ينجز رسولوف فيلما جريئا إلى هذا الحد، وهو ما يمكن إعتباره الفيلم الأكثر جرأة من بين كل الأفلام الروائية الطويلة التي خرجت من إيران حتى الآن، في نقده المرير للممارسات القمعية التي تلجأ إليها السلطات الغاشمة التي تحكم البلاد بالحديد والنار.
إننا أولا أمام مرثية لثقافة عظيمة هي الثقافة الفارسية، التي يمثلها مجموعة من الرموز الثقافية من الكتاب والمبدعين في هذا الفيلم، يتعرضون حاليا، لأقصي صنوف التعذيب والإضطهاد والترويع والترغيب، فإما يهادنون ويقبلون بالتعامل كمرشدين للنظام، يساهمون- كما نرى في الفيلم- في تعقب وتصفية زملائهم من المثقفين الإيرانيين، أو يكون مصيرهم الحرمان والمطاردة والمنع من السفر والتعذيب بل والإعدام بطرق عديدة بشعة مبتكرة!
إنها مرثية للكلمة، التي أصبحت مطاردة ومضطهدة ومحظورة، تدفن داخل ثلاجة، أو داخل حاشية مقعد، أو تحرق إذا عثر عليها. وفي الوقت نفسه، مرثية للكتاب المناهضين للنظام الشمولي الإيراني الذين يعبرون عن إحتجاجهم بالكلمات.

قصة حقيقية
تقول كتابة تظهر على الشاشة في بداية الفيلم إن أحداثه وشخصياته تستند إلى وقائع حقيقية وقعت في إيران عبر سنوات، منها عمليات التعقب والاغتيال والتصفية التي تعرض لها نحو ثمانين مثقفا وكاتبا وناشطا إيرانيا فيما بين عامي 1988 و1998، كانوا يعارضون نهج النظام الإيراني.

 





المثقف السابق- رجل الأمن الحالي الذي أصبح مغاليا في ولائه للنظام، يريد أن يمحو تماما كل ما بقي من أصداء تلك الحادثة القديمة، ويبحث بالتالي عن أي مخطوطة- يعرف بوجودها- يكون قد كتبها وخبأها أي من هؤلاء الشهود.. باستخدام كل وسائل الترهيب، والتعذيب التي تصل إلى حد غرز آلة حادة في العضو التناسلي لأحد الذين يتم تعقبهم.
وفي أحد المشاهد نرى كيف يتم إختطاف أحد الكتاب ووضعه في الجزء الخلفي للسيارة ثم إقتياده إلى غابة بعيدة والإقدام على قتله قبل أن تأتي التعليمات بوقف تنفيذ العملية، كنوع من الضغط على أعصابه حتى يقبل بالتعاون. وهو ما يحدث بالفعل في حالة ذلك الكاتب الآخر كان يصرخ في جهاز التليفون مستجديا ضابط الشرطة السرية- المثقف السابق- أن يرأف بحاله المرضية وأن يسمح له بالسفر لرؤية إبنته في الخارج. لقد وعده الرجل أنه سييسر له السفر خلال أسبوعين ولكن مرت بضعة أشهر ولم يسمع منه خبرا. لكننا نره في النهاية يقوم بغسل جهاز التليفون، يرتدي ملابسه الفاخرة، يحمل حقيبته ويرحل في هدوء في حين يظل زميله الذي قبل أن يحمل مخطوطته ويخفيها، على وفائه وصموده ويلقى بالتالي مصيره بالموت!
روسولوف يروي قصة شاهد الكثير من فصولها إستمع إليها من زملائه، بكثير من الحساسية والرصانة، يتوقف أمام ما يريد التأكيد عليه بما لا يجعله يترك أي ظل من الشك فيما تقوم به الدولة القمعية في تعقب المثقفين والتنكيل بهم، دون أن يضحي بالمستوى الفني لفيلمه، فيحافظ على إيقاع هاديء، يتيح الفرصة أمام المشاهدين للتأمل فيما يشاهدونه وإستيعابه، دون أن تفلت خيوط الفيلم من بين أيديهم.


"لا تحرق المخطوطات" فيلم من أفلام الإحتجاج الجريئة التي لاشك أنها ستسبب الكثير من الصداع للنظام الإيراني، وقد تفضي أيضا إلى مزيد من المشاكل لمخرجه الشجاع!

السبت، 2 نوفمبر، 2013

القراصنة الصوماليون: قتل الطباخ ميكيل وإنقاذ القبطان فيليبس!



العام الماضي شاهدنا واحدا من أفضل الأفلام التي تناولت موضوع القراصنة الصوماليين ومأساة أطقم السفن التي تختطف في بحر الصومال والمحيط الهندي، وهو الفيلم الدنماركي "إختطاف" من إخراج توبياس ليندهولم.

عرض هذا الفيلم خارج المسابقة في مهرجان فينيسيا السينمائي 2012، وكتبنا عنه في ذلك الحين وقلنا إنه "من أفضل أفلام المهرجان الفيلم الدنماركي "اختطاف" الذي يصور بدقة عملية اختطاف احدى السفن الدنماركية قرب الساحل الصومالي على أيدي مجموعة من القراصنة، وكيف تبدأ المفاوضات لاطلاق سراح البحارة.. فيلم إنساني شديد التأثير والبراعة في التصوير وبناء الشخصيات، بما يصل إلى مستوى الكمال حقا. لا أخطاء ولا شيء زائد أو ناقص، ولا يوجد اي تقصير لا في إشباع الموضوع، ولا في الانتقال في الوقت المناسب من مشهد إلى آخر، أو إهمال عنصر على حساب عنصر آخر".

كان "إختطاف" الذي حصل على عدد من الجوائز منها أحسن ممثل في مهرجان أبوظبي، وأحسن فيلم (مناصفة) في مهرجان مراكش، ولجنة التحكيم الخاصة (مناصفة) في مهرجان سالونيك، وغيرها، ليس عن عملية إختطاف السفينة واحتجاز الرهائن فقط، هذه الأشياء موجودة في الفيلم المليء بلحظات الترقب والإثارة، لكنه كان أساسا، عن المصير الإنساني، كيف يصبح فحأة، وبدون سابق إنذار، عرضة لعمليات المساومة والمفاضلة والمفاوضات الطويلة المرهقة بين طرفين لا يتحدثان اللغة نفسها، ولا يعيشان في نفس العالم، ولا يقيمان أي إهتمام- في الحقيقة- للحياة البشرية، لقد كان فيلما حول "المال".. أي الفدية التي يطلبها الخاطفون (25 صوماليا فقيرا لم يعودوا يكترثون كثيرا للحياة الإنسانية بعد ما خبروه في حياتهم) ويساوم الطرف الآخر، أي ممثلو الشركة المالكة للسفينة المختطفة، لكي لا يدفعوا سوى أقل كثيرا من هذا الرقم.

لقطة من فيلم "إختطاف".. المسؤولون في الشركة يبحثون الموقف

يقع بين فكي الرحى، بحارة السفينة، وبينهم الطباخ الشاب "ميكيل" (بيلو أسبيك) الذي يجد نفسه، مسؤولا عن إعداد الطعام لهؤلاء القراصنة الشباب الجائعين، ثم العثور على أي شيء يصلح لاطعامهم بعد نفاذ كل مخزون الأطعمة في السفينة، ويصبح بالتالي في مرمى نيران الغضب، وينتهي نهاية مأساوية عبثية.

وعلى الطرف الآخر، كان هناك المدير التنفيذي للشركة بيتر (سورين مالينج) الذي يصر على أن يتفاوض بنفسه، رافضا نصيحة الخبير المحترف المتخصص في التفاوض مع قراصنة السفن، بأن يدع الأمر له، أي لشخص غيره غير منحاز، أي غير مدفوع بمشاعر مسبقة بالمقاومة والرفض.

لحظات التوتر في الفيلم مصنوعة بدقة، والتصوير طبيعي إلى أقصى حد يمكنك تخيله، والسفينة التي دار عليها التصوير حقيقية كان تقف في المحيط الهندي وليست ديكورا صناعيا، والمكالمات الهاتفية المتبادلة بين القراصنة- الممثلين (عن طريق مترجم خاص إستعانوا به) وبين مدير الشركة في كوبنهاجن، هي مكالمات حقيقية، جرت على هذا النحو بالفعل، بين أناس في قارتين مختلفتين تفصلهما بحار ومحيطات وجبال.. والتجربة في نهاية الأمر، كانت مليئة بالتشويق والسحر.

مؤخرا شاهدنا الفيلم الأمريكي "القبطان فيليبس" Captain Philips وهو من إخراج بول جرينجراس، الذي أفتتحت به الدورة الـ57 من مهرجان لندن السينمائي. سيناريو الفيلم مأخوذ عن كتاب "واجب القبطان" الذي يروي فيه القبطان ريتشارد فيليبس، قبطان سفينة الشحن الأمريكية العملاقة "مايرسك الاباما" التي اختطفها أربعة من القراصنة الصوماليين قبالة الساحل الصومالي عام 2009 تفاصيل المحنة التي واجهها.

الطباخ في فيلم "إختطاف" أمام زعيم القراصنة

وعلى العكس من فيلم "إختطاف" الذي كان يبحث في الموقف الأخلاقي الذي يطرحه موضوع إحتجاز رهائن على السفينة، من البشر، وما يتعين القيام به لاطلاق سراحهم، وهل تكون الأولوية للجانب الإنساني أم للجانب المالي أي المتعلق بأموال الشركة المالكة للسفينة، التي يمكن أن تفلس إذا ما استجابت لمطالب القراصنة، يأتي فيلم "القبطان فيليبس" مركزا علىى تفاصيل الاختطاف ثم ما يلجأ إليه البحارة (لم يزد عددهم عن عشرين) من حيل وأساليب لتضليل القراصنة، في مبارة شيقة في استخدام الفطنة والذكاء، لكن ينتصر فيها القراصنة الذين ينجحون بالتحايل في احتجاز القبطان وأخذه معهم داخل زورق صغير مغلق يفرون به من السفينة العملاقة بعد إصابة أحدهم، وتعرض قائدهم للإصابة، وتصوير أجواء التوتر والقلق التي يشعر بها القبطان وسط هذه المجموعة الغريبة التي  تخوض معركتها الأخيرة من أجل النجاة والحصول على أكبر قدر من المكاسب، لكن ما يحسم الأمر في النهاية هو تشغيل القوة العسكرية الأمريكية المدربة: بارجة حربية تحمل طائرات الهليكوبتر، ومجموعة من رجال العمليات الخاصة، تتمكن من اعتقال قائد القراصنة بالحيلة والكذب، وقتل الثلاثة الآخرين وتحريرالرهينة.

أسلوب جرينجراس معروف باهتمامه بتصوير الجانب المثير من القصة، وهو يستخدم إيقاعا يتصاعد تدريجيا، يبدأ بالقبطان في السيارة مع زوجته في طريقه إلى المطار حيث يطير إلى عمان حيث يعتلي متن السفينة الضخمة التي يقول خلال حديث مع قائد القراصنة محاولا استمالته إنها تحمل شحنات على شكل معونة مقدمة من الأمم المتحدة، من المواد الغذائية والحبوب، لمساعدة البلدان الافريقية ومن بينها الصومال. لكن قائد القراصنة الذي يقول إنه صياد سمك أصلا، لا يلين ولا ينصاع، فهو يرى أن ما يقوم به هو مجرد "شغل" ولا يعنيه أمر القبطان ولا رجاله، بل الحصول على المطلوب، أي على ستة ملايين دولار من الشركة المالكة كفدية. يمنحه فيليبس كل ما في خزانة السفينة من أموال، مبلغ 30 ألف دولار، لكن هذا يبدو مثل "سندوتش" يقضمه مع زملائه الثلاثة!

توم هانكس في دور القبطان فيليبس

هناك تصوير ممتاز يحاول إقتناص كل لحظات الصراع والتوتر من خلال اللقطات القريبة، والدخول إلى أعماق السفينة، باستخدام مصدر محدود للضوء، وهناك اختيار جيد للممثلين الذين قاموا بأدوار القراصنة الشباب الصوماليين، بهزال بنيتهم، والابقاء على أحاديثهم باللغة المحلية، مع بعض الاتجليزية أحيانا باستثناء القائد الذي يبدو انه يعرف الإنجليزية بشكل أفضل، ولاشك أيضا في قيام توم هانكس بدور القبطان ببراعة ليست جديدة على هذا الممثل العملاق الذي يعرف جيدا كيف يضع نفسه في قلب الحدث، إنفعالاته واضحة رغم صمته في الكثير من المواقف أمام التهديدات والصراخ وأجواء الهستيريا التي تسيطر على القراصنة خاصة مع اقتراب القوة الأمريكية من زورقهم الصغير.. إنه يراقب كل ما يحدث حوله ويحاول المقاومة والفرار أحيانا، ولكنه في الوقت نفسه منغمس في المأساة حتى النهاية الدموية.

غير أن المشكلة الأساسية في هذا الفيلم الذي يعاني من الاستطرادات وإفلات الذروة مرة بعد أخرى (135 دقيقة) أن ثلثه الأخير، يتحول إلى إستعراض للقوة العسكرية الأمريكية، والذكاء الأمريكي والقدرة على المراوغة والخداع والاستخدام الجيد للتكنولوجيا الحديثة وغير ذلك من المشاهد المتكررة التي تركز وتعيد التأكيد مرارا على الفكرة نفسها، بحيث نصبح أمام ما يشبه فيلم الويسترن: هنا الأشرار الصوماليين (الذين لا نعرف عنهم الكثير بالمناسبة سوى أنهم يظهرون فجأة طمعا في "الجائزة الكبرى"!) وهناك على الطرف الآخر، الأمريكيون الطيبون وعلى رأسهم قائدهم، القبطان فيليبس الطيب الذي يرفض استخدام أي وسيلة للعنف ضدهم، ويمنحهم كل ما لديه من مال سائل ومياه للشرب، لكنه ينال فيما بعد، ضربا مبرحا يكسر عظامه. ولم يكن هناك أيضا ضرورة للتركيز في المشاهد الأخيرة، بعد إنقاذ القبطان فيليبس، على عمليات الفحص الطبي والمعاملة الاحترافية التي يلقاها على يدي الممرضة والأطباء المتخصصين في علاج الصدمات: النفسية و الجسدية، كما لو كان الفيلم يقول لنا: أنظروا كيف يرى الأمريكيون أبناءهم ولا يتخلون عنهم قط!

وهذه هي الرسالة التي تصل للمشاهدين في النهاية. ومع ذلك، من المتوقع أن يصمد "القبطان فيليبس" في شباك التاكر لفترة طويلة، ويمتد نجاحه التجاري إلى موسم جوائز الأوسكار القادمة. ولكن من الآن أؤكد أن أداء توم هانكس في "إنقاذ السيد بانكس" (مقارنة بإنقاذ القبطان فيليبس) أفضل كثيرا بما لا يقاس، من أدائه في هذا الفيلم رغم جودته، فشتان ما بين الفيلمين. 
جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com