الاثنين، 28 أكتوبر، 2013

إعادة إكتشاف فلسطين: في مهرجان لندن السينمائي





من الأفلام التسجيلية الجيدة التي أثارت اهتماما كبيرا في عروض مهرجان لندن السينمائي الـ57 الفيلم البريطاني The Do Gooders الذي يمكن ترجمته بـ "فاعلو الخير"، أو تحديدا أولئك السذج من حسني النية الذين يدعمون وكالات الغوث الإنسانية.
لماذا العنوان؟ مخرجة الفيلم كول روثفين Ruthven تقول في بداية الفيلم إنها أرادت أن تذهب إلى فلسطين لكي تقتفي أثر جدها وجدتها اللذين أدركا أن بلدهما، بريطانيا، ساهمت بشكل ما - في خلق تلك المأساة الإنسانية التي وقعت عام 1948 مع الإعلان عن قيام إسرائيل على أرض فلسطين، وإنهما قررا في الستينيات، التطوع للعمل في وكالة غوث اللاجئين لعلهما بذلك يكفران عن ذلك الشعور بالذنب إزاء ما اقترفته حكومة بلدهما.
تذهب كول روثفين إذن إلى فلسطين لتصوير فيلمها التسجيلي الثالث الطويل (75 دقيقة) وهي على قناعة بأهمية تلك المعونات الدولية التي تقدمها وكالات الإغاثة للفلسطينيين، سواء في غزة أو في الضفة الغربية. وهي تبدأ بمقابلة مصورة مع مدير وكالة الدعم الأمريكي للأراضي الفلسطينية USAID ومقرها تل أبيب، الذي يقول لها إن الولايات المتحدة أنفقت أكثر من سبعة مليارات دولار منذ عام 2004 أي منذ بدء مهمتها هناك. ويستعرض كيف أنها دعمت الكثير من المشاريع في مجالات التعليم والصحة ودعم منظمات المجتمع المدني والديمقراطية واستخراج مياه الشرب وشق الطرق.


هذه البداية التي تعقب لقطات قديمة بالأبيض والأسود لمقاطع من الجرائد السينمائية القديمة من الأربعينيات التي تصور تشرد الفلسطينيين وانتشارهم في خيام اللاجئين في أراضي لبنان والأردن، ثم لقطات لجدي المخرجة في أرض فلسطين أثناء عملهما في وكالة غوث اللاجئين، تجعل الفيلم يبدو كما لو كان احد أفلام الدعاية الإيجابية، أي أنه يقدم ذلك الوجه "الإنساني" للغرب، وكيف أن الولايات المتحدة تساهم في رفع المعاناة عن الفلسطينيين اليوم من خلال برنامج عملي.
من المستبعد بالتأكيد أن تكون هذه الفكرة هي الأساس الذي انطلقت منه مخرجة الفيلم في بحثها. بل الحقيقة أنها كانت تريد عمل فيلم "ليس عن الجدين بل عنا نحن" أي عنها وعن أبناء جيلها من البريطانيين الذين لا يعرفون كثيرا عن حقيقة الوضع في فلسطين– وهي تعبر عن هذا المفهوم من خلال تعليقها الصوتي المصاحب للفيلم، وهو تعليق غير تقليدي بل ولا يبدو أنه قد اعد مسبقا، بل يأتي تلقائيا ومكملا لتلك اللحظات التي تسجلها بأمانة كول روثفين، سواء بشكل مباشر أو تعليقا على الصور فيما بعد أي في مرحلة المونتاج. وهذا التعليق الممتد سيبقى معنا طوال تلك الرحلة المضطربة التي تبدأ بأفكار مسبقة أو بعض "الافتراضات" ثم مع الاقتراب أكثر فأكثر من بعض الحقائق خاصة بعد دخول "لبنى" إلى نسيج الفيلم، تلك الناشطة الفلسطينية الرائعة صاحبة الرؤية الواضحة التي تملك قوة الإقناع والمنطق بل والأهم، تلك الحرارة والتلقائية ورد الفعل الطبيعي الغاضب أحيانا، يبدأ الفيلم يتخذ له منحى آخر مختلفا تماما.
تلتقي مخرجة الفيلم وهي تصور فيلمها الأول هذا، بـ"لبنى" وتتخذها مساعدة لها، تقوم بتوصيلها بسيارتها الخاصة كما تساعدها في الترجمة وفي ترتيب لقاءات مع بعض الشخصيات الفلسطينية. تبدأ العلاقة إذن على أساس مهني بحت لكنها تتطور إلى صراع أفكار، إلى جدل بين المرأتين، إلى حوار ممتد حول ما هو الأفضل للفلسطينيين، وعن النظرة الفوقية المسبقة للغربيين إلى الحالة الفلسطينية، بل وحول القضية بأسرها: مسؤولية من، وما جدوى تلك المعونات، وهل تحقق الهدف منها، ومن الناحية الأخرى ما الذي تمنحه أمريكا لإسرائيل من مساعدات عسكرية سنوية ضخمة تمكنها من فرض سياسة الأمر الواقع على الفلسطينيين؟

تقول لبنى خلال إحدى المناقشات مع كول إن المطلوب ليس أن يأتي أناس من الغرب مثلها، "لكي يعلموننا الديمقراطية ويحدثوننا عن حقوق الإنسان وكيف يمكننا أن نحكم أنفسنا، بل المطلوب الضغط على الإسرائيليين لدفعهم إلى الجلاء عن الأراضي الفلسطينية" فالقضية عند لبنى هي "قضية حرية".. أي أعطونا حريتنا وسوف نتكفل بحل مشاكلنا.
هذا المنطق يتم التعبير عنه في الفيلم في مشهد شديد التأثير: أولا خلال لقاء مصور للمخرجة مع مدير برنامج غوث اللاجئين الفلسطينيين التابع للأمم المتحدة (وهو بريطاني): في هذا اللقاء لا تملك لبنى سوى التدخل في الحديث وتطرح وجهة نظرها التي تتلخص في اعتبار المعونات تهدف إلى تسكين الوضع الراهن والإبقاء عليه وليس العثور على حل للقضية. يقول لها الرجل إنها تتحدث في الجانب السياسي من القضية في حين أنه مسؤول فقط عن الجانب الإنساني الذي يراه مهما بالتأكيد، ويسألها: لماذا لم تذهبي إلى توني بلير مسؤول اللجنة الرباعية وهي المسؤولة عن التوصل إلى حل سياسي للقضية؟ وبالفعل تنتقل المخرجة بالكاميرا في شوارع تل أبيب تسعى للعثور على مقر بعثة الرباعية، ولكنهم يقولون لها إن توني بلير لا يأتي إلى هنا إلا نادرا، وتقول هي إنها أرسلت عشرات الرسائل الالكترونية إلى مكتبه واتصلت هاتفيا مرات عديدة بلا جدوى.
وعندما تلتقي المخرجة براعي أغنام فلسطيني بدوي طاعن في السن، يقول لها إن الأمريكيين "يعطوننا دقيقا (يسميه الفلسطينيون طحينا) مليئا بالسوس، ونقوم بالتخلص منه" وأن كل مشاريعهم لاستخراج مياه من الأرض فاشلة لأن إسرائيل تقوم بانتظام بسحب المياه. ويشير إلى مستوطنة إسرائيلية أنشأت حديثا بالقرب من تلك المنطقة القاحلة التي يرعى فيها، قائلا: انظري إلى هناك لترين كيف أنهم يستولون على مياه أراضينا ويحرموننا منها.. اجعلوا الإسرائيليين يعطوننا أرضنا.. يتركونا فقط أحرارا فيها ونحن نعرف كيف نستخرج المياه وكيف نزرع.. ولكن لا ترسلوا لنا قمحا فاسدا أو عدسا غير صالح للاستهلاك!
إن هذا المشهد وحده هو أقوى تعبير عن الإرادة الفلسطينية في التحرر خلال الفيلم كله. وهو أيضا أبلغ رد على من يزعمون غياب فكرة الاستقلال عند الفلسطيني العادي البسيط، البدوي.
هذا الوعي المتقد سيتضح أيضا في تلك المقابلة التي تجريها المخرجة مع مهندس فلسطيني يعمل في مشروع محطات استخراج المياه الممول أمريكيا، في حضور لبنى. يقول الرجل للمخرجة بوضوح وفي انفعال شديد إن كل ما يقيمه الأمريكيون من مشاريع لاستخراج المياه هنا هي مشاريع فاشلة سرعان ما ستنهار لأنها مجرد سراب فقط. 

إننا نرى المرأتين معا، تتحدثان وتتناقشان وتختلفان. ويصبح منطق لبنى هو الأقوى بحكم أنها ابنة البلاد وتعرف الواقع بعد أن خبرته لسنوات. إنها تتحدث عن تجربتها في العمل وسط الناس، وحجم ما تلقته من تهديدات من سلطات الأمن الإسرائيلية، وكيف أنها تعرضت للاعتقال مرات عديدة. وفي خطوة غير مسبوقة في السينما، تقرر المخرجة القيام بزيارة إلى مستوطنة إسرائيلية قريبة من غزة وتصطحب معها لبنى الفلسطينية. إنها المرة الأولى التي تجد لبنى نفسها في مكان كهذا.. عالم غريب تماما عليها يمنحها شعورا بأنها ليست في بلد يمت لها بصلة في حين أنها على أرض بلادها. المخرجة روثفين تعلق على المشهد الممتد الذي يشع بالجمال والهدوء والسكينة، حيث تنتشر الخضرة والحدائق الغناء ونوافير المياه في كل مكان،  أمام البيوت البديعة، وتمتد الشوارع المعبدة النظيفة، ولا تملك روثفين سوى أن تعلق قائلة: إن المرء يشعر هنا أنه في مكان ما من كاليفورنيا..!
أما لبنى التي تتطلع إلى فتاة يهودية تقوم برعاية طفل والتنزه معه في الحدائق المحيطة بالمنازل، فترصد الكاميرا حيرتها واضطرابها ومشاعر الغضب الطاغية على وجهها.. وتهمس لبنى لنفسها أمام الكاميرا: إنهم يستنكرون الحديث عن التفرقة العنصرية.. أليس مجرد وجود هذين العالمين (أي عالم الأرض القاحلة التي يقف فيها البدوي الذي لا يجد الماء لسقي أغنامه) وتلك الجنة.. جنبا إلى جنب على هذه الأرض، هو نوع من التفرقة العنصرية؟ بل وهل هناك تفرقة أكثر من هذا!
هل ستصبح روتثين في نهاية رحلتها أكثر وعيا بالقضية عن ذي قبل؟ إنها تشعر دائما أنها في حاجة إلى المزيد من الإجابات على مئات الأسئلة التي تدور في ذهنها، بينما ترى لبنى أن المسألة لا تحتاج إلى كل هذه التساؤلات.. بل تكمن أساسا في قضية الاحتلال. تقول لبنى إن من الأفضل بالنسبة للفلسطينيين إذا ما أوقفت الولايات المتحدة دعمها العسكري لإسرائيل.. فهذا أفضل كثيرا من تلك المعونات "الإنسانية" التي لا ترى أنها تفعل شيئا. 
وفي مقابلة سريعة عابرة مع سلام فياض رئيس الوزراء الفلسطيني بعد انتهاء مؤتمر صحفي له عن الدعم الأمريكي يرفض توجيه أي انتقادات لمشروع المساعدات الأمريكية بل يشيد بما تحقق منه، ولكنه يبدو مرتبكا ومضطربا وسرعان ما يغادر مهرولا معتذرا عن الإجابة على ما لدى روثفين من اسئلة عديدة!

الجدل المستمر بين المرأتين يسبب الارتباك لروثفين، والإرهاق والتوتر للبنى. وتقول روثفين إنها ذهبت الى مطعم في رام الله مع لبنى وشاب فلسطيني وأرادت أن تستمع لرأيه، إلا أن لبنى أخذت تتحدث معه بالعربية طيلة الوقت وبالتالي خرجت روثفين من الأمسية دون أن تفهم شيئا من الحديث وشعرت بالتالي بالإحباط. هنا تقفز تلك اللقطة السابقة التي تتهم فيها لبنى روثفين بعدم الاهتمام حتى بفهم الفلسطينيين بقدر اهتمامها بالفيلم الذي تصوره: "كيف يمكن أن تكوني مهتمة بما يحدث هنا دون معرفة اللغة التي نتحدثها؟!
تنقطع العلاقة بين المرأتين بعد أن تمتنع لبنى عن التواصل مع روثفين أو الرد على اتصالاتها الهاتفية بها.. ربما لأن الأمر بالنسبة لها لم يعد يحتمل المزيد من الجدل. ولكن المؤكد أن روثفين تعود إلى بلادها بعد أن أصبحت أكثر وعيا بما يجري هناك على الأرض.. أو على الأقل أصبحت لديها أسئلة كثيرة أكثر إثارة لاهتمامها ربما ستسعى للعثور على إجابات عنها.
من الناحية الفنية هناك بعض الأخطاء في الفيلم: الميل إلى الاستطراد، الثرثرة والتكرار، وفي المشهد الذي نرى فيه لبنى توقف بالسيارة أمام بعض الشباب تسألهم عن الطريق تنتهز المخرجة لفرصة لتوجيه أسئلة لهم حول رأيهم في المعونة الأمريكية دون القدرة على استكمال الحوار، كما تستخدم بعض اللقطات فقط لأنها ترى فيها قيمة جمالية ما، والمبالغة في استخدام التكوينات المشوهة للمنظور: إظهار جزء من الوجه فقط بينما الشخصية المصورة تتحدث، أو تصوير الوجه من زاوية منخفضة أو بكاميرا مائلة، وأحيانا تتوقف المخرجة- المصورة عن التصوير وتناول الكاميرا إلى لبنى لكي تقوم هي بتصويرها. وفي أحيان أخرى يقوم مصور آخر محترف بتصوير المرأتين معا. وقد نرى أيضا الاثنتين من خلال كاميرا ثابتة تركت على الفراش في غرفة الفندق مثلا. ولكن المؤكد ايضا أن المونتاج العصبي وتلك الانتقالات التي قد تبدو مباغتة أحيانا، أو تجعل بعض المشاهد غير مترابطة، هي جزء من تلك الحالة المزاجية والنفسية التي تسيطر على المخرجة أثناء رحلتها الأولى لاكتشاف الحقيقة في فلسطين


نشرت أولا في موقع الجزيرة الوثائقية

الثلاثاء، 22 أكتوبر، 2013

"السطوح" لمرزاق علواش.. تلك الجزائر المنسية!






أمير العمري



"السطوح" هو إسم الفيلم الجديد للمخرج الجزائري الكبير مرزاق علواش وهو يعتبر أحد أهم أبناء جيله، وأكثرهم عطاء واستمرارا في العمل دون كلل، بعد أن استقر به الحال منذ سنوات، في فرنسا. علواش يخرج أفلامه من الإنتاج الفرنسي، أو من الإنتاج المشترك مع فرنسا شأن هذا الفيلم الذي حصل أيضا على منحة من مؤسسة الدوحة للأفلام.

شاهدت الفيلم ضمن عروض الدورة الـ57 من مهرجان لندن السينمائي. وكان قد عرض قبل ذلك عرضه العالمي الأول، في مهرجان فينسيا الـ70 في الشهرالماضي.

عنوان الفيلم الذي يظهر علي شريط الفيلم باللغة العربية، قبل نزول العناوين الرئيسية، هو "السطوح"، أما الإسم بالفرنسية والإنجليزية في كتالوج المهرجان فهو "الأسطح" والمقصود هنا "أسطح المنازل" تحديدا أي أسطح العمارات السكنية التي صورت مشاهد الفيلم بأكمله فوقها.

ليست هناك قصة أو حبكة درامية بالمعنى التقليدي لكلمة "حبكة"، بل مجموعة من المواقف المتفرقة التي لا يجمعها سوى أنها تدور أو تحدث، فوق تلك الأسطح التي تطل في معظمها على البحر المتوسط ،مع  تركيز خاص على حي باب الواد الشعبي الذي ينتمي إليه علواش وسبق أن صوره في أكثر من فيلم منها فيلمه الأكثر شهرة "حومة باب الواد". وقد دار تصوير "السطوح" فوق عدد من المباني السكنية في أكثر من حي من أحياء العاصمة الجزائرية، منها بيلكور ونوتردام الافريقية  وباب الواد والقصبة وغيرها كما نعرف من الأسماء التي تظهر مكتوبة فوق الصورة في بداية كل فصل من فصول الفيلم.

اختيار أسطح تلك العمارات السكنية لم يأت مصادفة، بل مقصود تماما من جانب علواش، فهذه العمارات تنتمي- في معظمها- إلى تلك العمارة الفرنسية التي شيدها المستعمرون أو المستوطنون الفرنسيون في الماضي، وكان يقطنها الأجانب لعقود طويلة إبان عهود السيطرة الاستعمارية، وكان محظورا على السكان الجزائريين العرب دخول الأحياء التي توجد فيها تلك البنايات. وقد دخلها الجزائريون في أعقاب إعلان الاستقلال عام 1962، في غمرة حركة شعبيةقامت باحتلال المساكن والشقق التي جلا عنها المستوطنون. وقامت الحكومة الجزائرية بعد ذلك بتقنين هذا الاستيلاء الجماعي على المساكن، من خلال ما عرف بخطة "التسيير الذاتي" الاشتراكية. وقد تدهورت حالة تلك العمارات ووصلت إلى الحضيض بسبب الأعطال الكثيرة وزيادة الضغط التي تؤدي إلى تسرب المياه من الأنابيب الموصلة للصرف الصحي وتآكل الجدران، بالإضافة إلى الازدحام السكاني الذي يرغم أكثر من أسرة واحدة على السكن داخل الشقة الواحدة. وهي القضية الأساسية التي تدفع بقطاع من سكان العاصمة، من الفقراء والمهمشين والمحرومين، إلى اللجوء للسكن فوق أسطح العمارات وبناء أكواخ وغرف بطريقة سريعة وبدائية فوق تلك الأسطح لإقامة تمتد لتصبح دائمة مع ما تخلقه من منازعات ومناوشات اجتماعية بعد ان تحول الكثير منها إلى بؤر لممارسة الكثير من الأعمال الخارجة عن القانون.

يتطلع علواش بالكاميرا من أعلا، أي من تلك الأسطح، إلى مدينة الجزائر التي تتألق في الأفق، بنوع من الحنين الذي تكشفه الصورة الشفافة الرومانسية الناعمة رغم المأساة، كما يرثي لحال تلك البنايات التي كانت في الماضي متألقة قبل أن تتآكل وتتدهور نتيجة لإهمال الدولة والسكان.

الخروج على القانون ومسؤولية الدولة ليس هو الموضوع الذي يلقى إهتمام علواش هنا، رغم أنه كامن في ثنايا الموضوع دون شك، بل إنه يبدو مهتما أكثر – بتقديم صورة مكثفة، من زوايا مختلفة، لتدهور من نوع آخر، لا يتعلق فقط بطبيعة العمارة، بل بالنفس الإنسانية وما حل بها من خراب، حتى أصبح الجزائريون- طبقا لرؤية علواش في فيلمه وحسب كلمات الأغنية التي ترددها المغنية الشابة "آسيا"- لا يطيقون بعضهم البعض، غير قادرين على الانسجام أوالتعامل معا، وليس هناك أمل لديه في إصلاحهم قبل التخلص، ربما، من ذلك الموروث الثقيل "المتخلف" الذي يضع علواش خطوطا عريضة تحته قبل كل فصل من فصول الفيلم.



سؤال الدين
ماهو ذلك الموروث الذي يراه علواش عائقا أمام تحرر الإنسان الجزائري البسيط من الفقر والتخلف؟ إنه يشير هنا بوضوح إلى "الدين" أي إلى الإسلام.. ربما يقصد تفريغ الإسلام من رسالته العظيمة وتحوله إلى ركعات وسجدات آلية متصلة لا روحانية فيها ولا تجل، بل تبرير للطموح إلى السيطرة والتحكم في حياة الآخرين بالقوة.

يبدأ كل فصل من فصول الفيلم الخمسة بالآذان للصلوات الخمس: بدءا من آذان الفجر، وانتهاء بآذان العشاء. وتقع كل الأحداث في يوم واحد حتى نهاية الليل وقبل بزوغ فجر جديد مع آذان جديد. وتبدو كل الشخصيات التي يصورها علواش في الفيلم، مشغولة بنفسها، بمعزل عن الآخرين، الجميع يبحث عن النجاة الفردية، أو عن التحقق ولو بسحق الآخرين. الفقراء فقدوا كل أمل لهم في حياة كريمة، والأغنياء يسعون للحصول على المزيد ولو من خلال التعذيب والقتل.

هناك أولا ذلك الرجل المدعو "سي حمود" الذي يوظف لديه رجلين يقومان بتعذيب رجل ثالث داخل شقة لاتزال تحت الإنشاء. لا نعرف بالضبط سبب التعذيب بل نسمع حوارا عبر الهاتف المحمول بين حمود وامرأة، لاشك أنها زوجته.. تقول له خلالها ألا تأخذه رحمة بالرجل (سي العدلاوي) وهو يقول للرجل إن عذابه يمكن أن يتوقف بمجرد أن يوقع على توقيع ورقة ما (لابد أن تكون تنازلا عن ملكيته عقار أو شيء من هذا القبيل) ويعده بأنه بمجرد توقيعه سيمكنه من السفر إلى مارسيليا للحاق بزوجته وأولاده. لكن الرجل يرفض بإصرار، وتزداد بالتالي جرعة التعذيب التي ينالها.

من هذا الموقع ننتقل إلى سطح عمارة أخرى حيث نرى مخرجة أفلام وثائقية تعاين الموقع مع فريق التصوير قبل أن تدرك انهم أخطأوا اختيار الموقع. لكن أفراد الفريق يصرون على البقاء ويأخذون في تصوير المشهد في الشارع من أعلا.

وفوق سطح عمارة أخرى في باب الواد، نرى "عم العربي" ذلك الرجل الذي تبقيه أسرته، أو ربما أهل العمارة السكنية جميعهم، حبيسا داخل حظيرة فوق السطح، يقولون إنه مجنون، ويضربونه، والرجل يصرخ ويستنجد لكن لا أحد يهتم به سوى طفلة صغيرة "ليلى" تستمع بشغف إلى حكاياته التي يختلط فيها الواقع بالخيال.. ومنها تلك القصة التي يرويها على مسامعها عن ذلك البطل الذي كان مفتونا به هو وأقرانه في الماضي، في زمن النضال ضد الاستعمار الفرنسي.. لكن الواضح أنه أصبح الآن طاعنا في السن، تناقصت قواه العقلية بسبب العلة والوحدة والحبس الجبري والعذاب والعزلة التي يلقاها، يلقون إليه ببعض الطعام مثلما يفعلون مع الدجاج.. إن عم العربي هو رمز للماضي النضالي الذي كان، لجيل المناضلين القدماء، للثورة التي أغتيلت وإنتهت في أيدي حفنة من الانتهازيين الفاسدين.
مرزاق علواش


سيعود علواش إلى هذا الرجل خلال الفيلم أكثر من مرة، دون أن يجعلنا نرى وجهه أبدا، لأنه ببساطة ليس مجرد رجل، بل رمز، ومن هذه الشخصية إلى سطح آخر وإمرأة مضطربة عقليا هي "سلومة" التي تقيم مع شقيقتها عائشة وإبنها كريم، بعد أن لجأت إلى سطح العمارة وقامت ببناء حجرة بدائية هناك بوضع اليد دون سند من قانون، لكن صاحب العقار يأتي الآن لتهديدها بالطرد ملوحا بحكم صادر من المحكمة يقضي بذلك.

فوق سطح مبنى آخر شاب يدعى حليم، يقوم بتأجير غرفة الحمام الموجودة فوق السطح، لمن يدفع الثمن الذي يطلبه.. ونرى "الشيخ الأمين" يصعد إلى السطح ويدفع المقابل المعلوم مقابل أن يختلي في الغرفة بامرأة منقبة تدعى "تيحة"، يطلب منها أن تتجرد من ملابسها ثم يقوم بضربها بوحشية لطرد الأرواح الشريرة من جسدها- حسب المعتقدات الشعبية السائدة. المرأة تصرخ وتطلب منه التوقف عن ضربها، والشيخ يواصل ضربها بحماس، في حين يتلصص صاحبنا "حليم" على ما يدور في الغرفة من خلال ثقب المفتاح!

قبلة الوداع
وعلى سطح آخر تأتي فرقة موسيقية من الشباب للتدرب ومعهم مغنية شابة هي "آسيا" التي تروي لهم كيف أن إمرأة تقيم فوق سطح البناية المجاورة تطاردها كلما رأتها، إنها مغرمة بها، لكنها تستبعد أن تكون من الشواذ، وها هي الآن تشير بيدها إليها تريد أن تتبادل معها الحديث.. وفعلا تقول لها إن إسمها هو نايلا.. ولكن يظهر رجل (قد يكون زوجها) ينهاها عن الحديث مع الآخرين ويضربها بعنف ووحشية ويجرها إلى الداخل.


وبين هذه المشاهد نرى مجموعة من الرجال يصعدون إلى سطح بناية ليستمعون إلى خطبة يلقيها شيخ يشيد خلالها بالقذافي، ثم يؤمهم للصلاة.. وبعد انتهاء الصلاة، نرى أحد الشباب المسؤولين عن ترتيب الأمور، يعطي شابا آخر قطعة من المخدرات يقول إن قريبا له أتاه بها من أفغانستان حيث كان يجاهد هناك.

وتأتي مجموعة أخرى لاستخدام السطح في اقامة حفل زفاف.. ثم يأتي صاحب العقار يطالب سلومة باخلاء السطح هي وشقيقتها، فلا يكون منهن إلا ضربه حتى يفقد الحياة.

يأتي إبنه ليلا بحثا عنه، تنكرن رؤيته تماما باصرار.. يتصل بحماه الذي كان ضابطا في الشرطة وأصبح الآن متقاعدا، لكي يأتي لمساعدته،عبرالهاتف لا يتمكن الرجل من التعرف عليه في البداية قائلا إنه قام بتزويج ست من بناته وأصبح لا يدري أسماء أزواجهن. وعندما يأتي يطلب من الشاب الانتظار حتى الصباح لكنه ينتحي بالمرأة يقول لها إنه رأى آثار الدماء ويعرف أنها قتلته مع شقيقتها، وينصحها بأخذ الجثة مع شقيقتها وابنها ودفنها ليلا في البحر، ويفقد كان القتيل "طماعا وشريرا يستحق الموت"!

من ناحية أخرى، ينتهي التعذيب الذي يمارسه رجال حمود على عدلان إلى موت الأخير وفرار الرجال الثلاثة.

وبعد أن تلوح ليلى للمغنية الشابة آسيا بقبلة وداع، تلقي بنفسها من فوق السطح منتحرة.
وترفض الطفة الصغيرة مساعدة سي العربي أو فك قيوده وتقول له إنها لم تعد تصدق قصصه وإنه فعلا "مجنون كما يقولون عنه".

هذه التساؤلات
ليس هناك في الفيلم تفسير لدوافع تصرفات الشخصيات.. فهذه ليست دراما تقليدية تنحو إلى التفسير والشرح وتقديم المبررات النفسية لدوافع الشخصيات، بل مجموعة من المواقف المجردة التي يقتبسها المخرج من وحي خياله الخاص، ليعبر من خلالها عن رؤيته لواقع الجزائر اليوم من خلال تلك الصورة الرمزية المكثفة، فليس من الممكن تفسير الكثير من المواقف: مثلا لماذا يبدو الجميع أولا أنذالا على كل هذا النحو المتدني وحتى النهاية؟ ولماذا يصعد الراغبون في إقامة الصلاة إلى السطح بدلا من الذهاب إلى أحد المساجد التابعة لتنظيمات الإسلاميين، وهي كثيرة؟ ولماذا يذكر الشيخ في الخطبة التي تسبق الصلاة معمر القذافي بالخير باعتباره من الذين ساندوا ودعموا جماعات الإسلام السياسي في حين كان القذافي يحارب هذا التيار في ليبيا وينكل برموزه؟ وما الذي يجذب المرأة "نايلا" إلى آسيا؟ هل مصدر الانجذاب كونها نموذجا للمرأة التي تملك زمام حريتها، تمارس الغناء وتنطلق في الخارج مع أعضاء فرقتها الموسيقية، تتبادل الحب مع أحدهم – كما نرى؟ وما هي الورقة التي يطلب من السيد عدلان توقيعها، ولماذا لا يتم تعذيبه في أحد أقبية أجهزة الأمن مثلا خاصة إذا كان من يقوم بتعذيبه- كما نفهم- رجلا من رجال السلطة النافذين؟ ولماذا تبدو حتى الطفلة الصغيرة بهذه الفظاظة والقسوة في تعاملها مع سي العربي؟

هذه التساؤلات وغيرها لا يملك الفيلم تقديم إجابات عنها. إننا فقط محكومون بتلك الرؤية المكثفة التي تنتقل من سطح إلى آخر، لا يربط بينها سوى أنها تدور فوق أسطح العمارات القديمة في العاصمة الجزائرية، وهي ولاشك، فكرة أدبية أغوت مرزاق علواش فيما يبدو، لاتخاذها مدخلا جماليا، لتصوير الحياة في الجزائر من أعلى. صحيح أن الكثير من المشردين يعيشون حاليا فوق الأسطح.. ولكن لماذا لا يبدو أن بينهم وبين بعضهم البعض أي نوع من التعاطف أو الفهم؟

الأمر الواضح من قراءة الفيلم أن علواش يستخدم الآذان والصلوات عن قصد ضمن البناء العضوي للفيلم وليس كإطار عام لمجتمع عربي إسلامي. هنا تطرح تساؤلات كثيرة حول تلك الرؤية "الاستشراقية" القاسية التي لا تقدم حتى صورة واضحة لجماعات التطرف المرتبطة بالإسلام كما اعتدنا أن نرى في أفلام سابقة لعلواش نفسه، بل مجرد قشور عابرة في سياق يدين الجميع.

هناك صور بديعة لأجزاء من المدينة في الشارع وعلى الشاطيء وفي الميناء أسفل، ولقطات خلابة للحظات الشروق حتى الغروب.. لتدفق السيارات في الطرق، فيما يعكس حنينا واضحا للجزائر التي كانت في الماضي، خاصة وهو يصور من أعلى حي باب الواد على خلفية حديث ضابط الشرطة المتقاعد وهو يقص على زوج ابنته أنه كان يقيم في إحدى عمارات الحي الذي يحبه كثيرا، وكيف أنه حصل على الشقة التي أقام فيها من رجل إسباني كان قد لجأ إلى الجزائر بعد هزيمة الشيوعيين في الحرب الأهلية الإسبانية. ويضيف إنه تعلم الشيوعية بعد ان ظل يقرأ ويدرس كل متعلقات الرجل وكتبه التي تركها.

يتوقف الفيلم هنا وهناك لكي يتيج الفرصة لمشاهدة أطراف مقتصدة من حركة الشارع. مع انتقالات محسوبة بدقة بين المشاهد. ويميل التمثيل عن قصد، إلى بعض المبالغة والنزعة الكاريكاتورية في الحركة.. لأن علواش لا يريد أن يحقق الاندماج بين المتفرج والفيلم، بل يريد خلق نوع من التغريب من خلال تلك المبالغات مع جعل معظم لقطاته تدور داخل لقطات متوسطة للحفاظ على مسافة بين المتفرج والشاشة.

ورغم الاتقان الحرفي في التصوير والمونتاج وذلك الاستخدام المقتصد العذب للموسيقى، إلا أن الفيلم يظل مجموعة متفرقة من المشاهد التي كان تأثيرها سيصبح أقوى كثيرا إذا ما تمكن السيناريو، من إقامة علاقات أقوى بينها، وأن يربط فيما بينها بشكل أفضل، وأن يعثر على علاقات أكثر عمقا بين تلك الشخصيات التي تظهر وتختفي كثيرا في الفيلم. 

الخميس، 17 أكتوبر، 2013

في مهرجان لندن السينمائي: "فرش وغطا" وثورة وفوضى!





أمير العمري



لاشك أن أفلام الجيل الجديد من المخرجين المصريين مثل إبراهيم البطوط وأحمد عبد الله وهالة لطفي ونادين خان، نجح في فرض الفيلم المصري الجديد على مهرجانات السينما العالمية، ليس فقط لأنها أفلام "مختلفة" عن أفلام التيار العريض السائد في السينما المصرية، ولكن أساسا، لأن هؤلاء السينمائيين يحاولون قطع أي صلة لهم مع أسلوب التعبير الدرامي المعروف في الأفلام المصرية التي يعرفها نقاد الغرب المهتمين بدراسة السينما غيرالناطقة بالإنجليزية، وخصوصا افلام ما يسمى بـ"العالم الثالث".
كانت مهرجانات الغرب ترفض – على سبيل المثال- ما كنا نعتقد أنه أفضل ما لدينا، مثل "الكيت كات" و"البحث عن سيد مروزق" و"الحريف" و"زوجة رجل مهم" و"فارس المدينة"، وكلها أفلام حديثة، تصور الواقع المصري الحديث في المدينة المصرية المعاصرة "الكوزموبوليتانية". لكنها أصبحت الآن ترحب بهذا النوع الآخر من الأفلام التي تدور على مستوى الشريحة السفلى في المجتمع، مجتمع الهامش لا المتن، الحرمان والفقر والفاقه والغربة الاجتماعية والنفي من الحياة ومن المجتمع. فما الذي حدث؟
لاشك أيضا أن هذا الجيل الجديد من المخرجين، الذي أشرنا إليه، قد استفاد من ذلك الاهتمام "الغربي" الإعلامي والسياسي غير المسبوق بما يحدث في مصر خلال الفترة الأخيرة منذ أحداث يناير 2011 وما أعقبها من تقلبات سياسية ساخنة لاتزال مستمرة حتى اليوم، وهو إهتمام إمتد بلاشك، إلى السينما وتحديدا إلى تلك "الموجة" من الأفلام التي تتخذ من الأحداث السياسية الأخيرة إطارا عاما لها، أو تبحث فيما قبلها أو بعدها، وتحاول خلال ذلك، الابتعاد عن صورة "المدينة" الكوزموبوليتانية التي كان يهتم بها – على سبيل المثال- كثيرا، جيل الثمانينيات في السينما المصرية وعلى رأسهم محمد خان وداود عبد السيد ورأفت الميهي، والخروج منها إلى الأطراف او الهوامش التي تبدو حياة المصريين فيها أقرب إلى "اللامعقول" حتى بالنسبة للكثير من المصريين أنفسهم ممن هم بعيدون عن تلك الأحياء التي لم يعد يصح أن يقال لها "الشعبية" بعد أن تدنت سبل العيش فيها وأصبحت أقرب إلى الخرائب والأطلال رغم احتفاظها بآثار القدم والتاريخ فيما بقى من عمارتها، وهو جانب آخر يشد الغربيون من مدمني "المدن العتقية" حتى لو كانت قد أصبحت مكانا يتجاور فيه الأحياء مع الأموات بشكل عضوي واضح!
إلكترو شعبي

في الدورة الـ57 من مهرجان لندن السينمائي (9- 20 أكتوبر) شاهدنا أولا فيلم "إلكترو شعبي" وهو فيلم تسجيلي من إخراج التونسية هند مضب التي تبحث فيه عن نشأة وانتشار الغناء الشعبي الجديد في مصر (الذي يشبه الراب الغربي في بعض الجوانب) وبدأته مجموعة من الشباب في أحياء القاهرة الفقيرة التي تنعدم فيها الخدمات وتنتشرالبطالة ويتراكم البؤس.

الأحد، 13 أكتوبر، 2013

البحث عن النجاة.. والبحث عن الله!






لم أشاهد فيلم "جاذبية" Gravity الذي عرض للمرة الأولى عالميا في افتتاح الدورة السبعين من مهرجان فينيسيا (البندقية) السينمائي في أواخر أغسطس الماضي، فقد فاتني الافتتاح. لكني شاهدته أخيرا عند عرضه في مهرجان لندن السينمائي أي بعد أيام محدودة من بدء عروضه في الولايات المتحدة (4 أكتوبر).

"جاذبية" (وهي ليست الجاذبية الجنسية بل جاذبية الأرض) هو الفيلم الذي أخرجه المكسيكي ألفونسو كوارون، وصور بتقنية الأبعاد الثلاثية 3-D، وقام ببطولته جورج كلوني وساندرا بولوك. وقد تكلف إنتاج الفيلم نحو 100 مليون دولار، ولكن ليس لدى شركة وورنر منتجة الفيلم أدنى شك في قدرة الفيلم على استعادتها وتحقيق أرباح قد تتجاوز ما حققه فيلم "أفاتار" لجيمس كاميرون.

يقوم كلوني بدور مات كوالسكي، رائد فضاء أمريكي يقوم بآخر رحلة له في عالم الفضاء، وتقوم ساندرا بولوك بدور رايان ستون الطبيبة المتخصصة في هندسة الطب الحيوي الفضائي.. أو شيء من هذا القبيل، وهي تقوم بأول رحلة لها في الفضاء.

وتدور أحداث الفيلم- إذا صح أن هناك أحداثا- في المستقبل القريب جدا. وما يحدث باختصار شديد أن يصاب التيلسكوب الفضائي المرتبط بمحطة الفضاء التي يوجد الإثنان على متنها بعطل، فيطلب منهما الخروج خارج المحطة الفضائية لإصلاحه والعودة، ولكن المحطة تتلقى انذارا بتعطل محطة فضائية روسية قريبا وهو ما يؤدي إلى قصف الروس لها بالصواريخ لتدميرها وما سيتبع هذا من انهمار آلاف القطع الملتهبة التي سيتوقع أن تصطدم بالمحطة الأمريكية وتدمرها، ويتعين بالتالي على الإثنين العودة إلى الأرض فورا مع طاقم المحطة. لكنهما يجدان أن المحطة قد توقفت عن العمل وقتل كل أفراد طاقمها ويصبح الرجل والمرأة مرتبطين ببعضهما البعض ماديا، بواسطة سلك.. وهما يحاولان الوصول الى محطة فضائية دولية أخرى على مسافة 100 ميل لكن رغم محاولات المرأة – التي تخوض رحلتها الأولى في الفضاء- تحمل المشاق والثبات للوصول الى الهدف المنشود فإنها تفشل في ذلك، فيتخلى عنها صاحبنا لعلها تنجح بمفردها في شق طريقها الى محطة فضاء صينية قريبة. ولكنها تجد أن المحطة الصينية تعطلت، وتبدأ قطع السفينة الروسية تنهمر من حولها، وتتعطل كل أجهزة الاتصال مع الأرض.. وبعد معاناة قاسية في الفضاء حيث لا تملك أي وسيلة للنجاة سوى التمسك بالارادة والأمل من بعد يأس، تنجح السيدة ستون بمعجزة حقيقية في اختراق المجال الجوي للكرة الارضية والهبوط في البحر.


وحيدة في الكون
الفيلم من تلك الأفلام المجردة، سواء في المكان أو الزمان. هنا لا توجد شخصيات مساندة ولا أي نوع من الاتصال الحقيقي مع مخلوقات الأرض ولا مخلوقات الفضاء.. لقد أصبحت الدكتورة رايان ستون وحيدة تماما في الكون.. كما لوكانت قد أطلقت خارج الرحم لكي تعثر على طريقها وحدها في الفضاء إلى حيث تنتمي، أي إلى الارض. وهي تصبح خلال مغامرتها المخيفة، تحت رحمة العناية الإلهية وتمر بمرحلة إختبار قدرة الإرادة الإنسانية على الصمود. إنها تحاول في غمرة إحساسها باليأس، الانتحار بعد ان تحبس نفسها داخل كبسولة الفضاء وتقطع الوصلة التي يصل عبرها الأوكسيجين إليها للتنفس، لكن هاجسا أو"رؤية" ما تتجلى لها عبر شخصية مات كوالسكي، الذي يظهر لها ، لكي يرشدها الى ما يتعين عليها القيام به، فتستعيد بالتالي ثقتها في قدرتها على النجاة، تعيد جهاز التنفس، ترتدي خوذتها التقليدية، وتنجح رغم انعدام خبرتها في هذا المجال، في تشغيل أجهزة الكبسولة وتخليصها من براثن سفينة الفضاء قبل أن تنفجر، وتقودها إلى أن تصبح داخل المجال الجوي الأرضي وتهبط في البحر.

إننا أمام دراما شبه فردية (يختفي جورج كلوني من الفيلم بعد 15 دقيقة تقريبا وتصبح ساندرا بولوك بمفردها).. وهي أقرب إلى المونودراما، شخصية وحيدة تصارع القدر. لكن ما يجعلها جاذبة للمشاهدين ليس فقط عنصر العزيمة الإنسانية، بل قوة التعبير سينمائيا من خلال الصورة، عن عالم الفضاء: وجود كوكب الأرض في الخلفية على امتداد الأفق، تلك المناظر البديعة الدقيقة التي تحاكي أجواء الفضاء، شروق الشمس الذي يسطع فجأة في الأسفل على كوكب الأرض، ذلك الصمت المخيف، انهمار قطع ملتهبة تتساقط وتندفع من المحطة الفضائية الروسية وتصطدم بالمركبة الأمريكية المعطوبة، ثم تفكك هذه واندلاع حريق هائل في أجزائها..إلخ. كل هذه المشاهد مصورة بدقة شديدة وإقناع بل وجمال خاص، مع قدرة تقنية عالية على استخدام الأبعاد الثلاثية في أفضل صورة ممكنة.

أداء ساندرا بولوك قد يكفل لها الترشح لنيل جائزة أحسن ممثلة في مسابقة الأوسكار وهي جائزة سبق لها الحصول عليها عن دورها في فيلم "الجانب الأعمى" The Blind Sideعام 2010. إخراج كوارون هنا ليس فيه خطأ أو تقصير من الناحية التقنية: تنويع الزوايا، الحفاظ على إيقاع متدفق سلس، الانتقال بين الداخل (داخل المركبات) والخارج في توقيت ملائم تماما، ضبط الحركة في الفضاء بين الممثلين الإثنين والتحكم في حركاتهما بدقة بحيث تبدو المشاهد كما لو كانت رقصة باليه تعبيرية بديعة، تلك المناظر المبتكرة المقنعة تماما لعالم الفضاء، والاستخدام المتمكن للمؤثرات الخاصة لتحقيق تأثيرات متعددة في الصورة. لكن على الرغم من كل هذه العوامل الإيجابية في الفيلم، يبقى هناك شيء مفقود لعله ما يطلق عليه المخرج الشيلي الكبير أليخاندرو خودوروفسكي "الجانب الروحاني". إن البطل الأول في هذا الفيلم- من وجهة نظر كاتب هذه السطور- هو ببساطة "التقنية" السينمائية قبل أي شيء آخر. نحن لسنا بالتأكيد أمام "أوديسا فضاء" تضارع أوديسة ستانلي كوبريك كما يقترح علينا البعض، ولا أمام عمل مشابه لـ"سولاريس" تاركوفسكي، بكل ما يكمن تحت جلده من رؤى فلسفية وتأملات في المصير الإنساني.. بل إننا نشاهد فقط كيف يتمكن الإنسان من تطويع تلك الآلة فائقة التكنولوجيا لإرادته. وربما يكون هذا كافيا طالما أننا بصدد فيلم ينتج في إطار نظام الإنتاج الأمريكي التقليدي في هوليوود.

تفسير ديني
لقد هلل الكثيرون في وسائل الإعلام المرتبطة بالكنيسة في الولايات المتحدة، لما اعتبروه "احتفالا بوجود الله" في هذا الفيلم، وما تردد على ألسنة وفي كتابات الكثير من النقاد الأخلاقيين، عن "روحانية الفيلم" ودعمه لـ"القيم المسيحية". ولكن كل هذا الابتهاج العاطفي لا يستند على مرتكزات حقيقية من داخل الفيلم نفسه وفي موضوعه ودراماه المجردة البسيطة التي تبدو في الكثير من المشاهد، وكأنها تحتفي في الحقيقة، بمنجزات العلم والتكنولوجيا والقوة الأمريكية التي نجحت في أن تجعل الإنسان يحلق في الفضاء ويسيطر عليه أيضا، في حين أن شعوبا أخرى لاتزال تكافح من أجل ضبط سير المركبات التي تجرها الدواب في شوارعها (!).

يستند الذين يباركون الفيلم لما يعتقدونه نجاحا في إبراز "الروحاني" على حساب المادي، مرجعيتهم في الحقيقة لقطة واحدة في نهاية الفيلم، بعد أن تنجح البطلة في الخروج من تحت سطح الماء ولمس تربة الأرض المبتلة..هنا ترفع رأسها إلى السماء على استحياء، وتردد بصوت خافت كلمة: شكرا، وكأنها تشكر العناية الإلهية على نجاتها!



كل شيء ضاع
لا أعتقد أن من الممكن مثلا، وضع هذا الفيلم على نفس المستوى مثلا، مع فيلم آخر معروض في مهرجان لندن حاليا هو فيلم "كل شيء ضاع" All is lost إخراج المخرج الشاب جيه سي شاندور J C Chandor (هذا هو فيلمه الثاني) وبطولة النجم الأمريكي روبرت ريدفورد في تجربة جديدة تماما في مسيرته الفنية. فالفيلم الأخير هو أيضا فيلم الممثل الواحد (ريدفورد).. الذي يتعرض قاربه في عرض البحر للعواصف التي تدمره فيلجأ إلى قارب بدائي صغير من البلاستيك يقوم بتعبئته بالهواء بفمه، ويلقي فيه بضعة معلبات وزجاجة للمياه وعددا محدودا من الأعواد التي يمكن له إشعالها بغرض لفت الانظار في الليل إلى موقعه والاستغاثة بالسفن العابرة التي لا تهتم ولا تراه رغم مرورها بجواره مباشرة. وهو يكافح كفاحا مريرا لكي يحتفظ بقاربه هذا، طافيا فوق سطح الماء وسط مياه المحيط الهندي، صامدة في وجه العواصف والأعاصير التي تهب عليها ليلا ونهارا. إننا نشهد كيانا شبيها بالإنسان في عزلته الأولى وكأنما نشهد بداية الخلق.

أن الصراع الوحيد في الفيلم هو صراع الإنسان مع الطبيعة، لكن هناك شيئا ميتافيزيقيا يحيط بهذا الصراع.. يجعله يبدو كما لو كان اختبارا إلهيا لذلك الإنسان.. الفرد.. الوحيد.. الذي لا إسم له في الفيلم (فهو الإنسان، أي إنسان).. وليس هناك أي صراع أو اتصال مع غيره من البشر، فالإنسان (ريدفورد) ألقي به وحيدا وكأنما خلق للتو أو هبط من السماء إلى البحر في رحلة إثبات الوجود نحو الأرض. ليس هناك حوار أكثر من ستين كلمة في مونولوج نسمعه على شريط الصوت في بداية الفيلم.. وليست هناك أي وسائل للاتصال بل لقد تعطلت جميعها.. وليس هناك من يسترجع مع ذلك الإنسان- البطل- اللابطل، ما كان من امر حياته السابقة على اليابسة، على نحو ما تفعل ساندرا بولوك التي تروي لزميلها كيف توفيت إبنتها في حادث تراجيدي. إنه يواجه مصيره منفردا، صامتا، يحاول أن يبتكر كل ما يمكن تخيله من وسائل للنجاة في ذلك الزورق الخانق المحدود في مساحته المحاط بمياه شاسعة لا نهاية لها. هل سيلجأ للانتحار كما حاولت بولوك في "جاذبية" قبل أن تتراجع عن نيتها وتقرر الصمود والمحاولة؟ كلا.. بل إنه عازم من البداية على البقاء والصمود والمحاولة إثر الأخرى.. وكأننا أمام رجل مكلف بمهمة إلهية، للوصول إلى مبتغاه، ونقل رسالته إلى الإنسان: أن الله ها هنا.. موجود.. وهو لا يتخلى قط عن الإنسان، بعد أن خلقه وابتلاه بما شاء أن يبتليه به في امتحان طويل مستمر وممتد، لوجوده ولقدرته على البقاء والحفاظ على النوع إلى حين أن يرث الله الارض وما عليها.

في "كل شيء ضاع" لا توجد ابتكارات تكنولوجية معقدة، ولا أجهزة خاصة للنجاة والاتصال، تجذب أنظار المشاهدين وتبهرهم بها، بل فقط الإنسان ومقتضيات الحياة البدائية الأولية: بعض المعلبات والمياه التي سرعان ما تنفد أيضا، وقطعة من المطاط تنتهي في العاصفة إلى لاشيء، ثم يجد البطل نفسه غارقا في أعمال المحيط إلى حين يأتيه نور الله.. يهتدي به وإليه، وبه ينجو. وتستمر الحياة.
يستحق أداء ريدفورد في هذا الفيلم التوقف أمامه طويلا كتجربة خاصة في الأداء السينمائي: إن نظرات عينيه التي تنتقل وتتغير بين القلق والترقب والرغبة في الصمود والمقاومة، ثم الاستغراق في التعب والنوم للحظات قبل اليقظة ومواجهة القدر المحتوم بقوة، والتطلع إلى الزمن كأنه قرون عديدة، قد يقذف به إلى وهدة اليأس والقنوط والإحباط والاستسلام لكنه لا يستسلم، هذه المشاعر المختلطة المتغيرة المضطربة التي نراها، في لقطات قريبة ومتوسطة، من زوايا مختلفة، تحاصر الممثل وتخنقه أحيانا داخل الكادر، أو تبتعد عنه لتتيح له الفرصة لتأمل وجوده الفردي المنعزل وسط تلك الطبيعة الساكنة إلى درجة الجنون أحيانا، والهائجة الغاضبة بحيث تستدعي كل القوى الخائرة من سباتها لكي تنهض وتقاوم، كل هذه التعبيرات تدفعك إلى التساؤل: كيف يمكن للممثل أن يحافظ على تدفق المشاعر بصورة طبيعية على هذا النحو أمام كاميرا تحاصره وحده وتصر على محاصرته ومراقبة كل انفعالاته، ودون أن يبدو وكأنه يقوم بدور مرسوم وحركات محسوبة مسبقا في سيناريو مكتوب؟ هنا تكمن عبقرية ريدفورد ويكمن سر براعته. وهنا أيضا عبقرية فيلم بسيط لكنه شديد العمق فكريا وسينمائيا.

السبت، 12 أكتوبر، 2013

صابر عرب.. الوزير الانتقالى



بقلم: عصام كامل


محمد صابر عرب.. الوزير الانتقالى بلا منازع، فقد كان الرجل وزيرا في حكومة عصام شرف الانيتقالية، وكان وزيرا ف حكومة الجنزورى الانتقالية، وكان وزيرا في حكومة هشام قنديل التي لم تنتقل بمصر أكثر من شبر، وهو الآن وزير في حكومة الدكتور الببلاوي الانتقالية.. ومن إنجازات سيادته أنه استقال عندما رشح للحصول على جائزة الدولة من أجل الحصول عليها وبعد حصوله عليها عاد من حيث لا ندري إلى الوزارة، وذلك في إطار حق الوزير الاستقالة من أجل الحصول على جائزة ثم عودته سالما غانما إلى نفس المقعد الوثير.

والدكتور صابر عرب في ملامحه الموظف التقليدى .. لم يضبط متلبسا بفكرة خلاقة أو بلحظة إبداعية.. ظل طوال حياته حريصا على تقديم أكبر إنجاز في حياته وهو أن يكون موظفا، مطيعا، غير مهتم بما يمكن أن ينقله من خانة الموظف إلى خانة المبدع أو الشخصية غير التقليدية.. ولأنه تقليدى فإنه أعاد مؤخرا كل من ذهبوا بعيدا أو ذهبت بهم الظروف بعيدا عن مناصبهم.. والشخصية التقليدية تميل أكثر إلى التعامل مع غير المبدعين، فها هو الدكتور أحمد مجاهد الذي فشل بلا منازع في كل الوظائف والمهام التي أسندت إليه طوال تاريخه الوظيفي يعود على ظهر حصان ومن نفس الباب.. باب الموظف الكبير صابر عرب.

ونفس الشىء مع الشاعر سعد عبد الرحمن، الذي وكأن شيئا لم يكن وبراءة الموظف في عينيه، لا لأنه عبقرية فذة وإنما لأن الوزير شخص تقليدي لا يحب التغيير.. يكره التغيير وإذا عرجنا إلى المهندس محمد أبو سعدة، وهو شخصية لها دور كبير في إنشاء العديد من المكتبات بربوع مصر، غير أن هذا الواقع لا يفرض على المصريين أن يتقلد سيادته عدة مناصب من بينها إدارته لمكتب الوزير وصندوق التنمية الثقافية وكأن مصر تعاني ندرة في السكان أو أنها عقمت أن تلد من يتقلد المناصب الأخرى.

وصابر عرب أو الوزير الانتقالى لم يقدم شيئا جديرا بالدراسة أو التأمل، فقد ظل طوال حياته "يمشي جنب الحيط"، كما يقال، ولذلك فإن سيادته لم ينزعج مثلا لما يحدث في بر مصر من عنف جراء اختطاف الدين وهو المناط به أن ينزعج أكثر من غيره من الوزراء وكان لزاما على فضيلته أن يهب ثائرا معلنا عن خطة ولو قصيرة المدي كنواة لمشروع ثقافى يواجه ضلال العقول أو يجابه فكرة احتكار الدين.. الوزير فضل أن يركن ظهره إلى مصطلح "الوزارة الانتقالية".. وعلى هذا المستوي أيضا لم يستطع أن يكون وزيرا انتقاليا بحق وحقيقى وفضل أن يكون وزير تشهيلات أو تسيير أعمال، فتحركاته ليست إلا للتصوير دونما أن يجهد نفسه في وضع لمسات تحسب له، وهو في هذا الأمر مغلوب على أمره فكل ميسر لما خلق له وسيادته لم يخلق لما هو أبعد مما يقدم.

تشتعل رابعة نارا وتنطفئ وتشتعل كرداسة نارا ولا تنطفئ والوزير مكانه لا يبرح المساحة التقليدية التي يسكنها مع شلة الموظفين التي تحيط به من كل صوب، فلا هو قدم رؤية ولا سمح لمن يمتلكون الرؤى بأن يتقدموا وظلت وزارة الثقافة في عهده مجرد خيمة نتقبل فيها العزاء في مشروع ثقافي لم يولد ولن يولد طالما ظل مع رفاقه قابضون على زمام الأمور يتابعون ما يحدث وكأنهم جمهور دونما يدركوا أنهم وقود المعركة الفعلية إذا ما أدركوا حقيقة دورهم الذي يجب أن يلعبوه.

الخوف ليس في المرحلة الانتقالية، وإنما فيما يمكن أن تطرحه الأيام القادمة لنستيقظ على كابوس ونري صابر عرب في الحكومة القادمة.. ساعتها لابد أن تعلموا أننا نعيد زمن الموظف والبطيخة و"المنشة"!

الاثنين، 7 أكتوبر، 2013

بيان تيار الثقافة الوطنية: وزارة الثقافة.. عاهة الثورة!

وزير الثقافة محمد صابر عرب


وصلنا اليوم هذا البيان الذي أصدره تجمع المثقفين المصريين وننشره كما هو مع أسماء الموقعين عليه:


واصلت وزارة الثقافة دورها، كواحدة من عاهات الثورة، في تعزيز العمل علي عزل جماهيرها ومنح قبلة الحياة لأعدائها، ومواصلة بث الروح في رميم قياداتها ورموز فسادها، بإعادة تمثيلها لنظامين فاشيين، بعد أن كتب الشعب نهايتهما في الخامس والعشرين من يناير والثلاثين من يونيو. وتحت شعار يضج بتلفيقية أصحابه؛ انعقد ما يسمي بمؤتمر "الثقافة المصرية في المواجهة" تحت رعاية وزير الثقافة، عابر العصور والأنظمة "صابر عرب"، وبإشراف مجموعات من سماسرة الثقافة المصرية طيلة ما يزيد علي العقدين.


فأي ثقافة وأي مواجهة يمكن أن يقدمها تحالف الملفقين والسماسرة ؟!!.

البداية كانت من المسرح الصغير بدار الأوبرا، حيث القاعة تكتظ بموظفي الوزارة كبديل للغياب الإجمالي للمثقفين المصريين، وحيث يقف ثلاثة من حضور الافتتاح، أثناء كلمة الوزير، يهتفون بأعلى أصواتهم في وجهه : " إنزل يا فاسد ". الوزير يقول لهم : شكرا.. ويستمر في إلقاء كلمته. 


وبين ما يبدو أنه نطاعة محترف وما يبدو أنه تسامح مدع تقف الثقافة المصرية بين أكذوبتين، الأولي: وزير أقصر قامة من موقعه، يعاشر كل موبقات الأنظمة البائدة وكيلا ومديرا ووزيرا. وككل نهّازي الفرص، ينجح في التواؤم مع الجميع. والثانية: نخبة كتائب التبرير والتمويل والمزايدة، التي تقدم نفسها باعتبارها صانعة ثورة الثلاثين من يونيو ومن ثم تري، علي غير الحقيقة، أنها لا تحصد إلا استحقاقا تاريخيا، ومن هنا فإنها مستعدة لمنازلة من يفكر في المرور من أمام قصعتها. في الوقت نفسه تتزايد عزلة وزارة الثقافة وكافة أجهزتها عن الحراك المجتمعي المتقدة جذوته. فرؤساء هيئاتها مشغولون بتعظيم مكاسبهم وصناعة التحالفات مع وضعاء الصحافيين وصغار المنتفعين وغيرهم من أصحاب المصالح دفاعا عن كراسيهم. ومن عجب أن يكون بين سدنة هذا المؤتمر من كان مستعدا لإطلاق لحيته إبان حكم الإخوان، وأحد هؤلاء قدم كتابا لسيد قطب، منظّر الإرهاب في العالم، اعتبره فيه واحدا من أهم نقادنا وروائيينا الطليعيين !! وتكتمل حلقات هذا الفساد بقيام أحمد مجاهد بنشر تلك الترهات في هيئة الكتاب، في الوقت الذي يقدمان فيه نفسيهما باعتبارهما بطلي ثورة الثلاثين من يونيو.


في هذه المناخات ليس غريبا أن تغلق الوزارة قاعاتها علي ممثلي مؤتمرها، الذين لا يمثلون، في الحقيقة، سوي مصالحهم ومكاسبهم، بينما تظل هيئات الوزارة منشغلة بالكرنفالات الفارغة التي تقام وتنفض دون أن يسمع عنها أحد. 


لم يسأل وزير الثقافة نفسه سؤالا واحدا : ما الذي تفعله هيئة قصور الثقافة التي تمتلك ما يزيد علي خمسمائة بيت وقصر ثقافة علي مستوي الجمهورية، وأين دورها في مقاومة العنف الديني الذي تمارسه جماعات منبوذة وفاشية ؟ لماذا لاتصل مطبوعات الوزارة إلي عموم الشعب ؟ تلك المطبوعات التي كلفت المواطن ملايين الجنيهات، ونخص بالذكر مطبوعات المجلس الأعلى للثقافة والمركز القومي للترجمة. ولماذا كل هذا الغثاء والفساد الذي تطبعه هيئة الكتاب دون حسيب أو رقيب ؟ ولماذا لم تحل مشكلات الفرق المسرحية المستقلة وفرق وبيوت الفنون ؟ وأين وزارة الثقافة من مشكلات صناعة السينما ؟ ولماذا أعيد تعيين كل من نبذتهم الثورة علي رأس المواقع المؤثرة بالوزارة ؟ ولماذا تستمر مجلات لا يقرأها أكثر من كتابها ؟ مثل مجلة إبداع التي يترأسها الشاعر المزمن أحمد عبد المعطي حجازي، ومجلة فصول التي يترأسها ناقد يتقلب بين التلفيق والانتهازية هو محمد بدوي، ومجلة الرواية التي يترأسها ناقد خارج مدارات الزمن هو مدحت الجيار، وغير ذلك العشرات، ولماذا تستمر هيئة قصور الثقافة في انتزاع دور ليس لها ؟ هل لتحقيق مكاسب ومصالح عبر مشروع النشر ؟ وذلك طبعا علي نفقة دورها الرئيسي في الوصول إلي نجوع وقري مصر لنشر ثقافة الحوار ونقل الفنون المصرية إلي كافة المواطنين؟!! 


لقد تمددت خيبة وزارة الثقافة المصرية فغطت فضاء ثورة الثلاثين من يونيو، وأصبح ريحها العطن يزكم الأنوف. وبدت مشكلة وزيرها كامنة في عدم إيمانه بالثورة، لذلك لجأ إلي إعادة إنتاج الفساد القديم عبر إحياء رموزه، أسماء وسلوكا، في الوقت الذي كان يتعين فيه إزالة آثار التعدي الصارخ علي عقول المصريين إبان نظامين فاشيين انحاز أولهما للفساد والقمع والتدجين وأضاف ثانيهما الرجعية لكتلة صفاته المسيئة تحت شعارات ثورية كاذبة.


إن أقل ما يجب أن تقدم عليه الثورة الآن هو المطالبة الفورية بعزل وزير الثقافة صابر عرب ومحاكمته مع رموز فساده، وإعادة الاعتبار لكل القيم الثورية التي أسقطها فاسدون وعملاء، أكدت الوقائع أن دفاعهم عن الثورة لم يكن إلا دفاعا عن تكتلات فسادهم وتعظيم مصالحهم، وإبقائها فوق السياقات القانونية والأخلاقية.


عاشت الثورة المصرية والمجد للشهداء...


الموقعون على البيان:
الناقد الدكتور يسري عبدالله، والشاعر محمود قرني، والروائي خالد إسماعيل، والشاعر جمال القصاص، والقاص والصحفي هيثم خيري، والروائي وحيد الطويلة، والمترجم والقاص عمرو خيري، والروائي حسين البدري، والشاعر شريف رزق، والشاعر فارس خضر، والشاعر سامح محجوب، والمخرج حسن شعراوي، والصحفي أحمد السماني، والشاعر والصحفي محمد الحمامصي.


جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com