السبت، 24 أغسطس، 2013

تصفية الحسابات بالثقافة تدفع "القاهرة السينمائي للمحاكم




بقلم: محمد شكر

عن جريدة (الوفد) القاهرية

يبدو أن مهرجان القاهرة السينمائي أصبح لا يقوي علي عقد دوراته إلا بعد الخروج من قاعات المحاكم فبعد تأجيل دورة 2011 لظروف ثورة 25 يناير وإسناد المهرجان لمؤسسة يوسف شريف رزق الله دخل المهرجان لقاعات المحاكم.

ليتم وقفه علي يد ممدوح الليثي ثم يعاد فتح باب التقدم ويسند لنفس المؤسسة مرة أخري قبل أن يعيده الوزير الأسبق والحالي في الوقت نفسه محمد صابر عرب لنفس إدارته القديمة التي طالما أفشلته علي مدار سنوات ليقيم عزت أبوعوف وسهير عبدالقادر دورة هزيلة اصطبغت سجادتها الحمراء بدماء المعتصمين الرافضين لاستحواذ الإخوان علي مصر بمساعدة مندوب مكتب الإرشاد في الرئاسة المعزول محمد مرسي.

ويبدو أن سيناريو تخريب مهرجان القاهرة السينمائي يتكرر للمرة الثانية مع وزير الثقافة الجديد القديم الذي هدم الدورة الماضية وخربها وعاد للوزارة مرة أخري ليكرر نفس الجريمة في حق المهرجان بتفكيك ما تم بناؤه والبدء من جديد بعد إقالة الناقد أمير العمري وتكليف الناقد سمير فريد برئاسة المهرجان ليلجأ الأول للقضاء مطالبا بحقه المادي والأدبي الناتج عن تعاقد الوزير السابق علاء عبدالعزيز معه وهو الأمر نفسه الذي قام به النقاد رامي عبدالرازق وأسامة عبدالفتاح وأحمد شوقي بعد التعاقد معهم لرئاسة أفرع المهرجان ومسابقاته المختلفة ومنعهم من قبل شرطة السياحة من ممارسة عملهم ليعود المهرجان لقاعات المحاكم مرة أخري ويضيع الوقت في نزاعات وهجوم يؤدي لهجوم مضاد بين الأطراف المتنازعة وكأن أهواء الوزير أهم من مصلحة المهرجان التي لا يمثلها أمير العمري في حد ذاته ولكن تمثلها التحضيرات التي أجراها طوال الشهرين الماضيين وإذا كان عرب لا يصفي حسابات قديمة مع العمري فلماذا لم يقم بإقالة فتوح أحمد الذي عينه الوزير السابق رئيسا للبيت الفني المسرح أو يلغي اتخاذ الدكتور أحمد سخسوخ خبيرا وطنيا للمسرح أو تعيين الدكتورة ناهد رستم لرئاسة قطاع الفنون.

ناهيك عن إهدار المال العام الذي تسبب فيه قرار الوزير الحالي بعد المصروفات التي تمت في التحضير لدورة السادسة والثلاثين بالإضافة للرواتب والتعاقدات التي ستدفعها الوزارة رغما عنها لأن العقد شريعة المتعاقدين وهو الإهدار نفسه الذي قام به صابر عرب في الدورة الماضية بعد أن صرفت مؤسسة مهرجان القاهرة السينمائي 600 ألف جنيه كدفعة تمويل أولي لم ترد لخزينة الدولة بعد إنفاقها في التجهيز للدورة وتجاهل ما تم تحضيره ويبدأ عزت أبوعوف وسهير عبدالقادر من جديد لتخرج الدورة في أسوأ صورها.

وبغض النظر عن تهم إهدار المال العام التي يجب أن يواجهها وزير الثقافة وتحال قراراته للنائب العام للتحقيق فيها بدلا من إحالة ملف مهرجان القاهرة للتحقيق مع أمير العمري لحصوله علي 15 ألف جنيه باعتباره مبلغا فلكيا بالنسبة للوزير فهناك إهدار لمئات الآلاف التي تسبب فيها صابر عرب بقراراته غير المدروسة والتي تأتي دائما في الوقت الخطأ يجب أن نلتفت الي الدورة السادسة والثلاثين لإنقاذ ما يمكن إنقاذه خاصة بعد ترشيح سمير فريد لرئاسة المهرجان وقبوله المنصب وتأكيده علي حسم موقف الدورة بعد دراسة موقف المهرجان للتأكيد علي استمرار الإعداد للدورة أو تأجيلها للعام القادم.

ويواجه سمير فريد بعيدا عن إدارته لمهرجان القاهرة السينمائي في عام 1985 واقعا جديدا يتمثل في إحجام شركات الإنتاج والتوزيع السينمائي عن مساندة مهرجان القاهرة سواء بعدم مده بأفلام لتحقيق التمثيل المصري وتفضيل المهرجانات العربية الوليدة عليه لما تمنحه لهم من دولارات أو برفض الموزعين منح المهرجان دور عرض سينمائي تستوعب عروضه وهي الأزمة التي عصفت بدوراته الثلاث الماضية مع بطالة دور العرض وضعف الإنتاج والإقبال علي المنتج السينمائي الذي يقدمه المهرجان وهذا يقودنا الي الأزمة الثالثة وهي أننا أمام مهرجان دولي كبير بلا جمهور حقيقي باستثناء بعض المعنيين بالشأن السينمائي من صغار السينمائيين فحتي الكبار يختزلون المهرجان في حفلى الافتتاح والختام.

ومع ما يحمله سمير فريد من خبرة طويلة في عالم المهرجانات السينمائية التي يعرفها عن ظهر قلب لن يخفي عليه انعدام الثقافة السينمائية في مصر وهو السبب الذي قد يكون وراء كافة أزمات المهرجان بداية من غياب الجمهور وانتهاء بضعف إقبال الرعاة الذين لا يمنحون المهرجان ما يوازي حجم إعلاناتهم في يوم واحد علي شاشة التليفزيون لأنهم ببساطة يبحثون عن جمهور يروجون له سلعتهم وهو ما يفتقده المهرجان وفي حالة تحققه قد نخرج من أزمة سوء التنظيم التي تضربه دورة تلو الأخري من خلال الاستعانة بشركة خاصة لتنظيم فعالياته ليبقي لرئيس المهرجان الجوانب الفنية التي كثيرا ما يهملها القائمون عليه لانشغالهم بالبحث عن تذاكر طيران أو تسول ضيوف أجانب بدون مقابل أو بمقابل مادي زهيد أو تنظيم الإقامة والتنقلات وكلها أشياء مهمة ولكن ليس علي خبراء السينما أن يقوموا بها.

وتبقي أزمة المهرجان الكبري في سوء التنظيم الذي قد يختفي بإقامة قصر للمهرجانات علي غرار كثير من المهرجانات العالمية خاصة أن تجربة إقامة المهرجان في دار الأوبرا أثبتت فشلها لعدم جهوزيتها من حيث آلات العرض السينمائي وأنظمة الصوت وأعتقد أن هذا يتوافق مع الرؤية التي طرحها فريد بوضع خطة لتحويل المهرجان الي مؤسسة من مؤسسات وزارة الثقافة ولن يتأتي هذا إلا بتجاوز هذه الدورة والبناء علي ما سبق لا هدمه كعادة وزير الثقافة الحالي الذي يتفنن في إهدار المال العام ونتمني أن يستعيد سمير فريد ذاكرة 1985 أثناء إدارته للمهرجان مع سعد الدين وهبة الذي أضاف الي تاريخه الكثير قبل أن تضربه مصالح منتفعي فاروق حسني.

الأحد، 18 أغسطس، 2013

فيلم "دراكيلا": بيرلسكوني بطلا أمام نفسه!






جاء هذا الفيلم نموذجا على التطور الكبير الذي حققه صناع السينما الوثائقية، فهو لم يعد مجرد "بيان" لما يجري في الواقع، بل رؤية تحليلية ساخرة، وبناء يتجاوز جفاف المادة الوثائقية، لكي يضفي نوعا من الإثارة والمتعة على المشاهدة، بقدر لا يقل عما يمكن أن يحققه الفيلم الدرامي الروائي. هنا يزول الفرق بين الوثائقي والروائي، ويصبح الفيلم فيلما شاملا بكل معنى الكلمة، يقدم عرضا للفرجة والمتعة والفهم، بل والكشف الصارم عن بواطن الفساد بما يمثل على نحو ما، دعوة إلى تغيير الواقع أيضا.
عنوان الفيلم "دراكيلا" هو مزيج ساخر من كلمتين هما "لاكيلا" l’aquila وهي مدينة إيطالية تاريخية معروفة بآثارها القديمة، تعرضت في أبريل/ نيسان 2009 لزلزال مدمر. و"دراكولا".. الشخصية الأسطورية لمصاص الدماء الشهير في الأدب والخيال المصور.
أما الشق الثاني من عنوان الفيلم أي "إيطاليا تهتز" فهو تنويع على عنوان الفيلم الإيطالي الكلاسيكي الشهير "الأرض تهتز" (1948) للمخرج الراحل لوتشينو فيسكونتي، ويعد من العلامات الكبرى في مدرسة الواقعية الجديدة فيما بعد الحرب العالمية الثانية.
مخرجة الفيلم سابينا جوزانتي Sabina Guzzanti، جاءت إلى السينما من عالم التمثيل والبرامج التليفزيونية الساخرة. كان والدها عضوا في البرلمان الإيطالي عن حزب بيرلسكوني لكنه اختلف معه كثيرا واستقال بعد أن وجه انتقادات قاسية للحزب وزعيمه.
ذهبت سابينا بعد وقوع الزلزال إلى المدينة المتضررة، وبدأت تجري التحقيقات والأبحاث حتى اتضحت في ذهنها المادة التي ستعتمد عليها في بناء فيلمها، بطريقة مشوقة وممتعة.
يبدأ الفيلم بلقطة لقارب من القوارب الإيطالية الشهيرة (جندولا) يسير في إحدى قنوات البندقية، ثم تتراجع الكاميرا إلى الوراء لكي نرى صورة مرسومة لبيرلسكوني، يجلس وقد أسند ذقنه على يده، يتطلع نحو جهاز للتليفزيون عبارة عن صورة مرسومة أيضا لكن الصور التي يعرضها حقيقية تماما، ويأتي التعليق الصوتي بصوت المخرجة، يقول لنا إن "اليوم كان بداية الربيع في شبه الجزيرة (أي إيطاليا) لكنه كان يوما سيئا آخر لبيرلسكوني، فقد أمسك القضاء بخناقه". ونرى لقطات لبيرلسكوني أمام المحكمة عندما اضطر للمثول أمامها للإدلاء بشهادته فيما يتعلق بتهم فساد. وسرعان ما يظهر بيرلسكوني نفسه وهو يقول: "لقد كنت محظوظا أن تمكنت من دفع 200 مليون يورو (حوالي 250 مليون دولار) للمستشارين و"القضاة"..". وعندما يدرك خطأه يتوقف ويستدرك قائلا :أقصد للمحامين".  
هذا الأسلوب سيطبع الفيلم بكامله، فنحن نتلقى الصور كما لو كنا نشاهد فيلما مسلياً من أفلام الأطفال، تروى لنا المخرجة أحداثه وتفاصيله، تلتقط من الصور (الحقيقية تماما) ما يدعم رؤيتها للموضوع. ولكنها لا تتوقف فقط أمام الصور، بل تستخدم الرسوم البيانية التي تحتوي على إحصائيات ومعلومات، كما تستخدم الرسوم الكاريكاتورية وأشكال التحريك المختلفة، واللقطات المأخوذة من البرامج التليفزيونية ونشرات الأخبار، وتمزجها مع المقابلات التي تجريها من وراء الكاميرا، والتي تظهر هي فيها أحيانا كطرف مباشر أمام الكاميرا، تناقش وتجادل وتسأل.
الرسم البياني الذي يعقب ذلك يقول لنا إن شعبية بيرلسكوني كانت قد تدهورت كثيرا في تلك الفترة، ولكن التعليق يخبرنا أنه "في الساعة الثالثة و33 دقيقة من صباح 6 أبريل 2009، وقع زلزال لاكيلا الذي أيقظ حتى سكان منزل الأخ الأكبر" (كما نرى في لقطات بالأبيض والأسود مأخوذة بكاميرا الفيديو السرية)، في إشارة إلى البرنامج التليفزيوني الشهير لما يسمى بـ"تليفزيون الواقع" الذي تسخر منه المخرجة بالطبع، حين تعرض لقطة سريعة لشاب يستيقظ من الفراش مذعورا.
وتمضي الصور يصاحبها التعليق. رسم لبيرلسكوني عاريا تماما سوى من ربطة عنق وورقة من ذات الخمسمائة يورو تستر عورته، وهو يمد يده مبتسما.. في حين يقول التعليق إنه "على حين دمرت بلدة بأسرها، فقد كان الأمر بالنسبة لبيرلسكوني كما لو أن العناية الإلهية مدت إليه يدها مجددا".
على هذا التعليق الطريف نشاهد إحدى لوحات عصر النهضة التي تصور العالم الآخر، ويد تمتد تلمس يد بريلسكوني في رقة قبل أن تمتليء السماء بالبرق والرعد!
 هذا هو الأسلوب، يتشكل ويتحدد منذ اللقطات الأولى من الفيلم: اللقطات المتناقضة، والتعليق الساخر، والحقيقة ممزوجة بالرسوم، والبيانات والمعلومات ممتزجة بالتعليقات المباشرة من قلب الواقع وعلى ألسنة الشخصيات المختلفة القريبة من الحكاية.
تروي المخرجة (وهي حاضرة طوال الوقت في الفيلم تستخدم ضمير المتكلم) كيف سارع بيرلسكوني، رجل الدعاية البارع، إلى استغلال الزلزال المدمر الذي أدى إلى مقتل 300 شخص وتشريد 70 ألف آخرين، من أجل استعادة شعبيته المتراجعة. وكيف يتوجه مباشرة إلى موقع الزلزال، ويتعهد بأن يوفر مسكنا بديلا لكل أسرة بحلول الخريف، ويشرح أمام كاميرات التليفزيون كيف ستكون كل شقة مفروشة بالكامل بما في ذلك التفاصيل الصغيرة، بل ومع "كعكة كبيرة وزجاجة شمبانيا في الثلاجة" أيضا!
لكننا نرى في الوقت نفسه، كيف أرغم في السكان على مغادرة المدينة، وأرسلت السلطات 30 ألفا منهم للإقامة في فنادق على الشاطئ البعيد بشكل مؤقت، حتى أولئك الذين لم تتضرر منازلهم، كما أرسلت باقي السكان للإقامة داخل خيام في منطقة معزولة، تحاصرها قوات الجيش التي تحظر على السكان الاتصال بالصحافة والإعلام، كما تحظر تماما دخول الصحافة كما نرى بالفعل عندما يتصدورن لفريق الفيلم ويدفعونه بعيدا. ونرى كيف ينظم سكان المخيم تظاهرات يومية للاحتجاج على الأوضاع المزرية التي يعيشونها.
والطريف أيضا أن السلطات تحظر عليهم تناول الكوكاكولا والقهوة، كما تخبرنا اللافتات المعلقة في أرجاء المخيم ، فالسلطات المسؤولة تعتبر هذه المواد من "المنبهات" التي يمكن أن تثير السكان وتدفعهم إلى الخروج من عقالهم!
وتكشف جوزانتي كيف أسندت الحكومة تصميم مساكن جديدة في الضواحي، إلى نفس المهندس الذي كان يطمئن السكان قبل فترة وجيزة من وقوع الزلزال، بأن مكروها لن يقع لمدينتهم التاريخية.
مخرجة الفيلم


بعد ستة أشهر من وقوع الزلزال يتم بناء 30 في المائة فقط من المساكن الموعودة يتسلمها المحظوظون، لكنهم يقزلزن لنا إنهم ليسوا محظوظين تماما، فقد اشترطوا عليهم ضرورة تلسيم تلك المساكن في النهاية، بعد أن تنتهي عملية ترميم المدينة، على الحالة التي كانت عليها عند استلامهم لها، أي أن المطلوب أن يعيدوا كل شيء إلى أصله، ويحظر عليهم دق أي مسامير في الجدران، وضرورة المحافظة على صناديق القمامة لتسليمها، وعدم العبث بالستائر.. إلخ
على الجانب الآخر، في لاكيلا نفسها يحتل الجيش وسط المدينة ويرفض السماح لأي مخلوق بدخول المنطقة، في حين أن الآثار التاريخية القديمة المتداعية تركت لكي تتداعى.
ويتهم الفيلم بيرلسكوني بالتخريب المتعمد بعد أن أسند مسؤولية التعامل مع الأزمة إلى ما يعرف بـ"وكالة الحماية المدنية" التي يرأسها رجل يعد من أخلص حلفائه هو جويدو برتولاسو، الذي وجهت إليه اتهامات بالتحرش الجنسي والفساد، مما دفعه إلى أن يعرض تقديم استقالته إلا أن بيرلسكوني رفض وألح عليه أن يبقى في منصبه.
هذه الوكالة كما يكشف الفيلم، يفترض أن تتعامل مع الأوضاع المدنية في حالة الطواريء فقط، إلا أن حكومة بيرلسكوني كما تكشف لنا المخرجة، أضافت بندا آخر تحت مسمى "الأحداث الكبيرة" وهو تعبير عمومي، يمنح تلك المؤسسة سلطة كاملة، ويبيح لها تجاوز القانون بل والدستور أيضا، فالدستور الإيطالي يسمح بالتجمعات والمظاهرات في حين أن سلطة الحماية المدنية تفرض على السكان المقيمين في المخيم المؤقت، عدم التجمع أو التظاهر. وهذه النقطة هي ما تجعل المخرجة جوزانتي تتهم حكومة بيرلسكوني بانتهاج سياسية شمولية تتنافى تماما مع الديمقراطية.
ويصور الفيلم كيف استغل بيرلسكوني المأساة لكي ينقل مؤتمر مجموعة الدول الصناعية الثماني الكبرى، من صقلية إلى لاكيلا، وسط إجراءات أمنية غير مسبوقة، وبتكاليف باهظة من أموال دافعي الضرائب، فقط من أجل التباهي بأنه مهتم بأحوال المدينة وسكانها الذين هجروها، أي باستخدام المؤتمر للدعاية الشخصية لنفسه.
ثم نرى كيف يقوم بيرلسكوني بزيارة يتفقد خلالها بعض أعمال البناء في ضواحي المدينة، حيث يلتقي بمجموعة من العمال، ولكنه يلاحظ غياب النساء فيتساءل في بساطة: أين النساء؟ ثم يتعهد بأنه عندما يأتي في المرة القادمة "سأصطحب معي مجموعة من فتيات الاستعراض"!
وفي مرة أخرى يصر على التقاط صورة مع مجموعة من العمال ومسؤولي البلدية، وبينهم امراة واحدة تتمتع بقسط من الجاذبية، فيقول وهو يقترب منها أريد أن أشعر بالمرأة أكثر!
هذا التصوير الكاريكاتوري هو جزء أساسي من الطابع الهجائي للفيلم، وهو يقربه من المشاهدين، على نحو ما يفعل المخرج الأمريكي الشهير مايكل مور في أفلامه الوثائقية، كما يساهم في تأكيد فكرة اللامبالاة إزاء الكارثة التي حلت بعشرات الآلاف من البشر في الوقت، فنحن نرى كيف يلهو بيرلسكوني بالمأساة، ويصور الأمر أمام كاميرات التليفزيون في معرض تعليقه على السكان الذين انزلتهم السلطات في فنادق مؤقتة على الشاطئ بقوله: "إنهم سعداء هناك كما لو كانوا يقضون عطلة"!
ويصور الفيلم كيف يحتفل بيرلسكوني علانية، وبشكل مبالغ فيه، بعيد ميلاده في الوقت الذي يعلن فيه توزيع المساكن على قطاع من سكان المدينة المنكوبة، في شكل احتفالي غير لائق، وكيف يستخدم الدعاية التي توفرها له امبراطوريته الإعلامية من أجل كسب الأصوات، وهو ما تظهره جيدا سابينا جوزانتي من خلال المقابلات العديدة التي تجريها من نساء ورجال خاصة من المسنين، وكيف يبدون إعجابهم ببيرلسكوني وجاذبيته وكرمه وأريحيته، ويقولون إنه لولاه ما كان شيئا ليتحقق، كما لو كان الرجل يعطي الشعب من أمواله، وهي فكرة يروج لها عادة الكثير من رجال الأعمال عندما يتولون السلطة السياسية.
فيلم "دراكيلا" أخيرا، أحد الأفلام الشجاعة الجريئة، التي تكشف وتعري، ورغم أنه ليس فيلما "محايدا" حسب المفهوم التقليدي في السينما الوثائقية، إلا أنه متوازن إلى حد كبير، وهو يعتمد على الحقائق، كما يعتمد على الوثائق والشهادات الإنسانية المباشرة، ويكشف أيضا تقاعس المعارضة السياسية والصحافة عن القيام بدورها كما ينبغي، بعد أن أحكمت سلطة، تراها المخرجة "شمولية"، قبضتها على الإعلام، وقلصت من دور المعارضة على نحو مثير للأسى والأسف!
تقول سابينا جوزانتي: "إن تصوير هذا الفيلم ثم مشاهدة لقطاته وانا أقوم بالمونتاج وأربط بين الصور والأحداث، هزني كثيرا. سيستغرق الأمر زمنا طويلا قبل أن يعاد بناء لاكيلا: المدينة التي بدأ تشييدها في عصر فريدريك الثاني كقلعة حصينة ضد روما الفاسدة، واستكمل بناؤها في القرن الثالث عشر على يدي ابنه، مدينة تعرضت للكثير من الزلازل العنيفة، واليوم أصبحت تواجه بشيء اشد وأخطر. سيستغرق الامر على الأقلن وقتا مشابها إلى أن يعاد بناؤها".


الاثنين، 12 أغسطس، 2013

خالد يوسف: الدور السياسي الزائف!





 قلت من قبل إن مشكلة المخرج خالد بوسف في أفلامه تكمن تحديدا في إدخاله للموضوع السياسي في سياق الفيلم الدرامي العادي، وأضفت إن أفلامه قد تصبح أكثر قبولا إذا تخلصت أو تخلص هو، وبالتالي خلصها، تماما من الاسقاطات السياسية الفجة المباشرة التي تتصف بالسذاجة والسطحية.

لكن المشكلة أنه بدلا من أن يشتغل خالد يوسف على تنقية أفلامه مما يشوبها من نقاط ضعف درامية، وتهافت في إعلاء "السياسي" على "الإنساني" بحيث تبدو شخصيات تلك الأفلام منقطعة الصلة بالواقع من حولها وكأنها تعيش فقط في خيال مخرجها، رعم ما يحشره في أفلامه هذه من الكثير جدا – لحد الملل – من أحداث واسقاطات سياسية، أصبح خالد يوسف نفسه مستلبا في الحراك السياسي الذي أصبح يدور حول نفسه بدلا من ان يتقدم إلى الامام، بل أخذ خالد يوسف يصدق أنه أصبح "زعيما سياسيا" يمكنه أن يحرك التاريخ، وأن يقابل الزعماء السياسيين ويؤثر عليهم، ويكفي أنه قد هجر العمل السينمائي، بعد أن وجد أنه لن يتمكن من تقديم الجديد بل سيظل يدور حول "تيمات" أفلامه المستهلكة، وشخصياته المبتذلة التي تسعى سعيا الى ابتزاز المشاعر الجنسية المباشرة من المتفرج المكبوت الذي يعاني في الحقيقة من كل أنواع الكبت: السياسي والاجتماعي والجنسي، لذلك يتجاور تفجير المكبوت السياسي في أفلام هالبد يوسف مع تفجير المكبوت الجنسي، ولكن في سياق ساذج (كرتوني) غير مقنع.

إن الطريق الذي يحصل منه خالد يوسف على "تعويض" نفسي يعوضه عن الكبت "السينمائي"، أي عدم القدرة على إنجاز الفعل السينمائي الذي يتحقق من خلاله، وهو طريق الشغب السياسي والصراح والصياح في الميادين أمام أجهزة الإعلام حتى أصبح مجرد ظاهرة إعلامية فارغة تماما تكرر نفسها بل وتبتذل أقوالها وتلوك بعض الأفكار الديماجوجية التي لم يعد أحد يبتلعها بعد أن أصبح فعل الثورة نفسه يختطف دائما، تارة لصالح تنظيم الاخوان المسلمين الرجعي بتاريخه وطبيعته، أو لصالح المؤسسة العسكرية المحافظة اجتماعيا بطبيعتها.. هذا الطريق تحول هو نفسه، إلى أداة لشنق طموحات خالد يوسف وإخراجه بالتالي من حلبة السينمائيين الذين كانوا يتطلعون لتقديم شيء متميز ودون أن يتمكنوا أبدا من دخول دائرة الإبداع وليس التجسيد المبتذل السطحي السريع الاستهلاكي. لذلك أعتقد أن  خالد يوسف قد إنتهى كمخرج كما انتهى قبله الكثير من المخرجين الذين سقطوا تحت إغراء وغرور اللحظة وما تمنحه إياهم من تحقق زائف لا يشبع المكبوت في داخلهم!


الثلاثاء، 6 أغسطس، 2013

أزمة وتخبط في مهرجان القاهرة السينمائي بعد عودة الوزير صابر عرب



تعيين الناقد سمير فريد رئيسا للمهرجان جاء كمخرج من الأزمة بعد اتهامات لصابر عرب بدعم الفساد!


 أمير العمري: هناك الكثير من ملفات الفساد في المهرجان وسألقن الوزير درسا في احترام القانون!

ما معنى وجود توقيع منيب شافعي رئيس غرفة صاعة السينما على شيكات المهرجان؟

تم تحديث الموضوع بتاريخ 7 أغسطس


بقلم: عادل سالم


عاد وزير الثقافة صابر عرب عاد الى الوزارة للمرة الثالثة بعد ان استبعد رئيس الوزراء حازم الببلاوي إيناس عبد الدايم مديرة الأوبرا، بضغوط من حزب النور السلفي كما تردد في وسائل الاعلام، فكان أن أعاد صابر عرب في اللحظة الأخيرة قبل أداء اليمين مباشرة أمام رئيس الجمهورية المؤقت عدلي منصور.

وفي اليوم التالي مباشرة لاستلامه منصبه الجديد- القديم بدأ صابر عرب حملة الانتقام من معارضيه وعلى رأسهم الناقد السينمائي أمير العمري المعروف بمواقفه النقدية الصارمة من سياسات الوزير في العام الماضي فقد هاجم بشدة اسناده مهرجان القاهرة السينمائي الى ما يعرف بـ"الحرس القديم" أي نفس الشلة التي افسدته على مدار 25 عاما بعد أن كانت جمعية أهلية تشكلت برئاسة الاعلامي والناقد يوسف شريف رزق الله وأسندت اليها الوزارة في البداية اقامة المهرجان وانفقت من المال العام اكثر من مليون جنيه. وقد اتهم العمري صابر عرب باهدار المال العام وباعادة نفس الرموز التي ارتبطت بالمنظومة الثقافية البالية للوزير الأسبق فاروق حسني الذي ينتمي عرب الى حظيرته الثقافية المعروفة.

ولا يعرف المثقفون لصابر عرب أي علاقة بالثقافة أو بدور ثقافي واضح، أو بأي مساهمة ثقافية في حقل الأدب أو الفكر والفن، بل ان هناك الكثير من الشبهات تحيط بدوره عندما كان رئيسا لدار الكتب والوثائق القومية فقد اختفت الكثير من الوثائق والمخطوطات النادرة في عهده. كما كان قد اتهم بالاعتداء بالضرب على حسن خلاف الذي أصبح رئيسا لقطاع مكتب وزير الثقافة بعد خروج فاروق حسني إلى أن أعفاه عرب. وصدر حكم على صابر عرب بالسجن إلا أنه تمكن من الغائه في الاستئناف وكان وقتها قد اصبح وزيرا ولم يعرف في التاريخ المصري ان وزيرا في السلطة حوكم وسجن، بل ان كل من يسجن من الوزراء يسجن بعد ان يخرج من السلطة.


حملة شرسة
وفي بادرة تدل على الرغبة في الانتقام وتصفية الحسابات شرع عرب في شن حملة شرسة في الصحافة المصرية ضد الناقدأمير العمري الذي تولى رئاسة مهرجان القاهرة السينمائي، على أسس احترافية ومهنية بعيدة كل البعد عن السياسة، فأخذ عرب يوجه اتهامات للعمري بأنه ارتكب ما أسماه "تجاوزات خطيرة". وعندما تطرق لذكر تلك التجاوزات "الخطيرة" قال ان العمري حصل على عقد بمبلغ 15 الف جنيه شهريا، وأنه عين مستشارا قانونيا له بمرتب اربعة آلاف جنيه شهريا الى جانب عدد من المستشارين الصحفيين. والعجيب أن عرب يوحي بأن عقد العمري به تجاوزات كما لو كان العمري هو الذي حرر عقدا لنفسه وليس المستشار القانوني للوزارة منذ عهد فاروق حسني وهو عقد قانوني تماما وليس فيه أي تجاوز خاصة الشرط الذي يقضي بدفع غرامة مالية قال عرب كذبا انها تبلغ ربع مليون جنيه في حين انها لا تتجاوز قيمة العقد السنوي أي 180 ألفق جنيه.. والغريب ان يتقول عرب بهذا القول رغم أن الوزارة لديها نسخة من العقد لكنها الرغبة في استثارة الرأي العام ورغم أن العقود التي كانت وزارة صابر عرب تحررها العام الماضي مع الرئيس السابق للمهرجان عزت أبو عوف والسيدة سهير عبد القادر مديرة المهرجان، كانت أيضا تتضمن شرطا جزائيا مطابقا لنفس الشرط الموجود في عقد العمري، ورغم أن ما كان يحصل عليه رئيس المهرجان السابق يوازي تماما ما حصل عليه العمري في العقد. ومن حق العمري أن يطلب عقدت بمليون جنيه، والعبرى بما يتم الاتفاق حوله، والعقد كما هو معروف شريعة المتعاقدين، اكن تصريحت عرب توحي بأن الوزير السابق علاء عبد العزيز تجاوز في تحرير هذا العقد وهو زعم غير صحيح. وقد تعاقد عبد العزيز مع العمري كخبير مهرجانات وليس على أي أسس سياسية من أي نوع فمعروف أن العمري من المنتمين لليسار في حين أن عبد العزيز يقف في اليمين السياسي. لكن البعض يسعى للاصطياد في المياه العكرة.

والغريب أن يعتمد الوزير في تصريحاته على ترديد أكاذيب صريحة فلا يوجد أي اساس للقول ان العمري عين مستشارا قانونيا بأربعة آلاف جنيه بل هو مجرد كذب صريح. فقد انتدبت الوزارة مستشارا قانونيا للمهرجان لمراقبة وضبط الأمور ابتداء من 1 يوليو ولم يعينه العمري، كما أن العمري لم يعين أي مستشار صحفي له على الاطلاق بل تعاقد مع ثلاثة من النقاد الشباب لادارة أقسام المهرجان الرئيسية، علما بأنه لم يتعاقد مع مدير فني أو مدير تنفيذي للمهرجان كما فعل صابر عرب العام الماضي. ولم يتجاوز العمري في ذلك صلاحياته المنصوص عليها بوضوح في عقده.

لكن الانتقام المبيت الذي تلا ذلك جاء مع الإعلان عن أن الوزارة طلبت من البنك الأهلي وقف اعتماد توقيع رئيس المهرجان لدى البنك وبالتالي عادت الشيكات التي كانت قد أعدت لاستيفاء المبالغ المخصصة لدفع مرتبات ومكافآت الموظفين والعاملين بالمهرجان.

والغريب أن تصمت الصحف التي نشرت هذه التصريحات عن متابعة ما وصلت اليه الأمور فقد انتهت تصريحات الوزير الى لاشيء كما كان معروفا، فهي حملة من الدخان الأسود في الفضاء مقصود بها التشويه والتمهيد لقرار الغاء التعاقد الذي تتقاعس الوزارة حتى هذه اللحظة عن ابرازه أو تسليمه لصاحب الشأن أي للعمري نفسه، كما أنها أساسا- عملية تصفية حسابات مع العمري الذي سبق ان اتهم الوزير باهدار المال العام!

ونشرت بعض الصحف والمواقع أنباء عن قيام صابر عرب بانهاء عقد العمري، لكن العمري يقول إنه لم يصله أي شيء بخصوص هذا رسميا حتى الآن. ونشرت الصحف انباء كثيرة حول الاجتماعات التي يعقدها الوزير مع شلة من المثقفين والسينمائيين الذين تزعموا اعتصام وزارة الثقافة في شهر يونيو أمثال مجدي احمد علي وخالد يوسف ومحمد العدل، ومع منيب شافعي رئيس غرفة صناعة السينما وزميلته في الغرفة المنتجة اسعاد يونس، ومع هاني مهنا عازف الأورج السابق الذي اصبح حاليا رئيسا لاتحاد النقابات الفنية في مصر، والغرض من هذه الاجتماعات اختيار رئيس جديد للمهرجان ترضى عنه هذه الجهات ويمكنها التعامل معه بسهولة وتسيير منافعها ومكاسبها الكثيرة "الغامضة" من المهرجان. لكن هذه الجهات المتصارعة على "كعكة المهرجان" لم تتفق حتى الآن على شخص الرئيس البديل. وأعلن أن الممثلة يسرا اعتذرت عن قبول الرئاسة.

ويقول العمري إن المسألة برمتها "عودة للرغبة في الانتقام من العمري بسبب كتاباته النقدية ضد سياسات الوزير الذي يذهب ثم يعود للوزارة في كل العهود"، ويضيف أن هناك أيضا من يرغبون في القضاء على كل قرار اتخذه علاء عبد العزيز بما في ذلك القرارات التي لم يكن هناك أي خلاف على شخوصها مثل تعيين الدكتور جمال التلاوي المشهود له بالكفاءة على رأس الهيئة العامة للكتاب، والعمري على رأس مهرجان القاهرة السينمائي. وقد صدر قرار باعفاء الدكتور التلاوي بالفعل واعادة أحمد مجاهد الى هيئة الكتاب رغم ما يواجهه من اتهامات بالفساد أمام النائب العام. ويقول العمري أيضا إن السبب الثاني يرجع الى رغبة من يطلق عليهم (جمعية المنتفعين) الذين يستغلون علاقاتهم مع المديرة السابقة للمهرجان، للحصول على الكثير من المكاسب بدون وجه حق، مشيرا الى وجود الكثير من الدلائل على وجود فساد في المهرجان بدليل أنه لم ينجح في التوصل الى أي تسويات مالية خاصة بالأموال التي تأتي من رعاة المهرجان والتي تقدر بنحو ثلاثة ملايين جنيه كما أنه اكتشف وجود حساب للمهرجان بالعملة الأوروبية (اليورو في بنك القاهرة يحمل توقيع رئيس المهرجتن وبجانبه توقيع منيب شافعي رئيس غرفة صناعة السينما ولكن بشخصه وليس بصفته، ويتساءل عن السر في وجود هذا التوقيع علما بأن لا علاقة للغرفة بالمهرجان من الأصل.


ويقول العمري أيضا إن الوزير العائد صابر عرب حاول تشويه صورته من خلال ما أدلى به من تصريحات نشرت في عدد من الصحف يدعي فيها انه سيقوم بتشكبل لجنة لجرد مقر المهرجان بزعم اختفاء بعض أصول المهرجان، كما سيحيل ما أسماه ملف المهرجان للنائب العام. وقد أسفرت تصريحات الوزير عن عجزه عن العثور على أي مخالفة بعد ان قامت لجنة أرسلها مدير مكتبه محمد أبو سعدة الى المقر، عن العثور على أي مخالفة مما دفع العمري- كما يقول- إلى رفع دعوى قضائية ضد الوزير يتهمه بتشويه سمعته.

دولة القانون والفوضى

ردا على هذه التصريحات قال العمري إنه يؤمن بأن مصر دولة قانون رغم كل الفوضى الحالية، وإنه بدأ بالفعل في إجراءات مقاضاة الوزير حاليا بسبب تصريحاته وسيلقنه درسا في ضرورة احترام القانون وأن عليه أن يعرف أن "مصر دولة سيادة القانون لا سيادة الوزير" مضيفا أنه سيطالب بتعويض خمسة ملايين جنيه عما لحقه من تشويه وإساءة بالاضافة الى الوفاء بالشرط الجزائي الموجود في عقده والذي ينص على دفع كل مكافآته حتى نهاية العقد وهو أمر لا يمكن للوزارة سوى الوفاء به امام القضاء فالعقد شريعة المتعاقدين!

صابر عرب

ويقول العمري إنه لا يعرف ما الذي يسعى إليه بالضبط مخرج مشغول بالظهور الاعلامي المتكرر هو خالد يوسف أو منتج تجاري مثل محمد العدل أو مخرج متوقف عن الاخراج مثل مجدي احمد علي، من وراء ذلك (اللوبي) الذي كونوه للحصول على رئاسة وادارة المهرجان، فما هي علاقة هؤلاء جميعا بتنظيم وادارة المهرجانات السينمائية الدولية، ولماذا كل هذا الاصرار على استبعاد العمري المعروف بخبرته الدولية الكببرة في هذا المجال؟ هل السبب فقط أنه سبق أن انتقد سياسات الوزير؟ أم لأنه، كما يقولون، جاء بقرار من علاء عبد العزيز الذي يقولون ان قراراته باطلة.. ومن الذي أبطلها.. وهل في تاريخ الادارة المصرية هناك شيء من هذا القبيل، أي يأتي وزير فيبطل كل قرارات سلفه بكل بساطة دون أن يترتب على ذلك أي التزامات؟ وهل أصبحت مصر دولة خارج القانون، أم أن هناك أسبابا أخرى تتعلق بما حصل عليه العمري من ملفات كثيرة تكشف علاقات مشبوهة تتعلق بالعلاقة مع المهرجان؟ وهل يملك هؤلاء الذين يتطلعون الى الاستيلاء على حق اقامة المهرجان انجاحه في ظل هذه الظروف الصعبة في حين لم يبق على موعد اقامته سوى نحو ثلاثة أشهر؟

وفي حين طرحت غرفة صناعة السينما من خلال منيب شافعي اسم حسين فهمي لكي يعود لرئاسة المهرجان الذي تركه قبل حوالي عشر سنوات، اعترض "سينمائيو الاعتصام" فهم يريدون واحدا منهم، في حين كان  الوزير صابر عرب يرغب في تعيين صديقته سهير عبد القادر في منصب نائب الرئيس رغم رفض جماعى الاعتصام لها. وكان الوزير قد التقى السيدة سهير في أول يوم لعودته إلى مكتبه بالوزارة وهر في عدد من الصور الصحفية عها وادلت هي بتصريحات أكدت فيها أنها مازالت (نائبة رئيس المهرجان)- وهو اللقب الذي تحب أن يطلق عليها.

وخروجا من المأزق أي مأزق العودة إلى إسم يمكن أن يكون مثار انتقادات واسعة للوزير، طرخ ائتلاف بين المركز القومي للسينما ونقابة السينمائيين اسم الناقد السينمائي سمير فريد لرئاسة المهرجان لكن سمير فريد قال في البداية إنه رفض قبول العرض هاصة وأن الفترة الزمنية المتبقية على انعقاد المهرحان نحو ثلاثة أشهر. وكان البعض يرغب  أيضا في فرض اسم الممثل محمود قابيل، الذي لا يملك أي معرفة بعمل مهرجانات السينما. والطريف أن  هاني مهنى رئيس اتحاد النقابات إعترض على اسم سمير فريد بالقول اثناء احد الاجتماعات مع الوزير: إنه كاتب مقالات جيد لكن ما علاقته بالمهرجانات السينمائية؟! الأمر الذي تسبب في انفجار البعض في نوبة من الضحك!


تعيين سمير فريد
المؤكد أن صابر عرب برغب في عودة سهير عبد القادر التي واجهت العام الماضي انتقادات شديدة حتى من داخل معسكرها. وويرى كثيرون أن سهير عبد القادر من المقربين من سوزان مبارك ومن المحسوبين على نظام مبارك الذي تؤيده حتى الآن بشدة. ولكنها تتشبث بمهرجان القاهرة السينمائي الذي يعد منفذها الوحيد لعالم السينما وطريقا وحيدا (مجهولا) لدى كثيرين لتحقيق الكثير جدا من المكاسب. وكان المخرج مجدي أحمد علي قد هاجم عودة سهير العام الماضي الى ادارة المهرجان بقرار من صابر عرب.

وأخيرا وتغليبا لكل التوازنات رسا الأمر على صدور قرار بتعيين سمير فريد رئيسا للمهرجان، وأعلن في أول تصريح له إنه يقدر الجهود التي قام بها سلفه العمري وفريق العمل الذي اختاره وأعلن أنه يعتزم دراسة ما تم والاستفادة منه، والأهم أنه اكد ثقته في نزاهتهم المهنية والأخلاقية في رد مباشر على تصريحات الوزير المسيئة.

ويتساءل الكثيرون حاليا عما سيفعله الرئيس الجديد فيما أنجزه العمري من اتفاقات بشأن لجان التحكيم والأفلام. وكان قد أعلن أخيرا عن أن فيلم الافتتاح سيكون الفيلم الفرنسي "الماضي" من اخراج المخرج الايراني أصغر فرهادي. وأعلن ايضا عن استحداث قسم جديد للأفلام القصيرة في المهرجان، والغاء قسم افلام حقوق الانسان والسينما الافريقية، وتخصيص قسم لسينما أمريكا اللاتينية الجديدة.

وبعد كل ما حدث ويحدث يقول امير العمري إنه لم يعد يجد المناخ الحالي في مصر صالحا لتنظيم مهرجانات سينمائية عالمية بينما (يقتل المصريون بعضهم البعض في الشوارع- حسب تعبيره) وان صورتنا أمام العالم الخارجي لا تسمح بدعوة الكثير من السينمائيين المرموقين". ويرى ايضا أنه "أصبح حاليا من الضروري إلغاء الدورة القادمة  الـ36 من المهرجان، واعادة النظر في هيكل المهرجان بأسره وتحديد علاقته بالدولة واستبعاد الضغوط التي تمارسها جهات مثل اتحاد النقابات وغيره من الكيانات التي لا تفهم اصلا في عمل مهرجانات السينما وليست من ضمن مهامها اقامتها بل عليها أن تهتم فقط بتحسين أوضاع اعضائها"!

واضاف العمري أن المهرجان سيفشل - ليس فقط في جذب السينمائيين الأجانب، بل وفي جذب جمهور السينما من المصريين أنفسهم الذين أصبحوا مشغولين تماما بمتابعة ما يجري من أحداث سياسية صاخبة تطغى على كل ما عداها في الوقت الحالي، ومن المتوقع أن يستمر الأمر كذلك لفترة طويلة قادمة!


لكن المشكلة أن "اللوبي" القديم الفاسد الموجود داخل أروقة وزارة الثقافة يرغب بشدة في اقامة الدورة لكي يستفيد من كم المكافآت المالية الهائلة والمنافع الأخرى التي يحثل عليها أعضاء هذا اللوبي الذي يرعاه الوزير. والغريب أن مخرجا غير معروف لم يخرج سوى فيلمين، يتشبث بالعمل في المهرحان تحت أي عباءة، ويسعى بشكل حثيث للعودة للعمل كمدير للمهرجان فارضا نفسه في حين أن كل قدراته لا تزيد عما يمكن أن تقوم به أي سكرتيرة، أي في اجراء بعض الاتصالات التليفونية، وكان قد وقع بينه وبين سهير عبد القادر في العام الماضي صراع ضاري أدى إلى قيامه بكتابة استقالة مسببة رفعها للوزير صابر عرب، استعرض فيها الكثير من الجوانب التي تتعلق باتهامات فساد ضد السيدة سهير، غير أن الوزير رفض التحقيق فيها، واقنع صاحب الاستقالة بالاستمرار في العمل وهو ما حدث فعلا.

ومن غير المعروف موقف عازف الأورج السابق هانى مهنى- رئيس اتحاد نقابات الفنانين حاليا- من تعيين مثقف سينمائي مثل سمير فريد وهو الذي كان يرغب في تعيين نجم أو نجمة، أي رئيس لا يمارس أي عمل ويكون شرفيا بدعوى أنه سيجذب من يطلق عليهم (فناني مصر) إلى المهرجان. وليس معروفا أيضا موقف منيب شافعي من تعيين سمير فريد وهو الذي كان قد دافع بشدة عن سهير عبد القادر ويرتبط معها بعلاقات خاصة من خلال غرفة صناعة السينما التي يهيمن عليها كما تربطه علاقة محل تساؤل كما أشرنا بمهرجان القاهرة. والحقيقة ان وزير الثقافة كان حري به تحويل ملف الدورة الـ35 من المهرجان التي أقيمت العام الماضي إلى النائب العام، وليس ملف دورة لم تبدأ بعد وليس لها أي ملف أصلا.. لكن الوزير المتهم بالتستر على الفساد، يصمت.

والأمر المؤكد أن الصراع حول المهرجان لن يهدأ، والمؤكد أيضا أن صابر عرب لن يبقى طويلا في منصبه بل سيطاح به كما يرى الكثيرون، في أقرب تعديل وزارة في بلد يقبع حاليا فوق صفيح ساخن!

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com