الثلاثاء، 4 يونيو، 2013

عن جريدة القاهرة وصلاح عيسى

 


صلاح عيسى




بقلم: السماح عبد الله





في عام 2003 عندما حصلت على جائزة الدولة التشجيعية في الشعر اتصل بي الدكتور عماد أبوغازي وكان وقتها يشغل منصب رئيس الإدارة المركزية للشعب واللجان بالمجلس الأعلى للثقافة طالبا مني الحضور لمكتبه ليسلمني الشيك الخاص بالجائزة، تحدثنا وقتها عن بعض المشكلات التي تعاني منها الثقافة المصرية واقترحت عليه بعض الحلول لهذه المشكلات، ضحك الدكتور عماد وقتها ضحكة عالية وهو يعلق على كلامي وأعقب ضحكته قائلا :

- " نحن بحاجة لثورة كبرى لكي يتحقق ما تحلم به "

الغريب في الأمر أن الثورة حدثت بالفعل، والغريب أيضا أن الدكتور عماد أبوغازي نفسه أصبح وزيرا للثقافة، لكن الأغرب من هذا وذاك أن مشكلات الثقافة المصرية ظلت كما هي، تغيرت كثير من وجوه القيادات الثقافية لكن المنهج وأسلوب التفكير لم يتغيرا، ويكفي - عزيزي القاريء – أن أذكر لك حالة واحدة من حالات مشكلاتنا الثقافية لتقف معي على حقيقة ما أقول.


في بداية الألفية الثالثة قام السيد فاروق حسني وزير الثقافة الأسبق بالسطو على مجلة " القاهرة " التي كانت تصدرها الهيئة المصرية العامة للكتاب، في واحدة من أغرب حالات السطو العلني في تاريخنا الثقافي، والتي مرت على المجتمع الثقافي كله في صمت تام مرور الكرام وكأن شيئا لم يحدث وبراءة الأطفال في عيون الوزير البراقة، في ذلك الوقت كنا نسمع في المنتديات والمقاهي عن المشاريع الكبرى التي ينتوي السيد الوزير إقامتها، منها إطلاقه لقناة فضائية تعرض لإنجازات الوزارة ومنها إنشاؤه لجريدة أسبوعية تكون لسان حال الوزارة وتدافع عن السيد الوزير ومعاونيه في وقت ارتفعت فيه حدة انتقاد الأداء الثقافي للوزير الذي يعد أشهر وزير نال انتقادا وهجوما، وكان من أبرز منتقدي السيد الوزير وسياساته ومعاونيه الكاتبة نعمات أحمد فؤاد والأديبة سكينة فؤاد والشاعر فاروق جويدة والأديب جمال الغيطاني الذي كان في البداية من مؤيديه ثم انتقل إلى كتيبة معارضيه ثم ارتد مرة أخرى إلى حظيرة المؤيدين، بالإضافة إلى الكاتب صلاح عيسى الذي سيتحول للتأييد السافر بعد أن أدار مؤشر رؤيته بنسبة 180 درجة، مما استدعى ضرورة تدشين آلة إعلامية جهنمية لمواجهة هذه الانتقادات، ولا أعرف تحديدا ما هو حجم العقبات التي حالت دون إطلاق القناة الفضائية لكنني أعرف جيدا حجم التيسيرات التي سهلت له إنشاء جريدة أسبوعية ظهرت منذ أكثر من أحد عشر عاما ومازالت تظهر حتى يومنا هذا بشكل أسبوعي، وذلك لأنني كنت شاهد عيان على هذه المؤامرة الخسيسة بحكم عملي مديرا لتحرير مجلة " القاهرة " .


كنا وقتها – نحن أعضاء هيئة تحرير مجلة " القاهرة " – نقدم واحدة من أهم المجلات الثقافية التي شهدتها الحياة الثقافية ربما منذ الأربعينيات، حيث كنا نفرد ملفات فكرية كبرى تناقش القضايا الملحة على الساحة المحلية والعربية والعالمية ونستكتب كتابا غربيين يكتبون خصيصا لنا ونشتبك مع الواقع الثقافي في عدد من القضايا الملحة وكثير من الأعداد كنا نخصصها بالكامل لمناقشة فكرة أو استعراض الجوانب الإصلاحية عند أحد المفكرين، المدهش أن مجلة " القاهرة " كانت تنفد فور صدورها وكان المثقفون يتوافدون على مقر المجلة للحصول على نسخة منها وكنا نصاب بالحرج البالغ لأن أعداد المجلة بالفعل نفدت، بل إن كثيرا من أعداد المجلة كان يعاد طبعها وتنفد أيضا في طبعتها الجديدة، وقد شهدت مطابع هيئة الكتاب حالة شديدة الغرائبية عندما اكتشفنا أن ثلاثة أعداد هي الأكثر طلبا من قبل القراء والمثقفين فقدمنا لرئيس الهيئة اقتراحا بإصدار الأعداد الثلاثة في مجلد واحد وهي الفكرة التي لم يوافق عليها الدكتور سمير سرحان مما تطلب استصدار قرار من وزير الثقافة بالموافقة على إصدار هذا العدد الاستثنائي الذي صدر أول فبراير عام 1996 في قرابة السبعمائة صفحة من القطع الكبير وضم الأعداد الخاصة عن شادي عبد السلام وطه حسين ونصر حامد أبوزيد، لكن يبدو أن الثقل الثقافي والفكري الذي كانت تمثله مجلة " القاهرة " ذالك الحين كان أكبر من أن يحتمله الواقع السياسي المصري فبدأت المضايقات تظهر شيئا فشيئا للتضييق على صناع المجلة، تارة بتأخير الصدور وتارة بحجب المكافآت وتارة باعتراض عمال المطابع على موضوع يناقش انعكاس التفكيكية على تطور نقد الشعر، وكان غالي شكري وعبده جبير ومهدي مصطفى وفتحي عبد الله وكاتب هذا المقال يحاولون جاهدين التغلب على كل هذه العقبات، غير أن محاولة إقناع السادة المبجلين عمال المطابع بأن نقد الشعر لابد وأن يتأثر بكافة الظواهر الفكرية والفلسفية الجديدة التي تظهر في الساحة العالمية سواء أكانت تفكيكية أو بنيوية، كانت هذه المحاولة وحدها كفيلة بأن تجعلنا نكفر بالشعر والقص والنقد والتفكيكية والبنيوية وجاك دريدا وليفي شتراوس نفسهماخاصة حين تجد عامل المطبعة ينظر إليك بعينيه المتربصتين وهو يشوح بيديه متهما إياك بالبعد عن جادة الصواب مع أن المشكلة في غاية البساطة وحلها أقرب إليك من حبل الوريد، ثم ينفخ دخان سيجارته في وجهك ويتركك ليواجه ماكينة الطباعة ذات الصوت الهادر وهو يعلي صوته كي تسمعه وكي يسمعه كل من حوله وهو يصرخ في وجهك معلنا بأن الإسلام هو الحل .


وهكذا بدأت أعداد المجلة تتأخر عن الصدور بالشهور لدرجة أن أحد أعداد المجلة كتبنا عليه تاريخ ستة أشهر مجتمعة، وزادت حدة المضايقات ومنعت مكافآتنا وطولبنا بالتوقيع في كشوف الحضور والانصراف تزامن كل هذا مع إصابة رئيس التحرير الدكتور غالي شكري بجلطة من العيار الثقيل، فزاد فعل المضايقات وتكاثر، ومع مرور الوقت أصبحنا نعمل في مجلة لا تصدر على الإطلاق وشيئا فشيئا بدأت خيوط المؤامرة تتضح لنا، فالتصريح الأساسي لإصدار " القاهرة " كان أسبوعيا وفي بدايات إصدارها أوائل الثمانينيات كانت تصدر صباح كل ثلاثاء بشكل أسبوعي حين كان يرأس تحريرها الكاتب عبد الرحمن فهمي وكل كتاب مصر الذين تقترب أعمارهم من الخمسين فما فوقها يتذكرون " القاهرة " الأسبوعية وكثير منهم كان ينشر فيها، وهكذا وجد وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني ترخيصا جاهزا لدورية أسبوعية تابعة لوزارته يمكنها أن تحقق حلمه وتتحدث عن إنجازاته وتنشر صوره بالحجم الكبير وتروج للوحاته ومعارضه الدورية بل وتذهب كاميرات مصوريها إلى بيته الخاص لتنقل للقراء ذوقه الخاص في توزيع الأثاث في أركان منزله، ووقع اختياره على الكاتب الكبير رجاء النقاش ليرأس تحرير مجلته المنشودة، حضر إلينا الدكتور سمير سرحان في مقر المجلة المغتصبة وأخبرنا أن المجلة سيتغير اسمها من مجلة " القاهرة " إلى مجلة " الكاتب المصري " وأنه تم الاتفاق مع الكاتب الكبير أنيس منصور ليرأس تحريرها وبأنه يتعين علينا الرجوع لمقر الهيئة لحين حضور السيد أنيس منصور، كان من الواضح لنا أنها ليست أكثر من أكذوبة كبرى الغرض منها مغادرتنا للمكان والتعلق بأمل مجلة جديدة لضمان عدم الاعتراض على سرقة مجلتنا، ولما طال أمد الانتظار ذهبنا للسيد رئيس الهيئة لنواجهه بأن الأستاذ رجاء النقاش يقوم الآن بالإعداد لإصدار مجلتنا لم يستطع أن يراوغ وأخبرنا أنه اتفق مع الأستاذ رجاء النقاش أن يستعين بطاقم تحرير " القاهرة " القديم في إصداره الجديد وأن الأستاذ رجاء النقاش في انتظارنا في أي وقت بمكتبه بدار الهلال، كان الدكتور غالي شكري قد توفي وعبده جبير سافر للكويت ومهدي مصطفى التحق بالأهرام ولم يتبق من طاقم التحرير القديم الذي أشار إليه الدكتور سمير سرحان غير فتحي عبد الله وأنا فتحي عبد الله أزاح الموضوع كله من دماغه بضربة حجر شيشة واحد، وأنا واقع في هوى رجاء النقاش منذ عرفت الوقوع في هوى الكتاب، ومنذ نشر لي قصائدي في مجلة الدوحة قبل أن أبلغ العشرين من عمري، فذهبت إليه في مكتبه بدار الهلال، كان يجهز لعدد تجريبي من " القاهرة " وكان سعيدا جدا بالمجلة، أفرد أمامي ماكيت العدد التجريبي، كانت في حجم مجلة " المصور " أو أكبر قليلا وأطلعني على موادها، وأنا بدوري قدمت اقتراحا بباب خاص بالسيرة الذاتية أسميته " الدق على الذاكرة " نعرض فيه لسير كتابنا وشعرائنا ومفكرينا، رحب جدا بالفكرة وطلب مني تجهيز أربعة أبواب على الأقل، كنا هو وأنا مصدقيْن تماما لأحلامنا غير عارفين أن أحلام السيد الوزير ليست لها علاقة بأحلام المثقفين، وقبل أن أنتهي من إعداد الأبواب الأربعة تناهي إلى سمعنا خبر إزاحة رجاء النقاش من رئاسة تحرير " القاهرة " وإسنادها إلى الكاتب صلاح عيسى وتحويلها من مجلة إلى جريدة، كثير من المثقفين رفضوا تصديق الخبر واعتبروه مجرد شائعة فمن غير المنطقي أن يوافق صلاح عيسى أشهر كتاب اليسار المصري خصومة مع السيد فاروق حسني على رئاسة تحرير جريدته، غير أن العارفين ببواطن الأمور أكدوا لنا أنه من المنطقي تماما أن يحدث هذا بعد أن فتح السيد الوزير حظيرته على اتساعها لاستقطاب كل من يحمل في يمناه قلما وفي قلبه أحلاما لمنصب أو مغنم، وإن هي إلا بضعة أسابيع حتى كانت جريدة " القاهرة " واقعا فعليا وانبرى السيد رئيس تحريرها في الدفاع المستميت عن وزير الثقافة في كافة معاركه، وفي استعراض إنجازات سيادته وفي عرض لوحاته بالألوان الطبيعية وفي نشر صوره بأحجام كبيرة احتلت في بعض الأحايين نصف الصفحة طوليا، فتارة ترى سيادته واضعا ساقا على ساق، وتارة وهو ممسك بفرشاته في حالة استلهام للون الأزرق الشفيف وعيناه مركزتان على شيء ما، وتارة وهو واضع يمناه في جيب بنطاله، وتوالت أعداد الجريدة بشكل أسبوعي وقاربت من الستمائة عدد وهي في حالة رسوخ وثبات غريبتين على حالة جريدة من المفترض أن تتطور وتغير من جلدها وتستكتب كتابا آخرين، كل هذا شيء وما يفعله رئيس تحريرها مع نفسه شيء آخر لا أظن أن رئيس تحرير آخر فعله مع نفسه من قبل، فهو يصر في كل عدد أن يستقطع مساحة ضخمة وثابتة له وحده، وكأن الصفقة المبرمة بينه وبين النظام الذي أسقطه ثوار التحرير أن يدافع عن منجزات وزارة الثقافة وينشر صور الوزير ولوحاته في مقابل أن ينشر هو لنفسه ما يقدر على نشره، تستوي في ذلك كتاباته الجديدة وكتاباته القديمة، وقد بلغ استخفافه بالقاريء أنه يعيد نشر كتابات سبق له نشرها من قبل منذ يوم أو بعض يوم كأن ينشر مثلا زاوية ثابتة له بعنوان " مشاغبات " وتكتشف بعد الانتهاء من قراءتها أنها منشورة بقضها وقضيضها منذ يومين في " المصري اليوم "، ويزداد غيظك حينما يذيل مقاله بهذه العبارة " نقلا عن المصري اليوم " دون أن يبين لك ماهو سبب إعادة نشرها مرة أخرى، هذا عدا كتبه التي يعيد نشر فصولها بحيث يحتل كل فصل صفحة كاملة من الجريدة، هذا غير بابه الثابت " أزمنة وأمكنة " والذي يحتل بدوره نصف صفحة ويوقعه باسم المقريزي، وباب أخر صغير بعنوان " أنصحك أن تقرأ " هذا غير كثير من الموضوعات التي تظهر بدون اسم والمتعارف عليه في الصحافة أن كل ما ينشر بلا توقيع هو لرئيس التحرير، وهو يتعامل مع قراء الجريدة على اعتبار أنهم مثقوبو الذاكرة، فإذا ما خصص ملفا عن مفكر أو شاعر أو حادث وطني يعيد نشر مقالات سبق لنا قراءتها من قبل في دورياتها الأساسية، أما ما لايمكن تقبله من جريدة ثقافية من المفترض جديتها ونظافتها هو اعتمادها الأساسي على الموضوعات الفنية ونشر صور الفنانات الفاتنات بأحجام أكبر من حجم صورة الوزير نفسه، فالجريدة تخصص خمس صفحات كاملة للفنانات اللواتي هن مقدمات على تصوير دورهن الجديد في مسلسل الأمر الذي ساعد في دخول رئيس تحرير الجريدة صلاح عيسى نفسه للحقل الفني بعد تحويل كتاب وثائقي له عن " ريا وسكينة " إلى مسلسل درامي كتب له السيناريو والحوار السيناريست مصطفى محرم الذي سبق وأن نشرت له جريدة " القاهرة " التي يرأس تحريرها صاحب الكتاب، مذكراته المطولة مسلسلة على مدى أكثر من عشرة أعداد متوالية صب فيها جام غضبه على كثير من صناع السينما.


ثم ما علاقتنا نحن المثقفين بصدر الفنانة السورية " رغدة " لكي ينشره لنا السيد صلاح عيسى بضا طريا شهوانيا محتلا نصف صفحة طوليا لكي يكتب لنا خبرا ثقافيا من الطراز الفريد وهو أنها انتهت من تصوير " المركب " ؟ ! ثم ما علاقتنا بجسد المغنية اللبنانية " أليسا " لكي يزغلل به عيوننا ويفرده أمامنا على ارتفاع ثلاين سم وعرض عشرين سم فاتنا مثيرا منسابا كغصن البان لكي بخرج علينا بسبقه الصحفي الذي يؤكد فيه أن خبر منعها من الغناء مجرد شائعة يروجها حاسدوها ؟ !، وهكذا تظل رائحا غاديا بين تصاوير الكاسيات العاريات من الفنانات وذوي الأزرار المفتوحة من الفنانين وعلى امتداد خمس صفحات كاملة، لتعرف أن تامر حسني سيدخل البلاتوه قريبا لإغاظة منافسه الاستراتيجي عمرو دياب من خلال مسلسله الجديد الذي يتكتم على اسمه حتى الآن والذي سيتقاضى فيه أكثر من مليون جنيه في الحلقة الواحدة، أو أن حسين فهي يتورط في جريمة قتل إيمان العاصي وقبل أن يحبس محبو دنجوان السينما المصرية أنفاسهم خوفا على نجمهم المحبوب سيكتشفون أنه سيقتلها من خلال مسلسل سينمائي وليس في الواقع .


هكذا ركزت الجريدة الثقافية جل جهدها وجل صفحاتها للموضوعات الفنية وسخرت لها أقلام النقاد وأفسحت سجال النقاش ساخنا وملتهبا لتطرح على القراء الكرام الرؤى النقدية المتباينة للأفلام التي سطحت عقلية المواطن المصري وساهمت في تغييب عقله وتبسيط وعيه من عينة " حاحا وتفاحة ووش إجرام واللمبي وسيد العاطفي وخالتي فرنسا وصايع بحر " واهتمت اهتماما ملحوظا بالمعارك الناشبة بين هذه الفنانة أو تلك أو ذلك المنتج وهذا المطرب، فيما تعاملت مع الأدب والأدباء والفكر والمفكرين على اعتبار أنه عالة على الجريدة فلا تقترب منه إلا لذر الرماد، وكأن هذه الجريدة التي تصرف عليها وزارة الثقافة وتدعمها مقتطعة حصتها المالية الضخمة من نصيب الأدباء، كأنها أنشئت خصيصا للدفاع عن وزير الثقافة أيا كان اسمه ولنشر تراث المناضل اليساري سابقا صلاح عيسى وتحلية أغلب صفحاتها بأجساد ونهود فاتنات السينما المصرية ومطربات القطر اللبناني الشقيق.


أما ما يتعلق بالجانب الإبداعي فحدث ولا حرج، ليس في الجريدة كلها محرر أدبي يستطيع أن يحكم على قصة أو قصيدة ليقرر صلاحيتها للنشر من عدمه، ينتج عن ذلك نشر كلام مرصوص مليء بأغلاط النحو واللغة بل والإملاء على اعتبار أنه شعر أو قصة، وبين الحين والحين يمارس السيد صلاح عيسى هوايته الصحفية الغرائبية بإعادة نشر قصائد شهيرة لشعراء شهيرين من أمثال حجازي أو أمل أو الأبنودي أو جاهين أو نجم بمساحات كبيرة وبمصاحبة لوحات كبيرة للفنان التشكيلي فاروق حسني، صحيح أن للجريدة مستشارا أدبيا تحرص الجريدة على كتابة اسمه في الترويسة هو الكاتب الكبير علاء الديب، لكن من البين الجلي أنه لا يقرأ ما تنشره الجريدة من إبداعات ولا أعرف كيف يوافق كاتب في حجم علاء الديب على أن يكون مستشارا أدبيا لجريدة تنشر إبداعا بهذه التفاهة .


لقد تغير وزير الثقافة لكن رئيس تحرير جريدة " القاهرة " لم يغير منهجه الذي خطه لنفسه في التعامل مع من يأتي لمنصب الوزير سواء أكان فاروقا أو جابرا أو صاويا أو حواسا أو عمادا، فها هو ينشر في عدد واحد ثلاث صور لعماد أو غازي في عدد واحد، صورة في الصفحة الأولى وهو مبتسم ومرتد نظارتيه يخالط سواد شاربه بياض خفيف وفي الصفحة الثالثة صورة طولية لسيادته تصل لركبتيه وهو واقف وممسك بيسراه كتابا بينما يلوح من جيب بدلته العلوي قلم جاف، وفي الصفحة الثامنة تتكرر نفس الصورة الكبيرة بمصاحبة مقال كبير للشاعر مهدي بندق يدافع فيه عن الوزير الجديد بعنوان " مواسم الهجوم على وزارة الثقافة " .


نعم من حق المناضل اليساري القديم أن يغير نضاله فيصبح مهادنا ومطبطبا ومجاملا كما يحلو له، ويغير يساريته ويجلس في أقصى يمين اليمين، لكن الأمور – كلها – لها حدود، واحترام عقلية المتلقي ينبغي أن يوضع في الحسبان، وما كان يمكن أن نقبله قبل 25 يناير ينبغي أن نرفضه بعد هذا التاريخ، والذي يريد أن يطبل وبزمر للوزير – أي وزير – عليه أن يوقف اللحظة التاريخية بحيث لا تصل إلى 25 يناير أو يريح ويستريح، لكي لا يتكرر ما حدث، لأنه ببساطة شديدة وبعد مرور وقت قليل سيعتاد السيد عماد أبوغازي على هذا المديح الذي يكيله له أمثال الشاعر مهدي بندق وهم كثيرون ويستطيع السيد صلاح عيسى بموروثه النضالي القديم أن يبحث عنهم في أقاليم مصر وربوعها، وسوف يعتاد السيد الوزير على صوره الكثيرة في الجريدة وسوف يأتي اليوم الذي يؤنب فيه رئيس التحرير لأنه لم ينشر له صورته وهو واضع ساقا على ساق، أو وهو ممسك بقلمه في حالة استلهام لفكرة استشرافية وعيناه مركزتان على شيء ما.


وبعد


فنحن – أيها السادة الموقرون - لم نقرفص أرجلنا في مساءات ميدان التحرير يضربنا المطر ويلفحنا البرد ويشرخ الهتاف حناجرنا لكي نعرف من جريدة المناضل اليساري السيد صلاح عيسى إن كان عبد الحليم حافظ قد تزوج سعاد حسني أم ان الأمر مجرد أكذوبة أطلقها في وجوهنا – ذات نهار مشمس – الرفيق المحاور مفيد فوزي ؟ !


أظن أن أكثر من أحد عشر عاما وقت كاف تماما لإنهاء حالة اغتصاب مجلة، ووقت كاف تماما لكي نعرف من خلاله قدرات رئيس تحريرها الصحافية، ووقت كاف تماما لتفعيل أحد أهم مباديء ثورة 25 يناير وهو عودة الحقوق إلى أصحابها .


اللهم قد بلغت


اللهم فاشهد .



0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com