الاثنين، 21 يناير، 2013

تأملات وتداعيات من وحي مهرجان روتردام السينمائي


دورة جديدة وتطلعات كبيرة



بقلم: أمير العمري




يعتبر مهرجان روتردام السينمائي من أكبر المهرجانات السينمائية وأكثرها شعبية، فهو يحظى بواحدة من أعلى نسب تردد الجمهور على العروض بين مهرجانات العالم (ربما بعد برلين وتورنتو ومونتريال) فقد بلغ عدد بطاقات الدخول لمشاهدة العروض في الدورة الماضية (2012) 274 ألف تذكرة دخول. وشارك في فعاليات المهرجان التي تستمر لمدة إثني عشر يوما 2700 ضيف، ما بين سينمائيين ورجال الصحافة والإعلام.

الدورة الجديدة لعام 2013 ستقام في الفترة من 23 يناير إلى 3 فبراير، ويعتبر المهرجان أول المهرجانات الكبرى التي تقام في القارة الأوروبية في العام، في حين أن بالم سبرنج وصندانس هما أولى مهرجانات أمريكا الشمالية.

ورغم اقامة المهرجان في ذروة موسم الشتاء وسط هطول الثلوج إلا أن تدفق الجمهور على عروضه هو دائما أمر يثير الدهشة.

كنت أتردد على هذا المهرجان المتميز منذ دورة 2002 وبانتظام إلى أن انقطعت منذ سنتين فقط فلم أحضر دورتي 2011 2012، الغياب الأول بسبب ذهابي إلى القاهرة إبان الثورة المصرية التي أطاحت بحكم الرئيس حسني مبارك لكنها لم تسقط النظام السياسي العتيق بعد بل أتت نتيجة لعوامل عديدة، بقوى رجعية شديدة التخلف، إلى السلطة. والثانية بسبب ذهابي إلى مهرجان برلين الذي يقام بعد أيام من ختام مهرجان روتردام.

هذا العام قررت قبول دعوة مهرجان روتردام ومهرجان برلين على أن أنتهي من الأول فألحق بافتتاح الثاني. وسوف أحرص على الكتابة اليومية من كلا المهرجانين، سواء لهذا الموقع أو لغيره أو لتدوين يومياتي الشخصية في مدونتي (حياة في السينما) التي أعتز بها كثيرا.

أعلم أن المنافسة تكون عادة شديدة الصعوبة بين مهرجاني روتردام وبرلين اللذين يقاما في فترة زمنية متقاربة كثيرا، لكن ما يميز روتردام أنه يركز في مسابقته الرئيسية للأفلام الروائية الطويلة على الأفلام الأولى والثانية لمخرجيها، أي أنه لا يعرض في المسابقة أفلاما لكبار السينمائيين على غرار ما يفعل مهرجان برلين مثلا رغم حرصه أيضا على تقديم اكتشافات جديدة متميزة بقدر الإمكان.


تفاصيل وأرقام
في شفافية كاملة أعلن مهرجان برلين تفاصيل رقمية تتعلق بدورته الجديدة الثانية والأربعين ربما تكون مفيدة بالنسبة لنا حتى نعرف أين نقف من مهرجانات السينما العالمية، ونحدد مستوانا بالضبط ومستوى القائمين على أمور الثقافة في بلادنا الذين لا يولون اهتماما حقيقيا بالسينما أو بالمهرجان السينمائي تحديدا كونه أحد أهم أسس الثقافة السينمائية، فوزراء الثقافة العرب هم عادة من كبار الموظفين البيروقراطيين الذين يميلون فكريا، إلى اليمين الرجعي المتخلف، ولا أقول المحافظ، وهم بالتالي يعادون السينما وينظرون إليها في احتقار، باعتبار أنها مجرد ألاعيب مصورة للرقص والغناء (الذي يعتبره البعض حاليا من الآثام والخطايا).. ومن يدري ما يحدث غدا!


لقطة من فيلم الافتتاح "إحياء وغد"

المهم أن مهرجان روتردام أعلن أنه سيعرض هذا العام 589 فيلما، منها 255 فيلما روائيا وتسجيليا طويلا، و334 فيلما قصيرا.

من بين هذه الأفلام، 44 فيلما تعرض للمرة الأولى عالميا، و34 فيلما تعرض للمرة الأولى خارج بلد المنشأ، و30 فيلما تعرض للمرة الأولى في أوروبا.

أما عدد الضيوف في هذه الدورة فيبلغ تحديدا 2000 ضيف مقسمة بين 500 ضيف من هولندا، و1500 من بلدان العالم المختلفة.


مهرجانات العرب للعرب!
أرجو أن يعذرني القاريء على اختيار هذا العنوان الفرعي فهو مستمد من الشعار الذي رفعه حزب البعث العربي "الاشتراكي" (أرجو أن ننسى تماما هذه الكلمة، أي "إشتراكي" لأنها كانت مجرد ديكور لكل أحزاب ذلك الزمان!). وما أقصده أننا حقا نقيم مهرجانات نعتبرها "دولية" في حين ان البعض في بلادنا يعتبر وجود السينمائيين والنقاد الأجانب فيها "مبالغة" لا لزوم لها!

يسيطر على مهرجاناتنا الجميلة بشكل عام، الجهلاء والأدعياء وفرق المرتزقة المنتفعون، والباحثون عن النهب الذين يوزعون المغانم على بعضهم البعض، وبعض الصحفيين سيئي السمعة الذين يترممون على السينما (وبعضهم طرد من مهرجانات دولية بعد اكتشاف قيامهم بسرقة بعض محتويات غرف الفنادق التي اقاموا بها في وقائع ثابتة مخزية!!)، هذه المهرجانات سيئة السمعة، عندما تستضيف 100 أو 120 ضيفا، يرقص أصحابها طربا، ويقف رئيس المهرجان (وهو منصب عادة يتوارى في الظل في مهرجانات العالم المحترمة ليفسح المجال للمدير الفني المحترف، وعادة أيضا ما لا تكون له أدىنى علاقة بفن السينما أو بعالم الثقافة وهي سمة عامة لا نستثني منها أي مهرجان عربي) يقف هذا الشخص فوق خشبة المسرح في حفل الختام لكي يتباهى بأنه دعا مائة ضيف أو يزيد، وكأنه فتح الأندلس!

كان وزير ثقافة سابق معروف بـ"وزير الحظيرة" يعلن ويتباهى، هو ونقاده المهللون له، بأنه سيجعل ميزانية مهرجانه "الكبير جدا" مليون يورو، ولكن ها هو مهرجان روتردام (الذي لا يعد من مهرجانات الدرجة الأولى مثل كان وبرلين وفينيسيا وتورنتو) يعلن بكل وضوح وشفافية أيضا أن ميزانيته هذا العام تقلصت لتصبح سبعة ملايين و300 ألف يورو، أي ما يقرب من عشرة ملايين دولار. والغريب أن مهرجانات العالم العربي "الغنية جدا بالمال" لا تعلن قط، في مطبوعاتها الرسمية، عن أرقام ميزانياتها، ولا كيف تنفق الأموال التي تنهال عليها من كل حدب وصوب، بل عندما تطلب من النقاد تقديم خدماتهم لها مثل المشاركة بورقة بحث مثلا في مؤتمر ما، فإنها تتظاهر بالفقر وضيق ذات اليد، بل ولا يدفع معظمها مقابلا ماديا لأعضاء لجان التحكيم، في حين أنها تطلب أن يكرس الناقد من وقته وجهده، أسبوعين كاملين لمشاهدة وتحكيم الأفلام ضمن لجنة تحكيم دولية على أن يكون العمل تطوعيا، في حين أن ملايين الدولارات تنفق يمينا ويسارا على الحفلات والاستعراضات واستضافة الكثيرين ممن لا ناقة لهم ولا جمل في السينما، بل يكتفى عادة باستضافة الأصدقاء والأعوان الذين لا يوجهون نقدا، بل يمتدحون المدير والمسؤول ويقبلون الأيدي ويشكرون!


ملصق الدورة الـ42 من مهرجان روتردام

وقد كان لنا تجربة شخصية العام الماضي، في الاعتذار عن الالتحاق بعضوية لجنة التحكيم في أحد المهرجانات الدولية التي تقام في منطقة الخليج بسبب منطق "السخرة" الذي يطبق هناك.

مهرجان روتردام الذي انقطعت عنه قبل عامين، ليس من المهرجانات التي يتصور العرب أنها لا تعرف ولا تدري ولا تقرأ ما يكتب أو ما ينشر حولها من نقد بمختلف اللغات، بل تحرص هذه المهرجانات عادة على ترجمة ما يبعث به النقاد العرب وغير العرب، من كتابات قد تحمل أحيانا، انتقادات شديدة. وكان مهرجان كان قد أرسل قبل عدة سنوات استطلاعا إلى النقاد الذين يحضرون دوراته طالبهم فيها بالاجابة على عدد من الأسئلة، وكتبت شخصيا انتقادات كثيرة لأسلوب وطريقة العمل في أكثر من جانب من جوانب المهرجان، لكن هذه الملاحظات وغيرهاـ تقابل عادة بكل احترام وتقدير ولا يترتب عليها سوى مزيد من الاهتمام بالصحافة النقد.

ولعل ما حدث أخيرا هو أقرب مثال على ذلك. فبعد ان انقطعت عن التردد على المهرجان لدورتين، تم الاتصال بي (وبغيري) وسؤالهم عن سبب هذا الانقطاع، وهل هناك شيء أغضبنا وكيف يمكن إصلاح الخطأ.. إلخ

هذا نموذج على الفرق بين مهرجانات المحترفين الذين يسعون لجذب المثقفين إلى مهرجاناتهم وبين مهرجانات الست انشراح والسيد أبو الزلمكات!


أقسام المهرجان
يفتتح المهرجان هذا العام بالفيلم الهولندي "عودة وغد إلى الحياة" The Resurrection of a Bastard  للمخرج جويدو فان دريل، وهي المرة الأولى التي يفتتح المهرجان بفيلم هولندي منذ عام 1998. أما فيلم الختام فهو فيلم "الفران"Stoker  للمخرج الكوري بارك شان ووك وهو أول أفلامه الناطقة باللغة الإنجليزية، وتقوم بدور البطولة فيه نيكول كيدمان. وهو من أفلام الرعب الحديثة الطابع.


لقطة من فيلم الختام "الفران"

ينظم المهرجان مسابقتين: الأولى مسابقة "النمر" للأفلام الروائية الطويلة (الأولى والثانية) للمخرجين الشباب التي تضم هذا العام 16 فيلما وتتسابق على الجوائز الثلاث: الذهبية والفضية والبرونزية (تعرف بجوائز النمر وهو رمز مدينة روتردام تماما كما الأسد رمز مدينة فينيسيا- البندقية.

والمسابقة الثانية للأفلام القصيرة وتشمل 23 فيلما. ويحدد منظمو هذا المهرجان زمن الفيلم القصير بما لا يزيد عن 60 دقيقة على العكس من مهرجانات أخرى تعتبر المدة الزمنية للفيلم الذي يوصف بالقصير لا تزيد عن 40 دقيقة.

بعد المسابقتين هناك ثلاثة أقسام رئيسية هي "المستقبل المشرق" Bright Future  الذي يعرض الأفلام الأولى والثانية للمواهب السينمائية الجديدة في العالم وهي أفلام لم تضم للمسابقة.

والقسم الثاني (خارج المسابقة) وهو بعنوان "طيف" Spectrum  ويعرض مجموعة من الأفلام الحديثة التي اخرجها كبار السينمائيين المرموقين في العالم ومنها ما قد يكون قد عرض في مهرجانات أخرى، وهي مفيدة لتعويض ما فات على الناقد مشاهدته في زحام المهرجانات السابقة خلال العام الماضي أو اكتشاف الأعمال الجديدة. وتشمل هذه الأعمال الأفلام الطويلة والقصيرة (يبلغ عدد الأفلام القصيرة في هذا القسم 186 فيلما).

القسم الثالث خارج المسابقة بعنوان "علامات" Signals  ويشمل برامج مختلفة للاحتفاء بأعمال مخرج معين، أوتسليط الضوء على سينما محددة أو اتجاه سينمائي معين. هذا العام مثلا سيتم تسليط الاضواء على أعمال المخرجة الروسية كيرا موراتوفا، وأفلام المخرجة الألمانية دومنيك جراف، كما سيتم الاحتفاء بتجارب مهمة جديدة في السينما الإيرانية سواء من تلك الأفلام التي تصور سرا في إيران، أو خارج إيران. وجدير بالذكر أن المهرجان دعا وفدا كبيرا من السينمائيين الإيرانيين يبلغ عدد أفراده 14 ضيفا في صحبة 20 فيلما.
  
هناك أيضا اهتمام خاص باعادة اكتشاف الكثير من الأفلام السينمائية "المجهولة" التي يتم العثور  عليها من جانب خبراء الأرشيف السينمائي في هولندا وغيرها من البلدان الأوروبية (سيعرض الكثير منها هذا العام)، وموسيقى الأفلام المتميزة.

ومن أهم ملامح مهرجان روتردام السوق السينمائية الكبرى التي تقام في صلب (وليس على هامش) المهرجان، وتقدم خلالها منح الانتاج المعروف لمؤسسة "هيوبرت بالس" التي تحمل إسم مؤسس المهرجان، وتدعم الكثير من مشاريع الأفلام القادمة من أوروبا والعالم الثالث.

أفلام العرب
تشارك المخرجة مها مأمون من مصر بفيلمها القصير "2026" (9 دقائق)، ويشارك المخرج المصري الشاب محمود خالد بفيلمه التجريبي "الرفقة" (11 دقيقة)، والفيلمان بعيدان تماما عن الثورة والأحداث السياسية، وهناك فيلم مصري – ألماني مشترك قصير بعنوان "حصاد" Crop(52 دقيقة) للمخرج مروان عمارة والألمانية جوانا دمك، وهو فيلم تسجيلي تجريبي يتناول بطريقة ساخرة تسلسل القادة السياسيين على حكم مصر وكيف ينظر إليهم صانعا الفيلم خصوصا في استخدامهم لوسائل الإعلام.

المخرجة الشابة مها مأمون تقدم ايضا تجربة أخرى لفيلم تسجيلي قصير (8 دقائق) عن اقتحام المتظاهرين والثوار المصريين لمقرات شرطة امن الدولة والفيلم بعنوان "زائر الليل: ليلة إحصاء السنين".

وهناك فيلم تجريبي قصير بعنوان "الزمن يسخر منك كسفينة غارقة" لمخرج شاب هو باسم مجدي من مصر الذي حصل على دعم من سويسرا لعمل هذا الفيلم الذي يتناول مفهوم الزمن مع مزج بموسيقى من تأليف مجدي.

ومن إخراج محمد زيان وإسلام زين العابدين يعرض الفيلم التجريبي القصير "80 مليون" عن استعادة المصريين للسلطة.

وفي إطار الفيلم التسجيلي التجريبي تعرض اللبنانية مروة مارسينوس فيلما قصيرا بعنوان "سمعت قصصا: الجزء الأول" عن قصص غامضة تعيد البحث فيها حدثت في فندق أصبح مهجورا في الوقت الحالي، وتتعلق بالعلاقات المثلية.

ويعرض اللبناني روي ديب فيلما بعنوان قصيرا بعنوان "تحت قوس قزح" (17 دقيقة) يتخيل فيه أن والديه قتلا اثناء الحرب الأهلية اللبنانية ويعود إلى لقطات أرشيفية من تلك الحرب.

ويعرض محمود خالد من لبنان أيضا فيلما تجريبيا بعنوان "في الخامسة بعد الظهر" (6 دقائق).

ومن الإنتاج المشترك بين فرنسا والجزائر، يشارك فيلم المخرج رشيد جيداني "تراجع" Rengaine  الذي عرض في اسبوعي المخرجين بمهرجان كان الأخير وحصل على جائزة النقاد التي تمنح لأفضل فيلم في هذا القسم، وسيعرض في قسم "المستقبل المشرق"، وهو فيلم روائي طويل (75 دقيقة) يدور في باريس حول علاقة الحب التي تربط  بين جزائرية وشاب أسود من اصل أفريقي ومعارضة أشقاء الفتاة بشدة لزواجهما.

ويعرض في قسم الأفلام القصيرة فيلم قصر (أيضا من الإنتاج المشترك بين الجزائر وفرنسا) مدته 3 دقائق باسم "بدون عنوان" للمخرجة كاتيا كميلي، وهو فيلم تجريبي.

ويعرض في قسم "طيف" فيلم "ياخيل الله" للمخرج المغربي نبيل عيوش وهو من الإنتاج المشترك مع فرنسا وبلجيكا. وسبق عرضه في مهرجان كان السينمائي.

والملاحظ أن عدد الأفلام المشاركة من العالم العربي قل بشكل ملحوظ بل يلاحظ غياب الأفلام الروائية الطويلة للمخرجين العرب ومن الإنتاج العربي بالكامل غيابا تاما، ولعل مرجع ذلك إلى غياب مبرمج متخصص مثل انتشال التميمي، الذي كان يلعب دورا بارزا في اختيار وترشيح الأفلام العربية لإدارة المهرجان. وقد اضطر انتشال لترك العمل مع مهرجان روتردام بعد ارتباطه بمهرجان أبو ظبي السينمائي.
عموما في جعبة المهرجان الكثير من الكنوز التي سنكتشفها ونكشف عنها تباعا إذا استطعنا بالطبع!

0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com