الأربعاء، 29 أغسطس، 2012

اليوم افتتاح الدورة الـ69 من مهرجان فينيسيا السينمائي




لقطة من فيلم الافتتاح "الأصولي المتردد"




مشاركة عربية وإسرائيلية كبيرة



أمير العمري- فينيسيا



تفتتح مساء اليوم (الأربعاء 29 أغسطس) على شاطيء الليدو الدورة التاسعة والستون من مهرجان فينيسيا (البندقية) السينمائي الدولي التي تحتفل هذا العام بمرور ثمانين عاما على تأسيس المهرجان.

وتتواصل عروض وفعاليات الدورة حتى الثامن من سبتمبر حينما تعلن نتائج المسابقات، وأهمها جائزة الأسد الذهبي لأحسن فيلم والتي تنص لائحة المهرجان على عدم الجمع بينها وبين جوائز التمثيل والإخراج عن نفس الفيلم.

وكان المهرجان قد توقف 11 سنة غير متصلة، تارة بسبب الحرب العالمية الثانية، وتارة أخرى بسبب الاضرابات والاضطرابات العمالية والسياسية التي شهدتها ايطاليا في السبعينيات.

يتوقع أن تتميز الدورة الجديدة بسبب تدقيق المدير الجديد العائد إلى المهرجان ألبرتو بابيرا، في اختيار الأفلام، وتقسيم البرنامج بل وفي تأسيس سوق صغيرة لتبادل وشراء الأفلام للمرة الأولى.

فيلم الافتتاح هو فيلم "الأصولي المتردد" The Reluctant Fundamentalist  للمخرجة الهندية الأصل ميرا ناير (التي اشتهرت بفيلم سلام بومباي).

وكان باربيرا قد تولى إدارة المهرجان في الفترة من 1999 الى 2002 قبل أن يتولى ادارته ماركو موللر الذي استمر في منصبه لثماني سنوات وترك فينيسيا لكي يصبح مديرا لمهرجان روما السينمائي في محاولة لانقاذ مهرجان العاصمة الذي فشل منذ تأسيسه في منافسة أعرق مهرجانات الأرض السينمائي، فينيسيا- البندقية.

مسابقة المهرجان تشهد عرض 18 فيلما روائيا طويلا من بينها فيلم إسرائيلي ينافس على الجوائز هو فيلم "املأ الفراغ" اخراج راما بيرشتاين.

وبالاضافة الى فيلم المسابقة من إسرائيل هناك فيلمان للمخرج الاسرائيلي آموس جيتاي هما :كارمل" الذي سيعرض في قسم "آفاق"، وفيلم "أغنية قبل النوم لوالدي" الذي يعرض خارج المسابقة.

وهناك أيضا من إسرائيل فيلم "الرجل الذي يقطع الماء" The Cutoff Man  وهو من اخراج إيدان هوبيل وسيعرض أيضا في قسم "آفاق".

اما في تظاهرة "أيام فينيسيا"- وهي تظاهرة موازية للمهرجان، فسيعرض بها الفيلم الإسرائيلي "مقدمة: خيوتا وبيرل" للمخرج عمير مانور.

وهناك فيلم إسرائيلي- فرنسي- فلسطيني ايضا هو فيلم "ماء" الذي سيعرض في افتتاح قسم "أسبوع النقاد" الذي ينظمه اتحاد نقاد السينما في ايطاليا. وهو من إخراج ثلاثة سينمائيين هم الاسرائيليان نير سار ومايا سرفاتي والفلسطيني محمد فؤاد. والفيلم من إنتاج جامعة تل أبيب ضمن مشروع لتشجيع الطلاب على الاهتمام بالتعبير من خلال السينما.

بهذا يبلغ عدد الأفلام الإسرائيلية في المهرجان بكل اقسامه ستة افلام.

اما الأفلام القادمة من العالم العربي أو من إخراج مخرجين عرب، فيبلغ عددها أيضا ستة أفلام.

أول هذه الأفلام الفيلم المصري "الشتا اللي فات" للمخرج ابراهيم البطوط (صاحب عين شمس والحاوي) من بطولة وانتاج الممثل عمرو واكد. وهو أحد الأفلام المستقلة التي تدور حول موضوع الثورة المصرية وتناقضاتها.

وهناك الفيلم التونسي التسجيلي الطويل لهند بوجمعة بعنوان "كانت أفضل غدا"، وهو أيضا من الأفلام التي تصور أحداث الثورة التونسية من وجهة نظر فتاة، وسيعرض في قسم "العروض الخاصة" خارج المسابقة.

ومن اخراج الممثلة الفلسطينية هيام عباس، ومن الإنتاج الفرنسي الإسرائيلي الفلسطيني، يأتي فيلم "الميراث"Inheritance  الذي تدور أحداثه في قرية فلسطينية في شمال إسرائيل، حيث يتصارع مجموعة من الأبناء حول الميراث بينما يرقد والدهم على فراش الموت، في حين تدور قصة حب في الخلفية، بين فتاة من العائلة وشاب مسيحي. وسيعرض الفيلم في تظاهرة "أيام فينيسيا".

ومن الجزائر يأتي فيلم "يامة" للمخرجة جميلة صحراوي التي سبق أن قدمت فيلمها المدهش "بركات" (2006). ويتناول الفيلم الذي سيعرض ضمن قسم "آفاق" ويروي الفيلمقصة صمود أم بعد أن مقتل ابنها على يدي شقيقه الذي يتزعم جماعة إسلامية متطرفة في إحدى قرى الجزائر. وشأن معظم ما يمثل الجزائر من أفلام فالفيلم من الإنتاج المشترك مع فرنسا.

أخيرا هناك أول فيلم روائي طويل لمخرجة سعودية هي هيفاء المنصور التي ستقدم فيلمها الجديد (من الإنتاج الألماني) "وجدة" في قسم "آفاق" أيضا.

السبت، 25 أغسطس، 2012

خليل الدمون: ليس من حق مديرالمركز السينمائي المغربي إقصاء النقاد!

خليل الدمون



جمعية نقاد السينما ومهرجان خريبكة وادارة المركز السينمائي


حوار مع خليل الدمون




تضمن العدد 13 من جريدة "خريبكة الآن"، أغسطس 2012، ملفا هاما حول الدورة 15 لمهرجان السينما الافريقية ، مكونا من عدة مواد من بينها حوار مع رئيس الجمعية المغربية لنقاد السينما الأستاذ خليل الدمون أجراه الصحافيان نجيب مصباح وعادل حسني.

ونظرا لأهمية ما جاء في هذا الحوار من ملاحظات وانتقادات تهم مهرجان السينما الافريقية بخريبكة تحت ادارة المدير العام الحالي للمركز السينمائي المغربي، الذي هو في الآن نفسه رئيس مؤسسة المهرجان المذكور، نعيد نشره تعميما للفائدة. فيما يلي نص الحوار:


 سؤال 1 : نود منك في البداية أن تحدثنا عن الوضعية الحالية للجمعية المغربية لنقاد السينما؟
جواب: وضعية الجمعية المغربية لنقاد السينما بألف خير. داخليا وبعد الجمع العام الأخير استطاعت الجمعية أن تستقطب أسماء جديدة وهي لشباب يحبون السينما ويحبونها بعمق كبير، وقد أصبحنا نكتشفهم ونكتشف عطاءاتهم وإنتاجاتهم وعمق تحليلاتهم مثل محمد البوعيادي وعادل السمار وفاطمة إيغوضان وعبد الخالق صباح وعبد النبي داشين ، إضافة إلى نقاد آخرين أكدوا حضورهم بشكل كبير في العشر سنوات الأخيرة كمحمد اشويكة وبوشتى فرقزايد ونور الدين محقق ومبارك حسني ، دون أن ننسى ركائز النقد السينمائي في المغرب المتمثلة في محمد كلاوي وحمادي كيروم ومولاي ادريس الجعيدي ومحمد صوف وعمر بلخمار وعبد الجليل لبويري والراحلين نور الدين كشطي ومحمد سكري . وتتبلور قيمة عطاءاتهم في مؤلفاتهم ومداخلاتهم في الندوات واللقاءات والمهرجانات ، وفي كتاباتهم على صفحات الجرائد والمجلات الوطنية والدولية. ولا يمكن أن تخلو أية تظاهرة سينمائية في المغرب من حضورهم لأنهم أصبحوا يؤثثون المشهد النقدي المغربي ولا يمكن تجاوزهم بأي حال من الأحوال.

أيضا استطاعت الجمعية أن تنظم تظاهرات هامة في السنتين الأخيرتين على المستوى الوطني وبتعاون مع هيئات ومؤسسات جامعية وجمعيات المجتمع المدني بحيث مكنتنا من ملامسة أهم القضايا المرتبطة بالنقد السينمائي وبالثقافة السينمائية وبالسينما في المغرب بوجه عام. كما تمكنا من فرض رأي الناقد في المهرجانات وفي كل المحافل السينمائية وأصبح الرأي العام قادرا بشكل كبير على التمييز بين الناقد الحقيقي  الذي يشتغل باستمرار على ملفات سينمائية معينة والناقد الذي يدعي أنه ناقد لكنه لا يشتغل إلا في مناسبات معينة أو عند الطلب.

أؤكد لك بأن النقد السينمائي في تطور واضح وملموس بالرغم من التمييع الذي يلحق به من طرف الإدارة الوصية على قطاع السينما في المغرب ، التي ما فتئت تدعي أن النقد السينمائي في المغرب ضعيف وهزيل ، وبالرغم من أن على رأس هذه الإدارة ناقد سينمائي اشتغل مع النقاد الحاليين منذ مدة ، لما كنا في الجامعة الوطنية للأندية السينمائية بالمغرب، وللأسف الشديد تعمل هذه الإدارة كل ما في وسعها لقتل النقد السينمائي في المغرب عن طريق إقصاء النقاد من لجن التشاور والتحكيم وتنظيم المهرجانات، وإغراء بعضهم بتعويضات وأسفار، وتفضيل التعامل معهم كأفراد لا كجماعة منتمية لجمعية ، من أجل تشتيتهم ، وخلق هيئات صورية لمحاربة الجمعية الأم، إلى غير ذلك من محاولات التضييق والتدجين، وهي بذلك تتمنى أن تعرف الجمعية المغربية لنقاد السينما حياة على شكل موت سريري تماما كما هو الحال بالنسبة للجامعة الوطنية للأندية السينمائية التي يتم التفرج عليها وهي تحتضر بدلا من القيام بإنقاذها. والغريب في الأمر أن مدير المركز السينمائي المغربي كان من المؤسسين لهذه الجامعة واستطاع أن يصل إلى ما وصل إليه بفضل هذه الجامعة وبفضل أطر هذه الجامعة  .

 سؤال 2 : يعرف الجميع أن لك علاقة وطيدة بمهرجان خريبكة السينمائي ، ماهي أبرز مميزات هاته العلاقة بالأمس واليوم؟
        جواب: شخصيا أعتبر نفسي من أبناء المهرجان، وأقول بكل تواضع، كنت من المجموعة التي ساهمت في بناء هذا الصرح منذ لحظاته الأولى سواء كممثل لنادي طنجة السينمائي أو كعضو في المكتب الجامعي الذي كان يسهر على أن يبقى للأندية السينمائية حضور متميز في المهرجان سواء من خلال البرمجة أو من خلال تسيير النقاش أو الجلسات الليلية. وكنا نناقش في اجتماعات المكتب الجامعي التفاصيل الدقيقة لكل دورة من دورات المهرجان.
        كما كان لي الشرف أن أكون عضو لجنة المصالحة بين المجلس البلدي لخريبكة والمكتب الجامعي في التسعينات لما كانت العلاقة تصل أحيانا  إلى الباب المسدود حيث كانت تنادي أطراف معينة إلى ضرورة مقاطعة المهرجان أو نقله إلى مدينة أخرى.  
ولن أنسى التغطيات والبرامج الليليلة التي كنت أنجزها لإذاعة طنجة من داخل المهرجان في كل دورة والتي كانت حقيقة علامات بارزة في العمل الإعلامي آنذاك.
        لما أسسنا جمعية النقاد حاولنا دائما احترام مسار المهرجان وكانت مشاركاتنا إيجابية بالرغم من أن إدارة المهرجان كانت ولا زالت تفضل التعامل معنا كأفراد: قدمنا الإصدارات الجديدة وشاركنا في مناقشة الأفلام وقدمنا في إحدى الدورات جائزة النقد كما كانت الأندية السينمائية تقدم جائزة السينيفيليا. إضافة إلى أننا أصدرنا عددا خاصا بمهرجان خريبكة  من مجلة "سينما"  التي كنا نصدرها.

سؤال 3 :سجلت الفعاليات المهتمة بالفن السابع عدم حضورك لمهرجان خريبكة ، ما السبب وراء ذلك؟ كما أصدرتم بيانا احتجاجيا على هامش الدورة 15 لمهرجان السينما الافريقية بخريبكة، ماهي الخلفيات المتحكمة ذلك؟
جواب:  بكل بساطة ، لم أحضر لأنني لم أتوصل بدعوة للحضور والمشاركة، أو لنكن صريحين ، اتخذ رئيس المؤسسة ومدير المهرجان قرارا بإقصائي من الحضور كباقي الإخوة الذين ينتمون للجمعية إضافة إلى كل من تشم منه رائحة معارضة للطريقة التي يدبر بها الشأن السينمائي في بلادنا. والحقيقة أن إدارة المؤسسة تضع في كل دورة لائحة تعرف عندنا وعند الكثيرين باللائحة السوداء. وهذه اللائحة تضم أسماء النقاد والمخرجين والصحفيين الذين لا يمكن لهم أن يتفقوا دائما مع قرارات رئيس مؤسسة مهرجان خريبكة الذي هو في نفس الوقت مدير المركز السينمائي المغربي. فمثلا على لا يمكن أن نتصور حضور محمد العسلي أو سعد الشرايبي أو أحمد المعنوني في مهرجان خريبكة أو يتم استدعاء أحمد سيجلماسي أو يوضع اسم ناقد من جمعيتنا في لجنة من لجن التحكيم، وعلى ذكر لجن التحكيم، في إحدى الدورات السابقة كان الإخوة الذين يعملون في المؤسسة قد اقترحوا بحسن نية اسم ناقد من جمعيتنا ليكون عضوا في لجنة التحكيم، وفعلا تم الاتصال به فقبل، وظل عضوا في لجنة التحكيم لمدة 15 يوما تقريبا إلى أن جاء القرار العلوي للتشطيب عليه نهائيا فعاد الإخوان للاتصال به من جديد للاعتذار له.

نور الدين الصايل

واللائحة السوداء هته تضم كل من تسول له نفسه مناقشة أو معارضة قرار أو فكرة لرئيس المؤسسة سواء كانت هذه المعارضة لها ارتباط بمهرجان خريبكة أم لا. ولذلك كنا نضحك كثيرا مع المرحوم محمد سكري ، الذي كان اسمه يندرج كثيرا في هذه اللائحة ، لأنه كان يحب المهرجان ويحب السينما الإفريقية وكان يمنع أحيانا من الحضور. وبكامل الوقاحة يأتي اليوم رئيس المؤسسة لينظم له تكريما ويقول فيه كلاما منمقا وهو الذي لم يزره قط وهو على فراش الموت بالمصحة ولم يتبع نعشه عند الجنازة. شأنه في ذلك شأن المرحوم نور الدين كشطي الذي كان صديق المهرجان لكن الصايل  تنكر له عندما طلبنا منه أن يساهم كباقي الأفراد والمؤسسات في مساعدة أسرته وأبنائه الذين هم في حاجة إلى مساعدة حقيقية ، لكن لا حياة لمن تنادي...
والحقيقة أننا نتحمل جميعا مسؤولية كبيرة عندما كنا نسكت على كثير من الأشياء التي كانت تحدث في المهرجان، وهي كثيرة وسيأتي وقت الإفصاح عنها لاحقا، على اعتبار أن المهرجان مهرجاننا تربينا وترعرعنا فيه وبالتالي يمكن غض الطرف أحيانا، إلا أن غض الطرف أدى بنا إلى الوضعية الراهنة لأننا كلما غضضنا طرفنا كلما تمادى رئيس المؤسسة في جبروته بحيث أصبح يتصور نفسه الحاكم المطلق في المهرجان ولا أحد يمكن أن يتجرأ على مفاتحته في أمر من الأمور.

سؤال 4 : هل يمكن القول اليوم أن الإدارة المنظمة للمهرجان برئاسة نور الدين الصايل أصبحت تتخوف من النقاد ونقاشاتهم؟ وهل يمكن أن نعتبر ذلك تخوفا استباقيا لخلافة نور الدين الصايل في مهمة مدير المركز السينمائي؟
جواب : هوية الناقد الحقيقي تكمن أساسا في المكاشفة والمصارحة وتتبع مسار الملفات السينمائية لأن ذلك يساعده أكثر على فهم ما يجري وتمثل مكامن القوة والضعف في مسار المهرجانات السينمائية بالمغرب، كيف نشأت ؟ وكيف تطورت؟ وكيف أصبحت تعرف فتورا ملحوظا في الخمس سنوات الأخيرة حتى أن بعض المهرجانات لا يهتم فيها منظموها إلا بحفلي الافتتاح والختام؟، أما ما عدا ذلك فلا يهم. بالنسبة لمهرجان خريبكة كانت الأمور سجالا بين جهتين أساسيتين في التنظيم: الجامعة الوطنية للأندية السينمائية والمجلس البلدي دون أن ننسى دعم المكتب الشريف للفوسفات.
 لكن باحتضار الجامعة وتخلي المجلس البلدي عن دوره الأساسي في الاقتراح والتتبع والمراقبة ترك المجال مفتوحا أمام الرأي الواحد الأحد في اختيار الأفلام وضبط لائحة الضيوف المغاربة والأجانب، واختيار لجن التحكيم ووضع البرنامج الكامل لكل دورة حسب مزاج واحد، الأمر الذي جعل المهرجان في السنوات الأخيرة يدخل حالة روتينية قاتلة لا ابتكار فيها ولا إبداع... لحد أننا أصبحنا نعرف مسبقا، بعد الاطلاع على لائحة الأفلام المشاركة في المسابقة، من سيفوز بالجائزة؟ وكيف؟... ولا أدل على ذلك من المهزلة التي حصلت في إحدى الدورات الأخيرة حيث حصل فيلم عادي جدا على الجائزة الكبرى للمهرجان أمام تحفة سينمائية من إثيوبيا.

أما ندوات المهرجان فلا قيمة علمية لها بحيث تعالج مواضيع فضفاضة كالسينما والتنمية والإنتاج المشترك في إفريقيا، ندوات يسيرها طيلة هذه السنين كلها رئيس المؤسسة وحده كما يسير كل اللقاءات وغالبا ما تدور حول شخصه كما كان الحال في السنة الماضية حيث نظم لقاء مع الشباب ولقاء مع النساء.

أما علاقاته بالنقاد وخاصة مع الجمعية المغربية لنقاد السينما فهي جد متوترة لأننا لا نترك هذه الأمور تمر مرور الكرام. من حق السيد مدير المركز السينمائي المغربي ألا تعجبه طناطن النقاد ولكن ليس من حقه أن يقصيهم من المشاركة. عليه أن يتعامل مع الجميع بالمثل: فإذا كان سبب عدم دعوتنا للحضور في المهرجان يعود إلى قلة أماكن الإقامة كما صرح بذلك السيد المندوب العام لوسائل الإعلام فإنني أؤكد أن مشكل الإقامة لم يكن مطروحا بالنسبة لكثير من المدعوين الآخرين حتى لا أقول كلاما آخر.

أما من سيخلف المدير الحالي في المركز فإن ذلك لا يعنينا إطلاقا كجمعية سوى أننا نأمل أن تتغير  السياسة العامة التي يدبر بها الشأن السينمائي في بلادنا سواء تحت إدارة المدير الحالي أو الذي سيخلفه.  فالمغرب عرف تحولات لا بأس بها على المستوى السياسي والثقافي والاجتماعي كما تغيرت رؤى الناس وعقلياتهم، فليس من حق أي أحد أن يستمر في استبلاد  الناس ولم يعد أحد يتحمل الخطاب الوحيد وخاصة في المجالين الثقافي والفني.

سؤال 5 : ما هو موقف الشركاء الآخرين وباقي المهتمين من هذا الإقصاء؟
جواب : للأسف الشديد هناك صمت مطبق على ما يجري. حقا هناك كلام في المقاهي وفي الكواليس ولكن لا أحد يتجرأ بالتعبير صراحة وأمام الملأ عن موقفه، ربما خوفا من فقدان دعوة للحضور أو عدم الاستفادة من امتيازات... أو أشياء أخرى.

سؤال 6: ماهي أهم نقط الضعف والقوة في مهرجان خريبكة السينمائي؟ وماهي اقتراحاتكم المستقبلية؟
جواب : نقط القوة في مهرجان خريبكة للسينما الإفريقية أنه يحتضن سينما قارة لها تاريخها، لها تراثها ولها تفردها. وهي سينما في حاجة إلى دعم وإلى مشاهدة لأنها تكتب بأسلوب مغاير عما تكتب به سينمات في قارات أخرى.
قوة مهرجان خريبكة أنه يجمع ولا يفرق. يلتف حوله الإقليم برسمييه ومثقفيه وشبابه. الكل يريد أن ينخرط ويقدم يد الله كما يقال. وبالتالي تشعر بحميمية كبرى قلما تشعر بها في مهرجانات أخرى. قوة مهرجان خريبكة أنه تمكن من الحفاظ على هذه الحميمية إذا استثنينا الثلاث سنوات الأخيرة. إنك في خريبكة يسري معك دفء إنسان المنطقة وحرارته وأصالته البدوية عندما يناقش الأفلام الإفريقية وعندما يحتفي بالضيوف الأفارقة خصوصا إذا كانوا من عيار عصمان صامبين وسليمان سيسي والطاهر شريعة ونوري بوزيد ومحمد اشويخ وصافي فاي... هذه القوة يستمدها المهرجان من صدق السينما الإفريقية رغم الظروف الصعبة التي تمر منها .

نقط ضعف المهرجان أنه لم يتطور كثيرا. لم يعد ذلك المهرجان الذي كان يستقبل أعدادا كبيرة من الأفارقة. وفي الغالب تتم دعوة الأفارقة الذين يعيشون في فرنسا وبالتالي سيطرت عليه النزعة الفرنكوفونية ونسي المنظمون أن إفريقيا تنتج أفلاما ناطقة بالفرنسية وأفلاما ناطقة بالعربية وأفلاما ناطقة بالإنجليزية كما أن هناك أفلاما ناطقة باللهجات المحلية. وهذا التنوع لم نعد نشعر به في البرمجة الحالية.

نقطة ضعف أخرى تتمثل في كون المهرجان ظل حبيس البرمجة التقليدية الصرفة المرتبطة بالأفلام الروائية الطويلة في حين يمكن برمجة الفيلم الإفريقي القصير، وبرمجة الفيلم الوثائقي في إفريقيا ، وأفلام الشباب بحيث يكون لكل قسم جوائزه إلى غير ذلك من الإنتاجات الإفريقية مع طرح الصعوبات التي تعترضها للنقاش مع المعنيين بالأمر.

أيضا لا بد من الحفاظ على طابعه الثقافي المتميز بتقديم الإصدارات الوطنية والإفريقية وتقديم الأفلام قبل عرضها بطريقة لائقة من طرف أشخاص يفقهون في السينما أو على الأقل ينطقون جيدا أسماء المخرجين والممثلين مع نبذة عن إنتاجاتهم... وإرجاع جوائز كانت تقدم في الماضي لكنها حذفت ، يتعلق الأمر بجائزة السينيفيليا وهي خاصة بالنوادي السينمائية وجائزة النقد تقدمها الجمعية المغربية لنقاد السينما. كما يجدر بالمهرجان أن ينظم حفلا ساهرا في كل دورة يضم فقرات من الموسيقى والأغاني الإفريقية. وبالتالي يستعيد المهرجان حيويته ودفأه الذي فقده في السنوات الأخيرة.

كل هذا يتطلب إعادة النظر في الجانب التنظيمي بحيث يتكلف كل مسؤول بمهمته ويحاسب عنها لا أن تشعر وأنت في المهرجان بأن هناك مسؤولين وهناك مسخرون لا يفيدونك في شيء تسألهم عن معلومة بسيطة فلا يستطيعون تقديم أية إجابة على الإطلاق.

عن العدد 13 من جريدة " خريبكة الآن " ـ أغسطس 2012


السبت، 18 أغسطس، 2012

دعوة إلى كشف وعزل مثقفي "الحظيرة"




أمير العمري


أريد ان أتوجه بكل وضوح إلى القراء الأعزاء وإلى كل الأصدقاء في مصر، بأن من الضروري، استكمالا للثورة المصرية العظيمة، تطهير الحياة الثقافية من كل الذين باعوا أنفسهم للأجهزة الأمنية وارتضوا طواعية بل سعوا سعيا إلى الدخول في حظيرة السلطة واللعب في ملعبها وبشروطها، مقابل تولي المناصب والحصول على فرص للإخراج والإنتاج والكتابة المنتظمة في صحف الدولة ونشر الكتب في سلاسل ظهرت خصيصا كغطاء لمنح مكافآت مالية ضخمة لكتاب محددين كانت الأجهزة ترضى عنهم، وكان وزير الحظيرة- ولا وصف آخر له عندي- يرضى عنهم ويستخدمهم في الترويج لسياساته، ويضمهم للجان المجلس الأعلى للثقافة وينشر لهم كتبهم المتهافتة، رغم أن معظمهم من المنطفئين ثقافيا، والمنتحرين أيديولوجيا (الذين كانوا من الماركسيين السابقين ثم ارتضوا الإقلاع عن تلك الايديولوجية (الضارة بالصحة!!) والانضمام لصفوف السلطة في عصر مبارك، رغم أنه لم يكن يقل بشاعة عن نظام السادات الذي كانوا يعارضونه في شبابهم!
وقد لعب هؤلاء "المتثاقفون" المنافقون الذين يغيرون مواقفهم حسب مصالهم الشخصية، دورا رئيسيا في إقصاء واستبعاد المثقفين الوطنيين الحقيقيين عن الساحة وإخراجهم منها تماما بل وإخراجهم من البلاد أيضا في مرحلة معينة، أي دفعهم دفعا إلى الصمت في الداخل أو الهجرة إلى الخارج.
واليوم يعود نفس الأشخاص وتعود نفس الوجوه التي احترقت أمام جموع المثقفين في محاولة لتصدر المشهد الثقافي مرة أخرى، عن طريق تشكيل حركات، أو بالأحرى، جماعات ضغط، باسم الدفاع عن حرية الإبداع والفكر، في حين أنهم كانوا أول من ساهم في تمييع قضية الحرية بمشاركتهم في تظاهرات وزير الحظيرة التي كانت كلها تسعى لتجميل وجه نظام يضطهد المثقفين ويحتقر الثقافة.
لقد كانت جوائز السلطة المسماة بـ"جوائز الدولة" (واسمها جوائز الدولة القمعية)، تذهب في معظمها إلى هؤلاء ولاتزال، وكانت المناصب المؤثرة تسند إليهم، وكانت وزارة فاروق حسني توزع عليهم الرشاوى على هيئة منح للسفر للخارج، وضمهم الى الوفود الرسمية التي تمثل مصر في المؤتمرات الدولية علما بأن معظمهم من الذين لا يعرفون حرفا واحدا في اللغات الأجنبية، ولا صلة حقيقية لهم بالعالم، وكثيرون من الذين ذهبوا في بعثات دراسية الى دول معينة في الشرق أو في الغرب طبقا للاتفاقيات الثقافية بين مصر وهذه الدول، كانوا يخضعون لمراجعة المستشار التعليمي في سفارات تلك الدول، وكانوا يكتبون التقارير الأمنية عن المثقفين والطلاب الذين لا يرتبطون بالمنظومة الرسمية للدولة القمعية البوليسية. ولعل أبرز مثال على ذلك الدور الذي انكشف قبل سنوات، والذي كان يقوم به فاروق حسني نفسه في السفارة المصرية في باريس في أوائل السبعينيات وقت ان كان ملحقا  ثقافيا بالسفارة. قد فضح الدكتور يحيى الجمل موقفه هذا في كتاب مذكراته المتداول حاليا في الأسواق!
وبفضل هذه "الخدمات" فقط تمكنوا من العودة وحصلوا بمجرد عودتهم على مناصب في أجهزة ومؤسسات الدولة بمباركة رسمية من أجهزة الدولة الأمنية في الاساس، وتم تلميع أسمائهم في الصحف ومحطات التليفزيون التي لم تكن تسمح باستضافة غيرهم من المعارضين أو أصحاب الأصوات المستقلة.


إن لجان وتنظيمات السينما والشعر والمسرح والأدب لايزال يسيطر عليها الكثير من عناصر المتعاونين مع الأجهزة الأمنية. ويرتبط هؤلاء معا برباط غير مقدس، تماما كالذي يربط أفراد عصابات المافيا المعروفة، فهم يدافعون عن بعضهم البعض، وينحازون بشدة لكل من ينتمي الى عصبتهم، ويهاجمون بضراوة كل من يحاول فضحهم وكشف حقيقتهم المزدوجة، بل ويهددونهم أيضا بصرفهم الى "بيوت خالاتهم"-  ومنعهم من الكتابة ومن الاشتغال بالعمل العام باستخدام علاقاتهم بأجهزة السلطة التي لاتزال قائمة ومترابطة لم تمسها التغييرات الجارية في النظام بعد لأنها متغلغلة في التربة المصرية منذ زمن بعيد، ولن تسقط بل سيعيد الاخوان المتاسلمون انتاجها واستخدامها لحسابهم.
لذلك فإنني أدعو كل من يمتلك أي وثيقة أو معلومة أو شهادة عن تلك الفرق من المثقفين الانتهازيين الذين وظفوا طاقاتهم في دعم نظام مبارك ومنظومته الثقافية، وكانوا مقربين من لجنة السياسات التي رأسها جمال مبارك، وحصلوا على مناصبهم بمباركة جهاز أمن الدولة، وأصبحوا يتحدثون اليوم، بأعلى أصواتهم، عن الثورة والقيم الثورية، أن يرسلها إلينا بما لديهم، لأننا بصدد إعداد "كتاب أسود" عن ممارسات هؤلاء الأشخاص، بالأسماء والوقائع، دون أن نخشى من انتقام أو هجوم قد نتعرض له، فماذا يملك هؤلاء أن يقولوا عنا أو يفعلوا: فليس لدينا ما نخشى عليه، ولسنا في حاجة إلى مناصب أو ترقيات أو اعترافات رسمية أو جاه ونفوذ وهمي، فكلها أشياء زائلة لا قيمة لها، والقيمة فقط التي تبقى في الأرض، هي حصيلة الجهد الإبداعي وقدرة المرء الدائمة على العطاء والتمتع الدائم بالحس النقدي واليقظة الدائمة لأي شبهة تتعلق بالانحراف عن المباديء مهما كان الثمن، وهذا تحديدا ما يثير غيرة هؤلاء وغيظهم وحقدهم، ويدفعهم الى شن حملات الهجوم على المثقفين الوطنيين الشرفاء الذين رفضوا التلوث في مستنقع حظيرة فاروق حسني ورفضوا الخضوع لأتباعه وزبانيته، في حين أن هؤلاء "المتمركسين المنتحرين السابقين" لم يخجلوا من الدفاع عن هؤلاء الأتباع الصغار علانية على شاشات التليفزيون، وعلى صفحات الصحف بل وجد منهم من يصف عهد فاروق حسني بأنه أزهى عصور الثقافة المصرية!
وأخيرا.. فالمعركة التي يجب أن نخوضها اليوم ليست فقط ضد تيار الظلاميين والتكفيريين بل هي معركة مزدوجة الهدف، أي ينبغي أن تتجه في الوقت نفسه، لكشف وفضح وعزل تلك الفئة التي تسعى للالتفاف على الثورة والادعاء بأنها كانت دائما مع التغيير، دفاعا عن مواقعها، فلابد من كشف دورها في إفساد الحياة الثقافية في مصر.
ونحن في الانتظار.

الاثنين، 13 أغسطس، 2012

مهرجانات السينما في مصر ولعبة الكراسي الموسيقية!


  

بقلم: أميرالعمري



أخطأ المركز القومي للسينما - لا أدري هل كان هذا تحت رئاسة الدكتور خالد عبد الجليل أم مجدي أحمد علي- في الموافقة على إسناد مهرجان القاهرة السينمائي إلى جمعية تشكلت باسم جمعية مهرجان القاهرة السينمائيبرئاسة الصديق الناقد يوسف شريف رزق الله قبل فتح الباب، بوضوح وشفافية، امام كل الجمعيات الراغبة في التقدم لتنظيم المهرجان.

وكانت الجمعية التي سبق أن اشرنا إليها في مقال نشر العام الماضي، قد ضمت مجموعة من "الحرس" القديم ممن كانوا قريبين من المهرجان العجوز أو من الضالعين الأساسيين فيه مثل السيدة ماجدة واصف والسيدة خيرية البشلاوي وآخرين وأخريات، مع إضافة بعض الأسماء الجديدة لعدد من منتجي الأفلام يتردد إن بينهم من ينتج بأموال خليجية.

لكن ليس هذا هو الموضوع، فالموضوع أن جمعية كتاب ونقاد السينما برئاسة ممدوح الليثي التي كانت تقيم المهرجان في الماضي (حتى دورة 1985) احتجت على هذا الاسناد وتقدمت بدعوى قضائية ضد قرار المركز القومي للسينما وجاء حكم المحكمة يقضي بضرورة اعادة طرح الموضوع مجددا للتنافس بشفافية وطبقا لشروط واضحة محددة بين الجمعيات والمؤسسات السينمائية.

وقد اعادت وزارة الثقافة، ممثلة في المركز القومي للسينما، الإعلان عن فتح باب التقدم في حين لم يكن قد بقى سوى أربعة اشهر على إقامة المهرجان (وقت نشر الاعلان بالطبع أي قبل نحو شهر).. ولكن الغريب أن فترة التقدم حددها الاعلان بخمسة عشر يوما من تاريخ نشر الاعلان وهو وقت لا يكفي أبدا لإعداد مشروع متكامل لتنظيم مهرجان دولي كبير.

ولعل من المثير للدهشة أيضا أن السيدة ماجدة واصف التي تتمتع بمنصب المدير الفني لمهرجان القاهرة السينمائي والتي تعتقد ان لها حقا طبيعيا في وراثة المهرجان من سهير عبد القادر وعصبتها، هي في الوقت نفسه رئيسة مهرجان يسمى مهرجان الأقصر السينمائي للأفلام المصرية والأوروبية، وهو مهرجان جديد قادم من ابتكارات المخرج محمد كامل القليوبي، الذي سبق أن ترأس مهرجان الاسكندرية السينمائي بقرار من وزير الثقافة الأسبق المعروف بـ"وزير الحظيرة" فاروق حسني، وتحت اشراف ممدوح الليثي، واعتبرت تلك الدورة التي تراسها القليوبي "فضيحة كبرى" بشهادة القليوبي نفسه فيما بعد!

خالد عبد الجليل


وروي بعض الذين حضروا تلك الدورة، أن الليثي كان يتدخل في كل كبيرة وصغيرة، شأنه دائما، تتعلق بعمل المهرجان، ومن وراء ظهر رئيسه المفترض، مما أدى إلى تذمر الجميع فقرر الليثي عقد مؤتمر صحفي مع القليوبي، وجلس القليوبي معه على المنصة، ونفى الليثي أمام الجميع إنه يتدخل في عمل المهرجان، وأكد أن القليوبي يتحمل المسؤولية بالكامل.. وسأل القليوبي أمام الجميع: أليس كذلك يادكتور.. فأقر القليوبي أمام الجميع أن الليثي لا يتدخل!

وموافقة المركز القومي للسينما في عهد الدكتور خالد عبد الجليل على اقامة هذا المهرجان، أي مهرجان الأقصر الأوروبي (وهو غير مهرجان الأقصر الافريقي!) تجعلنا نطالب أيضا بفتح ملف هذا المهرجان الذي يحصل على منحة مالية ضخمة من المركز ومن غير المركز من مؤسسات في الوزارة وغير الوزارة، لكي نعرف ما إذا كانت جمعية "نون" التي تقيم المهرجان وهي الجمعية التي أسسها القليوبي، قد التزمت بالشروط التي وضعها المركز القومي للسينما، كما نود أن نطلع ايضا على تفاصيل توزيع الميزانية التقديرية لهذا المهرجان حتى لا تتكرر مهزلة تخصيص مبلغ فلكي لريئس المهرجان وزوجته التي أسند إليها مهمة العمل كمدير للمهرجان علما بأنه لا هو ولا هي لهما أدنى علاقة بالسينما أو بالثقافة السينمائية والمهرجانات الدولية أو حتى المحلية والمقصود بالطبع ما حدث في مهرجان الأقصر للسينما الافريقية، وتحت أيدينا تفاصيل الميزانية وطريقة تخصيصها ويمكننا نشرها.

والنصيحة التي أوجهها للصديق مجدي أحمد علي هنا أن ابتعد نفسك من فضلك عن الدخول في الصراع بين جمعية الليثي وجمعية ماجدة واصف، فأنت طرف يفترض أن تكون ممثلا للدولة وليس منحازا لجمعية معينة.. ونحن في انتظار من سيرسو عليه الحق في تنظيم المهرجان وإن كنا على ثقة ويقين من النتيجة.

المهرجان عموما لم تبق على موعد اقامته سوى ثلاثة أشهر تقريبا، ويفترض أن يكون قد أنفقت أموال ضخمة على اقامته سواء من أموال وزارة الثقافة أم غيرها، فهل سيسند المهرجان لجميعة أخرى مع تمويل جديد!



ماجدة واصف


ولعل من الطريف أيضا ان ماجدة واصف "رئيسة" مهرجان الأقصر "الأوروبي"، ضمت يوسف شريف رزق الله "رئيس" مهرجان القاهرة السينمائي التي هي مديره الفني، لكي يعمل كمدير فني لمهرجان الأقصر. وهو ما يجعلني أطالب خالد عبد الجليل أيضا ببيان موقف وزارة الثقافة من هذه اللعبة الشبيهة بلعبة "الكراسي الموسيقية" وما إذا كان هذا التصرف ينطبق على شروط اقامة المهرجانات كما وضعتها الوزارة!

من جهة أخرى ينتظر مهرجان الاسكندرية الذي يرأسه الصديق الناقد د. وليد سيف، إقرار المنحة المالية التي يحصل عليها من المركز القومي للسينما للدورة القادمة التي اعلن عن انعقادها في الثاني عشر من سبتمبر أي بعد أقل من شهر واحد (دون ان تكتمل ميزانيتها بعد). ورغم أن وليد سيف يجهز للدورة بأسلوب راق جديد ويبذل أقصى جهده من أجل إقامة دورة أخرى مختلفة، إلا أننا نشفق عليه من طغيان ممدوح الليثي الذي فشلت جهود الكثيرين في التخلص من رئاسته من تلك الجمعية التي آن لها أن تجدد دمائها وتبتعد عن الحرس القديم بالكامل، وتقلل بعض الشيء من طموحها الجامح لإقامة مهرجانات سينمائية (دولية) متعددة خصوصا مع النقص الفادح القائم اصلا في الكوادر المؤهلة والمدربة والتي تمتلك الوعي والمعرفة بأسس إقامة المهرجانات الدولية مما يؤدي إلى الاستعانة ببعض الصحفيين الفنيين محدودي الموهبة والخبرة والمعرفة والذين لا يعرفون أصلا حرفا في اللغات الأجنبية، للعمل في إدارة المهرجانات. والأفضل كثيرا أن تركز هذه الجمعية على مهرجان واحد هو مهرجان الاسكندرية لكي تجعل منه مهرجانا ناجحا.

ولعل من الضروري هنا أن أتساءل أيضا عن جدوى تلك الفكرة التي ظهرت في مصر خلال السنوات القليلة الأخيرة، والتي تتعلق بتخلي الدولة عن تنظيم المهرجانات السينمائية وترك المهمة للجمعيات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني تحت تصور أن المجتمع المدني لديه مثل هذه الكفاءات التي تملك القدرة والخبرة في تنظيم مهرجانات دولية ناجحة.

هذه الفكرة التي روج لها كثيرا الزميل سمير فريد، تتعارض تماما مع هو قائم بالفعل على أرض الواقع، فما حدث هو أن الجمعيات ومنظمات العمل الأهلي والمدني لا تستطيع حتى الآن الاعتماد على نفسها، بل تلجأ في التمويل الى مؤسسات الدولة (وزارة الثقافة، المخافظة، مصر للسياحة، مصر للطيران...الخ)  اي أنها تستقل "من الناحية الشكلية" عن الدولة ولكنها تظل مترممة عليها من الناحية المالية، أي أن الدولة في هذه الحالةـ تمول مهرجانات (من الباطن) لحساب آخرين ومن أجل أمجادهم الشخصية.

ووجهة النظر المعلنة التي كررها سمير فريد وسمعتها بعد ذلك من مجدي أحمد علي، هي أنه لا تتوفر لدى وزارة الثقافة كفاءات أو خبرات في مجال تنظيم المهرجانات السينمائية الدولية، وهو قول قد يكون صحيحا بشكل ما، ولكن من ناحية أخرى فإن هذه الخبرات تغيب أيضا عن تلك الجمعيات والجماعات خارج وزارة الثقافة بدليل أن المنتج شريف مندور وهو قطب أساسي في ادارة مهرجان القاهرة السينمائي (أو ربما كان كذلك!) صرح على شاشة التليفزيون قائلا إنهم في ادارة المهرجان اعترفوا بأنهم لا يعرفون شيئا عن تنظيم المهرجانات، وأضاف أنهم كتبوا بهذه الصيغة إلى الاتحاد الدولي للمنتجين الذي يشرف على المهرجانات السينمائية الدولية المعترف بها، وطلبوا معاونتهم في التعلم والفهم، وهو من أغرب ما سمعت من آراء، فإذا لم تكن تعرف أو تفهم، فلماذا وضعت نفسك في هذا الموضع، ولم لا تترك مكانك لمن لديه المعرفة والخبرة.. ولعله قد فعل أخيرا كما علمت!

ملحوظة: هذا المقال يعبر عن رأي أمير العمري ككاتب وناقد مستقل لا يلتزم فيما يكتبه سوى بالإخلاص للقاريء أولا وأساسا، ولا يعبر عن رأيه كمدير لمهرجان الاسماعيلية السينمائي الدولي ولا عن رأي المهرجان وإدارته ولي سالمقصود منه الاساءة لأحد بل تناول القضية الرئيسية التي يتعرض لها بالأسماء وبوضوح في إطار نقد الظواهرالثقافية.. ولذا لزم التنويه.

الأحد، 12 أغسطس، 2012

كلمات لها معنى





* بعض ما ينشر وينسب ظلما وعدوانا في باب النقد السينمائي، لا يستحق، ليس فقط التجاهل بل الردم عليه لأنه يدخل في باب الترهات خصوصا إذا غابت معرفة اللغة، ومعرفة السينما أيضا.

* كتابة آلاف الكلمات يوميا لا تؤدي سوى إلى الإصابة بمرض "الإسهال" الحاد، وهو ما يجعل الكتابة تمتليء بالأخطاء والأحكام المتسرعة القاصرة والادعاءات، كما يمكنها للأسف الشديد، أن تؤدي أيضا إلى الإحباط الذي يؤدي بدوره إلى حالة من الاكتئاب والسخط على العالم، لأن الكاتب يشعر أنه يخاطب أناسا مشغولين عما يكتبه يوميا بقضايا أخرى، ولم يعودوا يلقون بالا إلى السينما وقضاياها، بعد أن أصبحت برامج التووك شو والمسلسلات هي شغلهم الشاغل.. لكن البكاء على الأطلال لا يفيد!

* من الظواهر الغريبة في عالم الكتابة عن السينما أن أول من يشكون بأعلى الصوت منذ سنوات وسنوات، من الانتحال والمنتحلين، ودخول من يعتبرونهم "غير المتخصصين" و"غير الدارسين"، هم عادة أكثر الجميع ادعاء وضحالة، سواء في فهم السينما، أو في التعبير عما يفهمونه منها، لذلك ينتهي هؤلاء إلى البحث عن أي شخصية فاعلة في مجالها، يستزلمون لها، ويكتسبون الأهمية المزعومة أمام الآخرين، من زاوية قيامهم بـ"تلميع أحذية" هؤلاء السادة. والمشكلة أنهم يحظون بكل الاحتقار والازدراء من جانب السادة الذين "يستزلمون" لهم ويسيرون في ركابهم ويعملون في خدمتهم مثل الكلب المخلص لسيده.

* عرفت الصحفي الذي يمدح مقابل "وجبة"، وذلك الذي يمدح مقابل دعوة إلى مهرجان، وذلك الذي يهاجمك لأنه لم يحصل على وجبة ولا دعوة، ولكني لم أكن أتخيل أنه يوجد من يمكنه أن يهاجمك فقط لأنك لا تشير إلى وجوده.. ولو حتى بالسلب.. وعموما كلاب الصحافة كثيرون، وقد تربى معظمهم في مدارس الانحطاط العربية السائدة التي أفرزتها أساسا، صحافة النفط وشيوخ القبائل الذين يبحثون عادة عن قوادين لهم علاقة بـ"الفنانات"!

* مشكلة "ولد" معين، انه لا يستطيع أن يعيش إلا إذا هاجم وتهجم على كل من يعرف أنهم افضل منه وأكثر رسوخا، حتى أولئك الذين يساعدونه. ومنهم شخص ما مريض بمرض نفسي خطير لكنه لا يريد بالطبع الاعتراف بكونه مريضا لكي نبحث له عن علاج نفسي، هذا الشخص كان قد وصل به فشله الى مستوى العمل في أحد المطاعم بسبب انعدام موهبته، فأخذ يطرق الأبواب، يطارد المشرفين على الصحف والمواقع السينمائية حتى يسمحوا له بالكتابة، ويتصل تليفونيا بهم يحرجهم ويقول لهم (لماذا لست أنا بينما أنا خريج معهد السينما والآخرين لم يتخرجوا منه مثلما تخرجت، وأنا أعرف الفرنسية وهم لا يعرفون، وهل تتجاهلوني لأني أقيم في عاصمة فيها أفلام لا استطيع مشاهدتها إلا متسولا؟)... وغير ذلك. فكان أن توسط له أحد الزملاء من باب العطف عليه، لكي يقبلوا نشر ما يكتبه من تفاهات ومقالات مترجمة ترجمة رديئة مضاف عليها بعض البهارات التي تشع بالحقد والضغينة وتنضح بالادعاءات الكبيرة وتقلل من شأن الآخرين باستمرار بدعوى انه "أبو المعرفة". لكنه بسبب رداءة معدنه ووضاعة أصله، سرعان ما انقلب على الرجل الذي أحسن إليه، وأخذ يهاجمه ويتهجم عليه في كل مجالسه، وهذا شأنه دائما!


** ملحوظة: هذا الفضاء الذي تتيحه هذه المدونة وجد أساسا لكي ننشر فيه ما لا يمكننا نشره في اي مجال آخر.. وللعلم فقط، أن قراء هذه المدونة أكثر كثيرا من قراء زاوية اسبوعية تنشر في صحيفة من الصحف المعروفة!

الثلاثاء، 7 أغسطس، 2012

ذكريات حول تجربة نادي السينما



لقطة من فيلم "لا تلمس المرأة البيضاء"


 

بقلم: أمير العمري



بعض من يكتبون عن السينما لا يحترمون الترجمة، بل إن "المجتمع الثقافي" في مصر أصبح، بشكل عام، لا يحترم الترجمة، فقد صارت الترجمة مهنة على المشاع، أي أصبحت مهنة يمارسها كل من يعرف، ومن لا يعرف. والمقصود بالمعرفة ليس فقط معرفة اللغة الأجنبية التي يترجم عنها، أو أصول اللغة العربية التي تترجم إليها، بل معرفة وإلمام كاف بالمادة موضوع الترجمة، فترجمة كتاب في جانب من جوانب الفن السينمائي مثلا، ليس مثل ترجمة كتاب سياسي يقوم على التحقيق، أو المذكرات، وليس كترجمة كتاب في العلوم الطبيعية. فلكل مادة المتخصصون فيها. ولكن بكل أسف، لم يعد هذا قائما، بل أصبحنا نرى الكثير من الكتب التي تظهر في الغرب تصدر في ترجمات سريعة رديئة استهلاكية، فيها قدر كبير من الضحك على ذقون القراء. ومن هذه الكتب أتذكر على سبيل المثال، كتاب روجيه جارودي "الأساطير المؤسسة لدولة إسرائيل" الذي صدرت منه ترجمة رديئة للغاية، معظمها كلام خاطيء أوغير دقيق، إلى أن صدرت ترجمة جيدة منه عن إحدى دور النشر المحترمة في مصر. وهناك أحيانا مترجمون من الكبار، أي من أساتذة الأدب الانجليزي، قد لا يعرفون كنه المادة التي يترجمونها أو يقتبسون منها في كتبهم، رغم معرفتهم باللغة الإنجليزية وآدابها.
ولعل من أجمل ما قرأت في معرض التعبير عن فوضى الترجمة والكتابة، ما كتبه الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل ذات مرة من أننا: "نؤلف في حين أننا نترجم، ونترجم بينما نحن في الحقيقة نؤلف"!
فيما يتعلق بترجمة النقد السينمائي وجوانب الثقافة السينمائية لعل من الغريب جدا أن أقرر هنا أن من أفضل من ترجموا في هذا المجال، ناقد وكاتب، لم يصدر له كتاب واحد، بينما كان يمكن أن يملأ ما ترجمه في السينما، مجلدات. والحديث هنا عن الناقد السينمائي يوسف شريف رزق الله.
كان يوسف يترجم أسبوعيا تقريبا لنشرة نادي السينما بالقاهرة في عصره الذهبي، أي لمدة عشرين عاما، من 1969 إلى 1989. وكانت ترجمات يوسف من مقالات ومقابلات وتقارير ومقالات نقدية ومعلومات وتحقيقات عميقة، متخصصة، عن الظواهر السينمائية في فرنسا والعالم، تثرينا وتغذي ثقافتنا. ويكفي أن يراجع المرء مجلدت نشرة نادي السينما في السنوات المشار إليها، لكي يقف على كنوز من المعلومات والتحليلات التي لم يوجد لها مثيل من بعد، بهذا الشكل الأسبوعي المنتظم والشامل.

كانت ثقافة يوسف السينمائية الموسوعية، وإجادته التامة للغتين، الفرنسية والإنجليزية، إلى جانب معرفته الممتازة باللغة العربية، تساعده على تقديم هذه الترجمات الجميلة، السلسة، الواضحة، الثرية. فضلا عن هذا كله، كان يوسف ولايزال أساسا، من هواة السينما الكبار بلا أدنى شك، ولولا حبه وإخلاصه لما يحب، لما أنتج كل ما أنتجه، بزهد واضح، ودون أي رغبة في الادعاء أو البحث عن الشهرة، فقد كان يكتفي بالنشر في نشرة نادي السينما التي كان يكتب لها أيضا الدراسات التفصيلية عن الأفلام أحيانا مع غيره من كبار النقاد، أو في مجلة "المسرح والسينما" ثم "السينما" إلى أن توقفت. وأظن أنه كتب أيضا لمجلة "الإذاعة والتليفزيون" لفترة، وكان بالطبع قطبا أساسيا في جريدة "السينما والفنون" الأسبوعية التي صدر منها 33 عددا عام 1977 ثم أغلقت بضغوط مباشرة من السلطة. ولم يحدث قط أن وضع يوسف اسمه على أي مادة مترجمة، باعتباره مؤلفها أو كاتبها، كما يفعل كثيرون حاليا، بل كانت المادة المنشورة دائما مشفوعة في النهاية بعبارة "ترجمة: يوسف شريف رزق الله".

السينما الأخرى
كان يوسف من أوائل الذين تولوا تعريفنا، من خلال ما نقله إلى العربية، بعدد من أبرز وأهم السينمائيين في فرنسا وأوروبا عموما، ليس فقط من الأجيال صاحبة التراث المؤثر، بل من التيارات الجديدة التي كانت تظهر من وقت إلى آخر. وقد كنا سعداء الحظ أن نشأنا ونشأ اهتمامنا بالسينما في تلك الفترة من أواخر الستينيات، عندما كانت حركة التجديد في السينما الأوروبية وسينما القارات الثلاث، في أوج مجدها وانتفاضتها على السينما التقليدية القادمة من هوليوود. وكانت فرنسا تحديدا، "كعبة" الحركات الجديدة في السينما، من الموجة الجديدة إلى سينما الحقيقة، إلى السينما النضالية، وغيرها. وكان المخرج الفرنسي الشهير جان لوك جودار قد أعلن وقتذاك، تمرده على السينما القديمة التي كان يصنعها واصفا إياها بـ"السينما البورجوازية"، وأقدم على إخراج تجارب جديدة "ثورية" في الشكل والمضمون. وكانت حركة الاحتجاج العالمية التي تصدرتها جماعات الشباب في العالم ضد حرب فيتنام والوحشية التي كانت تمارسها القوات الأمريكية هناك، قد أضافت رافدا فكريا مثيرا إلى حركات التجديد في السينما، التي بدا ميلها بوضوح في تلك الفترة، بل وربما منذ تلك الفترة أيضا، إلى اتباع أسلوب الفيلم التسجيلي في الأفلام الروائية الطويلة. وعلى سبيل المثال، لم يكن غريبا أن يظهر في تلك الفترة، فيلم مثل "معركة الجزائر" (1969) للمخرج الإيطالي الكبير جيلو بوتيكورفو، لايزال يعد نموذجا على تلك السينما المتمردة العظيمة.
كان يوسف أيضا جريئا جدا فيما ينقل لنا عن الفرنسية، عن مخرجين لم نكن نعرف عنهم كثيرا، مثل جورج كلوزو وجان بيير ميلفيل وأندريه ديلفو (البلجيكي) وماركو فيراري (الإيطالي) وبرتران تافرينييه وكوستا جافراس وبرتران بلييه وفرنسوا تريفو وكلود شابرول وكلود ليلوش، وغيرهم. ولعل من أهم ما نقله لنا يوسف أيضا، الكثير من أدبيات سينما التمرد والغضب التي ارتبطت بحركة التمرد المشهودة في مايو 1968 في فرنسا، بل كان يوسف من أوائل من كتبوا عن تأثير هذه الحركة على السينما، وقدم لنا سردا تفصيليا دقيقا لتطور الأحداث في باريس منذ إعفاء مدير السينماتيك الفرنسية هنري لانجلوا، من منصبه، إلى اندلاع غضب المثقفين والسينمائيين الذين تزعمهم جودار وتريفو، ثم انتفاضة الطلاب، وانضمام العمال إلى الطلاب وإقامة المتاريس في باريس وتحويلها إلى ثكنة عسكرية. وقد نشر هذا في مجلة "المسرح والسينما" وكان عضوا في هيئة تحريرها ولم يكن قد بلغ الثلاثين من عمره بعد.



صورة من الأرشيف الشخصي للكاتب من عام 1973 ليوسف شريف رزق الله (اليمين) مع فتحي فرج (الوسط) واحمد رأفت بهجت (على اليسار)



وكان ما عرضه يوسف يأسرنا، أبناء جيلي وأنا، فقد كنا مفتونين بقدرة السينمائيين الشباب على إشعال شرارة حركة ثورية في بلد من أعرق الديمقراطيات في العالم. وكانت ثورة الشباب وقتها في قمة مدها في أوروبا، وكانت مظاهرات الشباب في العواصم الأوروبية ترفع صور ماوتسي تونج (الذي كان قد بدأ الثورة الثقافية في الصين)، وصور ماركس ولينين وكاسترو وجيفارا. وقد امتدت الحركة الثورية أيضا إلى مصر في أول مظاهرات تندلع منذ استيلاء الجيش على السلطة في 1952، احتجاجا على "مجتمع القهر" و"زوار الفجر"، وتطالب بالديمقراطية، وتحمل المسؤولين فيما عرف بـ"الاتحاد الاشتراكي"، والدولة عموما، مسؤولية الهزيمة، بعد أن انكشف حجم ما يكمن من فساد تحت السطح البراق للشعارات السائدة في 1967.
كان يوسف شريف وراء اختيار عدد من أهم الافلام التي عرضت في "نادي السينما"، وهي في معظمها فرنسية، وكانت بالنسبة لأبناء جيلي، الذي جاء بعد جيل يوسف ورفاقه، اكتشافات حقيقية.

 

لا تلمس المرأة البيضاء
من هذه الافلام، التي لازلت أتذكرها وأتذكر ما كتبه وترجمه يوسف حولها، فيلم بديع بعنوان "لا تلمس المرأة البيضاء" Touche pas à la femme blanche لماركو فيراري، وهو من الإنتاج الفرنسي- الإيطالي المشترك.
لم أكن، في ذلك الوقت من عام 1974، قد ذهبت إلى باريس، أو قمت بزيارة أي بلد خارج مصر، فقد كنت في مرحلة الدراسة الجامعية. وكان الفيلم يدور في منطقة عرفت أنها شهيرة جدا في قلب باريس هي منطقة سوق الهال Les Halles وكان الفيلم مزيجا من الخيال المبني على التاريخ القديم والتاريخ الحديث، ففي هذا السوق القديم كان العمال والطلاب قد أقاموا المتاريس، وأخذوا يشنون الهجمات على قوات الأمن الفرنسية. وإذن فقد استخدم السوق كمكان محصن للاحتماء والهجوم المضاد. ولذلك كان من أول القرارات التي اتخذتها السلطات الفرنسية بعد مايو 1968، إزالة السوق من الوجود وفتح المنطقة وتحويلها إلى منطقة سياحية تمتليء بالبوتيكات الحديثة على نحو ما نرى الآن، وهو ما رأيته بعد أن قمت بأول زيارة لي إلى باريس عام 1981.
وفي الفيلم، وهو نوع من "البارودي" parody أي التصوير الساخر، والكثير من الإحالات الفكرية والتاريخية التي تربط بطريقة مضحكة، بين ما يحدث من هدم وتحطيم واقتحام بشع من جانب قوات الشرطة الفرنسية لسوق الهال وتدميره، وما حدث من إبادة للهنود الحمر في أمريكا على يدي الجنرال جورج أرمسترونج كاستر، الذي عرف بلقب "جزار الهنود الحمر". ولكننا نرى هنا "كاستر" معاصرا تماما (يقوم بدوره ميشيل بيكولي) وهو يقود قواته التي تركب الخيول في وسط باريس أثناء هجومها على المكان الذي تحصن فيه عدد من صغار النشطاء والتجار لحماية سوقهم الذي اشتهر تاريخيا، وأظنه كان يستخدم أيضا كمنطقة تحصن في زمن "كوميونة" باريس الشهيرة.
معركة تصفية سوق الهال تحال سينمائيا، إلى نموذج مضحك لما عرف تاريخيا باسم "معركة القرون الصغيرة"، آخر المعارك التي خاضها كاستر ضد الهنود الحمر والتي انتهت بهزيمة قواته ومقتله. وكانت هناك إحالات "بصرية" إلى حرب فيتنام. وفي أحد المشاهد الساخرة، تظهر صورة الرئيس الأمريكي نيسكون.
ومن الجدير بالذكر أن موجة الأفلام التي تعيد للهنود الحمر اعتبارهم، وتنتقد الوحشية التي تعامل بها الأمريكيون البيض مع السكان الأصليين في القارة الجديدة، كانت قد دشنت رسميا عام 1970 بفيلم آخر شهير هو "العسكري الأرزق" Solider Blue اهتم به يوسف شريف كثيرا هو وأبناء جيله من النقاد، بل وأتذكر أيضا أنه دارت حول هذا الفيلم في أوائل السبعينيات معركة نقدية في مصر، فهناك من كان يعتبره فيلما ثوريا جريئا يفضح الإمبريالية الأمريكية، وهناك من جهة أخرى، من اعتبره محاولة لتبرير بل وتجميل الطغيان الأمريكي، بدعوى أن هوليوود لا يمكنها أن تتناقض أصلا مع "المؤسسة" الحاكمة في واشنطن. وسيثبت الزمن وحده فيما بعد، خطأ تلك النظرية الأخيرة، وأن بداية السبعينيات كانت أيضا بداية ظهور "تيارات" متباينة داخل هوليوود، وإنه ليس من الممكن اعتبارها كيانا واحدا مصمتا خاليا من التناقضات.
وأذكر أنه كان هناك في ذلك الوقت، تقليد جميل اقتبسته "سينما مترو" تحديدا، يحاكي التقليد الذي نراه في دور العرض الأوروبية، والفرنسية بوجه خاص، هو أن تضع دور العرض إلى جانب الصور الموجودة للدعاية للفيلم المعروض في مدخلها، اقتباسات من مقالات النقاد البارزين وآرائهم عن الفيلم. وكان هذا على نحو ما، احتفاء بالنقد، وإعلاء من قيمة الكلمة المكتوبة وتأثيرها على مشاهدي السينما.
وكانت مقتطفات من مقالات وكتابات سمير فريد وسامي السلاموني ويوسف شريف وخيرية البشلاوي ومصطفى درويش توضع في مداخل سينما مترو، وكنا نتوقف ونقرأ، ولم تكن السينما تحرص فقط على وضع مقالات الإشادة بالفيلم، بل وأيضا ما يتعارض معه. وقد نال "العسكري الأزرق" نصيبه في هذا المجال.
ي نشرة نادي السينما، التي كانت مجلة سينمائية حقيقية، أسبوعية، عميقة، ومتخصصة، كانت مقالات ودراسات سمير فريد عن تاركوفسكي وجودار وبرتولوتشي وغيرهم، ومقالات فتحي فرج عن جوزيف لوزي وأعلام السينما البريطانية الجديدة مثل كاريل رايز وتوني ريتشاردسون وليندساي أندرسون وبيتر واتكنز وسيناريوهات العبقري الراحل هارولد بنتر، والتغطيات الدورية الحافلة لسمير فريد ورفيق الصبان ويوسف شريف وأحمد الحضري ثم سامي السلاموني في مرحلة لاحقة، لمهرجان كان، مرجعا رئيسيا لنا، نستمد منه معارفنا حول أبرز الاتجاهات في السينما العالمية. وكان الناقد الكبير رءوف توفيق ينشر مقالاته الممتعة عن أفلام مهرجان كان في مجلة "صباح الخير" ثم تصدر فيما بعد، في كتب بديعة.
ما الذي حدث بعد مرور السنين، أين ذهب حماس هؤلاء النقاد للكتابة الجادة عن الأفلام، وإعطاء الفيلم حقه من النقد والتحليل التفصيلي الذي كان يعد من أرقى أنواع النقد وأكثرها فائدة، ولماذا أصبح من ظلوا على قيد الحياة منهم، الذين تتوفر أمامهم فرصة للنشر بدون معوقات، يحجمون عن كتابة النقد السينمائي بهذا المفهوم، إكتفاء بكتابة الخواطر والانطباعات والتعليقات السريعة؟



ماذا حدث؟
أظن أنه تغير المناخ العام، وغياب الأطر التي كانت تجمع النقاد على أهداف واحدة، بغض النظر عن تحقيق المنفعة المادية، بل وغياب الهدف الثقافي الأكبر والأشمل، أي القيام بدور فاعل في الواقع، ونقل المعرفة إلى شرائح أوسع من الشباب، والهرولة بدلا من ذلك، إلى الدخول في "الحظيرة"، والحصول على نصيب من "الكعكة" الرسمية بأقل جهد ممكن، ومن خلال استخدام واستثمار الأسماء التي صنعها أصحابها في ظروف عمل جاد في الماضي، لخدمة المؤسسات الثقافية، الجديدة، الشكلية، التي تأسست دون فعالية، ودون مشروع، بل وفي غياب أصحاب المصلحة الحقيقية، أي الجمهور نفسه.
ولكن هل الذنب هو ذنب ذلك "الزمن" الجديد فقط؟ لاشك أيضا، أن الحياة اختيارات، وأن موقف المثقف يعكس اختياره، وكل مثقف مسؤول في النهاية، عن اختياراته. ولكن المجتمع كله هو الذي يدفع الثمن في النهاية.

صفحات من كتاب "شخصيات وأفلام من عصر السينما"
جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com