الأربعاء، 11 يناير، 2012

هل الناقد السينمائي مروج للأفلام وجزء من الصناعة؟



يٌطرح في الكثير من الأحيان، ومنذ سنوات بعيدة، سؤال حول دور الناقد السينمائي، أي الشخص الذي يتصدى بقلمه لتحليل الأفلام والتوقف أمام نقاط القوة والضعف فيها والتوصل إلى استنتاج جمالي وفكري عليها.

هذا السؤال يتلخص في التالي: هل للناقد دور أساسي في صناعة السينما، أي كضلع أخير من اضلاعها، يتمثل في لفت الأنظار إلى الفيلم السينمائي، يروج له بطريقة او باخرى، خصوصا وأنه يجب أن يدافع عن حق صناع الأفلام (من مخرجين ومنتجين وموزعين وفنانين وتقنيين) في التعبير وفي مواصلة العمل مهما كان رأي السيد الناقد في أفلامهم، وبالتالي يقع على عاتقه القيام بدور مباشر في حماية "الصناعة السينمائية الوطنية"، بغض النظر كما قلت، عن مستوى الأفلام؟

هذا السؤال يحمل في طياته الكثير من الأسئلة الأخرى بالطبع مثل: ما هو دور الناقد السينمائي ، وهل له دور أصلا؟ وهل دوره ينحصر في الكتابة والحديث عن الأفلام فقط؟ أم عن القضايا الأكبر التي تتعلق بالسينما عموما كصناعة وتجارة وفن وحرفة..إلخ، وهل النقد جزء مكمل من العمل السينمائي ككل، أم أن عمل "طفيلي" أي يمكن ببساطة الاستغناء عنه، بدعوى أن السينمائي لا يصنع فيلمه للنقاد، بل للجمهور، وان نجاح أي فيلم جماهيريا هو أبلغ رد على النقاد، خصوصا إذا كان الفيلم من النوع الذي يتهمه النقاد بالسوقية والابتذال وضعف المستوى!

وهناك أسئلة أخرى أيضا مثل: كيف نتحدث عن النقد في غياب ثقافة فنية، بل وفي غياب منظومة تعليمية في العالم العربي تعطي للفنون أهميتها، بل ومع شيوع الأمية بمعناها المباشر أو المجازي أي الأمية "الثقافية" التي نلمسها جميعا يوميا خاصة مع الانتشار المخيف للقنوات الفضائية، وظهور عشرات المبدعين والمذيعات اللاتي لا يفقهن شيئا في أوليات الفن السينمائي لكن "المهنة" تفرض عليهم الحديث عن الافلام واجراء المقابلات مع صناعها، ولكن بطريقة الترويج المباشر، والدعاية التي تصل إلى أدنى مستوياتها أحيانا لدرجة تدفع الى التشكك والشك!

بداية لاشك أن للناقد دورا في الدفاع عن وجود السينما كفن وثقافة وفكر، وأرى أيضا أن له دورا في الدفاع عن وجود السينما كفن بغض النظر عن مستوى ما تنتجه من أفلام، لأن المستوى يتأرجح صعودا وهبوطا حسب موجات المد والجزر الاجتماعية، فالسينما حالها من حال المنتج الفني والثقافي في بلادنا، فإذا كانت دار الأوبرا التي هي كعبة الفن الرفيع، فن الموسيقى الذي يعد أكثر الفنون تجريدية، وسموا بالإنسان، قد هبطت الى أن وصل بها الحال اليوم لأن تغني فيها مغنيات الزمن الرديء، بأصوات لا قيمة لها، ومن خلال أغنيات شائعة مبتذلة تتردد كلماتها الفارغة على ايقاعات راقصة بدائية، وتخلو تماما مما يعرف في الموسيقى العربية بفن "الطرب" أو التطريب، وهو جوهر فن الغناء العربي، إذا كان هذا هو الحال اليوم، فكيف يمكن أن تكون السينما؟
لكن هناك في الوقت نفسه مهمة أساسية للناقد تتعلق بالدفاع عن الفن الرفيع، والانحياز فكريا للفن الانتقادي أو الذي يشتبك في جدل مع القيم السائدة المتخلفة في المجتمع، ويسعى للارتقاء بالذوق العام وبالسلوك الإنساني، وفتح أعين المشاهدين على وجود قيم بصرية أخرى، تستند إلى الموروث في الفن التشكيلي وفن التصوير. أي أننا عندما ندافع عن وجود السينما كفن وثقافة، لا ننسى أبدا التفرقة بين الفن الرفيع والفن الهابط المبتذل الذي يميل الى دغدغة الحواس واثارة الغرائز وابتزاز المتفرج باللعب على عواطفه ومشاعره البدائية المباشرة، بدلا من اشراكه في عملية التأمل التي يتيحها الفن الرفيع بالضرورة.
على الناقد القيام بمهمته دون أدنى مراعاة للظروف التي ينتج فيها فيلم ما يتعامل معه برؤية نقدية، فالسينما لم تولد أمس، بل منذ أكثر من مائة عام، وعندما يظهر فيلم جديد (أي مولود جديد) فهو يأتي حاملا تراث أكثر من قرن وخبرة طويلة متراكمة يبني السينمائي فوقها ليكمل على من سبقوه، ولا يصنع شيئا جديدا تماما من العدم.

بالتالي تنتفي هنا مهمة "الترويج" بدعوى "التشجيع" أي الأخذ بأيدي السينما المبتدئة، فلا توجد سينما مبتدئة تماما، خاصة عندما تتاح لها كل الإمكانيات التقنية والانتاجية، وطالما أن حجم المطلوب مناسب لمستوى الطموح الفني الذي يمكن الحكم عليه من مرحلة النص السينمائي أي السيناريو. فإذا قلنا مثلا إن مخرجا سينمائيا معينا أتيحت له كل الإمكانيات لانتاج فيلمه ثم فشل في تحقيق الطموح الفني الذي كان يصبو إليه، فكيف يمكن أن نقول إنه يستحق التشجيع!

من ناحية أخرى حتى لو لم تتوفر كل الامكانيات المطلوبة لعمل فيلم يحتوي على الحد الأدنى من الصور التي تقنع المتفرج بأنه أمام عمل فني حقيقي، تكون النتيجة النهائية مسؤولية المخرج، وليست مهمة الناقد هنا أن يلتمس له الأعذار ويبحث له عن المبررات بدعوى تشجيعه والأخذ بيده.

صحيح أن الناقد يكتب أساسا للمتفرج- القاريء، أي المتفرج الذي يفترض أنه يقرأ النقد أو يبحث عنه ويتاثر بما يقرأه إذا قامت بينه وبين الناقد علاقة ثقة وهي علاقة تولد من مصداقية الناقد وقدرته على الإفادة والإقناع، ومن جدية المتفرج- الباحث عن المعرفة والتذوق، في فهم ما بين الصور وما يكمن تحت جلدها والتعرف في النقد على مفاتيح لفهم الفيلم، دون أن يقدم له الناقد بالضرورة "وصفة" سحرية كاملة شاملة تفسر ما خفي وما غمض، وتضع امامه كل ما يحتويه الفيلم من إشارات ومعان ومضامين وأفكار، فالنقد في نهاية المطاف ما هو سوى "رؤية" شخصية تتعلق بثقافة كل ناقد ومستوى علاقته بالسينما وفهمه لتاريخها واطلاعه على نظرياتها، ومشاهداته الواسعة لاهم ما ينتج من أفلام في العالم بما في ذلك كلاسيكيات السينما القديمة والأعمال الراسخة التي تعلمت منها اجيال السينمائيين واالهواة.

لكن من الصحيح أيضا ان الناقد يكتب لكي يستفيد السينمائي سواء صانع الفيلم او غيره، من افكار الناقد ورؤيته ومنهجه التحليلي (إذا كان لديه منهج بالطبع) أو حتى من انطباعاته التي قد تفيد في معرفة انطباعات شريحة معينة من الجمهور عن الفيلم محل النقاش والنقد.

لكن هل يجب أن يتداخل الناقد مع الجانب الاقتصادي في السينما؟ أي يلعب دورا مباشرا في الترويج؟

لاشك أن هناك فرقا كبيرا بين "النقد" وبين "الترويج"، ومهمة الناقد تختلف كلية عن مهمة المروج أو مندوب الدعاية او المسؤول الاعلامي لفيلم ما، مهمته الترويج له في المهرجانات الدولية، والخلط بين المهمتين لا يؤدي سوى الى تمييع النقد، وربما لا يفيد الترويج التجاري كما ثبت في عشرات الحالات التي تولى فيها من يكتبون النقد مسوؤلية الترويج.

نعم معرفة اقتصاديات السوق السينمائية ومتغيراتها وما قد تصادفه من أزمات، والأرقام الخاصة بالانتاج ودور العرض والتوزيع والايرادات، كلها من المهم أن يتابعها الناقد وان يستوعبها ويكون قادرا على استخلاص الدروس والفوائد منها، بما يصب في وظيفته ويرفع من قدرته على التحليل والتعمق، لكن دون أن تطغى هذه الجوانب على دوره في تحليل الفيلم وتقريبه من المشاهدين، وربما أيضا التأثير على مستوى الإنتاج وتطوير الصناعة بشكل غير مباشر وفي الحدود المعروفة لدور النقد حتى في أرقى المجتمعات اهتماما به.

لاشك أن هناك من يخلطون بين النقد والترويج، وبين التداخل في الصناعة وعملية الإنتاج من خلال العمل كمستشارين انتاجيين أو حتى فنيين لبعض الأفلام، وبين مهمتهم كنقاد يتعاملون مع الزاوية الثقافية التي ترتبط بالفكر وليس بالتجارة. وأمامنا الكثير من النماذج، سواء في العالم العربي أو في أوروبا والولايات المتحدة وآسيا. لكن هذا الخلط لا يحدث عادة لصالح الفن السينمائي والارتقاء به وترشيده، بل لصالح الناقد نفسه، كشخص، ينتفع من مهنة أخرى يعثر عليها، وليس تدعيما لدوره الثقافي والفكري، فالناقد مثقف، والمثقف له موقف فكري وجمالي من السينما، ومن العالم، فإذا سمح بأن تتضاءل المسافة وتتلاشى بين مهمته في توصيل الفيلم الى المتفرج وتقريبه منه وتحفيزه على مشاهدته والاستفادة مما يطرحه أو الاستمتاع البصري الجميل به في حد ذاته (وهو هدف مشروع في الفن ايضا طالما أن هناك قيمة إنسانية كبرى تكمن بين طيات العمل السينمائي)، وبين دوره كمروج ومدير دعاية للفيلم، هنا فإن الناقد يخون نفسه، ويتنكر لدوره الحقيقي بل ويصبح على نحو ما، ضالعا في الفيلم نفسه كمنتج تجاري وليس كناتج ثقافي، يحصل على نصيبه من المال مقابل الترويج للسلعة. ومن يروج لسلعة ما لا يمكنه أن يرى فيها عيوبا.

الناقد جزء من صناعة السينما ليس بالغاء المسافات بينه وبين الموزع والمنتج ومدير الدعاية، بل عن طريق القيام بدوره الثقافي والجمالي، بالبحث عن مناطق الجمال في الفيلم، وبمعرفة لماذا لم يحقق فيلم ما هدفه، ولماذا فشل في الوصول برؤيته إلى مستوى أن يكون "عملا فنيا" والفارق كبير بين عمل فني ينتمي لتاريخ الفنون في بلده والعالم، وبين نتاج اجتماعي أو "إفراز" طبيعي لحقبة من التردي الاقتصادي والاجتماعي، أي أنه في هذه الحالة ليس من الممكن فهمه إلا في ضوء تحليله ضمن الظاهرة الاجتماعية (في ترديها وانحدارها). هنا لا يصبح الفيلم عملا قائما في حد ذاته، بل نتاجا مباشرا لحالة اجتماعية متغيرة.

والموضوع بالطبع، ممتد ومتشعب، وله مزالقه ايضا ومنحنياته.

الخميس، 5 يناير، 2012

السينما الثورية التي لم توجد بعد







أمير العمري

 



المقصود هنا هي السينما الثورية في مصر والعالم العربي، فالملاحظ أنه رغم الثورات التي اندلعت في عدد من البلدان المؤثرة في المنطقة العربية أن السينما أو الأفلام التي تظهر هنا وهناك لاتزال تعتمد على نفس الأساليب القديمة البالية، باستثناء حفنة من الأفلام الوثائقية والتسجيلية التي ظهرت عن الثورات أو سعى صناعها لتسجيل وتوثيق الأحداث أو تقديم رؤية فنية لها.

السينما الثورية هي تلك التي تسعى إلى هدم أسس السينما السائدة التقليدية العتيقة أي سينما التسلية الفارغة من المعنى التي تسعى إلى إشغال المشاهد بمجموعة من المواقف والأحداث الملفقة التي تدور حول نفس القوالب المتهالكة القديمة: مثلث الخيانة الزوجية الشهير، مشاكل الزوجين، تشابك العلاقات وظهور أنماط من الشخصيات التي تسخر مما يحدث في الواقع، البطل الذكوري الذي يقوم بالتعليق على ما يجري حوله من أحداث وتغيرات سواء من وجهة نظر عدمية أو ساخرة أو في أفضل الأحوال رؤية نقدية، دون طرح رؤية بديلة.

السينما الثورية تطرح عادة رؤى بديلة، لا تكتفي بالوقوف على السطح الخارجي للأشياء، لا تدور في اطار تناقضات طبقة واحدة بل تنزل الى الشارع، تصور الحدث وتمزجه بالخيال، تبتكر طرقا جديدة في السرد تحطم القوالب الدرامية المألوفة، تنحو إلى الحداثة بالضرورة، تنحاز إلى قضية الثورة، التغيير، الإحلال، أي إحلال منظومة فكرية محل المنظومة القديمة، في اتجاه تقدمي بالضرورة، يقود الى التنوير، إلى تغليب العقل على الخرافة، ورفض التعامل مع الحياة والواقع كما لو كانا محكومين بقدرية غاشمة لا فكاك منها، مطلوب منا أن نخضع لها دون تردد أو تساؤل محير.

في قلب السينما الثورية يوجد الفنان- الفرد، العقل والعاطفة، الرؤية والموهبة والقدرة على التعبير، والفرد لا ينفصل هنا عن المجتمع، عن المحيط بل وعن العالم كله بما يجري فيه، بل يربط بين واقعه وبين الواقع الثوري المتغير في أرجاء العالم المختلفة.

السينما الثورية ليست سينما الدعوة إلى الفضيلة أو الأخلاق الرفيعة فهذه الدعوة مكانها الطبيعي المسجد والكنيسة، بل عرض رؤى فنية عن الواقع من خلال أشكال قد تصل الى أقصى درجات الهجائية والرفض والفضح والتعرية، تعرية مظاهر التخلف في الفكر والسلوك والممارسات والفعل السياسي والاجتماعي ولكن دون أن يتحول المفكر السينمائي أي المبدع، إلى "داعية" يعرف كل شيء ويملك المنطق النهائي الحاسم.

السينما الثورية لا تخلط النسبي بالمطلق، ولا تتحدث عن القيم المطلقة بل عن نسبية الحقيقة، وتغير الثوابت بفعل تطور التاريخ.

لا توجد خطوط فاصلة في السينما الثورية بين التسجيلي والروائي، بين الخيالي وغير الخيالي، وبين التمثيلي والتخيلي والرمزي، وبين التوثيقي والمعاد تجسيده. إنها تجمع بين كل هذه الأساليب والرؤى ولكن من خلال وحدة فنية خلابة. فالسينما الثورية لم تعد بالضرورة سينما غير مسواة، صورها خشنة، مونتاجها بدائي بالآلات والأجهزة الحديثة أصبحت متوفرة مثل لعب الأطفال في أيدي كل من يريد أن يصور ويولف الأفلام، وليس كما كانت في الستينيات، زمن السينما الثورية في أمريكا اللاتينية التي كانت تصور سرا، وتعرض سرا، ويواجه صناعها الموت قتلا والنفي والهرب والتعب والمطاردة.

السينما الثورية المطلوبة اليوم يجب أن تبحث أيضا عن جمهور جديد خارج دائرة جمهور "المول" التجاري، والمنتديات النخبوية الثقافية في العواصم، بل تسعى للوصول الى الريف والساحات الشعبية في المدن الداخلية والمدارس والمقاهي.. وغير ذلك.

السينما الثورية أخيرا، هي سينما جديدة، يجب أن تبحث أيضا عن جمهور جديد.
جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com