الأحد، 30 ديسمبر، 2012

كلمات راقصة (مع التحية والتقدير للراحل العظيم جلال عامر)




·             كان جلال عامر أحد أصحاب الأقلام القليلة بل النادرة التي تملك – ليس فقط ناصية الكتابة والتعبير بلغة رفيعة وبسيطة في آن- بل من أفضل مواهب الكتابة الساخرة في الصحافة المصرية. وكان مقاله القصير اليومي في أكثر من صحيفة مصرية مستقلة، قيمة كبرى، فقد كان يتابع بالتعليق الساخر يوما بعد يوم، ما يمر من أحداث على البلاد، ويصوغ تعليقاته في سياق فني لا يمكن لغير جلال عامر أن ينسجه بحيث كان يقيس كلماته كلمة كلمة، ويزنها لكي يأتي تعليقه مختصرا ولكنه نافذ، موجع لكنه مضحك، وكان بالتالي ينطبق على ما يولده المقال من ضحك: إنه ضحك لكنه كالبكاء!
كان جلال عامر مهموما بقضايا وطنه، وكان مثل كل الكتاب الموهوبين، يقف إلى جانب الناس ضد السلطة، ضد النظام القمعي، وكان يوقظ وينير ويدعو من خلال مقالاته اليومية، إلى الانتباه لما يحاك في الظلام من مؤامرات، ويسلط الأضواء على الكثير من السياسات القمعية بمنتهى الجرأة والشجاعة وفي أشد أزمنة القمع.
كان جلال عامر قيمة كبرى في حياة شعبه، وقيمة استثنائية في الصحافة العربية.

·             بعض الكتابات الكثيرة التي تنشر (في السينما) أو (في النقد السينمائي) في الكثير من المطبوعات والمواقع الالكترونية، لا يمكنك أن تكمل أكثر من بضعة أسطر منها، قبل ان تصاب بالتلبك المعوي، والبعض الآخر لا يمكنك أبدا ان تتركه أو تقلب الصفحة وتنتقل إلى صفحة أخرى في المطبوعة، مهما كنت مشغولا، فالكتابة الساحرة والأسلوب الجذاب يشدك بل ربما أيضا تشعر بنوع من الحزن عندما تنتهي من قراءة المقال لأنه انتهى!
·             نقاد التلبك المعوي تعرفهم من أسلوبهم في الكتابة، وهو أسلوب يتعامل مع الفيلم كما يتعامل الميكانيكي مع السيارة أي أن الفيلم عندهم ليس كيانا فنيا شاملا حيا نابضا متكاملا بل مجموعة من الأجزاء الميتة التي تؤدي مجموعة من الوظائف المحددةـ فإذا لم يعجب الكاتب بوجود ممثل معين في الفيلم يصبح الفيلم كله منعدما، وإذا كان السيناريو لا يحقق جذب المشاهد من خلال (الحركة) منذ الدقائق الخمس الأولى، يصبح الفيلم منعدم القيمة، باردا، لا يتطور، حتى لو كشف الفيلم بعد قليل من الوقت، عن بناء فني شيق ومدخل مبتكر تماما لتناول الموضوع. وكم من الأفلام العظيمة قتلها الاستعجال: في المشاهدة والرؤية والأحكام والكتابة... ومغادرة دار السينما لأن "الكتابة أهم من المشاهدة"!
·             بطبيعة الحال لا يكتب الناقد سوى عما يشاهده بالكامل، بل وعما يثير اهتمامه فهو ليس مطالبا بالكتابة عن كل ما يشاهده من أفلام مهما كان مستواها أو كانت درجة اهتمامه (الشخصي) بها، فلابد أن يثير الفيلم اهتمام الناقد وإلا أصبحت الكتابة عن كل الأفلام نوعا من "الواجب" الذي يؤديه الصحفي بكسل شديد وينتهي من الفيلم في بضعة أسطر يقدم من خلالها حكما نهائيا مبتسرا لا يحلل ولا يكشف ولا يتوقف حتى أمام زاوية محددة جيدة من الممكن أن تكون قد شدت انتباه الكاتب.
·             كان الصحفي الراحل ابراهيم الورداني يصف كتابات طه حسين بأنها أقرب إلى ثقافة الجن والعفاريت وإنه لا يفهمها، وإنه سيتوقف عن الكتابة إذا كانت هذه هي الثقافة!
·             طبعا كلنا نعرف من هو طه حسين لكني أشك أن أحدا من الأجيال الثلاثة الأخيرة يعلم شيئا عن ابراهيم الورداني.
·             وهذه النظرة هي تحديدا ما يتطلع من خلالها الكثيرون حاليا إلى بعض الأفلام التي يرونها (فوق المستوى) أو (خارج ذوق الجمهور أي تتعالى عليه) أو (فيها أكثر من اللازم من الثقافة) أو (تحتاج إلى دليل تفسيري)... وكل هذه التعبيرات مقصود منها شيء واحد فقط هو (رفض الفيلم) لأنه بعيد عن السائد أي أنه من ضمن ما اعتبره الورداني "ثقافة جن وعفاريت"!
·             أن يكون الفيلم منتجا فنيا له علاقة بالثقافة، بالجمال، بالفلسفة، بالتعبير الفني والفكري، بالعلاقة بين المبدع السينمائي والعالم، هذا الأمر مرفوض، ليس فقط من جانب الكثير من الذين يصنعون الأفلام في العالم العربي، الذين دائما ما يدافعون عن أفلامهم الرديئة التي يسلقونها ويتعاملون معها باعتبارها سلعة استهلاكية سريعة (تؤدي غالبا إلى عسر الهضم أيضا!)، بل إن الكثيرين ممن يكتبون عن الأفلام أيضا يعتبرون أن كل الأفلام التي لها علاقة بالتعبير الجمالي والفكري عن العالم هي أفلام "تدمر السينما" وتنفر الجمهور وتبعده عن دور العرض بل وتقتل السينما نفسها. وقد عرفنا ذلك الناقد (من جيل السبعينيات) الذي تخصص خلال العشرين عاما الأخيرة في إهالة التراب على كل ما نعرفه في تاريخ سينمانا من أفلام جيدة منحازا لسينما التسلية (العربية والأمريكية) باعتبار أن هذه هي السينما، وماعداها محض أوهام!

0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com