السبت، 22 ديسمبر، 2012

'الشيخ امام في عصر الثورة والغضب': عندما كانت مصر تحبل طويلاً بالثورة!


بقلم: محمود عبد الشكور


عن جريدة "القدس العربي"- عدد 22 ديسبر 2012



 
أشعر بدين عميق كلما قرأت كتاباً يعيد شحن بطاريات العقل والوجدان، أفكر فوراً في أن أكتب بحماس يوازي قوة تلك الشحنة، وأتمنى ان يقرأ الآخرون ما قرأت، وأن يستمتعوا كما استمتعت، ويزيد ثقل الإحساس بهذا الدين، إذا كان قد فاتتني قراءة الكتاب في وقته، يحتاج الأمر هنا الى استدراك مضاعف، وتحية مزدوجة.
وقد فاتني الكثير بالفعل لأنني لم اقرأ كتاب الناقد أمير العمري وعنوانه 'الشيخ إمام في عصر السينما والغضب' حين صدوره في عام 2010، كان اهتمامي وقتها منحصراً في متابعة كتبه وقراءاته النقدية السينمائية الرصينة، كما كتبت وناقشت في ندوات، كتُبه الأخرى التي تنقل ملامح عصر السينما، والتي تنظر الى الحياة من منظور عين السينما، بل إنها تجعل الحياة في قلب السينما الجميلة.
الآن ، وبعد أن فرغت، وفي جلسة واحدة، من قراءة كتاب 'الشيخ إمام في عصر الثورة والغضب'، أجدني مضطراً الى الإعتراف بأنه من المستحيل أن تفهم الأفكار الفنية والجمالية التي ينطلق منها أمير العمري في رؤيته للسينما أو العالم إلا بالعودة الى هذا الكتاب الحميم الذي تحضر فيه الذات لتستدعي العصر بأكمله، عصر الثورة والغضب الذي صنع ظاهرة نجم وإمام وتأثر بها.
لا أجد الكتاب منقطع الصلة بالسينما والفن عموماً، ليس فقط لأنه يعيد قراءة وتحليل بعضاً من روائع الشيخ إمام التي كانت تغني في ميدان التحرير في أيام ثورة يناير، ولكن لأنه يرسم ملامح زمن يمكن أن يصنع فيلماً سينمائياً كبيراً بشخوصة وبأفكاره وبتحولاته، يكفي أن نجم وإمام لم يظهرا روائياً إلا بصورة سطحية وساذجة في فيلم 'الفاجومي' الذي أخرجه عصام الشماع، ويكفي أن الفيلم الوثائقي المصري الذي يتم إعداده منذ عام ونصف عن الشيخ إمام مازال متعثراً حتى الآن، ويكفي أن أحداً لا يعرف مصير المادة الفليمية (على شرائط 35 مللي) عن إمام ونجم، التي يذكر الكتاب أنها بحوزة المخرجة اللبناينة هايني سرور.
على أن قوة الكتاب الأساسية، وهي أيضاً مصدر تأثيره، في صدقه الشديد، وكأن مؤلفه كتبه ليسترجع بعضاَ من نفسه، من حياته الجامعية، ومن الشخوص الذين عرفهم، وكأنه يجتر لذة أول مرة سمع فيها في مدرجات الجامعة إمام ونجم، ويربطها بأول مرة شاهدهما في التليفزيون وهما يغنيان أمام الناقد الراحل رجاء النقاش أغنيتهما الشهيرة 'جيفارا مات'، يومها قطعوا عنهم البث، وأذاعوا برنامجاً آخر، وكأن مؤلف الكتاب قرر أن يرسم زمناً بحجم الأحلام دون أن يفلت تفصيلة واحدة، وكأنه لايرى فارقاً بين إمام وعصره، جاء المغني الضرير ابن قرية 'ابو النمرس'، ليلتقي مع الشاعر الفاجومي ابن الشرقية، ليكونا على موعد مع الجيل الخارج من أنقاض الهزيمة، ليتقابل الجميع في زمن الحرب والإنتقال من عصر الإشتراكية الى عصر الإنفتاح.
يمتلك الكتاب طاقة عاطفية لا شك فيها، نوستالجيا شفيفة وآسرة، ولذلك لا يمكن أن تنزعج لاستطرادات تسربت من الذاكرة بفعل التداعي، فأكسبت السرد طزاجة وحيوية، ونقلت ألوان المكان ورائحته، ولكن الكتاب أيضاً به الكثير من التحليلات اللافتة والقراءات الذكية عن الشيخ إمام وعصره، لفت نظر العمري مثلا أن جمهور الشيخ إمام لم يكن إلا من الطبقة البرجوازية التي طالما سخر منها، جمهور مثقف محفلط تسخر منه أغنية مثل 'يعيش أهل بلدي'، جمهور قاهري بعيد عن جمهور إمام المفترض من البسطاء والعمال والفلاحين، بل إن الثنائي الشهير سرعان ما أقام الحفلات في لندن وباريس وسوريا ولبنان والجزائر.
أعجبني جداً تفسير هذا الإحتضان البرجوازي لظاهرة مضادة للبرجوازية باعتبار ذلك محاولة من مدمني الحلم بالثورة للتعبير عما يجيش في الصدور من إحساس بالذنب بعد كل ما وقع من نكسات، وكان في هذا النوع من الغناء تعذيب للذات أيضا على نحو ما، هذا تحليل وتفسير طريف ومختلف ويستحق النقاش، كما أن تفسير العمري لتعامل نظام مبارك مع ظاهرة نجم وإمام لا يخلو أيضا من وجاهة، فقد ارتأى النظام نفي الظاهرة الى الخارج، وتحجيمها باعتبارها مرتبطة أساسا بعصري عبد الناصر وانور السادات، والى حد كبير تحقق ذلك وخصوصاً بعد الخلاف بين القطبين إمام ونجم.
تندهش أيضاً لأن التحليل العقلي الإنتقادي الذي يتسلل عبر شحنة عاطفية تعبر عن إعجاب كبير بالشيخ إمام، انتهى الى ما يشبه النبوءة التي تحققت بالفعل بعد صدور الكتاب، يقول العمري بالنص :' يجب أن نأمل في أن أغاني الشيخ إمام ستعود بقوة لكي تحرك الجموع مستقبلاً، ولكن في إطار حركة وطنية ديمقراطية حقيقة تفرز قياداتها، وتطرح برنامجاً شاملاً للتغيير في مصر'، وهذا ما حدث فعلاً في ميدان التحرير، وكل ميادين الثورة في مصر في بداية عام 2011، إذ تصدرت الساحة أغنيات مثل 'يا مصر قومي وشدي الجيل'، و'صباح الخير على الورد اللي فتح في جناين مصر'، و'رجعوا التلامذة ياعم حمزة للجد تاني'، وكلها من روائع الشيخ إمام الغنائية.
ولكن الكتاب يضيف الى الشحنة العاطفية والتحليل النقدي حديثاُ تفصيلياً عن مجموعة من أهم أغنيات الشيخ إمام مع نجم أو مع غيره من الشعراء الكبار مثل نجيب سرور وزين العابدين فؤاد وفؤاد قاعود، بل ويحكي أمير العمري عن ليلة مولد لحن أغنية 'البحر بيضحك ليه' التي كان شاهداً عليها في منزل الكاتب عبده جبير في حي السيدة زينب، وبحضور 'سرور' وشخصيات أخرى معروفة مثل الصحفي أسامة الغزولي و الناقد الراحل عبد الرحمن أبو عوف، وكان نجيب سرور يطلب من الشيخ إمام أن يقوم بـ 'تدليع' الأغنية أكثر واكثر، خاصة في المقطع الذي يقول: بيني وبينك سور ورا سور/ وانا لامارد ولا عصفور / في إيدي عود قوّال وجسور / وصبحت أنا في العشق مثل.
يكشف الكتاب عن نسخة أخرى لا نعرفها بلحن آخر لأغنية 'فاليري جيسكار ديستان' قدمها إمام في حضور طلبة الجامعة، وكانت تبدأ بأبيات تقول :'شوف عندك يا تعبان/ واتفرج ع الجورنان/ فارد شنبات على تحت / ومداري مكان الكحت / ع القورة ولو فتّحت / حتشوفهم بالألوان '. ويناقش المؤلف فكرة محاولة احتواء نظام عبد الناصر لظاهرة إمام ونجم، كما يفرّق بين تلقائية الشيخ إمام الشعبية، وبين ما يبدو من تلقائية نجم التي تقف خلفها ثقافة وقراءة واسعة بالذات في الأدب والشعر، وفي الكتاب أيضاً ما يعطي حق أغنيات قدمها الشيخ إمام ولكنها أقل شهرة، مع أنها ليست اقل جمالاً مثل أغنية 'العزيق' و'الكمسري'، وهما من إبداع الشاعر الكبير فؤاد قاعود الذي رحل عن عالمنا عام 2006، أعجبني أيضاً بشكل خاص ذلك التحليل الذي يتتبع مسار تجربة إمام داخل وخارج مصر، وينتهي إلى محاولات المتأسلمين سرقة التجربة وتطويعها لشعاراتهم كما سرقوا شعارت اليساريين، واستخدموها تحت لافتات جديدة.
ربما يرجع تأثير الكتاب كذلك في نجاحه أن ينقل صورة لعصر وظاهرة نشأت في زمن مليء بالصراعات والتناقضات، عصر المخبرين حتى من بين طلاب الجامعة، زمن تليفزيون الأبيض والأسود وأجهزة التسجيل الضخمة العتيقة، أيام ثورة الطلبة والقصائد الجريئة ذات الألفاظ المكشوفة بما فيها قصيدة نجيب سرور ذائعة الصيت التي ألقاها بنفسه على الطلبة في قلب الجامعة، ثم إنك تتحدث عن موهبيتين بحجم إمام ونجم يمتلكان قدرة رائعة على السخرية والهجاء، يخرجان من السجن ليدخلاه من جديد، يظهران في التليفزيون ثم يختفيان الى الأبد، يصنعان أغنيات عن العمال والفلاحين ولا يسمعهما إلا المثقفون والطلاب، لم يتح لهما النظام أبداً أن يصلا الى الريف فظلا محبوسين داخل شرائط كاسيت وأوراق مكتوبة يتم نسخها وتهريبها، دراما كاملة عن عصر الثورة والغضب.
هذا كتاب تحضر فيه ذات مؤلّفه بكل ذكرياتها وأحلامها لتستحضر عصراً وظاهرة فنية استثنائية، تنمحى الفواصل بين الخاص والعام، الأحلام الكبيرة والتفصيلات الصغيرة، شهادة هامة على مرحلة لم تعشها أجيال كثيرة اقتنصها أمير العمري مثلما اقتنص ذكرياته عن عصر السينما ونواديها في السبعينات، فترة كانت يمكن أن تقودك الى سماع موسيقى كلاسيكية في قصر ثقافة دمياط، مثلما قد تقودك الى السجن مشفوعاً بوشاية زميلك الجامعي الذي كنت تظنه ثورياً ومناضلاً.
مازلت أرى أن في جعبة أمير العمري ما يستحق التسجيل عن تلك السنوات، حقبة السبعينات المليئة بالكثير من الأسئلة المعلّقة، أيام القلق والخوف والحرب والحب والحلم، الشيخ إمام وعبد الحليم حافظ وهيكل ونجم، الميني جيب والذقون والجنازير والسلاسل، حرب اكتوبر وزيارة القدس، عودة الوعي ونجيب سرور، التكفير والهجرة والتفكير في الهجرة.
أحسب أن في عنق هذا الجيل الذي عاش تلك الأيام الصاخبة بوعي وبحماس ديناً كبيراً يشبه ذلك الدين الذي أشعر به تجاه كل كتاب جميل وعميق ومؤثر.
لا نطلب منهم سوى أن يحكوا عن أنفسهم مثلما يحكون عن عصرهم كما فعل أمير العمري في كتابه/ الشهادة عن العبقري الراحل الشيخ إمام.

0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com