الأحد، 16 ديسمبر، 2012

مهرجانات السينما العربية ومنع الأفلام لاسباب سياسية!


  
لم أعرف أن مهرجانا سينمائيا عالميا أي غير عربي أي لا يدار بواسطة العرب، كان يدعو أفلاما من دول يرى انها لا تحترم مثلا، حقوق الإنسان أو تضطهد شعوبها، ثم يقوم بمنع عرض هذه الأفلام بعد أن ينتبه أو يقوم البعض بتنبيهه إلى أن البلد الذي ينتمي إليه الفيلم أو مجموعة الأفلام المقصودة المستهدفة، هو بلد "مارق" أو لا يحترم حقوق الإنشان، أو تقتل السلطة فيه الشعب!
كانت مهرجانات السينما في العالم منذ الثمانينيات أي بعد انتصار واستقرار ما يسمى بـ"الثورة الإسلامية" في إيران وإقامة نظام الملالي العنصري الذي لايزال يحكم قبضته على السلطة في بلاد فارس العريقة، كانت تعرض أفلاما من إيران، أي قادمة من الداخل، ومن دون أن ينبري أحد بالقول إن هذا الفيلم أو ذاك يمكن أن يكون تجميلا لنظام عنصري يضطهد شعبه ويقمع الحريات.
لم نر سينمائيا من إيران يقيم في الغرب ويدافع عن حقوق الشعب اإيراني ويعارض نظام الملالي الغاشم، يطالب مهرجانات السينما العالمية مثل كان وروتردام وبرلين، بمنع عرض الأفلام الإيرانية القادمة الإيران بدعوى أنها من الممكن أن تكون "ممثلة للنظام".
أسوق هذا المثال فقط بعد أن تحول منع عرض أفلام من سورية في مهرجانات تقام في العالم العربي مثل القاهرة ودبي وغيرهما، ظاهرة من الظواهر السيياسية التي برزت مؤخرا.
والمصيبة أن مثل هذه المهرجانات لا تمتنع من البداية عن عرض أفلام قادمة من سورية، بل إنها تقبل هذه الأفلام وترحب بها وتدعوها ومخرجيها إلى المشاركة،  وعلى رأس هذه الأفلام كما يعلم الجميع، الفيلم الجديد للمخرج السوري عبد اللطيف عبد الحميد الذي يحسبه كثيرون على النظام السوري ربما لرفضه توجيه إدانة سياسية مباشرة لنظام بشار الأسد. ولكنها تعود بناء على إعتراض بعض صناع الأفلام من المعارضين السوريين للنظام، بمنع عرض هذه الأفلام وهو ما حدث مع فيلم عبد اللطيف عبد الحميد وغيره، ويصل الأمر أيضا إلى حد تهديد السينمائيين المعارضين بسب أفلامهم من المهرجان إذا تم قول وعرض الفيلم المغضوب عليه أو بالأحرى، على صاحبه!
إن الفيلم هو الفيلم، وهو يتحدث عن نفسه، ولا يجب محاكمة الأفلام أبدا طبقا لمواقف أصحابها السياسية، بل يتعين أن يكون الحكم عليها خاضع فقط لمستواها الفكري والفني، وهو تقييم تتوصل إليه عادة لجان الاختيار من وقت مبكر قبل إقامة المهرجان.
أما أن يكتشف المهرجان بعد الإعلان عن برنامجه أن فيلما ما قد قبل على سبيل الخطأ، أو يستجيب لبعض الاعتراضات من جانب البعض فهي ظاهرة تكرس في الحقيقة لنوع من العقاب السياسي المرفوض لفنان لا يبقى له في نهاية الأمر سوى وسيلته في التعبير الفني أي الفيلم، وهو الشيء الوحيد الذي يجب محاسبة السينمائي عنه في هذه الحالة تحديدا.
وأعود لكي أؤكد عل أن الفنان موقف، وأن الموقف السياسي للفنان لا ينفصل عن مجمل تجربته الإبداعية ولكن ها الموقف وتلك الرؤية الإبداعية يجب أن تكون واضحة من البداية أمام الخبراء الذين يختارون الأفلام، وعندما يتم الاختيار لا يعود من الممكن التراجع بدعوى أن هناك من يهدد بسحب فيلمه إذا حضر فيلم يعارض صاحبه فهذا نوع من الابتزاز السياسي المرفوض.
وكان يتعين على المهرجان أن يرفض الخضوع لمثل هذا الابتزاز. ولكنها إحدى ظواهر التخلف العربي السائدة هذه الأيام. فلم أعرف أن سينمائيا إيرانيا ثائرا اعترض أو رفض حضور مهرجان يعرض فيلما لسينمائي إيراني آخر من الموالين للنظام. وإذا كان هذا قد حدث إلا أننا لم نسمع أن مهرجانا كبيرا استجاب له وتوافق معه فالمواقف لا تخضع للابتزاز ولا ينبغي لها أن تخضع.
لم أشاهد فيلم "العاشق" لعبد اللطيف عبد الحميد ولا أعرف ما إذا كان جيدا أم رديئا، بل ولا أعرف بالضبط موقف صاحب الفيلم من الثورات العربية أو من الضطرابات السياسية التي تحدث في المنطقة وتلك الخرب اأهلية الدائرة في سورية بين طرفين (هي لم تعد ثورة شعبية بل حرب مسلحة من أجل السلطة تتدخل فيها قوى عديدة إقليمية ودولية). لكن ما يهمني هنا ألا نذبح سينمائيا بسبب خلافات القوى السياسية حول طبيعة ما يحدث في سورية، وكان من الضروري ألا يتم استدراج مهرجانات عربية كبيرة للوقوع في هذا المأزق. وهذا موقفنا بكل وضوح حتى لو أغضب البعض!

0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com