الجمعة، 7 سبتمبر، 2012

الأفلام الإسرائيلية في مهرجان فينيسيا (2 من 2)





نهاية الحلم الصهيوني
 
 
أمير العمري- مهرجان فينيسيا
 
 
 
بات من الواضح أن السينما الإسرائيلية لم تعد تهتم كثيرا كما اعتادت أن تفعل، بقضايا الصراع العربي- الإسرائيلي أو بإشكالية العلاقة مع الآخر، الفلسطيني، وتعقيداتها، وهو ما نلمسه من خلال الأفلام الستة التي عرضت في المهرجان ولم يتضمن أي فيلم منها إشارة إلى الموضوع.
 
والواضح أن السينما الإسرائيلية أصبحت تهتم في الوقت الحالي على الأقل، بموضوع العلاقة بين المواطن والدولة، وإحباطات الفرد بسبب حالة التردي الاقتصادي والمعاناة الشديدة التي يعيشها المواطن الإسرائيلي اليوم محروما من "الغطاء الاقتصادي" الذي بشرته به الصهيونية طويلا، لحساب التركيز الدائم على قضية "الغطاء الأمني".
 
هزيمة مشروع الصعود في مجتمع "الحلم" الصهيوني هو مثلا ما يتناوله فيلم "خيوتا وبيرل: مدخل" Hayuta and Berl  للمخرج عمير مانور، وهو فيلمه الروائي الطويل الأول بعد فيلميه القصيرين "حمر" (40 دقيقة) الذي أخرجه عام 2007، وفيلم "حطام" (47 دقيقة) عام 2008.
 
وهو يختار شخصيتين من كبار السن، رجل وزوجته في الثمانينيات من عمرهما، عاشا سنوات صعود الحلم الصهيوني ضمن حركة العمل الإسرائيلية، أو حركة اليسار الصهيوني التي كانت في الحقيقة هي الأساس الاقتصادي الذي ارتكزت عليه الدولة فيما بعد، أي عند تأسيسها، من خلال ما عرف بالهستدروت، أو اتحاد نقابات العمال الذي تأسس عام 1920.
 
ليس هناك الكثير في هذا الفيلم عن الخلفية السياسية للموضوع أو بالأحرى عن الشخصيتين الرئيسيتين، وهما رجل وامرأن، زوج وزوجة، بيرل وخايوتا، أنجبا ابنا واحدا يقيم حاليا في الخارج، بعد أن اضطر للهجرة من إسرائيل للعيش في بلد السمن والعسل الحقيقية (أمريكا) بسبب تدهور مستوى الحياة في إسرائيل وعدم قدرته علىتحمل قسوة العيش، وما يفرضه الأب أيضا من قواعد صارمة في إدارة شؤون الحياة اليومية. ونفهم من خلال الحوارات التي تلمس هذه العلاقة بين الأب والإبن، بين بيرل وخايوتا، أن العلاقة بين الأب والإبن لم تكن على ما يرام، وتنحي خايوتا في ذلك باللائمة على زوجها.
 
يبدأ الفيلم بمشهد طويل عندما تصل أخصائية اجتماعية إلى منزل الزوجين بشكل في زيارة مفاجئة لكي تجري لكل منهما اختبارات معقدة لمستوى الفهم والقدرة على الحركة وعلى القيام بالأعمال الحياتية الأولية داخل المنزل، حتى تعرف ما إذا كانا يتمتعان بحالة تسمح لهما بالبقاء في المسكن دون الانتقال إلى ملجأ للمسنين، وتقول لهما إن الاختبار مهم لكي يضمنا أيضا استمرار حصولهما على الإعانة التي تقدمها لهما الدولة.
 
الرجل (بيرل) الذي عاش فترة العمل في الكيبوتزات ومر بتجربة تجسيد الفكرة (الاشتراكية) الصهيونية، يريد أن يستعيد ذلك الحلم القديم الزائل، بعد أن تقدم به العمل ووجد نفسه على هامش المجتمع، وربما رغبة في التشبث بذلك الحلم القديم تعويضا على احباطات الواقع، فهو يبدأ في الاتصال بمجموعة من العجائز من أبناء جيله، يريد اعادة تجميعهم في كيان تطوعي يطلق عليه "مجتمع الدائرة" circle communityبينما تحاول الزوجة (خايوتا) أن توقظه من أحلامه وتلفت نظره إلى ما في الفكرة من خيال، وأنه لم يعد هناك أحد سيمكن أن يتحمس لهذا النوع من الأفكار المثالية.
 
وعندما يشارك بيرل بمداخلة تليفونية في برنامج اذاعي على الهواء، طارحا فكرته، يحاوره المذيع ساخرا من الفكرة، ثم يقطع عليه بسبب "ضيق الوقت".
 
 
لقطة من فيلم "خايوتا وبيرل"
 
يعيش الثنائي حياة الفقر والفاقة، الطعام الباقي في البيت قليل لا يكفي طفلا، الكهرباء تنقطع بسبب محاولات بيرل اصلاح جهاز التليفزيون المعطل دون جدوى، ويستمر النصف الثاني من الفيلم في الظلام داخل المسكن البارد.
 
تكون خايوتا قد خرجت لشراء الدواء الذي تحتاجه، لكنها تقرر فجأة أيضا أن تذهب إلى السينما حيث تشاهد فيلم "انديانا جونز".. ينتهي الفيلم ويغادر الجمهور دار العرض لكنها لا تريد المغادرة، فقد أصبحت فكرة العودة إلى المنزل مرهقة تثير الكآبة والرفض. لكنها تغادر مضطرة في النهاية تحت ضغط عامل السينما، تتحدث تليفونيا مع ابنها في أمريكا، تخبره وهي تضحك أنها كانت تشاهد انديانا جونز. تبكي وتضحك في وقت واحد بعد أن تنتهي المكالمة بما يشي بتدهور حالتها العقلية أيضا. تحاصرها متسولة عجوز وهي داخل كابينة التليفون، تصر على أن تعطيها شيئا.. بعض النقود التي لا تملكها فقد رأينا كيف أنها عجزت عن شراء أنواع الدواء الثلاثة التي تتناولها مكتفية في النهاية بنوع واحد فقط بسبب عدم توفر ما يكفي معها من المال.
 
تقابل في طريقها رجلا يبحث عن ابنته التي فقدها. يبدو الرجل شاردا وقد فقد عقله تقريبا. يتشبث بها كما لو كان يتشبث بأمه. مشهد سيريالي غريب، في أحياء هامشية متدهورة، تنتشر فيها القمامة، وينتهي المشهد الغربي الذي يدور في الليل بأن يندفع الرجل لكي يرقد على صدر خايوتا ويبكي.. إنه بالقطع تحت تأثير المخدر.. تربت هي على ظهره..وتنجح في التخلص منه بصعوبة.
 
يأتي صوت مذيع من الراديو يقول إن 100 ألف شخص انضموا الى طوابير الفقراء في البلاد. مشهد تسجيلي بالأبيض والأسود لمزارع العمل الجماعية في الثلاثينيات والأربعينيات، ولقطة سريعة لتمثال لينين.
 
تعود لتجد بيرل يرقد في الظلام. لكنه يقول لها إنه استأجر فستانا بديعا كلاسيكيا يليق بحفل عيد ميلادها وآتى لها ببعض الزهور. يطلب منها أن ترتدي الفستان.. ويرتدي هو البذلة التي استأجرها من محل في وسط المدينة لهذه المناسبة.
 
يخرج الاثنان، يتجولان.. يدعوها الى تناول قطعة من البيتزا من كشك صغير رخيص. يقول لهما البائع الشاب إنه سيغلق وينصرف لأن الوقت متأخر.. لكنه يستدرك فيعطيهما قطعة من البيتزا مما يقى لديه.. مجانا.. يتناولها الاثنان في سعادة ثم يبتعدان.
 
كيف سيكمل الثنائي خيوتا وبيرل حياتهما أو ما تبقى لهما من العمر؟
 
فيلم جيد جدا بل هو أفضل ما شاهدت من الأفلام الاسرائيلية الخمسة، لأنه يعبر ببساطة وشاعرية ودون إحالات مباشرة، عن خشونة الواقع، ونهاية الحلم الصهيوني الكاذب، ببراعة وبلاغة سواء في استخدام الصورة والضوء (نصف الفيلم يدور تقريبا في الظلام أي تحت إضاءة شاحبة ضعيفة للغاية بعد انقطاع التيار داخل شقة الثنائي وفشل بيرل في استعادتها حتى النهاية)، إلى جانب البراعن الشديدة في التصوير داخل ذلك الديكور الضيق الطبيعي، والتعامل مع الممثلين الرئيسيين بكل هذه التلقائية والقدرة على الأداء الواثق أمام الكاميرا. وخصوصا الممثل يوسف كارمون الذي قام بدور بيرل.
 
في أحد المشاهد يذهب بيرل لبيع ذخيرته من كتب تاريخية نادرة، لكن البائع يعرض عليه مبلغا قليلا من المال لا يتناسب مع قيمة الكتب. يعود بيرل ليقوم بحرق مجموعة الكتب. وعندما تتساءل خيوتا عن سبب ما يفعله يقول لها: لقد بنينا مجتمعا جديدا ولكنهم باعوه لنا.. ان مشكلتنا أننا ظللنا مخلصين لأنفسنا". تواسيه هي فتقول له: إن كل شيء يمكن إصلاحه. لا يبدو أنه يصدقها.
 
العلاقة بين الثنائي مرسومة بدقة شديدة من جميع تفاصيلها: الحركة، اللغة، الضوء، حجم اللقطات القريبة في الغالب، تجسي التناقض بين الجيل الجديد (الذي تمثله الأخصائية الاجتماعية) وبين جيل بيرل وخيوتا. ويستدعي أسلوب المخرج في التعامل معهما إلى الأذهان الفيلم البديع الفائز بالسعفة الذهبية في مهرجان كان "الحب"، الذي تألق فيه الممثلان: جان لوي ترنتينيان وإيمانويل ريفا. ولاشك أن هناك تأثرا ما بهذا الفيلم ينعكس على طريقة تصميم الفيلم بل وفكرته أيضا، فهو كذلك فيلم عن تلك العلاقة التي تربط بين زوجين لأكثر من ستين عاما، مليئة بالب والإخلاص والتساند حتى النهاية.
 
الممثل إيفجي في لقطة من فيلم "الرجل الذي يقطع الماء"
 
 
الرجل والماء
وبينما عرض "خيوتا وبيرل: مدخل" في قسم "أيام فينيسيا، عرض فيلم"الرجل الذي يقطع الماء" The Cutoff Manللمخرج إيدان هوبل في قسم "آفاق". يقوم ببطولة هذا الفيلم الممثل الإسرائيلي الشهير موشي إيفجي Moshe Ivgyالذي سبق أن قام ببطولة الفيلم الشهير "نهائي كأس العالم" عن الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي للمخرج عيران ريكليس (1991).
 
هذا أيضا فيلم عما وصلت إليه الحالة الاقتصادية لسكان إسرائيل في الوقت الحالي.
 
رجل في منتصف العمر (جابي)، عاطل عن العمل، يضطر لقبول عمل صعب بالقطعة، يرفضه الكثيرون نظرا لدلالته البشعة، يتلخص في قطع الماء عن أصحاب المنازل الذين تعجزهم الظروف الاقتصادية عن دفع فواتير المياه.
 
ويتعين على هذا الرجل أن يتوجه بنفسه إلى كل منزل من منازل المتأخرين عن السداد، يطالبهم أولا بضرورة دفع الفاتورة، وعند عدم الاستجابة، كما يحدث في كل الحالات التي نراها في الفيلم، يقوم صاحبنا بفصل أنابيب توصيل المياه للمنزل، مما يعرضه للاشتباك مع السكان، والتعرض للاعتداءات النفسية والجسدية.
 
إنه يحصل على 11 شيكلا عن كل منزل يقطع عنه المياه. وهو يشعر بالعار مما يقوم به. لكن ماذا سيفعل وهو في حاجة إلى المال.
 
معروف أن الماء له أهمية شديدة الخصوصية (مع الأرض) في الثقافة الإسرائيلية عموما، ربما أكثر منها في أي بلد آخر، بسبب ندرة مصادر المياه، والحاجة الشديدة إليها. إنها رمز الحلم الصهيوني، فقد كانت النواة الأولى في إقامة الكيبوتزات التي توسعت وأصبحت فيما بعد مدنا وقرى، بفضل الزراعة.
 
بعد سلسلة من الصدامات والمتاعب الناتجة عن القيام بهذا العمل المرفوض شعبيا، يجد الرجل نفسه فجأة دون عمل، فالانتخابات على الأبواب، وليس من الممكن أن تقتطع البلدية الماء عن المنازل في ظروف الانتخابات. السياسة إذن تتدخل في حياته ومصيره الشخصي، والنفاق السياسي يلعب دورا في التحكم في حياة الآخرين.
 
الإبن مجند في الجيش لكنه غير قانع بما يقوم به.. يفر من الجيش لكنه يضطر للعودة في اليوم التالي مباشرة لكنه غير سعيد بعودته مضطرا. يطلب بعض المال من الأب. يبيع الرجل مواسير المياه التي يفصلها لكي يعطي ابنه المبلغ الذي يحتاج إليه. تنتهي الانتخابات فيعود الرجل الى استئناف مهمته القذرة. لكن هل سيستمر فيها؟ ينتهي الفيلم والتساؤل معلق!
 
فيلم غريب جديد في موضوعه على السينما الإسرائيلية، وكأنه يجعل من مشكلة التيه اليهودي "التوراتي" مشكلة أرضية تماما، تتعلق بالوضع الاجتماعي والحالة المعيشية الصعبة التي يتعرض لها الفرد في المجتمع الإسرائيلي اليوم.
 
فيلم هاديء الإيقاع، يعتمد أساسا على الممثل الواحد، وعلى نسج بعض اتفاصيل الصغيرة وإدخالها إلى النسيج العام للفيلم، لكنه لا يضل أبدا عن موضوعه، ولا يفقد التحكم في الأسلوب: الطابع اكئيب الذي يطغى على الصورة.. اللقطات الثابتة المتوسطة والبعيدة.. العزلة التامة المحيطة بالبطل- اللابطل.
 
إن تلك السمة من الاكتئاب التي نلمحها طيلة الوقت على وجه "جابي".. الشخصية الرئيسية في الفيلم، لهي أمر غير مألوف في السينما الإسرائيلية التي كانت في الماضي تحتفي بالقوة، والصمود، والنصر، وتتباهى بذلك المجتمع المتحرر الذي يكفل الفرد ويضمن له مستقبلا مزدهرا في نطاق الحلم الصهيوني.. دخلت الآن مرحلة ما بعد زوال الحلم، مرحلة الظلال، وانعدام الوضوح، والرؤى المختلطة المرتبكة التي يعبر عنها هذا الفيلم أفضل تعبير.
 

0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com