الثلاثاء، 10 يوليو، 2012

مهرجان الإسماعيلية.. دورة ثورية وجوائز عادلة







بقلم: أسامة عبد الفتاح 




كنت ممن اهتموا بمتابعة خطوات وإجراءات إقامة الدورة الخامسة عشرة من مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية والقصيرة (23 - 28 يونية 2012) فور اختيار الناقد أمير العمري مديرا له، لأنني رأيت في الاختيار حرصا من المخرج مجدي أحمد علي، رئيس المركز القومي للسينما (الجهة المنظمة)، علي إنجاح المهرجان وإعادته إلي أصله كتظاهرة سينمائية حقيقية وليس مناسبة للفسحة والتصييف، لما هو معروف عن العمري من جدية وثقافة سينمائية وخبرة طويلة تشمل خبرة سابقة في إدارة المهرجان عام 2001 . 
وحين أخبرني العمري في أوائل مارس الماضي، بعد أيام قليلة من اختياره، بأن النية تتجه لإقامة المهرجان في أواخر يونية من نفس العام، ظننته يمزح، فثلاثة أشهر - أو أكثر قليلا - لا تكفي أبدا لتنظيم مهرجان سينمائي دولي، فضلا عن أن هذا الموعد كان يتزامن مع ذروة معركة انتخابات الرئاسة المصرية، والكل كان متوقعا حدوث توتر خلالها، خاصة في ظل انفلات أمني لم يكن يسمح - في تقديري علي الأقل - بإقامة مهرجان بهذا الحجم واستضافة العديد من الضيوف الأجانب.
لكن مجدي والعمري كانا مصرين علي إقامة المهرجان رغم كل هذه الظروف، ورغم صعوبات أخري كبيرة أبرزها إقدام الإدارة السابقة علي إخفاء أو تدمير كل المستندات والوثائق والسجلات الخاصة بالمهرجان، بما فيها البريد الإلكتروني والاتصالات الخارجية، وإن كان العمري قال فيما بعد إن هذا العيب تحول إلي ميزة، لأنه أتاح للإدارة الجديدة فرصة البداية علي أسس صحيحة.. وقد شهدت بنفسي - في الأيام الأولي لتولي المهمة - كيف كان العمري ومساعدوه يجلسون حائرين في "غرفة" المهرجان بالمركز القومي للسينما، دون أرشيف ولا اتصالات هاتفية ولا وصلة إنترنت، وكيف بدأوا فعلا من الصفر.

 ثوب جديد
 في ظل هذه الظروف، لم تنجح الإدارة الجديدة فقط في إقامة المهرجان، بل صنعت له ثوبا جديدا وصححت العديد من أخطائه السابقة، رغم الميزانية الضئيلة التي لم تتجاوز المليون جنيه.. فقد تم نقل إقامة الوفود والضيوف من القرية الأوليمبية البعيدة إلي وسط مدينة الإسماعيلية لتكون قريبة من دور العرض ومواقع الأنشطة، وتم نقل العروض السينمائية من قصر ثقافة الإسماعيلية إلي مكان أكثر عملية ومواءمة هو دار عرض بوسط المدينة، ليقتصر دور القصر علي استضافة حفلي الافتتاح والختام والندوات النوعية.. والأخيرة في حد ذاتها تعد من إنجازات الإدارة الجديدة، حيث خرجت بالندوات من حيز مناقشة صناع الأفلام بعد العروض إلي آفاق نشر الثقافة السينمائية، بإقامة ندوات من نوع "ربيع الوثائقي"، عن الأفلام التسجيلية التي سبقت أو واكبت الثورات العربية، و"الثورة بعيون الآخر" عن رؤية الأجنبي للثورة المصرية، فضلا عن درس السينما الذي ألقاه المخرج التسجيلي الكبير قيس الزبيدي. 
كانت هذه الدورة - باختصار - دورة "ثورية"، ليس فقط لأنها الأولي بعد 25 يناير 2011 واتخذت من الثورة المصرية محورا - سواء بشكل مباشر في برنامجي الثورة بعيون المرأة وبعيون الآخر أو بشكل غير مباشر في البرامج الأخري - ولكن لأنها كانت أيضا دورة الشباب، الذين وقّعوا علي معظم أفلامها في جميع الأقسام، فيما عدا قسم "نوستالجيا مصرية"، الذي أعاد عرض أفلام البدايات لعدد من مخرجينا الكبار الحاليين، ومنهم محمد خان وداود عبد السيد، فضلا عن اختيار لجنة تحكيم شابة يرأسها شاب في الثلاثينات من عمره.
وخلال الوقت القصير الذي كان متاحا، أنشأت الإدارة الجديدة أول موقع إلكتروني للمهرجان، وضاعفت قيمة الجوائز المالية لتصل إلي 20 ألف دولار، بواقع 3 آلاف دولار لأحسن فيلم وألفي دولار لجائزة لجنة التحكيم في كل من فروع المسابقة الرسمية الأربعة (الأفلام التسجيلية الطويلة، والقصيرة، والروائية القصيرة، وأفلام التحريك).


 النجاح الحقيقي وكل ما ذكرت لم يكن ليعد نجاحا حقيقيا لإدارة العمري لو لم تكن قد نجحت في إشراك مجموعة من الأفلام الجيدة في الأقسام المختلفة، لكن الحقيقة أن أغلبية أفلام المهرجان كانت متميزة، وتم اختيارها بعناية، وعلي رأسها الفيلم التسجيلي الطويل "العذراء والأقباط وأنا" (87 دقيقة)، الذي حصد جوائز الدورة، حيث فاز بجائزة أحسن فيلم تسجيلي طويل، وجائزتي جمعيتي السينمائيين التسجيليين المصريين ونقاد السينما المصريين.. وهو إنتاج فرنسي - قطري مشترك للمخرج الفرنسي من أصل مصري نمير عبدالمسيح يدور حول ظهور العذراء في إحدي قري صعيد مصر، وما إذا كان خرافة من عدمه، مع تركيز المخرج علي أهله وأسرته التي خرج منها إلي فرنسا.. والفيلم بحق ممتع وأتمني أن يعرض جماهيريا وتجاريا ليستمتع به الجميع في مصر.
 وهناك التحفة الكورية الجنوبية "كوكب القواقع" للمخرج "سونج جين يي"، الذي يتتبع حياة زوجين من نوع خاص جدا: كفيف طويل القامة وقزمة، حيث يري الدنيا بعينيها وتصل هي إلي ما لا تستطيع الوصول إليه علي أكتافه..
 وقدمت مصر رؤية خاصة وناضجة لمنطقة وسط البلد الساحرة بعد الثورة من خلال فيلم "في الطريق لوسط البلد" لشريف البنداري. وأعجبني فيلم "تذكرة من عزرائيل" التسجيلي القصير (30 دقيقة)، وهو إنتاج مصري - فلسطيني مشترك من إخراج عبدالله الغول، بغض النظر عن أي ملاحظات فنية عليه، حيث يستمد أهميته الكبيرة من كونه أول فيلم علي الإطلاق - في حدود معلوماتي - يدخل أحد الأنفاق بين مصر وغزة، ويسرد التفاصيل الدقيقة لحفر هذه الأنفاق، والمواد والمعدات - والحيوانات أيضا - التي تُهرّب من خلالها.. كما نتعرف من خلال الفيلم، الذي يعد وثيقة دولية يمكن لمن يهمه الأمر أن يعود إليها، علي الأجور التي يتقاضاها الفلسطينيون مقابل حفر الأنفاق، ومنها أن أحدهم قال إنه يتقاضي 30 دولارا مقابل كل متر يحفره.. أما المساعدون، فيتحدد ما يتقاضونه وفقا لموقعهم بالنفق، فالذي يعمل وسط النفق يكسب أكثر من زميله العامل في أول النفق أو آخره لأنه يتعرض لدرجة أكبر من الخطورة، وهكذا.

 الجوائز
 وجاءت جوائز المهرجان عادلة في مجملها، لتؤكد نجاح تجربة إسناد مسئولية التحكيم للشباب، وجري توزيعها في حفل الختام يوم الخميس الماضي بقصر ثقافة الإسماعيلية علي النحو التالي: مسابقة الفيلم التسجيلي الطويل: أحسن فيلم "العذراء والأقباط وأنا" - جائزة لجنة التحكيم "كوكب القواقع" مسابقة الفيلم التسجيلي القصير: أحسن فيلم "مع فيدل مهما حدث" للمخرج الصربي جوران رادوفانوفيتش - جائزة لجنة التحكيم "في الطريق لوسط البلد" للمخرج المصري شريف البنداري - شهادة تقدير للفيلم الكرواتي "المراسل الحربي" للمخرج سيلفستر كولباس مسابقة الفيلم الروائي القصير: أحسن فيلم "جوبل" للمخرجة الرومانية رالوكا ديفيد - جائزة لجنة التحكيم "الحضّانة" للمخرج النمساوي كريستوف كوشنيج - شهادة تقدير للفيلم الجزائري الفرنسي "أدفيج" للمخرجة مونيا مدّور. 

مسابقة أفلام التحريك: أحسن فيلم "المقهي الكبير" للمخرج الروماني بوجدان ميهايلسكو - جائزة لجنة التحكيم الفيلم الاستوني "مجيء كاهن" للمخرج راو هيدميتس. وفاز الفيلم المصري "في الطريق لوسط البلد" لشريف البنداري بجائزة قناة الجزيرة الوثائقية وقدرها ثلاثة آلاف دولار.
 ومنحت جمعية السينمائيين التسجيليين المصريين، التي قدمت جوائزها رئيسة لجنة تحكيم الجمعية المونتيرة رحمة منتصر، شهادة تقدير للفيلم الدنماركي "نصف ثورة" للمخرجين عمر الشرقاوي وكريم الحكيم، وذهبت جائزة "حسام علي" لفيلم "يامو" اللبناني للمخرج رامي نيهاوي. ومنح مركز "آكت" جائزة المركز وقيمتها ألف دولار للفيلم المصري "ضل راجل" للمخرجة حنان عبد الله وشهادة تقدير لفيلم "سكون" البحريني للمخرج عمار الكوهجي. 

جريدة القاهرة
03/07/2012

0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com