الأحد، 30 ديسمبر، 2012

كلمات راقصة (مع التحية والتقدير للراحل العظيم جلال عامر)




·             كان جلال عامر أحد أصحاب الأقلام القليلة بل النادرة التي تملك – ليس فقط ناصية الكتابة والتعبير بلغة رفيعة وبسيطة في آن- بل من أفضل مواهب الكتابة الساخرة في الصحافة المصرية. وكان مقاله القصير اليومي في أكثر من صحيفة مصرية مستقلة، قيمة كبرى، فقد كان يتابع بالتعليق الساخر يوما بعد يوم، ما يمر من أحداث على البلاد، ويصوغ تعليقاته في سياق فني لا يمكن لغير جلال عامر أن ينسجه بحيث كان يقيس كلماته كلمة كلمة، ويزنها لكي يأتي تعليقه مختصرا ولكنه نافذ، موجع لكنه مضحك، وكان بالتالي ينطبق على ما يولده المقال من ضحك: إنه ضحك لكنه كالبكاء!
كان جلال عامر مهموما بقضايا وطنه، وكان مثل كل الكتاب الموهوبين، يقف إلى جانب الناس ضد السلطة، ضد النظام القمعي، وكان يوقظ وينير ويدعو من خلال مقالاته اليومية، إلى الانتباه لما يحاك في الظلام من مؤامرات، ويسلط الأضواء على الكثير من السياسات القمعية بمنتهى الجرأة والشجاعة وفي أشد أزمنة القمع.
كان جلال عامر قيمة كبرى في حياة شعبه، وقيمة استثنائية في الصحافة العربية.

·             بعض الكتابات الكثيرة التي تنشر (في السينما) أو (في النقد السينمائي) في الكثير من المطبوعات والمواقع الالكترونية، لا يمكنك أن تكمل أكثر من بضعة أسطر منها، قبل ان تصاب بالتلبك المعوي، والبعض الآخر لا يمكنك أبدا ان تتركه أو تقلب الصفحة وتنتقل إلى صفحة أخرى في المطبوعة، مهما كنت مشغولا، فالكتابة الساحرة والأسلوب الجذاب يشدك بل ربما أيضا تشعر بنوع من الحزن عندما تنتهي من قراءة المقال لأنه انتهى!
·             نقاد التلبك المعوي تعرفهم من أسلوبهم في الكتابة، وهو أسلوب يتعامل مع الفيلم كما يتعامل الميكانيكي مع السيارة أي أن الفيلم عندهم ليس كيانا فنيا شاملا حيا نابضا متكاملا بل مجموعة من الأجزاء الميتة التي تؤدي مجموعة من الوظائف المحددةـ فإذا لم يعجب الكاتب بوجود ممثل معين في الفيلم يصبح الفيلم كله منعدما، وإذا كان السيناريو لا يحقق جذب المشاهد من خلال (الحركة) منذ الدقائق الخمس الأولى، يصبح الفيلم منعدم القيمة، باردا، لا يتطور، حتى لو كشف الفيلم بعد قليل من الوقت، عن بناء فني شيق ومدخل مبتكر تماما لتناول الموضوع. وكم من الأفلام العظيمة قتلها الاستعجال: في المشاهدة والرؤية والأحكام والكتابة... ومغادرة دار السينما لأن "الكتابة أهم من المشاهدة"!
·             بطبيعة الحال لا يكتب الناقد سوى عما يشاهده بالكامل، بل وعما يثير اهتمامه فهو ليس مطالبا بالكتابة عن كل ما يشاهده من أفلام مهما كان مستواها أو كانت درجة اهتمامه (الشخصي) بها، فلابد أن يثير الفيلم اهتمام الناقد وإلا أصبحت الكتابة عن كل الأفلام نوعا من "الواجب" الذي يؤديه الصحفي بكسل شديد وينتهي من الفيلم في بضعة أسطر يقدم من خلالها حكما نهائيا مبتسرا لا يحلل ولا يكشف ولا يتوقف حتى أمام زاوية محددة جيدة من الممكن أن تكون قد شدت انتباه الكاتب.
·             كان الصحفي الراحل ابراهيم الورداني يصف كتابات طه حسين بأنها أقرب إلى ثقافة الجن والعفاريت وإنه لا يفهمها، وإنه سيتوقف عن الكتابة إذا كانت هذه هي الثقافة!
·             طبعا كلنا نعرف من هو طه حسين لكني أشك أن أحدا من الأجيال الثلاثة الأخيرة يعلم شيئا عن ابراهيم الورداني.
·             وهذه النظرة هي تحديدا ما يتطلع من خلالها الكثيرون حاليا إلى بعض الأفلام التي يرونها (فوق المستوى) أو (خارج ذوق الجمهور أي تتعالى عليه) أو (فيها أكثر من اللازم من الثقافة) أو (تحتاج إلى دليل تفسيري)... وكل هذه التعبيرات مقصود منها شيء واحد فقط هو (رفض الفيلم) لأنه بعيد عن السائد أي أنه من ضمن ما اعتبره الورداني "ثقافة جن وعفاريت"!
·             أن يكون الفيلم منتجا فنيا له علاقة بالثقافة، بالجمال، بالفلسفة، بالتعبير الفني والفكري، بالعلاقة بين المبدع السينمائي والعالم، هذا الأمر مرفوض، ليس فقط من جانب الكثير من الذين يصنعون الأفلام في العالم العربي، الذين دائما ما يدافعون عن أفلامهم الرديئة التي يسلقونها ويتعاملون معها باعتبارها سلعة استهلاكية سريعة (تؤدي غالبا إلى عسر الهضم أيضا!)، بل إن الكثيرين ممن يكتبون عن الأفلام أيضا يعتبرون أن كل الأفلام التي لها علاقة بالتعبير الجمالي والفكري عن العالم هي أفلام "تدمر السينما" وتنفر الجمهور وتبعده عن دور العرض بل وتقتل السينما نفسها. وقد عرفنا ذلك الناقد (من جيل السبعينيات) الذي تخصص خلال العشرين عاما الأخيرة في إهالة التراب على كل ما نعرفه في تاريخ سينمانا من أفلام جيدة منحازا لسينما التسلية (العربية والأمريكية) باعتبار أن هذه هي السينما، وماعداها محض أوهام!

السبت، 22 ديسمبر، 2012

'الشيخ امام في عصر الثورة والغضب': عندما كانت مصر تحبل طويلاً بالثورة!


بقلم: محمود عبد الشكور


عن جريدة "القدس العربي"- عدد 22 ديسبر 2012



 
أشعر بدين عميق كلما قرأت كتاباً يعيد شحن بطاريات العقل والوجدان، أفكر فوراً في أن أكتب بحماس يوازي قوة تلك الشحنة، وأتمنى ان يقرأ الآخرون ما قرأت، وأن يستمتعوا كما استمتعت، ويزيد ثقل الإحساس بهذا الدين، إذا كان قد فاتتني قراءة الكتاب في وقته، يحتاج الأمر هنا الى استدراك مضاعف، وتحية مزدوجة.
وقد فاتني الكثير بالفعل لأنني لم اقرأ كتاب الناقد أمير العمري وعنوانه 'الشيخ إمام في عصر السينما والغضب' حين صدوره في عام 2010، كان اهتمامي وقتها منحصراً في متابعة كتبه وقراءاته النقدية السينمائية الرصينة، كما كتبت وناقشت في ندوات، كتُبه الأخرى التي تنقل ملامح عصر السينما، والتي تنظر الى الحياة من منظور عين السينما، بل إنها تجعل الحياة في قلب السينما الجميلة.
الآن ، وبعد أن فرغت، وفي جلسة واحدة، من قراءة كتاب 'الشيخ إمام في عصر الثورة والغضب'، أجدني مضطراً الى الإعتراف بأنه من المستحيل أن تفهم الأفكار الفنية والجمالية التي ينطلق منها أمير العمري في رؤيته للسينما أو العالم إلا بالعودة الى هذا الكتاب الحميم الذي تحضر فيه الذات لتستدعي العصر بأكمله، عصر الثورة والغضب الذي صنع ظاهرة نجم وإمام وتأثر بها.
لا أجد الكتاب منقطع الصلة بالسينما والفن عموماً، ليس فقط لأنه يعيد قراءة وتحليل بعضاً من روائع الشيخ إمام التي كانت تغني في ميدان التحرير في أيام ثورة يناير، ولكن لأنه يرسم ملامح زمن يمكن أن يصنع فيلماً سينمائياً كبيراً بشخوصة وبأفكاره وبتحولاته، يكفي أن نجم وإمام لم يظهرا روائياً إلا بصورة سطحية وساذجة في فيلم 'الفاجومي' الذي أخرجه عصام الشماع، ويكفي أن الفيلم الوثائقي المصري الذي يتم إعداده منذ عام ونصف عن الشيخ إمام مازال متعثراً حتى الآن، ويكفي أن أحداً لا يعرف مصير المادة الفليمية (على شرائط 35 مللي) عن إمام ونجم، التي يذكر الكتاب أنها بحوزة المخرجة اللبناينة هايني سرور.
على أن قوة الكتاب الأساسية، وهي أيضاً مصدر تأثيره، في صدقه الشديد، وكأن مؤلفه كتبه ليسترجع بعضاَ من نفسه، من حياته الجامعية، ومن الشخوص الذين عرفهم، وكأنه يجتر لذة أول مرة سمع فيها في مدرجات الجامعة إمام ونجم، ويربطها بأول مرة شاهدهما في التليفزيون وهما يغنيان أمام الناقد الراحل رجاء النقاش أغنيتهما الشهيرة 'جيفارا مات'، يومها قطعوا عنهم البث، وأذاعوا برنامجاً آخر، وكأن مؤلف الكتاب قرر أن يرسم زمناً بحجم الأحلام دون أن يفلت تفصيلة واحدة، وكأنه لايرى فارقاً بين إمام وعصره، جاء المغني الضرير ابن قرية 'ابو النمرس'، ليلتقي مع الشاعر الفاجومي ابن الشرقية، ليكونا على موعد مع الجيل الخارج من أنقاض الهزيمة، ليتقابل الجميع في زمن الحرب والإنتقال من عصر الإشتراكية الى عصر الإنفتاح.
يمتلك الكتاب طاقة عاطفية لا شك فيها، نوستالجيا شفيفة وآسرة، ولذلك لا يمكن أن تنزعج لاستطرادات تسربت من الذاكرة بفعل التداعي، فأكسبت السرد طزاجة وحيوية، ونقلت ألوان المكان ورائحته، ولكن الكتاب أيضاً به الكثير من التحليلات اللافتة والقراءات الذكية عن الشيخ إمام وعصره، لفت نظر العمري مثلا أن جمهور الشيخ إمام لم يكن إلا من الطبقة البرجوازية التي طالما سخر منها، جمهور مثقف محفلط تسخر منه أغنية مثل 'يعيش أهل بلدي'، جمهور قاهري بعيد عن جمهور إمام المفترض من البسطاء والعمال والفلاحين، بل إن الثنائي الشهير سرعان ما أقام الحفلات في لندن وباريس وسوريا ولبنان والجزائر.
أعجبني جداً تفسير هذا الإحتضان البرجوازي لظاهرة مضادة للبرجوازية باعتبار ذلك محاولة من مدمني الحلم بالثورة للتعبير عما يجيش في الصدور من إحساس بالذنب بعد كل ما وقع من نكسات، وكان في هذا النوع من الغناء تعذيب للذات أيضا على نحو ما، هذا تحليل وتفسير طريف ومختلف ويستحق النقاش، كما أن تفسير العمري لتعامل نظام مبارك مع ظاهرة نجم وإمام لا يخلو أيضا من وجاهة، فقد ارتأى النظام نفي الظاهرة الى الخارج، وتحجيمها باعتبارها مرتبطة أساسا بعصري عبد الناصر وانور السادات، والى حد كبير تحقق ذلك وخصوصاً بعد الخلاف بين القطبين إمام ونجم.
تندهش أيضاً لأن التحليل العقلي الإنتقادي الذي يتسلل عبر شحنة عاطفية تعبر عن إعجاب كبير بالشيخ إمام، انتهى الى ما يشبه النبوءة التي تحققت بالفعل بعد صدور الكتاب، يقول العمري بالنص :' يجب أن نأمل في أن أغاني الشيخ إمام ستعود بقوة لكي تحرك الجموع مستقبلاً، ولكن في إطار حركة وطنية ديمقراطية حقيقة تفرز قياداتها، وتطرح برنامجاً شاملاً للتغيير في مصر'، وهذا ما حدث فعلاً في ميدان التحرير، وكل ميادين الثورة في مصر في بداية عام 2011، إذ تصدرت الساحة أغنيات مثل 'يا مصر قومي وشدي الجيل'، و'صباح الخير على الورد اللي فتح في جناين مصر'، و'رجعوا التلامذة ياعم حمزة للجد تاني'، وكلها من روائع الشيخ إمام الغنائية.
ولكن الكتاب يضيف الى الشحنة العاطفية والتحليل النقدي حديثاُ تفصيلياً عن مجموعة من أهم أغنيات الشيخ إمام مع نجم أو مع غيره من الشعراء الكبار مثل نجيب سرور وزين العابدين فؤاد وفؤاد قاعود، بل ويحكي أمير العمري عن ليلة مولد لحن أغنية 'البحر بيضحك ليه' التي كان شاهداً عليها في منزل الكاتب عبده جبير في حي السيدة زينب، وبحضور 'سرور' وشخصيات أخرى معروفة مثل الصحفي أسامة الغزولي و الناقد الراحل عبد الرحمن أبو عوف، وكان نجيب سرور يطلب من الشيخ إمام أن يقوم بـ 'تدليع' الأغنية أكثر واكثر، خاصة في المقطع الذي يقول: بيني وبينك سور ورا سور/ وانا لامارد ولا عصفور / في إيدي عود قوّال وجسور / وصبحت أنا في العشق مثل.
يكشف الكتاب عن نسخة أخرى لا نعرفها بلحن آخر لأغنية 'فاليري جيسكار ديستان' قدمها إمام في حضور طلبة الجامعة، وكانت تبدأ بأبيات تقول :'شوف عندك يا تعبان/ واتفرج ع الجورنان/ فارد شنبات على تحت / ومداري مكان الكحت / ع القورة ولو فتّحت / حتشوفهم بالألوان '. ويناقش المؤلف فكرة محاولة احتواء نظام عبد الناصر لظاهرة إمام ونجم، كما يفرّق بين تلقائية الشيخ إمام الشعبية، وبين ما يبدو من تلقائية نجم التي تقف خلفها ثقافة وقراءة واسعة بالذات في الأدب والشعر، وفي الكتاب أيضاً ما يعطي حق أغنيات قدمها الشيخ إمام ولكنها أقل شهرة، مع أنها ليست اقل جمالاً مثل أغنية 'العزيق' و'الكمسري'، وهما من إبداع الشاعر الكبير فؤاد قاعود الذي رحل عن عالمنا عام 2006، أعجبني أيضاً بشكل خاص ذلك التحليل الذي يتتبع مسار تجربة إمام داخل وخارج مصر، وينتهي إلى محاولات المتأسلمين سرقة التجربة وتطويعها لشعاراتهم كما سرقوا شعارت اليساريين، واستخدموها تحت لافتات جديدة.
ربما يرجع تأثير الكتاب كذلك في نجاحه أن ينقل صورة لعصر وظاهرة نشأت في زمن مليء بالصراعات والتناقضات، عصر المخبرين حتى من بين طلاب الجامعة، زمن تليفزيون الأبيض والأسود وأجهزة التسجيل الضخمة العتيقة، أيام ثورة الطلبة والقصائد الجريئة ذات الألفاظ المكشوفة بما فيها قصيدة نجيب سرور ذائعة الصيت التي ألقاها بنفسه على الطلبة في قلب الجامعة، ثم إنك تتحدث عن موهبيتين بحجم إمام ونجم يمتلكان قدرة رائعة على السخرية والهجاء، يخرجان من السجن ليدخلاه من جديد، يظهران في التليفزيون ثم يختفيان الى الأبد، يصنعان أغنيات عن العمال والفلاحين ولا يسمعهما إلا المثقفون والطلاب، لم يتح لهما النظام أبداً أن يصلا الى الريف فظلا محبوسين داخل شرائط كاسيت وأوراق مكتوبة يتم نسخها وتهريبها، دراما كاملة عن عصر الثورة والغضب.
هذا كتاب تحضر فيه ذات مؤلّفه بكل ذكرياتها وأحلامها لتستحضر عصراً وظاهرة فنية استثنائية، تنمحى الفواصل بين الخاص والعام، الأحلام الكبيرة والتفصيلات الصغيرة، شهادة هامة على مرحلة لم تعشها أجيال كثيرة اقتنصها أمير العمري مثلما اقتنص ذكرياته عن عصر السينما ونواديها في السبعينات، فترة كانت يمكن أن تقودك الى سماع موسيقى كلاسيكية في قصر ثقافة دمياط، مثلما قد تقودك الى السجن مشفوعاً بوشاية زميلك الجامعي الذي كنت تظنه ثورياً ومناضلاً.
مازلت أرى أن في جعبة أمير العمري ما يستحق التسجيل عن تلك السنوات، حقبة السبعينات المليئة بالكثير من الأسئلة المعلّقة، أيام القلق والخوف والحرب والحب والحلم، الشيخ إمام وعبد الحليم حافظ وهيكل ونجم، الميني جيب والذقون والجنازير والسلاسل، حرب اكتوبر وزيارة القدس، عودة الوعي ونجيب سرور، التكفير والهجرة والتفكير في الهجرة.
أحسب أن في عنق هذا الجيل الذي عاش تلك الأيام الصاخبة بوعي وبحماس ديناً كبيراً يشبه ذلك الدين الذي أشعر به تجاه كل كتاب جميل وعميق ومؤثر.
لا نطلب منهم سوى أن يحكوا عن أنفسهم مثلما يحكون عن عصرهم كما فعل أمير العمري في كتابه/ الشهادة عن العبقري الراحل الشيخ إمام.

الخميس، 20 ديسمبر، 2012

السينما المهددة بالإلغاء!






ونحن على أعتاب العام الجديد 2013، نودع عاما مليئا بالتقلبات والصراعات ونستقبل عاما جديدا نتمنى أن يكون عاما للاستقرار وبداية البناء.
مهرجانات السينما العربية منها ما يواجه الفناء بسبب سياسات جديدة تغبر حياتنا وتهجم عليها تسعى إلى تدمير ثقافة راسخة ممتدة لأكثر من 200 عام، لكي تحل محلها بثقافة صحراوية وافدة من بلدان البداوة والفكر العتيق بلسسم الدين والدين منها براء.
المهرجانات ليست فقط هي المهددة بالموت (مثل مهرجان القاهرة السينمائي ومهرجان الاسماعيلية ومهرجان الاسكندرية وغيرها من مهرجانات ربما يعلن الوزير الجاثم حاليا على صدر الثقافة المصرية الغاءها) بل إن ثقافة الحرية والنور والتنوير والتواصل المنفتح مع العالم، مهددة ايضا بالحظر والمنع والهرب من تلك المنطقة من العالم إلى حيث الأجواء أكثر رحابة وترحيبا واستعدادا لتقبل الفكر الحر الذي لا يعرف المنع والمراقبة والحظر والتشهير.
إن السينما رافد واحد من روافد ثقافية عديدة، ولكنه رافد أساسي ومهم شهد خلال السنوات الأخيرة طفرة كبيرة في حجم الانتاج الحر المستقل الذي يصنعه الشباب في العالم العبي شرقا وغربا، لكن هذه الطفرة تواجه اليوم هجمة شرسة باسم الدين تروج لأفكار فاشية مثل "الفن في خدمة الأخلاق" والسينما في خدمة العقيدة، وما إلى ذلك.
لهذا كله سيصبح موقف النقد السينمائي أكثر صعوبة فالمطلوب منه اليوم لم يعد فقط التنويه بالأعمال المتميزة فنيا وفكريا، بل والتوقف أمام تلك الظواهر السياسية والاجتماعية الخطيرة التي تحاول أن تصيب فكرة التعبير الفني نفسها في مقتل، وادخول معها في جدل جاد وحقيقي حتى يهرف الجميع الحقيقة بعد ان تراجع المثقف الديمقراطي الوطني لعقود عن مواجهة أنصار ذلك التيار الظلامي بدعوى الابتعاد عن استفزاز الجماهير، والخوف من الاتهام بالكفر والمروق!
هناك أسئلة كثيرة بواجهها العاملون في حقل الفكر والثقافة والسينما منها: هل نحن في حاجة اليوم إلى وزارة ثقافة في ظل هذه الهجمة الشرسة على الثقافة واهامها بالترويج للعلمانية والليبرالية واليسارية أي تصويرها على أنها أي الثقافة الحديثة عموما، معادية لما يطلقون عليه "المشروع الإسلامي" دون أن نعرف له أي ملامح.. بل وحتى ما يدعونه الشريعة الإسلامية لا يتفق إثنان على معناها وتفاصيلها وطريقة تنفيذها.. بل ولا ندري ما الذي يمنعهم من تطبيقها أصلا؟
وهنا أيضا سؤال الكتابة.. فنحن مرة أخرى، نجد أنفسنا مدفوعين لأن نسأل أنفسنا: لمن نكتب ولماذا وكيف؟ هل نكتب للقاريء المفترض الذي يعرفنا من البداية، أم لقاريء جديد؟ هل القاريء الجديد هذا على استعداد لتواصل مع الكاتب، وهل الكاتب يكتب من أجل قضية الفن الجميل والفن الراقي والفن التقدمي، على هذا النحو من التعبيرات العامة التي قد يختلف حولها الجميع، أم أنه يكتب مواكبا الظرف السياسي والاجتماعي السائد لأنه ليس من الممكن أن ينفصل عنه؟
كيف سيواجه الكانب والناقد ذلك النوع من "الرقابة الجديدة" التي ظهرت بالفعل مع انتشار تيارات الفكر الظلامي التي أصبح أصحابها اليوم يحملون السلاح ويجوبون شوارع المدن مهددين ملوحين بقتل كل من يختلف معهم وتلقين كل من لا ينشد نفس النشيد (الفاشي الواحد) درسا لا ينساه.. وهو درس نعرفه ويعرفه كل المفكرين والمبدعين في العالم.. درس من التاريخ.. تاريخ الهجوم على الفكر بدعوى المصلحة العامة، وتكفير الآخر استنادا إلى نصوص مشكوك في صحتها وفتاوى تصدر، وكانت دائما تصدر لأغراض سياسية.
علينا أن نواجه بشجاعة في نهاية الأمر، كل هذه الأسئلة وكل ما يستجد منها يوميا على الساحة. وإن لم نفعل فسيحاسبنا التاريخ.

الأحد، 16 ديسمبر، 2012

مهرجانات السينما العربية ومنع الأفلام لاسباب سياسية!


  
لم أعرف أن مهرجانا سينمائيا عالميا أي غير عربي أي لا يدار بواسطة العرب، كان يدعو أفلاما من دول يرى انها لا تحترم مثلا، حقوق الإنسان أو تضطهد شعوبها، ثم يقوم بمنع عرض هذه الأفلام بعد أن ينتبه أو يقوم البعض بتنبيهه إلى أن البلد الذي ينتمي إليه الفيلم أو مجموعة الأفلام المقصودة المستهدفة، هو بلد "مارق" أو لا يحترم حقوق الإنشان، أو تقتل السلطة فيه الشعب!
كانت مهرجانات السينما في العالم منذ الثمانينيات أي بعد انتصار واستقرار ما يسمى بـ"الثورة الإسلامية" في إيران وإقامة نظام الملالي العنصري الذي لايزال يحكم قبضته على السلطة في بلاد فارس العريقة، كانت تعرض أفلاما من إيران، أي قادمة من الداخل، ومن دون أن ينبري أحد بالقول إن هذا الفيلم أو ذاك يمكن أن يكون تجميلا لنظام عنصري يضطهد شعبه ويقمع الحريات.
لم نر سينمائيا من إيران يقيم في الغرب ويدافع عن حقوق الشعب اإيراني ويعارض نظام الملالي الغاشم، يطالب مهرجانات السينما العالمية مثل كان وروتردام وبرلين، بمنع عرض الأفلام الإيرانية القادمة الإيران بدعوى أنها من الممكن أن تكون "ممثلة للنظام".
أسوق هذا المثال فقط بعد أن تحول منع عرض أفلام من سورية في مهرجانات تقام في العالم العربي مثل القاهرة ودبي وغيرهما، ظاهرة من الظواهر السيياسية التي برزت مؤخرا.
والمصيبة أن مثل هذه المهرجانات لا تمتنع من البداية عن عرض أفلام قادمة من سورية، بل إنها تقبل هذه الأفلام وترحب بها وتدعوها ومخرجيها إلى المشاركة،  وعلى رأس هذه الأفلام كما يعلم الجميع، الفيلم الجديد للمخرج السوري عبد اللطيف عبد الحميد الذي يحسبه كثيرون على النظام السوري ربما لرفضه توجيه إدانة سياسية مباشرة لنظام بشار الأسد. ولكنها تعود بناء على إعتراض بعض صناع الأفلام من المعارضين السوريين للنظام، بمنع عرض هذه الأفلام وهو ما حدث مع فيلم عبد اللطيف عبد الحميد وغيره، ويصل الأمر أيضا إلى حد تهديد السينمائيين المعارضين بسب أفلامهم من المهرجان إذا تم قول وعرض الفيلم المغضوب عليه أو بالأحرى، على صاحبه!
إن الفيلم هو الفيلم، وهو يتحدث عن نفسه، ولا يجب محاكمة الأفلام أبدا طبقا لمواقف أصحابها السياسية، بل يتعين أن يكون الحكم عليها خاضع فقط لمستواها الفكري والفني، وهو تقييم تتوصل إليه عادة لجان الاختيار من وقت مبكر قبل إقامة المهرجان.
أما أن يكتشف المهرجان بعد الإعلان عن برنامجه أن فيلما ما قد قبل على سبيل الخطأ، أو يستجيب لبعض الاعتراضات من جانب البعض فهي ظاهرة تكرس في الحقيقة لنوع من العقاب السياسي المرفوض لفنان لا يبقى له في نهاية الأمر سوى وسيلته في التعبير الفني أي الفيلم، وهو الشيء الوحيد الذي يجب محاسبة السينمائي عنه في هذه الحالة تحديدا.
وأعود لكي أؤكد عل أن الفنان موقف، وأن الموقف السياسي للفنان لا ينفصل عن مجمل تجربته الإبداعية ولكن ها الموقف وتلك الرؤية الإبداعية يجب أن تكون واضحة من البداية أمام الخبراء الذين يختارون الأفلام، وعندما يتم الاختيار لا يعود من الممكن التراجع بدعوى أن هناك من يهدد بسحب فيلمه إذا حضر فيلم يعارض صاحبه فهذا نوع من الابتزاز السياسي المرفوض.
وكان يتعين على المهرجان أن يرفض الخضوع لمثل هذا الابتزاز. ولكنها إحدى ظواهر التخلف العربي السائدة هذه الأيام. فلم أعرف أن سينمائيا إيرانيا ثائرا اعترض أو رفض حضور مهرجان يعرض فيلما لسينمائي إيراني آخر من الموالين للنظام. وإذا كان هذا قد حدث إلا أننا لم نسمع أن مهرجانا كبيرا استجاب له وتوافق معه فالمواقف لا تخضع للابتزاز ولا ينبغي لها أن تخضع.
لم أشاهد فيلم "العاشق" لعبد اللطيف عبد الحميد ولا أعرف ما إذا كان جيدا أم رديئا، بل ولا أعرف بالضبط موقف صاحب الفيلم من الثورات العربية أو من الضطرابات السياسية التي تحدث في المنطقة وتلك الخرب اأهلية الدائرة في سورية بين طرفين (هي لم تعد ثورة شعبية بل حرب مسلحة من أجل السلطة تتدخل فيها قوى عديدة إقليمية ودولية). لكن ما يهمني هنا ألا نذبح سينمائيا بسبب خلافات القوى السياسية حول طبيعة ما يحدث في سورية، وكان من الضروري ألا يتم استدراج مهرجانات عربية كبيرة للوقوع في هذا المأزق. وهذا موقفنا بكل وضوح حتى لو أغضب البعض!

الأحد، 18 نوفمبر، 2012

الطريق لوسط البلد" نموذج للفيلم التسجيلي العشوائي!



أمير العمري


من أهم خصائص الفيلم التسجيلي الجيد تركيزه على الموضوع الذي يريد مخرجه وصانعه أن يتناوله. من الممكن أن يلجأ مخرج الفيلم إلى استخدام الكثير من العناصر المرئية والصوتية، سواء الموجودة في الواقع أو تلك التي يمكن أن يخلقها خلقا لتأكيد رؤيته، شريطة أن يكون ملما بكل دقائق هذه العناصر التي يستخدمها، وأن يكون أيضا مسيطرا على دقائقها وتفاصيلها بحيث لا يطغي عنصر على عنصر آخر.
من الممكن له أن يستخدم الكثير من الشخصيات التي يتابعها في مسارها اليومي- الحياتي، أو يستمع إلى تجاربها الخاصة، أو يطلب منها إعادة تمثيل مواقف ما تدفع سياق الفيلم وتضيف إلى موضوعه وتؤكد على ما يريد المخرج توصيله للمشاهد أو ما يرغب في تحقيقه من "تأثير" حتى لو كان تأثيرا مجردا، جماليا.
لم يعد ممكنا أن نكتفي بالقول إن الفيلم التسجيلي الجيد هو الذي يكون مخلصا في تسجيله للواقع. فمهما بذل المخرج من جهد فهو لن يستطيع في النهاية، تقديم الواقع كما هو، بل ستظل هناك زاوية ما للرؤية، أو صورة محددة للواقع يريد المخرج نقلها إلينا كمشاهدين، وتفاصيل معينة في الصورة هي التي تحظى باهتمامه.
من حق السينمائي أن يختار البناء الذي يراه مناسبا، لكن يتعين عليه السيطرة على كل عناصر الفيلم لكي يدفعها في اتجاه الموضوع الذي يرويه الفيلم أو يناقشه. والفرق كبير بين الفوضى المنظمة والفوضى العشوائية.
هذا المدخل أراه ضروريا قبيل تناول الفيلم المصري التسجيلي "في الطريق لوسط البلد" للمخرج شريف البنداري. (الصحيح لغويا "في الطريق إلى وسط البلد"). أما إذا توقفنا أمام العنوان في علاقته بمادة الفيلم نفسه فسنرى أن موضوع الفيلم لا يتعلق فقط بالطريق الذي يسلكه الناس في طريقهم إلى وسط مدينة القاهرة، أو  إلى ذلك "المربع السحري" الذي يصفه بالتفصيل، الكاتب الأمريكي ماكس رودنبك في كتابه الممتع Cairo, The City Victorious بل أساسا، بوسط البلد نفسه، أجواؤه وأناسه وأرصفته ومبانيه.

الدوران حول الفكرة
لكن من حيث أراد المخرج تصوير منطقة وسط القاهرة بخصوصيتها المعروفة التي قام بتفصيلها علاء الأسواني في "عمارة يعقوبيان" مثلا، فإنه يجد نفسه مهتما أكثر بالكثير من الشخصيات والأشياء التي تعتبر خارج نطاق "وسط البلد"، وبالتالي فهو يفقد التركيز على الموضوع، ويقع في عشوائية السرد بعد أن لجأ إلى طريقة في المونتاج لا تبني مشهدا بعد آخر لكي يضيف شيئا إلى الفيلم من خلال كل مشهد، بل يعيد ويكرر، ويعود إلى ما سبق أن صوره، لا لكي يطوره أو يجعلنا ننتقل إلى الأمام، نحو اكتشاف مناطق جديدة في الموضوع، بل للدوران حول الفكرة دون الدخول في عمق الموضوع، وأصبح الفيلم بالتالي فاقدا للتوزان الفني المطلوب في أي عمل.
كيف حدث هذا؟ وما هو الدليل عليه؟
من المعروف في الفن السينمائي، أن الفيلم، سواء الروائي أو التسجيلي، الذي يحتوي على لقطات منفصلة جميلة في حد ذاتها، لا يكون بالضرورة فيلما جيدا، بل قد تصبح مثل هذه اللقطات "الجميلة" عبئا عليه، كما أن ليس كل ما يلتقطه المخرج- أو صانع الفيلم، من لقطات أثناء تصوير الفيلم، تصلح لأن يضمها إلى جسد الفيلم. فالفيلم له منطقه الداخلي الخاص. وكل مشاهده وشخصياته يجب أن تخضع لهذا المنطق، مهما بدا هناك من فوضى "ظاهرية". 
يبدأ فيلم شريف البنداري من "وسط البلد" بالفعل، وليس من الطريق إلى وسط البلد"، فمن اللقطات الأولى في الفيلم نرى ميادين وسط القاهرة الشهيرة، لافتات المحلات التجارية في شارع قصر النيل، زحام سيارات الأجرة، الباعة الذين افترشوا أرضية الأرصفة يعلنون عن بضاعتهم، والمشاجرات بينهم على احتلال الأرصفة.. إلخ
هناك فتاة تقود سيارة تحاول الوصول إلى صديقة لها تقطن في شارع عدلي لكنها تعجز عن تحقيق هدفها، نراها من حين إلى آخر، وهي في الطريق، لا تستطيع أن تترك سيارتها في مكان أمين، تمر – كما تقول لصديقتها عبر الهاتف- مرات عديدة من أمام العمارة السكنية المقصودة لكنها لا تجد مكانا تقف فيه بالسيارة. وجود المنزل الذي تقصده بالقرب من المعبد اليهودي بما يقتضيه من تأمين، يزيد من تعقيد المشكلة. هذه الفتاة سيتكرر ظهورها عبر الفيلم، ونعرف أنها كانت مقيمة في الخارج وعادت للقاهرة وشاركت في ثورة 25 يناير وأنها تسترجع مع المخرج ذكرياتها وتتحدث عن ميدان التحرير وما أصبح يمثله لها.
وهناك إمرأة أخرى، نصف أجنبية، تقيم في شقة في وسط القاهرة، تزور في البداية مكانا لبيع المشغولات اليدوية، يديره فرنسي يحدثها عن اضطراره لغلق المكان أثناء الثورة بسبب خشيته على العاملين من قنابل المولوتوف. وسنعرف فيما بعد أن المرأة ربما تكون صاحبة ومؤسسة معطم شهير في وسط المدينة هو مطعم أستوريل، وأن لديها ذكريات خاصة في المنطقة، تستعيد بعضها من خلال مجموعة من الصور القديمة. وهي تتكلم في البداية بالإنحليزية رغم أنها تعود فتتكلم بالعربية بسلاسة!
وهناك شخص آخر نراه داخل مكتبه يحدثنا عن ذلك المنهج الدراسي الذي يقوم بتدريسه عما يطلق عليه "الفراغات البينية" في منطقة وسط القاهرة، دون أن يفهم المشاهد ما هي الفراغات البينية وما هي أهميتها وأهمية دراستها فالفيلم لا يوضح هذا الجانب ولا يسلط عليه الضوء بل يمر عليه مرور الكرام، لكن المخرج يعود إلى الباحث الأكاديمي نفسه، عبر الفيلم، مرات ومرات، فقط لكي نراه وهو يقوم بتجميع أجزاء ذلك النموذج الخشبي الدقيق (الماكيت) الذي صنعه الطلاب الدارسون للمنطقة، ولا نفهم أيضا أهميته وما يرمي إليه المخرج من وراء هذه الشخصية وهذا النموذج.



وهناك الكاتب الروائي المكاوي سعيد (الذي لا يعرف المشاهد المحايد من هو لأن المخرج لا يقدم الشخصيات بوضوح دائما بل يترك الأمر لفراسة للمشاهد ومعرفته الشخصية). وهو ككاتب من الكتاب الذين كتبوا عن وسط القاهرة في رواياته (هذا أيضا متروك لاستنتاج المشاهد) يزور محلا لبيع الأثريات والأشياء القديمة: الصور واللوحات والأسطوانات والمقاعد.. إلخ
صاحب المحل (أمجد) يبدو رجلا مثقفا يعرف تاريخ وأصل كل ما يعرضه للبيع من مقتنيات، أما سعيد فهو يسأله عن شخصيات مثل مونولوجست قديم من الثلاثينيات، كان يدعى سيد قشطة، وقد أطلق الناس إسمه- كما يقول سعيد- على حيوان فرس النهر عندما جاء إلى حديقة الحيوانات بالجيزة، أو يستمع الإثنان معا إلى أسطوانة قديمة بواسطة جهاز جرامافون قديم إلى أغنية من أغاني الماضي. هنا نحن نخرج من خصوصية "وسط البلد" إلى موضوع يتعلق ببعض المعروضات القديمة التي ترتبط- ليس بوسط البلد تحديدا- لكي ندخل في قصص عن شخصيات أخرى وحكايات أخرى تستغرق صانع الفيلم لطرافتها لكنها تنزلق بالفيلم بعيدا عن مادته الأساسية.
وهناك القاص والرسام عبده البرماوي الذي يتردد كثيرا على منطقة وسط البلد ويشرح للمخرج كيف أن المثقفين لا يخرجون عن نطاق مثلث معين في المنطقة يرتبط بعدد من المقاهي المعروفة، كما يتطرق أيضا إلى مشاركته في الثورة الأخيرة.
وهناك البائع المتجول أو بائع الرصيف (وهو وصف أكثر دقة في رأيي) ويدعى حسين الذي يتحدث كثيرا عما كانوا يتعرضون له هو وزملاؤه على يد الشرطة قبل الثورة.
هناك الكثير من التشتت في الأفكار، وكثير من التنافر في الشخصيات، فمعظمها أساسا، شخصيات جاءت من خارج المنطقة، وهي تقدم لنا من على مسافة معينة، تحافظ على القشرة الخارجية لها دون النفاذ إلى أعماق أي شخصية منها. ولا نعرف هل اهتمام الفيلم بالمنطقة كمكان هو اهتمام بتاريخها الثقافي، أو بطرازها المعماري، أم بكونها كانت بؤرة لثورة يناير 2011 بسبب ملاصقتها لعاصمة الثورة أي ميدان التحرير!
من الممكن أن يقول قائل بالطبع: إنها كل هذه الأسباب مجتمعة، لكن العبرة بالقدرة الفنية على تحقيق التوازن فيما بينها، بل وعلى تقديمها بشكل عميق وليس العبور السطحي عليها من الخارج، وهو ما نفتقده كثيرا في الفيلم، فأنت لن يمكنك أن تحشد كل شيء يصادفك لمجرد ما تعتقد أنه "طرافته" و"تعبيره عن شيء ما". وما ينتج عن هذه "المزاجية" أن الفيلم يمكن ان يستمر في الخروج من قصة للدخول في قصة أخرى، والتوقف أمام المزيد من الشخصيات التي تصادف وجودها في "وسط البلد"، وبذلك يمكن أن يستمر السرد لساعات، كما يمكن أن ينتهي في أي لحظة، وهذا ما نطلق عليه خللا خطيرا في البناء.


تراكم اللقطات
يعتمد المخرج في تقديم كل شخصيات الفيلم التي تظهر مرات عدة جميعها، تتحدث سواء مع بعضها البعض أو مع المخرج من وراء الكاميرا، على إعادة التجسيد، أي على نوع من التمثيل.. تمثيل "وجود"  هذه الشخصيات في "وسط البلد"، مما أدى إلى الكثير من الافتعال.. افتعال التلقائية في التصرفات والحوارات والأداء أمام الكاميرا.
ومع تكرار ظهور تلك الشخصيات تتراكم اللقطات دون أي إضافة حقيقية تثري الفيلم الذي أخذ مخرجه يواصل الدوران حول الفكرة دون الاقتراب منها، فقد خرجنا ونحن أبعد ما نكون معرفة بوسط القاهرة، فكل ما شاهدناه مجموعة من الأنماط التي يمكن أن تجدها في أي حي في العاصمة، وما تقوله تلك الشخصيات لا أهمية له في سياق التعريف بخصوصية المنطقة.
 نحن مثلا نرى الفتاة التي تحاول الوصول إلى صديقتها تشكو من عدم وجود أماكن يمكن استئجارها للتدرب على الرقص، وهو موضوع لا علاقة له بموضوع الفيلم، بل ولا تقول لنا قصتها هي داخل الفيلم سوى أن "وسط البلد" مكان مزدحم يصعب أن تترك فيه سيارتك، وأن الأرصفة لم تعد تصلح للاستخدام، وتشكو من أن الناس لم تعد تسير على الأرصفة، وهذا كله ليس اكتشافا، بل وجانب لا قيمة له أصلا في السياق، وصاحب الماكيت الضخم لا يضيف إلى معارفنا بالمنطقة والحي وطبيعته وأناسه شيئا بل يبدو وكأن الفيلم مشغول بأمر واحد فقط هو تجميع أجزاء الماكيت معا لكي يعرض لنا صورة عامة له دون أن يضيف ذلك شيئا إلى الفيلم. والسيدة التي تروي لنا كيف أن البعض يقوم بسرقة أغطية البالوعات وأسلاك التليفونات وترينا صورا التقطتها للشوارع وقد بدت فيها البالوعات مفتوحة، لا تقول لنا شيئا يضيف أو يكشف لنا عن جانب من جوانب الخصوصية في "وسط البلد" فهذا ما يحدث أيضا في أماكن عديدة أخرى في القاهرة.
إن "الطريق لوسط البلد" فيلم يعيبه أساسا ذلك القدر من العشوائية في البناء، والسطحية في التناول، والفشل في التعامل مع الموضوع من زواياه المختلفة بسبب الخروج باستمرار عن بؤرة الموضوع.
ومرة أخرى، نحن لا نعرف هل هو فيلم عن الزحام، أم عن الثورة؟ عن تاريخ المكان وأهميته (وهو غائب عن الفيلم بشكل عام) أم عن الباعة الجائلين ومشاكلهم؟ عن العلاقة بين الشرطة والناس، أم عن الشعور بالإحباط من الزحام؟ عن محلات العاديات (التي توجد أيضا بعيدا عن وسط المدينة في حي المعادي مثلا) أم عن رسوم الثورة الجرافيكية؟
ولهذا فالفيلم يفتقد إلى الوحدة الفنية بشكل ظاهر. ويبقى الجانب الأساسي الغائب عن الفيلم، هو ذلك التعبير عن سحر ذلك "المربع السحري".. رغم أغطية البالوعات المفتوحة وأسلاك التليفونات المنهوبة. لكن هذه هي حدود فيلم أراد أن يقول كل شي فلم ينجح في إشباع أي من جوانبه.


(( نشر هذا المقال في موقع "الجزيرة الوثائقية بتاريخ 15 نوفمبر 2012))

الاثنين، 5 نوفمبر، 2012

أبوشادى يستثمر "المزرعة" ويطيح بخطاب

سيد خطاب مدير الرقابة السابق
 


"عندما تتضارب المصالح تغيب العقول"، حكمة قديمة تثبت في كل يوم أنها حقيقية، وتجسدها اليوم أزمة وقع فيها الدكتور سيد خطاب رئيس الرقابة علي المصنفات الفنية، حيث تقرر عدم التجديد له فترة ثانية، وهو ما لم يحدث لرئيس رقابة علي مدي السنوات الماضية.. ترددت أنباء عن أن السبب الحقيقي وراء هذا القرار هو رفض «خطاب» للتصريح بإنتاج مسلسل «المزرعة» الذي كتبه محسن الجلاد، لأنه يتناول شخصيات النظام السابق، مستنداً في ذلك إلي عدم صدور أي أحكام قضائية علي الأسماء التي ذكرت في المسلسل، وبالتالي يمكن أن يتعرض من يوافق عليه للمساءلة القانونية.. والسؤال المطروح: لماذا وافق عبدالستار فتحي مدير عام الرقابة علي إجازة المسلسل رغم أنه كان ضمن لجنة الرقباء الذين رفضوه؟.. وهل موافقته جاءت بعد وعود بأن يتولي هو منصب الرئيس خلفاً لخطاب؟
والسؤال الآخر: هل تدخل بالفعل علي أبوشادي رئيس لجنة التظلمات بوزارة الثقافة بإقناع الوزير بقرار عدم التجديد لـ «خطاب» نظراً لعلاقته القوية بمؤلف العمل محسن الجلاد؟.. الذي تربطه به علاقات مصالح قبل العلاقات الشخصية.


جريدة الوفد الوفد - 24 أكتوبر 2012

الجمعة، 26 أكتوبر، 2012

عن التسجيلي والريبورتاج والسياسة




أمير العمري


نقلا عن "الجزيرة الوثائقية"



لاشك أن تطور صناعة الكاميرات الرقمية الصغيرة، محدودة التكاليف، شجعت، ولاتزال، الكثير من الراغبين في التعبير عن مواقفهم السياسية من خلال "أفلام" يصورونها، دون تكاليف كبيرة، على صنع هذا النوع من "الوثائقيات" أو الأعمال التوثيقية التي تعتمد في معظم الأحوال، على الجهود الذاتية.
ولعل هذا هو سر ذلك الزحام الكبير الذي تشهده عشرات المهرجانات السينمائية حول العالم، بمئات الشرائط المصورة من خلال كاميرا "الديجيتال"، منها أفلام حقيقية يمكن بالفعل اعتبارها من الأفلام الوثائقية التي تعبر عن رؤية مبدعيها المركبة تجاه الكثير من القضايا الإنسانية والسياسية في عالمنا، إلا أن معظمها لا يزيد عن كونه أعمالا مصورة يدخل قطاع كبير منها ضمن دائرة الريبورتاج التليفزيوني ، والباقي ضمن التجارب التوثيقية التي لا تحمل أي قيمة فنية معينة.

الوعي بالوثائقي
الفرق بين الريبورتاج التليفزيوني وبين الفيلم التسجيلي أو الوثائقي، يكمن في أن الأول يركز على فكرة معينة يظل يبحث حولها، ويتظاهر بالموضوعية حينما يلجأ إلى استقصاء آراء عدد من الأشخاص يمثلون مختلف أطراف القضية، دون أن يعني هذا أنه يتخلى عن وضع كل تلك الشهادات ضمن "سياق" معين يخضع لوجهة نظر مسبقة في القضية المطروحة في معظم الأحيان.
يستخدم صانع الريبورتاج أساسا، التعليق الصوتي، سواء المباشر الموضوعي القادم من خارج العمل، ويكون في هذه الحالة هو صوت صانع العمل نفسه أو من يمثله ويعبر عنه، أوغير المباشر من خلال صوت إحدى الشخصيات التي يصورها التي تنقب في الموضوع، أو يستخدم أكثر من صوت داخل العمل بالتناوب.

يهتم الريبورتاج كثيرا بالشخصيات المتكلمة، ولا يعير الكثير من الاهتمام للغة الفيلم الوثائقي أو طرائق المونتاج المختلفة: كيف يصوغ المادة المصورة ضمن سياق فني، فالمهم هو توصيل المعنى السياسي وليس البحث عن نسق فني يصوغ من خلاله أفكاره.
الفيلم الوثائقي له شكل، بناء، خط قصصي أيضا، ومحور واضح لا يشترط أن يكون داخل سياق يدعي "الموضوعية".. بل يمكن جدا أن يكون فيلما ذاتيا، يعبر فيه المخرج عن رؤيته الخاصة أو عن ذكرياته أو مواقفه السياسية دون أن يخشى الاتهام بخيانة النوع، في حين أن الريبورتاج يتلاشى فيه الخاص لحساب العام.. تحت تصور أنه بهذا يخدم القضية!
هذه المقدمة كانت ضرورية في رأيي قبل التطرق إلى عمل عرض في الدورة السادسة من مهرجان أبوظبي السينمائي تحت عنوان "كما لو أننا نمسك بكوبرا" للمخرجة السورية المقيمة في فرنسا هالة العبد الله. وسبق لهالة أن صنعت عملا بالاشتراك مع عمار البيك يحمل أيضا عنوانا شاعريا أدبيا هو "أنا التي تحمل الزهور إلى قبرها".

القضية والتعبير
هالة في فيلمها "التسجيلي" الجديد (120 دقيقة) تسعى لتقديم عمل ينتمي إلى ما يمكن أن نطق عليه فيلم "القضية" وهو ما يعيد إلى أذهاننا ما كان ينتج في الستينيات من أعمال كان يطلق عليها "السينما النضالية" أو "المنشورات السينمائية" آخذين في الاعتبار أننا لسنا هنا أمام فيلم "سينمائي" بل أمام عمل صور بكاميرا الفيديو الرقمية وليس الكاميرا السينمائية، والفرق لايزال كبيرا بين النوعين في رأي كاتب هذا المقال!
إغواء التصوير بالديجيتال يتمثل في الوقوع في التقاط الكثير من اللقطات للشوارع والمحيط الذي يجري فيه التصوير، لا تضيف شيئا إلى العمل نفسه، كما يغوي أيضا بتحريك الكاميرا بضرورة أو دون أي ضرورة على الإطلاق أحيانا. ولا يهتم صانع فيلم الديجيتال كثيرا بالإضاءة بل لا يهتم بها في معظم الأحيان، ولا يهمه كثيرا جماليات الصورة السينمائية (أو ما يطلق عليه البعض "الكادر" السينمائي) أي مكوناتها التشكيلية ناهيك عن الإهمال التام لما يعرف بـ"عمق المجال" في الصورة وهو من أهم خصائص فن السينما أو الفيلم!


حالة ثورية
"كما لو اننا نمسك بكوبرا" (من إنتاج مشترك بين الإمارات وفرنسا) عمل تطمح مخرجته هالة العبد الله إلى التعبير عن تلك "الحالة" الثورية القائمة حاليا في كل من سورية ومصر، من خلال إظهار عدد من رسامي الكاريكاتير الذين يعبرون في رسوماتهم عن الثورة وعن غضب الشعوب، لكن الملحوظة الأولى التي تلفت النظر هنا تتمثل في سوء اختيار معظم هؤلاء الرسامين، بل وإغفال عرض رسوماتهم وكيف تعكس الثورة، اكتفاء بتصويرهم وهم يتحدثون عن العلاقة بين النقد السياسي وفن الكاريكاتير.

أهم من يظهر من الجانب السوري في الفيلم الرسام المعروف علي فرزات الذي اعتدى عليه قبل فترة من عملاء النظام السوري، ومن مصر الرسام محيي الدين اللباد قبيل وفاته، وهو ما لم أر له ضرورة لأن الرجل ظهر وهو في حالة من الضعف لا تسمح له بالحدث فبدا مثيرا للشفقة كثيرا، لكنها أرادت إطهاره كملهم ومعلم لأجيال الجديدة من الرسامين الذين كظهر بعضهم في العمل.


وتظهر رسامة مصري شابة تبدو متزمتة دينيا واجتماعيا، لكنها مع الثورة سياسيا دون ان تتوقف المخرجة مثلا أمام هذا التناقض الخطير الذي أصبح يصبغ شكل الحياة في مصر اليوم!
ويظهر الرسام فرزات متحدثا عن تجربته من خلال نظام التخاطب "سكايب" أي عبر شاشة الكومبيوتر لأن المخرجة لم تستطع التصوير في سورية. كما تظهر الكاتبة السورية سحر يزبك لتحتل المساحة الأكبر من الفيلم في الحديث حول الكثير من الجوانب النظرية حول السخرية والمبالغة في الأدب العربي، وتتطرق كثيرا الى الرقابة وما تقوم به من محاولة قمع حرية التعبير في سياق كلامي يختلط فيه المطلق بالنسبي، والعام الذي يبتعد كثيرا عن موضوع العمل، بالخاص الذي يرتبط بتجربتها هي الخاصة في الاعتقال بسبب آرائها ثم قرارها بمغادرة البلاد إلى الخارج وكأن هذا هو الحل!

فقر الصورة
يعاني العمل من فقر الصورة إلى درجة كبيرة واضحة، ومن غياب الخط القصصي، والبناء المحكم الذي يملك إيقاعه الداخلي الخاص، كما يعاني من افتقاد شخصيات الرسامين الذين يظهرون- خصوصا من مصر، إلى أي نوع من "الكاريزما" الشخصية أو التألق الفني، بل تركز المخرجة عليهم وهم يجلسون على مقاعد في المقاهي العامة يدخنون الشيشة كما لو كانت تقول إن تدخين الششيشة هي مصدر الإلهام الفني لديهم!
يمتليء العمل بالكثير من الحكي والكلام والأحاديث التي يتم تقطقعها ودمجها معا بعيدا عن أي سياق فني محدد، ومن دون أن يؤدي أحد المشاهد إلى الآخر في سلاسة ومنطق، فالانتقال هنا مزاجي تماما، من هذه الشخصية إلى تلك، ومن مصر إلى سورية أو العكس، ومن استخدام صور مباشرة إلى استخدام صور ضبابية مركبة فوق صور آخرى لمنظر طبيعي مثلا، كما في اللقطات الأخيرة لسحر يزبك، دون أن يكون هناك أي منطق فني لهذا الاختيار بل هو محض محاولة للتحلي بالتجريبية والحداثة الظاهرية!
ريبورتاج هالة العبد الله عن دور الكاريكاتير التحريضي في الثورة غير مكتمل بل ويعاني من الفقر الشديد في المادة المصورة التي يمكن أن تعكس قوة الكاريكاتير وكيف يمكنه أن يكون استفزازيا للسلطات كما يتردد كثيرا في الفيلم على ألسنة من يتحدثون، دون أن نرى ذلك على أرضية الواقع.
لهذا كله لا أظن أن هذا العمل سيضيف الكثير إلى وثائقيات الربيع العربي!

الأربعاء، 10 أكتوبر، 2012

مهرجان طهران السينمائي للأفلام القصيرة





أمير العمري- طهران



هذه هي المرة الثانية التي أشارك فيها في عضوية لجنة التحكيم بمهرجان طهران السينمائي للأفلام القصيرة الذي يقام سنويا ويعرض أكثر من 400 فيلم من الأفلام القصيرة والتسجيلية وأفلام الرسوم (التحريك) وما يسمى بـ"الأفلام التجريبية".
افتتح المهرجان يوم الإثنين الأول من أكتوبر ويستمر حتى 8 أكتوبر ويعرض أيضا من خلال المسابقات الوطنية للأفلام الإيرانية عددا كبيرا من الأفلام تصل إلى حوالي مائتي فيلم إيراني من إنتاج مختلف الجمعيات والشركات التي تكونت خصيصا لتشجيع الشباب على تصوير الأفلام والتعبير من خلال السينما.
يدير المهرجان السيد هاشم مزرخاني، وتنظم المهرجان جمعية سينما الشباب في إيران ولها نحو 16 فرعا في مدن إيرانية مختلفة، وهي تنتج سنويا أكثر نحو 1200 فيلم قصير وتجريبي وتسجيلي، وهو عدد كبير حتى بمقاييس الدول الكبرى في السينما.
إضافة إلى المسابقات العالمية ومسابقات الفيلم الإيراني، هناك قسم خاص لعرض عدد من أحدث الأفلام القصيرة من البرازيل، ومسابقة خاصة لأفلام دول آسيا الإسلامية تضم 26 فيلما وتشكلت لها لجنة تحكيم دولية (يشارك فيها كاتب هذه السطور أيضا) لمنح جائزة أفضل فيلم يعكس القيم الإسلامية.
لجنة التحكيم الدولية تكونت هذا العام من أحمد نجفي (مخرج وممثل من إيران)، ومحمد رضا إسلام (مخرج إيراني) وجوليان بليسييه (أكاديمي فرنسي)، وفرنشيسكو لوبو دي أفيلا مدير مهرجان بورتو 7 للأفلام القصيرة في البرتغال، وسوراف سارانجي وهو مخرج تسجيلي من الهند، واميليو ديلا شيسا وهو مخرج تسجيلي ومدير مهرجان نهر بورتيللو في ايطاليا، وكاتب هذه السطور.
أما لجنة تحكيم أفضل فيلم من دولة إسلامية في آسيا فتتكون من محمد رضا إسلام وأمير العمري وسفيتلانا يونوسوفا من تاترستان، وهي مديرة مهرجان سينمائي في تلك الجمهورية الصغيرة التي استقلت عن موسكو.


أفلام كثيرة
تكتظ المسابقات الدولية الأربع بعدد كبير من الأفلام، فمسابقة الأفلام التسجيلية تضم 40 فيلما من الصين واسبانيا وألمانيا وغانا والفليبين وبريطانيا والبرازيل وبولندا وكيرغستان وجمهورية التشيك والمجر وإيطاليا وأمريكا وإيران وسويسرا وفرنسا وتايوان والنرويج وفلسطين وهولندا والعراق .
الملاحظة الأساسية على هذه المسابقة بل وباقي المسابقات أنها تضم أفلاما من إنتاج السنوات الثلاث الماضية، أي أن هناك أفلاما تعود إلى عام 2009، وهو ما يعني أن المهرجان لا يبحث بالضرورة عن أحدث الأفلام بل يسعى لضم أكبر عدد ممكن من هذه الأفلام، وهي نقطة لا أظن أنها تعمل لصالحه.
هذه الملحوظة تتضح أكثر إذا ما علمنا أن مسابقة الأفلام الروائية القصيرة تضم وحدها 122 فيلما بالتمام والكمال وهو ما يلقي عبئا مضاعفا على لجنة التحكيم. وتضم مسابقة أفلام التحريك 61 فيلما ومسابقة الافلام التجريبية 33 فيلما، أي أن مجموع الأفلام المتسابقة في المسابقات الأربع يبلغ  256 فيلما.
أما مسابقة الأفلام الآسيوية فتضم 45 فيلما من إيران ومصر وماليزيا والأردن وتركيا وفلسطين وكيرغستان والمغرب وسورية والعراق.
وبطبيعة الحال يأتي أكبر عدد على الإطلاق من الأفلام في كل المسابقات من الدولة المضيفة إيران. وفي مسابقة الأفلام الروائية القصيرة وحدها هناك 25 فيلما.
خلال حفل الافتتاح تم تكريم عدد ممن قدموا الكثير للسينما الايرانية من شخصيات ايرانية واجنبية، واكتفى المنظمون بالقاء الكلمات وتقديم عرض موسيقي غنائي ولكن دون عرض أي أفلام وهو أمر مستغرب في مهرجان سينمائي.

جدران سراييفو
من أفضل أفلام مسابقة الفيلم الروائي القصير فيلم "4 جدران سراييفو" للمخرج نديم جوش من تركيا. وهو يقع في 24 دقيقة، ويدور في أجواء سراييفو الواقعية تماما من حيث الصورة.. الشوارع.. أطلال البنايات.. ولكنه عبارة عن حكاية خيالية مؤثرة عن التأثير المدمر للحرب على الوعي الفردي وعلى العقل البشري. والقصة تدور حول علاقة إبن بأبيه المقعد الذي فقد زوجته وابنته في حادث انفجار قنبلة في ساحة سوق سراييفو اثناء الحرب التي دارت هناك في منتصف التسعينيات، ونتجت عاهته بعد إصابته إصابة مباشرة جراء انفجار قنبلة السوق التي قضت على عدد كبير من الأبرياء.
الأب (سميل) يرقد الآن عاجزا، يعتمد في تدبير أمور حياته على ابنه الذي نجا من الموت "ميرزا"، وهو يقوم على خدمته، ويحمله لقضاء حاجته ثم يخرج للحصول على بعض الطعام لهما لنراه وهو يسير بين الأطلال والخرائب في حذر، يرتعد من فكرة التعرض لرصاصة من رصاصات القناصة. وعندما يعود بمشقة إلى الغرفة الأرضية الرطبة التي يقيم فيها مع والده يخشى أن يفتح الباب لرجل يأتي فجأة يطرق على الباب، ويؤكد على والده مرارا ألا يفتح الباب لأي إنسان فربما يكون القادم الغريب من الأعداء. لكن ميرزا يغادر ذات يوم متحسسا طريقه في رعب كعادته، ويأتي الرجل يطرق على الباب باصرار فيلقي له العجوز بالمفتاح من أسفل الباب لكي يدخل ونعرف أنه صديق قديم لسميل يدعى "معمر". يتعانق الرجلان، ويقول له الرجل إنه جاء من قبل حاملا معه بعض الطعام لكنه لم ينجح في الوصول إليه، وعندما يتطرق سميل إلى القول بأنه وابنه انتقلا للإقامة في هذه الغرفة بعد أن تهدم منزلهما في القتال، وإنها أفضل مكان للاحتماء من سقوط القنابل يقول معمر في دهشة: عن أي قنابل تتحدث وقد انتهت الحرب منذ سنتين!
لا يصدقه سميل ويعتقد أنه يمزح. لكن معمر يسأله كم مضى عليه دون أن يغادر هذه الغرفة إلى الخارج؟ فيقول له إنه لم يخرج منذ عامين ونصف العام.
يحمله صديقه ويخرج به إلى سراييفو حيث تسير الحياة الطبيعية، في حين نرى ابنه وهو يعود متلمسا طريقه في حرص بالغ كعادته، محتميا بالأشجار بين كل خطوة وأخرى.
لقد فقد الإبن عقله تماما، وأصبح أسيرا لفكرة الخوف من القناصة، ومن الموت العبثي على قارعة الطريق.
فيلم مصنوع ببراعة وفي بساطة آثرة، ودون استطرادات كثيرة.
أداء تمثلي واثق ومعبر من الممثلين الثلاثة الرئيسيين. موسيقى كلها ترقب وحذر وقلق وخوف. تصوير حساس يعرف كيف يتعامل مع الأحجام المختلفة للقطات، ومونتاج ينتقل بين اللقطات في اللحظة المناسبة. ومخرج يسيطر على مادته بحيث يوصل للمتفرج الحالة النفسية التي يريد أن يعكسها من خلال تلك الحكاية الرمزية عن أثر الحرب على العقل البشري، دون ثرثرة أو استغرق طويل في الوصف والشروح. وهذه هي طبيعة بل وجوهر الفيلم الروائي القصير، تماما مثل القصة القصيرة الناجحة الناجعة. 

الحب من أول نظرة
يعرض المهرجان أيضا فيلما روائيا قصيرا آخر يدور في أجواء سراييفو ولكن في الوقت الراهن بعد أن انتهت الحرب: هنا نرى من خلال هذا الفيلم "الحب من أول نظرة" (14 دقيقة) للمخرج البريطاني مارك بلاين، شوارع سراييفو الضيقة المرصوفة بالأحجار. المنازل المتلاصقة، نساء عجائز يذرعن الطرقات الصغيرة. شاب أسمر غريب يهبط إلى المدينة، يتجه إلى مسكن استأجره، يلمح جارته الحسناء في شرفة المنزل المقابل، يقع في غرامها على الفور.
يحاول الشاب أن يلفت نظر الفتاة الجميلة، لكنها لا تنتبه إلى وجوده. يبتكر حيلة بعد أخرى لكي يلفت نظرها لكنها ليست هنا، إلى أن يرى ذات يوم رجلا يدخل إلى الشرفة حيث تقف الفتاة ويجذبها للداخل في حب.
صدمة الشاب تدفعه للهرب إلى الخيال.. إلى أحلام اليقظة. في المقهى بينما يتناول قهوته. يغمض عينيه ويتخيل الفتاة تدخل للمقهى وتسير ببطء في اتجاهه وتجلس إلى جواره. تمد يدها في بطء شديد وتلمس يده. لكن الواقع أقوى من الخيال، تنتقل الكاميرا إلى مسكن الشاب حيث الورقة التي رسم فيها صورة تعبر عن اعجابه بالفتاة وأراد إرسالها إليها في الماضي القريب غير أنه لم يفعل. الورقة تطيروتسقط من النافذة، تلتقطها امرأة عجوز تقوم بتنظيف الشارع في أسفل. تتطلع المرأة إلى الصورة المعبرة، تبتسم وتتطلع إلى شرفة في الأعلى، تلمح رجلال يراها ويرى الصورة ويبتسم. تعتقد أنه هو مرسلها. هو أيضا لا يمانع من أن تفهم هي إعجابه بها. يبتسم الإثنان لبعضهما البعض. ربما يكون هذا هو الحب من أول نظرة، وينتهي فيلم آثر في خياله وفي قدرة مخرجه على التعبير من دون كلمة حوار واحدة.
هذا فيلم يعتمد أساسا، على التعبير بالصورة، من خلال حجم اللقطات، الانتقال السلس من لقطة إلى أخرى، الموسيقى الناعمة التي تصاحب الصورة، وتعكس القلق والرغبة في التواصل مع التردد، والحب الفياض العاجز عن التحقق، التكوينات التشكيلية المعبرة والاهتمام الكبير بالخلفية وبعمق المجال، والانتقال بين الحركة العادية والحركة الناعمة البطيئة، ومن اللقطات القريبة (كلوز أب) التي تعكس فوران المشاعر، إلى اللقطات البعيدة أو المتوسطة العامة التي توضح التناقض بين موقفي كل من الشاب والفتاة، وحركة الكاميرا التي تهبط تدريجيا وببطء لكي تتوقف على وجه المرأة وهي تلتقط الرسالة السحرية.
الفيلم أيضا من تلك التي سبق لها الحصول على عدد من الجوائز وربما يحصل أيضا على جائزة في مهرجان طهران السينمائي للأفلام القصيرة.

الثلاثاء، 25 سبتمبر، 2012

مليونية البطيخ!









أمير العمري



يتصور البعض أنه يمكن ضمان حرية الرأي والإبداع عن طريق تنظيم مليونية.. يطلقون عليها "مليونية حرية الرأي"!
وقد أصبح سهلا عند كل من يحلم أو يطالب بتحـقيق أي هدف اليوم، أن يدعو إلى مليونية، لدرجة أنني كنت أحلم بتوفير البطيخ بأسعار مناسبة لكافة طبقات الشعب، لماذا؟ لأني ببساطة أحب البطيخ وأؤمن بفوائده الجمة، فأطلقت دعوة إلى مليونية البطيخ. لماذا؟ لأن من أهم فوائد البطيخ أنه يرطب الأجواء الداخلية، ويملأ المعدة الخالية ويمنح الاحساس بالشبع، كما أنه يحتوي عى بعض الفيتامينات المفيدة، وبالتالي يصلح كطعام بديل جيد يكفل انقاص وزن المصريين جميعا: رجالا ونساء، الذين يعاني معظمهم من السمنة والبدانة والتضحم والتمدد وبروز الكروش واتساع الهوة بين الداخل والخارج!
اعتقد أصدقائي أنني أمزح أو أسخر من المليونيات، لكني أكدت لهم أنني جاد كل الجدية في دعوتي.. ثم أليس من حقي أن أدعو للمليونية التي أحب واشتهي؟ ألسنا في ثورة تحقق الحرية والديمقراطية، ولكل منا مليونيته، وأنا أريد أن تكون لي مليونيتي الخاصة  وأريدها أن تكون "بطيخية".. ثم ان من الممكن جدا – إذا توفرت النوايا- أن نجمع في الميدان، مليون بطيخة مثلجة يستوردها لنا الدكتور ممدوح حمزة من كفر البطيخ بكرمه الدمياطي الشهير، ويمكننا استخدامها عند اللزوم لرشق عساكر الأمن المركزي المساكين فنشغلهم في التهام البطيخ في حين نواصل نحن الهتاف عاليا "الجيش والشعب وممدوح حمزة بطيخة واحدة"!
وأقسم بالله العظيم أنني من المعجبين جدا بالدكتور ممدوح حمزة، فأنا أرى أنه نموذج للوطنية المصرية التلقائية الجميلة كما أنه نموذج للشجاعة الحقة، علما بأنه ليس من المؤدلجين، أي أنه لا يعتنق أيديولوجية محددة، من الذين كان صلاح عيسى يطلق عليهم "الأسياخ" أي الذين يحدثك الواحد منهم وكأنه ابتلع سيخا،، فممدوح حمزة- صاحب أكبر مغامرة في سجون صاحبة الجلالة (ملكة بريطانيا) - يدافع فقط عن الدولة المدنية الحديثة في مصر ويريد أن ينقذها من الوقوع في براثن المغول والتتار حتى لو أدى ذلك إلى خوض معارك سياسية وغير سياسية، في الميدان وحوله، وحتى آخر بطيخة في حقول كفر البطيخ!
وقد كنت في البداية أرفع شعار: بالحب والسينما سنهزم التتار، وأعجب الشعار الكثير من أصدقائي الذين صوتوا له على الفيسبوك ومنحوه الكثير من اللايكات من like– باستخدام لغة العلم الحديث- إلا أنهم تساءلوا: ولكن أي حب تقصد؟ وأي تتار؟
فقلت إن الحب هو حب مصر، والتتار هم أعداء مصر. لكن التتار سرعان ما تمكنوا من تحريم الحب، ومحاصرة السينما بل ظهر منهم من يطالب باغلاق السينما باعتبارها فنا وافدا كافرا والعياذ بالله!
ولذلك فقد توصلت أخيرا إلى أن من الأفضل أن أرفع شعار: "بالحب والبطيخ سنواجه التتار"، لكني أخشى أن يأكل التتار البطيخ، ونأكل نحن بعضنا بعضا! 

السبت، 8 سبتمبر، 2012



 
أمير العمري- مهرجان فينيسيا


في مفاجأة من المفاجآت المعتادة في مهرجان فينيسيا السينمائي فاز فيلم "بيتا" Pieta  من كوريا الجنوبية للمخرج كيم كي- دوك بجائزة الأسد الذهبي لأحسن فيلم من أفلام المسابقة التي شملت 18 فيلما ولم يبرز فيها فيلم يتفق عليه الجميع كـ"تحفة" المهرجان.

فقد انقسم النقاد حول فيلم "إلى الأعجوبة" الأمريكي لتيرنس ماليك، بل قابله بعض الصحفيين بصفير الاستهجان عند عرضه الصحفي في المهرجان قبل يوم من العرض العام.

وعموما صفير الاستهجان أصبح ظاهرة هذا العام في حالة عدم الإعجاب بفيلم من الأفلام فقد قوبل أيضا الفيلم الكوري الجنوبي بصفير استهجان صدر عن قطاع من النقاد والصحفيين أعقب عرضه تماما كما قوبل الفيلم الإسرائيلي "إملأ الفراغ"، وغيره.

الممثل فيليب سيمور هوفمان يحمل تمثال جائزة أحسن ممثل


وقد حصل الفيلم الأمريكي "المعلم" The Master  للمخرج بول توماس أندرسون على جائزة الأسد الفضي كأحسن إخراج، وتقاسم بطلاه الممثلان جوكن فيليبس وفيليب سيمور هوفمان جائزة أحسن ممثل.

أما جائزة أحسن ممثلة فقد ذهبت كما توقعنا في مقل سابق، إلى الممثلة الإسرائيلية خداش يارون عن دورها في فيلم "إملأ الفراغ".

وحصل النمساوي أولريش سيدل على جائزة لجنة التحكيم الخاصة عن فيلمه "الفردوس: الإيمان".Paradise: Faith

جائزة أفضل سيناريو حصل عليها الفرنسي أوليفييه اسايس عن فيلم "بعد مايو" (شيء ما في الهواء).

وذهبت جائزة أفضل تصوير للفيلم الإيطالي "لقد كان هو الإبن" للمخرج دانييل شيبري.

وحصل المخرج التركي علي عيدين على جائزة أفضل عمل أول عن فيلم "الطحلب".

وبهذا يسدل الستار على الدورة التاسعة والستين من هذا المهرجان العريق. 

الجمعة، 7 سبتمبر، 2012

الأفلام الإسرائيلية في مهرجان فينيسيا (2 من 2)





نهاية الحلم الصهيوني
 
 
أمير العمري- مهرجان فينيسيا
 
 
 
بات من الواضح أن السينما الإسرائيلية لم تعد تهتم كثيرا كما اعتادت أن تفعل، بقضايا الصراع العربي- الإسرائيلي أو بإشكالية العلاقة مع الآخر، الفلسطيني، وتعقيداتها، وهو ما نلمسه من خلال الأفلام الستة التي عرضت في المهرجان ولم يتضمن أي فيلم منها إشارة إلى الموضوع.
 
والواضح أن السينما الإسرائيلية أصبحت تهتم في الوقت الحالي على الأقل، بموضوع العلاقة بين المواطن والدولة، وإحباطات الفرد بسبب حالة التردي الاقتصادي والمعاناة الشديدة التي يعيشها المواطن الإسرائيلي اليوم محروما من "الغطاء الاقتصادي" الذي بشرته به الصهيونية طويلا، لحساب التركيز الدائم على قضية "الغطاء الأمني".
 
هزيمة مشروع الصعود في مجتمع "الحلم" الصهيوني هو مثلا ما يتناوله فيلم "خيوتا وبيرل: مدخل" Hayuta and Berl  للمخرج عمير مانور، وهو فيلمه الروائي الطويل الأول بعد فيلميه القصيرين "حمر" (40 دقيقة) الذي أخرجه عام 2007، وفيلم "حطام" (47 دقيقة) عام 2008.
 
وهو يختار شخصيتين من كبار السن، رجل وزوجته في الثمانينيات من عمرهما، عاشا سنوات صعود الحلم الصهيوني ضمن حركة العمل الإسرائيلية، أو حركة اليسار الصهيوني التي كانت في الحقيقة هي الأساس الاقتصادي الذي ارتكزت عليه الدولة فيما بعد، أي عند تأسيسها، من خلال ما عرف بالهستدروت، أو اتحاد نقابات العمال الذي تأسس عام 1920.
 
ليس هناك الكثير في هذا الفيلم عن الخلفية السياسية للموضوع أو بالأحرى عن الشخصيتين الرئيسيتين، وهما رجل وامرأن، زوج وزوجة، بيرل وخايوتا، أنجبا ابنا واحدا يقيم حاليا في الخارج، بعد أن اضطر للهجرة من إسرائيل للعيش في بلد السمن والعسل الحقيقية (أمريكا) بسبب تدهور مستوى الحياة في إسرائيل وعدم قدرته علىتحمل قسوة العيش، وما يفرضه الأب أيضا من قواعد صارمة في إدارة شؤون الحياة اليومية. ونفهم من خلال الحوارات التي تلمس هذه العلاقة بين الأب والإبن، بين بيرل وخايوتا، أن العلاقة بين الأب والإبن لم تكن على ما يرام، وتنحي خايوتا في ذلك باللائمة على زوجها.
 
يبدأ الفيلم بمشهد طويل عندما تصل أخصائية اجتماعية إلى منزل الزوجين بشكل في زيارة مفاجئة لكي تجري لكل منهما اختبارات معقدة لمستوى الفهم والقدرة على الحركة وعلى القيام بالأعمال الحياتية الأولية داخل المنزل، حتى تعرف ما إذا كانا يتمتعان بحالة تسمح لهما بالبقاء في المسكن دون الانتقال إلى ملجأ للمسنين، وتقول لهما إن الاختبار مهم لكي يضمنا أيضا استمرار حصولهما على الإعانة التي تقدمها لهما الدولة.
 
الرجل (بيرل) الذي عاش فترة العمل في الكيبوتزات ومر بتجربة تجسيد الفكرة (الاشتراكية) الصهيونية، يريد أن يستعيد ذلك الحلم القديم الزائل، بعد أن تقدم به العمل ووجد نفسه على هامش المجتمع، وربما رغبة في التشبث بذلك الحلم القديم تعويضا على احباطات الواقع، فهو يبدأ في الاتصال بمجموعة من العجائز من أبناء جيله، يريد اعادة تجميعهم في كيان تطوعي يطلق عليه "مجتمع الدائرة" circle communityبينما تحاول الزوجة (خايوتا) أن توقظه من أحلامه وتلفت نظره إلى ما في الفكرة من خيال، وأنه لم يعد هناك أحد سيمكن أن يتحمس لهذا النوع من الأفكار المثالية.
 
وعندما يشارك بيرل بمداخلة تليفونية في برنامج اذاعي على الهواء، طارحا فكرته، يحاوره المذيع ساخرا من الفكرة، ثم يقطع عليه بسبب "ضيق الوقت".
 
 
لقطة من فيلم "خايوتا وبيرل"
 
يعيش الثنائي حياة الفقر والفاقة، الطعام الباقي في البيت قليل لا يكفي طفلا، الكهرباء تنقطع بسبب محاولات بيرل اصلاح جهاز التليفزيون المعطل دون جدوى، ويستمر النصف الثاني من الفيلم في الظلام داخل المسكن البارد.
 
تكون خايوتا قد خرجت لشراء الدواء الذي تحتاجه، لكنها تقرر فجأة أيضا أن تذهب إلى السينما حيث تشاهد فيلم "انديانا جونز".. ينتهي الفيلم ويغادر الجمهور دار العرض لكنها لا تريد المغادرة، فقد أصبحت فكرة العودة إلى المنزل مرهقة تثير الكآبة والرفض. لكنها تغادر مضطرة في النهاية تحت ضغط عامل السينما، تتحدث تليفونيا مع ابنها في أمريكا، تخبره وهي تضحك أنها كانت تشاهد انديانا جونز. تبكي وتضحك في وقت واحد بعد أن تنتهي المكالمة بما يشي بتدهور حالتها العقلية أيضا. تحاصرها متسولة عجوز وهي داخل كابينة التليفون، تصر على أن تعطيها شيئا.. بعض النقود التي لا تملكها فقد رأينا كيف أنها عجزت عن شراء أنواع الدواء الثلاثة التي تتناولها مكتفية في النهاية بنوع واحد فقط بسبب عدم توفر ما يكفي معها من المال.
 
تقابل في طريقها رجلا يبحث عن ابنته التي فقدها. يبدو الرجل شاردا وقد فقد عقله تقريبا. يتشبث بها كما لو كان يتشبث بأمه. مشهد سيريالي غريب، في أحياء هامشية متدهورة، تنتشر فيها القمامة، وينتهي المشهد الغربي الذي يدور في الليل بأن يندفع الرجل لكي يرقد على صدر خايوتا ويبكي.. إنه بالقطع تحت تأثير المخدر.. تربت هي على ظهره..وتنجح في التخلص منه بصعوبة.
 
يأتي صوت مذيع من الراديو يقول إن 100 ألف شخص انضموا الى طوابير الفقراء في البلاد. مشهد تسجيلي بالأبيض والأسود لمزارع العمل الجماعية في الثلاثينيات والأربعينيات، ولقطة سريعة لتمثال لينين.
 
تعود لتجد بيرل يرقد في الظلام. لكنه يقول لها إنه استأجر فستانا بديعا كلاسيكيا يليق بحفل عيد ميلادها وآتى لها ببعض الزهور. يطلب منها أن ترتدي الفستان.. ويرتدي هو البذلة التي استأجرها من محل في وسط المدينة لهذه المناسبة.
 
يخرج الاثنان، يتجولان.. يدعوها الى تناول قطعة من البيتزا من كشك صغير رخيص. يقول لهما البائع الشاب إنه سيغلق وينصرف لأن الوقت متأخر.. لكنه يستدرك فيعطيهما قطعة من البيتزا مما يقى لديه.. مجانا.. يتناولها الاثنان في سعادة ثم يبتعدان.
 
كيف سيكمل الثنائي خيوتا وبيرل حياتهما أو ما تبقى لهما من العمر؟
 
فيلم جيد جدا بل هو أفضل ما شاهدت من الأفلام الاسرائيلية الخمسة، لأنه يعبر ببساطة وشاعرية ودون إحالات مباشرة، عن خشونة الواقع، ونهاية الحلم الصهيوني الكاذب، ببراعة وبلاغة سواء في استخدام الصورة والضوء (نصف الفيلم يدور تقريبا في الظلام أي تحت إضاءة شاحبة ضعيفة للغاية بعد انقطاع التيار داخل شقة الثنائي وفشل بيرل في استعادتها حتى النهاية)، إلى جانب البراعن الشديدة في التصوير داخل ذلك الديكور الضيق الطبيعي، والتعامل مع الممثلين الرئيسيين بكل هذه التلقائية والقدرة على الأداء الواثق أمام الكاميرا. وخصوصا الممثل يوسف كارمون الذي قام بدور بيرل.
 
في أحد المشاهد يذهب بيرل لبيع ذخيرته من كتب تاريخية نادرة، لكن البائع يعرض عليه مبلغا قليلا من المال لا يتناسب مع قيمة الكتب. يعود بيرل ليقوم بحرق مجموعة الكتب. وعندما تتساءل خيوتا عن سبب ما يفعله يقول لها: لقد بنينا مجتمعا جديدا ولكنهم باعوه لنا.. ان مشكلتنا أننا ظللنا مخلصين لأنفسنا". تواسيه هي فتقول له: إن كل شيء يمكن إصلاحه. لا يبدو أنه يصدقها.
 
العلاقة بين الثنائي مرسومة بدقة شديدة من جميع تفاصيلها: الحركة، اللغة، الضوء، حجم اللقطات القريبة في الغالب، تجسي التناقض بين الجيل الجديد (الذي تمثله الأخصائية الاجتماعية) وبين جيل بيرل وخيوتا. ويستدعي أسلوب المخرج في التعامل معهما إلى الأذهان الفيلم البديع الفائز بالسعفة الذهبية في مهرجان كان "الحب"، الذي تألق فيه الممثلان: جان لوي ترنتينيان وإيمانويل ريفا. ولاشك أن هناك تأثرا ما بهذا الفيلم ينعكس على طريقة تصميم الفيلم بل وفكرته أيضا، فهو كذلك فيلم عن تلك العلاقة التي تربط بين زوجين لأكثر من ستين عاما، مليئة بالب والإخلاص والتساند حتى النهاية.
 
الممثل إيفجي في لقطة من فيلم "الرجل الذي يقطع الماء"
 
 
الرجل والماء
وبينما عرض "خيوتا وبيرل: مدخل" في قسم "أيام فينيسيا، عرض فيلم"الرجل الذي يقطع الماء" The Cutoff Manللمخرج إيدان هوبل في قسم "آفاق". يقوم ببطولة هذا الفيلم الممثل الإسرائيلي الشهير موشي إيفجي Moshe Ivgyالذي سبق أن قام ببطولة الفيلم الشهير "نهائي كأس العالم" عن الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي للمخرج عيران ريكليس (1991).
 
هذا أيضا فيلم عما وصلت إليه الحالة الاقتصادية لسكان إسرائيل في الوقت الحالي.
 
رجل في منتصف العمر (جابي)، عاطل عن العمل، يضطر لقبول عمل صعب بالقطعة، يرفضه الكثيرون نظرا لدلالته البشعة، يتلخص في قطع الماء عن أصحاب المنازل الذين تعجزهم الظروف الاقتصادية عن دفع فواتير المياه.
 
ويتعين على هذا الرجل أن يتوجه بنفسه إلى كل منزل من منازل المتأخرين عن السداد، يطالبهم أولا بضرورة دفع الفاتورة، وعند عدم الاستجابة، كما يحدث في كل الحالات التي نراها في الفيلم، يقوم صاحبنا بفصل أنابيب توصيل المياه للمنزل، مما يعرضه للاشتباك مع السكان، والتعرض للاعتداءات النفسية والجسدية.
 
إنه يحصل على 11 شيكلا عن كل منزل يقطع عنه المياه. وهو يشعر بالعار مما يقوم به. لكن ماذا سيفعل وهو في حاجة إلى المال.
 
معروف أن الماء له أهمية شديدة الخصوصية (مع الأرض) في الثقافة الإسرائيلية عموما، ربما أكثر منها في أي بلد آخر، بسبب ندرة مصادر المياه، والحاجة الشديدة إليها. إنها رمز الحلم الصهيوني، فقد كانت النواة الأولى في إقامة الكيبوتزات التي توسعت وأصبحت فيما بعد مدنا وقرى، بفضل الزراعة.
 
بعد سلسلة من الصدامات والمتاعب الناتجة عن القيام بهذا العمل المرفوض شعبيا، يجد الرجل نفسه فجأة دون عمل، فالانتخابات على الأبواب، وليس من الممكن أن تقتطع البلدية الماء عن المنازل في ظروف الانتخابات. السياسة إذن تتدخل في حياته ومصيره الشخصي، والنفاق السياسي يلعب دورا في التحكم في حياة الآخرين.
 
الإبن مجند في الجيش لكنه غير قانع بما يقوم به.. يفر من الجيش لكنه يضطر للعودة في اليوم التالي مباشرة لكنه غير سعيد بعودته مضطرا. يطلب بعض المال من الأب. يبيع الرجل مواسير المياه التي يفصلها لكي يعطي ابنه المبلغ الذي يحتاج إليه. تنتهي الانتخابات فيعود الرجل الى استئناف مهمته القذرة. لكن هل سيستمر فيها؟ ينتهي الفيلم والتساؤل معلق!
 
فيلم غريب جديد في موضوعه على السينما الإسرائيلية، وكأنه يجعل من مشكلة التيه اليهودي "التوراتي" مشكلة أرضية تماما، تتعلق بالوضع الاجتماعي والحالة المعيشية الصعبة التي يتعرض لها الفرد في المجتمع الإسرائيلي اليوم.
 
فيلم هاديء الإيقاع، يعتمد أساسا على الممثل الواحد، وعلى نسج بعض اتفاصيل الصغيرة وإدخالها إلى النسيج العام للفيلم، لكنه لا يضل أبدا عن موضوعه، ولا يفقد التحكم في الأسلوب: الطابع اكئيب الذي يطغى على الصورة.. اللقطات الثابتة المتوسطة والبعيدة.. العزلة التامة المحيطة بالبطل- اللابطل.
 
إن تلك السمة من الاكتئاب التي نلمحها طيلة الوقت على وجه "جابي".. الشخصية الرئيسية في الفيلم، لهي أمر غير مألوف في السينما الإسرائيلية التي كانت في الماضي تحتفي بالقوة، والصمود، والنصر، وتتباهى بذلك المجتمع المتحرر الذي يكفل الفرد ويضمن له مستقبلا مزدهرا في نطاق الحلم الصهيوني.. دخلت الآن مرحلة ما بعد زوال الحلم، مرحلة الظلال، وانعدام الوضوح، والرؤى المختلطة المرتبكة التي يعبر عنها هذا الفيلم أفضل تعبير.
 
جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com