الاثنين، 28 مارس، 2011

"زمن الترسو": فصل من كتاب "شخصيات وأفلام من عصر السينما"


((هذا فصل من كتاب "شخصيات وأفلام من عصر السينما"- تأليف امير العمري، الصادر أخيرا عن مكتبة مدبولي بالقاهرة، وهو احدث كتب المؤلف)).

عرفنا السينما، عندما كنا أطفالا وصبيانا صغارا في مقتبل العمر، أنا وأبناء جيلي، في "الترسو"، أي في الجزء الأمامي من صالات دور العرض الشعبية. فقد كانت "الصالة"، أو الجزء الخلفي من دار العرض، و"البلكون"، أي الجزء العلوي منها، لا يجلس فيه عادة سوى أفراد الأسر أو الكبار الذين يترددون على السينما بمعدل معقول، وليس مثلنا نحن الذين كنا نغشاها باستمرار، أحيانا فرارا من حصص الدروس الثقيلة التي لم تكن هناك ضرورة لها من وجهة نظرنا. ورغم الانسجام الشخصي مع الدراسة بشكل عام، إلا أن هذا لا يمنع من الإحساس بوجود دروس ثقيلة على النفس في مرحلة معينة، عندما بدأت المدارس "بقرار سياسي" مثلا، في تدريس ما أطلق عليه إبان العهد الناصري "ميثاق العمل الوطني"، فقد كنا نراه مليئا بالشعارات العامة التي لا نفهمها لأننا، بكل بساطة، لم نكن نستطيع أن نلمسها في الواقع.
لم يكن هناك في ذلك الوقت، لدى أي منا، أي موقف معارض لنظام عبد الناصر، فقد كنا أصغر من أن نستطيع أصلا الحكم على ما كان يجري على الساحة السياسية، بل على العكس، كنا نحب عبد الناصر حبا شديدا جارفا، ونؤمن إيمانا لا يتزعزع بقدرته على الإتيان بالمعجزات لمصر، وكان لدينا شعور غامر بالعزة الوطنية، خصوصا عندما كنا نستمع إليه وهو يلقي خطاباته الشهيرة التي كان يردد فيها كلمات تدغدغ حواسنا، بل وتهزنا هزا، وتشعرنا أن المستقبل أمامنا، ينتظرنا، ويدخر لنا مصيرا عظيما في بلدنا، ألم يكن عبد الناصر هو صاحب المقولة الشهيرة "إن هذا الجيل جاء في موعده مع القدر". ورغم أنه كان يقصد الإشارة إلى جيله هو، الذي صنع ثورة 23 يوليو، فقد كانت العبارة تطربنا أيضا، وتوحي لنا بأنه يقصد جيلنا، الجيل الصاعد الذي غنى له عبد الحليم حافظ أغنيته الشهيرة.
كنا نشعر ونحن نستمع إلى خطابات "الزعيم" بأنه يخاطبنا شخصيا، يوجهنا، يبثنا أفكاره وأشجانه، ويدفع فينا الروح الوطنية، والرغبة في الفداء والتضحية من أجل الوطن. كان عبد الناصر، دون شك، زعيما جماهيريا يمتلك "كاريزما" خاصة، ومشروعا سياسيا طموحا، ويحلم باستعادة أمجاد العرب القديمة، لكن الأخطاء أيضا كانت كبيرة.
صحيح أننا، ونحن أطفال، كنا نعيش في زمن عبد الناصر بشموخه، لكننا كنا نعيش أيضا، أحلى سنوات الحلم من خلال السينما، فقد كنا نعيش زمن "الترسو" الذي كنت أعتبره "عالما" قائما بذاته. كان جمهوره عادة من أولاد وشباب من أبناء الطبقة العاملة، وتلاميذ المدارس من أبناء الطبقة المتوسطة، وبعض الخادمات، اللاتي كان لديهن ميل واضح إلى التردد على الأفلام العاطفية والكوميدية بوجه خاص، وأتذكر ذلك بوجه خاص، لأن واحدة من تلك الخادمات، وكانت تدعى "جمالات"، كانت تتردد على منزلنا، لأغراض التنظيف الأسبوعي وقضاء بعض الحاجيات، وكانت، وهي تعمل في تنظيف الأرضيات والسجاجيد، لا تتوقف عن سرد قصص الأفلام بالتفصيل، وكنا نستمع إليها في انبهار، فقد كانت تمثل وهي تروي، وتجيد محاكاة الممثلين والممثلات، وعندما كانت تصل إلى سرد موقف عاطفي مثير، كانت أحيانا تبكي بالفعل، ولاشك أن تأثير "جمالات" علي وأنا بعد صبي صغير، كان عظيما، فقد أثارت خيالي، وجعلتني أحب السينما، لدرجة أنني كنت أترجى أمي أن تسمح لي بالذهاب إلى السينما مع هذه المرأة التي لم نكن نعتبرها مجرد "خادمة" بل واحدة من أهل البيت. وكانت جمالات تصطحبني معها أحيانا إلى عروض الساعة الثالثة بعد الظهر، بعد أن تكون قد انتهت من أشغال البيت عندنا. وكنا نجلس في "الترسو" بطبيعة الحال، وكانت تأتي معها ببعض حبات البطاطا الساخنة الشهية، والذرة المشوي، وكان تناول هذه المأكولات داخل السينما، من أجمل وأشهى ما يمكن ونحن نشاهد أفلاما مثل "شارع الحب" و"البنات والصيف". وكنت أفاجأ بأن هذه المرأة معروفة جيدا للكثير من رواد الترسو في دور العرض الشعبية التي كنا نتردد عليها، وكان الكثيرون يلقون إليها بالتحية، وكانت نموذجا مجسدا لبنت البلد التي تتميز بـ"الجدعنة" والذكاء وخفة الظل، ولم تكن متزوجة، وكانت بالتالي مطمع الكثير من الرجال، ومنهم من كان يعرض عليها الزواج بمنتهى البساطة، بشكل عابر عندما يرونها في دار السينما، وكانت هي تضحك وترد بنوع من الدلال قائلة "ده بُعدك"!
كان طعم "الترسو" يختلف بالطبع تماما، عن عالم "الصالة" و"البلكون" حيث كنت أتردد عادة في صحبة الأسرة في أوقات أخرى. ولازلت أتذكر أن من أوائل الأفلام التي شاهدتها وأنا طفل صغير، فيلم "غزل البنات". وكان يسبق الفيلم بث أغنية "عاشق الروح" تلك الملحمة الغنائية الرائعة التي تألق فيها محمد عبد الوهاب، واتضح فيما بعد، أي بعد مشاهدة الفيلم، أن عبد الوهاب كان يظهر بنفسه في الفيلم لكي يغني تلك الأغنية العبقرية الفريدة في موسيقاها (الشبيهة بالموسيقى الأوبرالية) باستخدامه المميز للكورس الذي يردد خلفه، وكانت مشاهدة عبد الوهاب للمرة الأولى على الشاشة في عمر مبكر جدا، أمرا خارقا من وجهة نظر طفل صغير. ولم أكن قد لحقت بالطبع بأفلام عبد الوهاب الغنائية الشهيرة التي قام ببطولتها وعرضت في الثلاثينيات والأربعينيات مثل "الوردة البيضاء" و"رصاصة في القلب" و"يوم سعيد" وغيرها من الأفلام التي لا تنسى أبدا، والتي شاهدتها مرات ومرات بعد أن بدأ التليفزيون فيما بعد، يعرضها باستمرار من وقت إلى آخر.


أما أكثر الأفلام جاذبية لجمهور الترسو فكانت تلك التي يقوم ببطولتها "ملك الترسو" بلا منازع، فريد شوقي. وكنا نستمتع أكثر وأكثر، عندما يكون أمامه في دور الشرير، الممثل الفذ محمود المليجي. والغريب أننا كنا نحب محمود المليجي كثيرا جدا رغم أنه كان يقوم عادة، بأدوار الشرير: القاتل والمخادع والمحتال. وكان جمهور الترسو، عموما، يحبه ويحترمه. وقد فكرت طويلا في السبب، وتوقفت أمام هذه الظاهرة الغريبة التي لم تكن معتادة، ففي العادة كان الجمهور، ولايزال، يتماثل مع البطل: المظلوم، المضطهد، الطيب القلب، الشجاع، الذي يعول أسرة، أو يبحث عن المال لإجراء عملية جراحية تنقذ ابنته الصغيرة من العجز أو المرض العضال، وقد تُورطه ظروفه وتجعله يقع ضحية لعصابة من الأشرار (يكون زعيمها بالضرورة هو محمود المليجي). وكان يقوم بدور البطل في الغالب، فريد شوقي، أو شكري سرحان.

أما أن يتعاطف الجمهور مع البطل، وفي الوقت نفسه ينظر بإعجاب إلى "الشرير" الذي يمثله محمود المليجي تحديدا، فهو أمر يستحق أن نفهمه. وما توصلت إليه هو أن جمهور "الترسو" كان يذهب إلى السينما لكي "يتفرج" على "فريد شوقي" و"محمود المليجي"، أي على هذين الممثلين العملاقين وهما يؤديان، أو يشخصان، أو يقومان بدورين، ويعرف الجمهور مسبقا أنهما "يمثلان"، أو يتقمصان دوريهما على الشاشة، كما لو كانا يشتركان معا في "لعبة" مسلية، يثق الجمهور أيضا في أنها ستنتهي بانتصار البطل الطيب على المجرم الشرير. ورغم هذا، كنا في "الترسو"، نشعر دائما بالإثارة والترقب، بل وننفجر أيضا في عاصفة من التصفيق عندما يقوم البطل بضرب الشرير ويتغلب عليه، أو عندما يتمكن البطل من إنقاذ ابنه الذي اختطفته العصابة، أو تخليص حبيبته من بين أيدي رجال زعيم العصابة، بينما كنا نستاء عندما تحضر الشرطة، كالعادة، في اللحظة الأخيرة، لكي تقبض على المجرم وأفراد عصابته، فقد كان ما تفعله الشرطة بالنسبة لنا نحن جمهور الترسو، نوعا من "تحصيل الحاصل"، في حين أن "البطل" أو "الشجيع"، أو تحديدا فريد شوقي (وحش الشاشة) يكون قد قام بالواجب كله على أكمل وجه قبل وصول الشرطة.

كان أساس الإعجاب هنا، أننا كنا نشاهد عرضا ممتعا. صحيح أننا نندمج مع أبطاله، لكننا نعلم مسبقا أننا سنشاهد "المليجي" وهو يلعب لعبة جديدة يتظاهر فيها بالشر، وأننا سنرى فريد شوقي يمثل علينا دور البطل الخارق الذي ينهض من العدم لكي يستعيد حيويته وطاقته، ويستعين بالله (كان كثيرا ما يردد لازمة كلامية شهيرة هي "ياقوة الله..." قبل أن يسدد ضربة موجعة إلى عدوه الشرير)، أو يحاول في البداية التظاهر بأنه رجل لا يريد اللجوء للأذى والعنف عندما يرمي خصمه بنظرة تحذير فيها الكثير من الطيبة والوداعة، ويقول له "الطيب أحسن"، ثم يعاجله بلكمة قوية تسقطه أرضا، أو وهو يحلف بـ"شرف أمه" أنه سينتقم من الأشرار، أو يردد القسم ذاته قبل أن يقوم بعملية غير قانونية، كأن يشترك مع العصابة في عملية سطو مثلا ويتعهد لهم بأنه سيحرص على نجاح العملية "بشرف أمه"، في حين نعرف نحن جمهور الترسو أنه يضحك عليهم بالطبع، وأن موضوع "شرف أمه" مجرد عبارة لا معنى لها في الواقع، مجرد خدعة. وقد اشتهر فريد شوقي أيضا بعبارته الشهيرة التي كان يوجهها إلى الشرير في الكثير من أفلامه الشعبية وهي: تصدق وتآمن بالله يامعلم؟ فيرد المعلم في عفوية: لا إله إلا الله يابني. هنا وبكل برود يرد فريد بقول: حلو.. مادام اتشهدت على روحك يبقى خد"، ويعاجله بلكمة قاسية ثم يهرب، ويجن جنون جمهور الترسو من السعادة بالطبع، فـ"الملك" لا يمكن أن يُهزم أبدا. وفي بعض الأفلام التي كان فريد شوقي يُضرب فيها أحيانا ضربا مبرحا من جانب أفراد العصابة حسب مقتضيات الدور وقبل أن يثار لنفسه، كان جمهور الترسو أحيانا يثير الشغب داخل دار العرض، فكيف يمكن أن يُضرب "الملك" بهذا الشكل؟ مستحيل!

ورغم عنف "وحش الشاشة" وضرباته الموجعة لخصومه الأشرار، وشجاعته التي لا يستطيع أن ينكرها أحد، كانت هناك أيضا طيبة ما في ملامح وجهه، وكان أداؤه مشوبا بخفة الظل، والكثير من "الجدعنة" التي تعجب بالطبع، جمهور "الترسو".

بعد أن تقدم العمر بـ"الملك" في السبعينيات والثمانينيات، تخلى عن أدوار العنف والمغامرات، أي خلع ببساطة، ملابس "وحش الشاشة"، وآثر أن يمثل دور الأب. وقد تفوق كثيرا على سبيل المثال في فيلم "قطة على نار" للمخرج سمير سيف أمام نور الشريف، و"السقا مات" للمخرج الراحل صلاح أبو سيف، وهو من أجمل ما أنتجته السينما المصرية في تاريخها كله. وفيه قام فريد شوقي بدور "مطيباتي الجنازات" ببراعة كبيرة ذكرتنا على نحو ما، بدوره الذي لا ينسى في فيلم "بداية ونهاية" من إخراج صلاح أبو سيف، أمام عمر الشريف وأمينة رزق وسناء جميل، وهي كلاسيكية أخرى من كلاسيكيات السينما المصرية.


أما محمود المليجي فقد كنا نعلم جيدا أنه "رجل طيب"، رغم شره الواضح، ونظرات عينيه المخيفتين اللتين كان الشرر يتطاير منهما، وكان المليجي أحيانا يتكلم بطريقة تجعلنا نرتعد ونحن نشاهده ونتطلع إلى بريق عينيه الذي يشي بالجنون والقسوة المفرطة والسادية المرضية، خصوصا قبل إقدامه على قتل إحدى ضحاياه، خنقا مثلا، أو ذبحا بسكين. ومع ذلك، كان المليجي محبوبا. كنا نراه ممثلا لا غنى عنه أمام فريد شوقي في أفلام مميزة جمعت بينهما مثل "سواق نص الليل" و"رصيف نمرة 5" و"عبيد الجسد" و"المصيدة" و"سوق السلاح" و"النشال" والمصيدة" و"العملاق" و"بطل للنهاية".. وغيرها.

وكان المليجي قد برز وحده، أي دون مشاركة وحش الشاشة أو ملك الترسو، فريد شوقي، في فيلم "الوحش" (1954) الذي أخرجه ببراعة صلاح أبو سيف. وكان هذا الفيلم من الأفلام التي يعاد عرضها في دور السينما الشعبية لسنوات وسنوات بعد ظهوره. وكان يقوم فيه بدور سفاح أسيوط الذي ظلت الشرطة لسنوات تبحث عنه دون أن تتمكن من الإيقاع به، إلى أن سقط بسبب إدمانه الأفيون. وكان يقوم بدور الضابط أمامه أنور وجدي، فلم يكن الثنائي فريد والمليجي قد ارتبطا معا بعد.

ولعل من أهم ملامح أفلام سينما الترسو، أي الأفلام الشعبية التي كانت تلقى إقبالا كبيرا من جمهور السينما، وأنا هنا أتكلم عن "عصر السينما" أي في ذروة تردد الجمهور على دور العرض، أنها تمكنت من خلق "شيفرة" خطابية خاصة بينها وبين الجمهور. ويمكن اعتبار هذا أكبر ما حققته السينما المصرية من نجاح في تاريخها كله، أي ابتكار تلك "الشيفرة" الخاصة، التي أصبحت وسيلة "مضمونة" للتخاطب بين السينمائيين والمشاهدين، أو بين الفيلم – كوسيط، والجمهور كمتلقي.

وقد تكونت تلك اللغة الخاصة أو "الشيفرة" المميزة في لغة التخاطب التي تستند إلى الثقافة الشعبية، عبر عشرات الأفلام. وقد نجحت هذه الأفلام، رغم تأثر الكثير منها بأفلام أجنبية، في خلق "خيالها الخاص" الذي يستطيع المشاهد أن يتعرف عليه، ويتمثله، ويجد نفسه في داخله. وقد يدور هذا الخيال حول "الحكاية" أو رواية قصة، تحتوي على الصراعات بقدر ما تحتوي على دروس أو حكايات ذات مغزى أخلاقي واجتماعي، مع تقديم هذه الأفلام في إطار من التزويق والمشهيات والمشاهد المثيرة التي تشد المتفرج لكي تجذبه داخل "الحلم" الذي كان ينتهي عادة، نهاية سعيدة. ورغم أن هذه النهاية السعيدة تكون معروفة سلفا، إلا أن الجمهور يظل دائما يتطلع إليها وينتظرها.

كان الجمهور العام الذي يشتري تذاكر الدخول إلى دور العرض يتكون في معظمه من الطبقة الوسطى بشرائحها المختلفة، بحكم التوجه الفكري لصناع تلك الأفلام، والاستعداد الطبيعي لدى جمهور الطبقة الوسطى للتعامل مع ذلك "الخيال المصور المتحرك" كسلعة لا غنى عنها للتسلية، بل وكإطار للمعرفة بما يدور في المجتمع أيضا، ولو على مستوى المتخيل. ولكن كان هذا الجمهور يشد معه جمهور الطبقات الأدنى الأكثر شعبية. وإذا كانت تلك الشريحة الثانية من الجمهور تتماثل مع "أبطال" أفلام "الترسو"، فلم يكن هذا يعني أنها لم تكن تتماثل أيضا مع نجوم من أبطال الطبقة الوسطى (شخصيات الأبطال التي قدمها يحيى شاهين وأنور وجدي وكمال الشناوي وأحمد مظهر ورشدي أباظة وعماد حمدي وشكري سرحان وعمر الشريف وحسن يوسف.. وغيرهم).

كان لدور العرض السينمائي رونقها وسحرها، بما في ذلك دور العرض في الأحياء الشعبية أو مدن الأقاليم، فقد كانت السينما لاتزال تُعامل معاملة العروض المسرحية، أي ينظر إليها على أنها جديرة بدور تناسبها، يمكنلهذه الدور أيضا أن تتحول، عندما يقتضي الأمر، إلى مسارح تقدم عليها المسرحيات، أو الحفلات الغنائية، كما كان حال سينما قصر النيل مثلا التي اشتهرت بالحفل الشهري للسيدة أم كلثوم، وكذلك سينما ميامي أو سينما ريفولي التي كان يغني على مسرحها عبد الحليم حافظ على ما أتذكر.


ولكن ما الذي كان يشد جمهور السينما العريض إلى فيلم مثل "غزل البنات"، وما السبب الذي جعل هذا الفيلم تحديدا، يحقق كل ما حققه من نجاح في زمنه؟ هذا التساؤل كان دائما يشغلني، رغم أنني لم أشاهده وقت ظهوره الأول عام 1949 فلم أكن قد وُلدت بعد، بل شاهدته بعد ذلك بسنوات عدة، وكان لايزال يعرض ويحقق نجاحا. وواضح أن دور السينما كانت تعيد عرض الأفلام التي تحقق إيرادات كبيرة ولم يكن هناك قانون وقتها، يحدد ضرورة عرض نسبة معينة من الأفلام المصرية، أو يحدد مدة زمنية لعرض فيلم ما، منعا للاحتكار أو ما إلى ذلك من أمور استجدت فيما بعد، وأثارت الكثير من اللغط حولها.

قصة فيلم "غزل البنات" (غالبا المقصود "معابثة الفتيات المراهقات") قصة بسيطة تتلخص في وقوع مدرس طيب القلب، رجل تجاوز منتصف العمر، هو "الأستاذ حمام"، الذي يقوم بدوره نجيب الريحاني، في غرام تلميذته "ليلى"، ابنة الباشا، التي تقوم بدورها ليلى مراد، والتي تحب رجلا آخر، مما يدمي قلب الأستاذ حمام، فهو أولا، ليس على المستوى الاجتماعي اللائق، بحيث يمكنه أن يتطلع إلى حب إبنة الطبقة العليا في المجتمع، طبقة الباشوات. وهو، من ناحية أخرى، يكبرها كثيرا في العمر. ولكنه لا يستطيع أن يخفي مشاعره طويلا، وتشعر ليلى تجاهه بعاطفة احترام وتقدير، لكنها توحي له بطريقتها الخاصة في المعابثة، وبتصرفاتها المراهقة، بأنه يتمتع بجاذبية خاصة، وأنها ترتاح إليه، وأنه لا يجب أن يقلل من قيمة نفسه، وأنها بدأت "تستظرفه" وترى أنه "حبوب"، وغير ذلك من الكلمات التي تجعله يتجه نحو المرآة، يتطلع إلى وجهه المتغضن قليلا، إلا أن نظرات عيني نجيب الريحاني توحي لنا بأنه استرد ثقته في نفسه، ونراه يتناول وردة بيضاء يضعها في عروة سترة البذلة، ثم بنوع من الإعجاب بالذات ودلالة على استعادته ثقته في جاذبيته، يغمز بعينه لنفسه في المرآة، وهي لمسة من اللمسات الإضافية التي يضيفها الريحاني إلى اللقطة بعبقريته الخاصة. لكن الانتقال إلى لقطة أخرى، يأتي مباشرة لكي يوصل للمتفرج معلومة تقضي على أي أمل لديه في إمكانية تحقق مثل هذه العلاقة بين ليلى وحمام، ففي اللقطة التالية مباشرة نرى ليلى وهي تتحدث بلهفة في التليفون، مع الحبيب المفترض (أنور- محمود المليجي)، الذي لا نراه، ويتعين علينا الانتظار إلى ما قبل النهاية حتى نراه في "الكباريه" عندما يكتشف الأستاذ حمام أنه مجرد محتال، يطمع في الحصول على ثروتها والهرب بها مع امرأة أخرى من نفس نوعه، فتكون صدمة كبيرة لليلى، لكنها سرعان ما تقع في حب طيار مدني وسيم هو "أنور وجدي" الذي ينقذها من المحتال، ولا يجد الأستاذ حمام بُدا من الاستسلام للأمر الواقع، والتضحية بحبه من أجل أن تنال "ليلى" ما تستحق مع خطيبها المهذب الوسيم.

في هذه القصة البسيطة عوامل عديدة ساهمت في تحويلها إلى أسطورة سينمائية لاتزال تعيش حتى يومنا هذا، رغم ما يمتليء به الفيلم من مواقف ساذجة، مصنوعة صنعا، ومبالغات عديدة، سواء في الحوار (ليس من المعقول مثلا أن تقول فتاة أرستقراطية وابنة باشا لحبيبها عبر التليفون: بحبك يامضروب!)، أو في عدم واقعية الحدث (أن يتكلم الشرير "أنور" ببساطة مع صديقته في الكباريه عن خطته للاستيلاء على أموال ليلى والفرار، في حين يسمعه الأستاذ حمام والمحيطون به بوضوح. وليس من الطبيعي أن يوافق طيار على دخول كباريه لتمثيل دور ابن عم ليلى حتى ينقذها من الشرير، بناء على طلب الأستاذ حمام هكذا بكل بساطة).

ولكن مثل هذه التساؤلات عن "الواقعية" و"منطقية الحدث" والقدرة على الإقناع أو "الإيهام بالواقع" لم تكن قد رسخت بعد لدى مشاهدى السينما عموما، فالفيلم الواقعي، أو الذي يحاول الإقناع بواقعية ما يصوره، لم يكن قد أصبح راسخا بعد في السينما المصرية كما هو الآن، خاصة بعد الدور الكبير الذي لعبته، ولاتزال تلعبه، المسلسلات التليفزيونية الاجتماعية العديدة التي تعرض يوميا على شاشة التليفزيون، والتي جعلت من الحياة اليومية مادة دائمة لها، مهما اختلفنا حول إخلاصها للواقعية المذهبية.

كان هناك اتفاق عام بين مشاهدي السينما (من خلال تلك الشيفرة الخطابية التي أشرت إليها من قبل) على قبول ما لا يمكن قبوله في الواقع، وكان الأهم بالنسبة للجمهور، هو متابعة الجانب الإنساني من القصة، وهو الجانب الذي أجاد الريحاني تحديدا (صاحب النزعة الإنسانية بلاجدال) ترجمته على الشاشة من خلال الشخصيات التي كان يقوم بها، خاصة وأنه كان يشترك في كتابة السيناريو أو الحوار.

كان نجيب الريحاني في المسرح والسينما، بطلا يصارع من أجل إثبات وجود ابن الطبقة الوسطى الصغيرة، دائم السخرية من القيم السائدة الجوفاء والمظاهر البراقة، مفلس لكنه يتمسك بالمبادئ، أكثر إخلاصا في مشاعره من أبناء الطبقة العليا. لقد كان الريحاني ببساطة، يعبر عن فكر يمتزج فيه الذكاء بالثقافة بخفة الظل بالقدرة على الإيقاع بأعدائه والانتقام للبسطاء (ولو على الشاشة).
الطابع الكوميدي هو الطابع الغالب على هذا الفيلم، رغم ملامح التراجيديا التي تتكثف قبيل نهايته، خاصة مع الاستخدام المؤثر لأغنية عبد الوهاب "عاشق الروح"، والريحاني يستمع إليها بكل جوارحه، بينما تتمزق مشاعره، ويعرف الجمهور، المتوحد معه، استحالة أن تنتهي القصة تلك النهاية السعيدة التقليدية، أي بحصوله على قلب الفتاة، ورغم ذلك، لا يخلو الفيلم من غمزات واضحة في اتجاه النقد الاجتماعي. صحيح أن شخصية "الاستاذ حمام" هي شخصية تتسق تماما مع تلك الشخصيات التي كان يقوم بها الريحاني في المسرح (والسينما أيضا)، فهو يقوم بدور رجل ينتمي إلى الشريحة السفلى من الطبقة الوسطى، لديه قسط من التعليم، يؤهله للعمل كمدرس، غير أنه يفقد عمله بسبب جديته وطيبة قلبه وسوء طالعه، لكنه سرعان ما يعثر على وظيفة مدرس خصوصي لابنة الباشا. ويصور الفيلم الباشا كرجل متحرر، جاد ولكن غريب الأطوار، مهتم كثيرا بتعليم ابنته اللغة العربية. وداخل القصر، عندما يذهب المدرس لاستلام وظيفته الجديدة، يندهش كثيرا عندما يجد أن الخادم المخصص لتقديم القهوة للضيوف يتمتع بدرجة عالية من الأناقة فيحسبه الباشا نفسه ويقف له احتراما إلى أن يكتشف الحقيقة، ثم يتكرر الأمر مع الموظف المكلف برعاية كلب الباشا، الذي يخاطبه بلهجة متعالية ويقول له خلال حوارهما الطريف إنه يحصل على راتب يبلغ 30 جنيها، وهو مبلغ كبير بمقاييس تلك الأيام. ولا نستبعد هنا أن يكون استخدام هذه الشخصية نوعا من "الغمز" إلى "أنطوان بوللي" مربي الكلاب (الإيطالي) في قصر الملك فاروق والذي لعب دورا مشهودا في الفساد السياسي في المراحل الأخيرة من العهد الملكي. ولكن هذه الشخصية هنا، تُستخدم في سياق رصد التناقضات الطبقية الهائلة. ولا ننسى أن الأستاذ حمام، يرد عندما يسأله مربي الكلب عن عمله بقوله، ساخرا من نفسه ومن الوضع بأكمله: "أنا بتاع كتب.. أنا (ثم يصدر صوتا بفمه دلالة على الاستهجان والسخرية ويكمل).. بتاع علم". فلا يملك مربي الكلب سوى التساؤل بدهشة: بس؟ فيجيب الريحاني بمرارة: بس. فيأتي التعليق الأخير من الرجل: أنعم وأكرم.. نهارك سعيد.. اتفضل اقعد!
هذا المشهد يلخص ببراعة ومن خلال الحوار البسيط الذكي (اشترك الريحاني مع بديع خيري في كتابة الحوار)، وأيضا من خلال أداء الريحاني وتعبيرات وجهه ونغمة صوته، ذلك التناقض الاجتماعي الصارخ، والتحسر على قيمة العلم والتعليم.. أليس هذا هو الحال نفسه الآن، بل وأسوأ كثيرا بالطبع، بعد مرور أكثر من ستين عاما على ظهور الفيلم!

ورغم الطيبة الواضحة في شخصية الباشا (يقوم بالدور ببراعة كبيرة سليمان نجيب) إلا أن طريقة تقديم الشخصية كما رسمت في السيناريو، تجعلها أيضا هدفا للسخرية أحيانا، كما نرى عندما يؤكد للأستاذ حمام إلمامه الكبير منذ طفولته، باللغة العربية، ومعرفته بأخوات كان، ويأخذ في استعراض معرفته بها، غير أن "الريحاني- الأستاذ حمام"، يتوقف عند "ما انحل" لينفي نفيا قاطعا أن تكون "ما انحل" من أخوات كان، فيصر الباشا بحدة على أنها منهن، أي يصر على أن يفرض الباطل على الحق. ولأن الأستاذ حمام مر لتوه بتجربة فقدان عمله لسبب تافه، سرعان ما يستدرك ويوافق الباشا على رأيه في حين نعرف نحن المشاهدون أنه يتظاهر بالموافقة لكي يتجنب الطرد، إلا أنه كرجل من "أبناء البلد" عن حق، يستدرك أيضا بطريقته الخاصة: هي من أخوات كان صحيح، ولكن من أب تاني ياسعادة الباشا!

الباشا ربما تعجبه هذه المزحة فيقرر رفع راتب الأستاذ حمام، من سبعة جنيهات إلى 15 جنيها مرة واحدة، وربما يكون، كما يمكننا أن نرى من تحت جلد المشهد العبقري نفسه، قد أراد أن يشتري تستر المدرس على خطئه فيما يتعلق بـ"ما انحل" أمام ابنته ووكيل أعماله، فكيف يمكن أن يخطيء الباشا في معرفته بأخوات كان وهو الذي بدأ لتوه بالقول إنه يحفظها عن ظهر قلب منذ طفولته. وبعد أن يأمر الباشا مدير أعماله (مرزوق افندي- عبد الوارث عسر) بزيادة راتب المدرس، وفي لفتة عبقرية من السيناريو (والأداء التلقائي الجاد ولكن بصورة لا تملك إلا أن تجعلنا نضحك) لا ينسى الباشا قبل أن يترك الأستاذ حمام يواصل عمله أن يؤكد له وهو يشير بإصبعه في وجهه: "ما انحل.. إنت فاهم.. ما انحل" (أي لا يجب أن تجادل في أن "ما انحل" هي من أخوات كان) فالباشا دائما يجب أن يكون على حق.. أليس هو الباشا!

ولاشك أن من عوامل النجاح الكبير الذي حققه الفيلم أيضا وجود كل هذا العدد من النجوم الأسطوريين معا في فيلم واحد، وإسناد أدوار مناسبة تماما لشخصياتهم الحقيقية إليهم.. فهناك أولا نجيب الريحاني، نجم النجوم في عصره، وأنور وجدي وليلى مراد وسليمان نجيب وفردوس محمد وعبد الوارث عسر وزينات صدقي ومحمود المليجي واستيفان روستي ونبيلة السيد، بل إن هناك أيضا عملاق التمثيل يوسف وهبي، الذي يقوم بدوره الحقيقي، ولا ننسى أيضا ظهور الموسيقار محمد عبد الوهاب الذي يؤدي ملحمته الغنائية الأوبرالية "عاشق الروح" قبل نهاية الفيلم. ومن كان يحلم أصلا باجتماع كل هذا العدد من العمالقة في فيلم واحد، بل وهناك أيضا ممثل سيصبح له شأن كبير بعد ذلك، هو فريد شوقي الذي يقوم بدو ثانوي عندما يظهر في مشهد واحد داخل الكباريه في دور أحد حراس المكان، بينما يقوم استيفان روستي بدور صاحب الكباريه.

ولعل من أهم العوامل التي ساعدت على رواج الفيلم ونجاحه الكبير الأغاني الجديدة البديعة لليلى مراد، التي كُتبت خصيصا للفيلم، وقام بتلحينها محمد عبد الوهاب، الذي كان طرفا مشاركا مع أنور وجدي، في إنتاج الفيلم.

يبدأ الفيلم بأغنية "اتمختري واتميلي ياخيل" وهي أغنية رومانسية شاعرية يقدم الفيلم بها شخصية ليلى، المحاطة بصديقاتها، وكلهن على ظهور الخيل، ثم طبعا أغنية "أبجد هوز" وهي أغنية خفيفة أقرب إلى "المونولوج"، لم يكن من المتصور أصلا أن يلحنها محمد عبد الوهاب بل ويبرع في تلحينها على هذا النحو، فقد أدخل فيها للمرة الأولى، إيقاعات الرقص الذي يعتمد على الطرق بالأقدام على الأرضية، وهو نوع من الرقص كان قد انتشر في أمريكا في الثلاثينيات، وبرع فيه بوجه خاص، الراقصون السود. وقد أخرج فرنسيس فورد كوبولا فيلما كاملا هو فيلم "نادي القطن" (1985) وكان أساسه هذا النوع من الرقص. وقد جعل عبد الوهاب الطرقات الإيقاعية السريعة على الأرضية تنفرد بشريط الصوت في الأغنية في دقات منفردة، كما استخدم أيضا آلة كانت جديدة تماما على الموسيقى العربية في ذلك الوقت هي آلة خشبية يصفق بها العازفون فتصدر صوتا مميزا له رونق خاص، ناهيك بالطبع عن كلمات "أبجد هوز" الطريفة جدا التي كتبها حسين السيد.

وهناك أغنيات أخرى أصبحت بعد الفيلم من أشهر أغاني ليلى مراد مثل "عيني بترف" و"الحب جميل" و"الدنيا حلوة" و"مليش أمل".

ولاشك أن ليلى مراد تألقت في هذا الفيلم، وبدت شديدة الفتنة والجمال والجاذبية الناعمة، وكانت تتمتع بخفة الظل، والرقة والصوت العذب الهامس الجميل، بل والمدهش أيضا أنها تمكنت من التمثيل بصورة طبيعية، وأضفت على الدور ملامح رومانسية جميلة لاتزال عالقة في الذاكرة حتى يومنا هذا.

كانت ميزة فيلم "غزل البنات"، أن كلا من جمهور "الترسو" وجمهور الطبقة الوسطى معا، تعرف على نفسه في شخصية الأستاذ حمام، وتعاطف مع ذلك المدرس البائس، تعيس الحظ، الذي تسوقه الظروف إلى حيث يدق قلبه بالحب، ولكنه ذلك الحب المستحيل، فيستسلم لمصيره، ويُضحي بحبه من أجل إسعاد حبيبته. ولعل بساطة العرض وتبسيطه، وتغليفه بتلك المسؤولية "الأبوية" التي تدفع الأستاذ حمام إلى التخلي عن أنانيته ورغبته في التحقق من خلال الحب، نزولا على واجبه تجاه فتاة هي في عمر ابنته، من أسباب وصول الفيلم إلى الجمهور العريض.

ولاشك أن جمهور الترسو أيضا، استمتع بـ"الشجيع"، أو نموذج "البطل" الذي جسده أنور وجدي، بطل تلك المرحلة، عندما أخذ يسدد اللكمات إلى الشرير "أنور" (محمود المليجي) داخل الكباريه، وتمكن من إنقاذ ليلى.. تلك الزهرة البريئة من بين أنياب الوحوش.. في ذلك الزمن.. زمن الترسو!

من مخزن الذاكرة: عصر مضى

صورة تاريخية تجمع (من اليمين الى اليسار) الناقد سمير فريد، والطاهر الشريعة مؤسس مهرجان قرطاج السينمائي (توفي أخيرا في نوفمبر 2010) ثم المخرج صلاح ابو سيف في حوار نادر مع المخرج يوسف شاهين، ثم المخرج توفيق صالح في أقصى اليسار. وقد التقطت بنفسي الصورة في مهرجان القاهرة السينمائي عام 1986

في 1986 أدرت ندوة لمناقشة فيلم "الطاحونة" (أو طاحونة السيد فابر) في مهرحان القاهرة السينمائي في عهد رئيسه الراحل سعد الدين وهبة، وذلك بناء على طلب بل والحاح من صديقي المخرج والناقد الكبير هاشم النحاس، بحضور مخرج الفيلم الجزائري احمد راشدي وبطله سيد علي عجومي وكان حاضرا أيضا الممثل الكبير عزت العلايلي بطل الفيلم، لكنه يظهر في لقطة أخرى تعقب هذه من زاوية أخرى... وكنا جميعا لا نكف عن التدخين في زمن التدخين!


على هامش مهرجان القاهرة عام 1993 الذي حضرته ليس بدعوة من المهرجان بل من سمير فريد الذي كان مسؤولا عن تنظيم ندوة حلقة بحث عن السينما العربية على هامش المهرجان. وقد شاركت فيها. وهنا المرحوم سعد الدين وهبة رئيس المهرجان يحتفي بالحضور من الضيوف العرب. ونرى من اليمين الى اليسار: المخرج الجزائري محمد شويخ، والناقد السورية ديانا جبور التي أصبحت مديرة الرقابة ثم مديرة للتليفزيون في سورية، وأمير العمري، ثم مديرة قسم السينما السابقة في معهد العالم العربي بباريس ماجدة واصف، وسعد وهبة، والناقد عرفان رشيد.

الاثنين، 14 مارس، 2011

"جوقة رجل واحد": إعادة اكتشاف أورسون ويلز



بقلم: أمير العمري


الفيلم الوثائقي الذي اسلط الضوء عليه اليوم، يعود إلى ما قبل خمسة عشر عاما، لكني عدت لمشاهدته أخيرا، ليس فقط لأهميته وأهمية الاكتشافات التي تمكن مخرجه من تقديمها عن شخصية المخرج السينمائي الأمريكي الرائد أورسون ويلز، صاحب فيم "المواطن كين" أحد اهم الأفلام في تاريخ السينما، بل لأنه منذ ظهوره في 1995، لم يستطع أي فيلم وثائقي آخر، أن يتجاوزه، أي أن يضيف جديدا إلى ما أضافه هذا الفيلم، بل إنه يُعد أيضا، دراسة بالصورة والصوت، لواحدة من أكثر الشخصيات السينمائية غرابة وتفردا وتقلبا وسوء حظ أيضا، في عالمنا، ومنذ اختراع السينما حتى اليوم.

هذا الفيلم هو "جوقة رجل واحد" One Man’s Band وهو يقع في 90 دقيقة، اشترك في إخراجه المخرج اليوغسلافي السابق (من مواليد سلوفينيا) فاسيلي سيلوفيتش، والمخرجة أوجا كودار، وهي من مواليد زغرب في كرواتيا، لكن أهميتها تعود إلى أنها كانت أيضا الزوجة الأخيرة للمعلم الكبير أورسون ويلز ورفيقة دربه طيلة السنوات العشر الأخيرة من حياته، وقد عملت مساعدة له في كتابة السيناريو لبعض أفلامه التي لم يجد معظمها طريقه إلى العرض، أو لم يكتمل تصوير بعضها الآخر لأسباب يتعرض فيلمنا الوثائقي هذا لها ويترك الكثير من علامات الاستفهام معلقة امام البعض الآخر منها.

ولعل السؤال الاول الذي قد يتبادر إلى الأذهان هنا هو: وما الذي يستطيع أن يقدمه فيلم وثائقي جديد عن عالم أوروسون ويلز الذي رحل عن دنيانا قبل ربع قرن؟ فقد ظهرات من قبل عن ويلز عشرات الكتب والدراسات والمقالات النقدية والأفلام الوثائقية التي حاولت تقديم صورة مكثفة للعالم الخاص والفريد لذلك الفنان العظيم وتجاربه الفريدة في التمثيل والإخراج والكتابة، فما الجديد الذي جاء فيلم "جوقة رجل واحد" لكي يقدمه؟

يلقي الفيلم أضواء جديدة على الكثير من الجوانب الغامضة والخفية في شخصية أورسون ويلز، كما يعرض أجزاء نادرة لم يسبق عرضها، من أفلامه العديدة التي شرع في ابتكارها وإعدادها وتصويرها أحيانا، دون أن يتمكن أبدا من استكمالها لأسباب كثيرة معقدة يتطرق إليها الفيلم. ويقول الفيلم أيضا إن هناك أفلاما أخرى كان ويلز قد انتهى بالفعل من إخراجها لكنها لم تعرض قط لأسباب قانونية لاتزال قائمة حتى يومنا هذا. ولو قدر لهذه الأعمال أن تعرض الآن فلاشك أنها ستضيف الكثير جدا إلى تجربة أورسون ويلز السينمائية، وتفتح آفاقا جديدة للتعرف الحقيقي على حجم موهبته، بل وعلى قدرته الدائمة على الاكتشاف والابتكار والتجديد في الشكل السينمائي، في حين أن الكثيرين يتصورون أنه انتهى في تجديده عند رائعته "المواطن كين" (1941) الذي لايزال منذ ظهوره منذ نحو سبعين عاما، قادرا على تحدي الزمن، وعلى تحدي الكثير من الإضافات الفنية اللاحقة على ظهوره بسنوات بعيدة.

وكان ويلز في الرابعة والعشرين من عمره عندما أخرج هذا الفيلم الذي غير وجه تاريخ السينما وأسس بشكل كبير، للـ"الفن السينمائي" في مقابل "الصناعة" السينمائية. وبعده، لم يستسلم ويلز كما يتصور كثيرون لمقاييس هوليوود السائدة، بل واصل تجاربه وابتكاراته، حتى أنه يمكن القول إنه يعتبر أعظم التجريبيين في تاريخ السينما.

في فيلم "جوقة رجل واحد" يستخدم لقطات عديدة للقاء التاريخي الذي جمع بين ويلز قبيل وفاته، وأعضاء معهد الفيلم الأمريكي American Film Institute أو مؤسسة دعم السينما الأمريكية كتاريخ وثقافة، ومقرها نيويورك.

فقد أقام له هؤلاء حفل تكريم خاص ومنحوه جائزة المعهد، ربما كانت الوحيدة التي حصل عليها طيلة حياته من مؤسسة أمريكية، عن مجمل إسهامه الفني في تطوير لغة السينما. وخلال اللقاء الذي نشهد منه لقطات متقطعة عبر المراحل المختلفة من الفيلم، يرد ويلز على سؤال بشأن علاقته بالجمهور فيقول بحسرة واضحة، إنه كان يسعى طوال حياته، للوصول إلى ذلك الجمهور وليس إلى القطيعة معه.

غير أن أفلام أورسون ويلز التي لم تختبر اختبارا حقيقا في سوق الفيلم، واجهت في الحقيقة، صعوبات ومتاعب جمة وعراقيل من جانب شركات الإنتاج السينمائي في الولايات المتحدة، فقد وضع المنتجون أمامه العراقيل والشروط الصعبة، وارادوا إرغامه على الامتثال لشروط الإنتاج الأمريكي الذي يحسب طبقا لدراسات جدوى في الأسواق، في حين أن موهبته الجامحة كانت ترغب دائما، في تطويع إمكانيات الصناعة لخياله الخاص الجامح.

كان ويلز، المشبع تماما بالثقافة الحقيقية: الأدب والمسرح الشكسبيري والفن التشكيلي وفن التصوير الفوتوغرافي والتمثيل المسرحي، أكثر طموحا في أفلامه من مجرد الطموح المعتاد للمخرج السينمائي. فقد كان يسعى إلى العثور على معادل يجمع هذه الفنون جميعها، في بوتقة واحدة، يمزجها بالتجربة الشخصية للفنان، يصبغها بصبغته الشخصية، ويدفع الحياة فيها والحركة إلى أقصاها. وكان بالتالي، ينفق الكثير من الوقت والجهد من أجل تحقيق غرضه دون كلل. ولم تكن شركات الإنتاج السينمائي الأمريكي تستطيع ان تقبل بذلك, ومن هنا جاءت مشاكله، فقد أشيع عنه مثلا أنه لا ينهي أفلامه بسهولة، وأنه عنيف متقلب المزاج، في حين كان ويلز يتمتع بطاقة هائلة وقدرة فذة على العمل الشاق المتواصل، وإرادة لا تعرف الكلل، من أجل تحقيق أحلامه السينمائية الخاصة، والبحث عن تمويل مناسب لها، حتى لو أدى الأمر إلى قيامه بمعظم العمليات الفنية الأساسية بنفسه: الكتابة والتمثيل والإخراج والإنتاج، واحيانا المونتاج أيضا. وكان بالتالي نموذجا للمخرج صاحب الرؤية، أو ما يعرف بالمخرج- المؤلف بكل معنى الكلمة.

ويكشف فيلم "جوقة رجل واحد" عن طاقة ويلز الهائلة، كما يلقي الأضواء على أعماله الطموح، التي لم يتوقف قط عن تطويرها والابتكار فيها. ومن هذه الأعمال مثلا فيلم "الجانب الآخر من الريح" The Other Side of the Wind الذي يعرض فيلمنا هذا مشاهد عديدة منه للمرة الأولى. وقد انتهى ويلز من تصوير الفيلم بالكامل إلا أنه لم يتمكن ابدا من عمل المونتاج له، وبالتالي يظل حبيسا في العلب.

ويقول فاسيلي سيلوفيتش، أحد مخرجي "جوقة رجل واحد"، إن الفيلم لم يكتمل بسبب ما وقع من مشاكل بين طرفي الإنتاج فيه، وهما منتجان من فرنسا وإيران، وكان من الصعب للغاية أن يقوم أي مخرج آخر غير ويلز الذي توفي عام 1985، بالإشراف على المونتاج له، لأن المونتاج كان دائما المرحلة الاهم في العمل السينمائي لدى ويلز، وخلالها كان يمنح الفيلم طابعه المميز، وأسلوبه الشخصي، لكنه يرى أن المخرجة أوجا كودار، مساعدته، هي الوحيدة التي يمكنها استكمال الفيلم. وفي المشاهد التي تظهر هنا من "الجانب الآخر من الريح"، يتبدى بوضوح الطموح الفني عند ويلز في بناء المشاهد وتصميم الحر كة في داخلها، واختياراته للألوان، ولقطاته الفريدة القريبة (كلوز اب).

وكان أورسون ويلز قد شرع في سنواته الأخيرة، في تصوير فيلم عن مسرحية شكسبير الخالدة "الملك لير" يقوم هو بدور البطولة فيه أي بدور الملك لير نفسه. وكان لديه مشروع آخر بدأ في تصويره عن مسرحية "تاجر البندقية" نرى منه ومن الفيلم السابق ذكره، لقطات فريدة تبرز قدرة ويلز الكبيرة كممثل من طراز فريد يميل إلى التقمص التام، والتعايش الكامل مع الشخصية التي يؤديها، كما صور أيضا بعض المشاهد من فيلم بعنوان "الحالمون" عن مجموعة قصص قصيرة للكاتبة الدنماركية كارين بليكسن التي كانت تكتب باسم إسحق دينيسين (وهي مؤلفة رواية "خارج افريقيا" Out of Africa الشهيرة التي تحولت إلى فيلم بنفس العنوان حصل على عدد من جوائز الأوسكار). وكان ويلز من أشد المعجبين برواياتها وقصصها، وقد سبق أن أخرج للتليفزيون، فيلما عن إحدى قصصها هو فيلم "قصة لا تموت" The Immortal Story

وكان ويلز قد شرع أيضا في تصوير فيلم جديد عن الرواية التي يكن لها إعجابا كبيرا وهي رواية "موبي ديك" ومنح الشخصية الرئيسية فيه أبعادا جديدة من خلال رؤيته الخاصة لها، وادائه وأسلوب إخراجه. وبدأ ويلز تصوير الفيلم الذي لم يكتمل، في عام 1972 ثم توقف في العام التالي، وهو لا يقوم فقط في هذا الفيلم بالدور الرئيسي، بل بادوار أخرى ثانوية في نفس الوقت.

الساحر والساخر

في "جوقة رجل واحد" مشاهد عديدة مأخوذة من البرامج التليفزيونية التي ظهر فيها ويلز كضيف ثابت، ابتكر اشكالا جديدة للسخرية، منها ذلك العرض التليفزيوني الذي كان يقدمه مع مجموعة من الدمى المتحركة، وعروض أخرى كان يمارس فيها هوايته الغريبة في القيام بأعمال السحر، وبرامج صورها في بريطانيا وأيرلندا وجسد فيها انطباعاته الساخرة عن الشخصية الإنجليزية والأيرلندية، وغيرهما.

ويضم الفيلم ايضا لقطات نادرة صورتها المخرجة أوجا كودار لاورسون ويلز أثناء قيامه بإخراج أفلامه الأخيرة، أوأثناء قيامه بالتدريبات التمهيدية على الأداء(البروفات)، كما يعرض الفيلم لرحلات ويلز العديدة خارج الولايات المتحدة. لقد كان ويلز ، على نحو ما، سينمائيا أوروبيا، هضم جيدا التراث الثقافي في الأدب والمسرح الأوروبي، وتاثر بهما، وربما كانت تلك الخاصية وراء الكثير من أسباب إحساسه الشخصي بالغربة والعزلة عن المجتمع الأمريكي، وهو إحساس نشعر به طوال مشاهدتنا لهذا الفيلم الوثائقي المدهش.

يضم "جوقة رجل واحد" ستين دقيقة من لقطات من الأفلام المجهولة لاورسون ويلز، وثلاثين دقيقة من ذكريات زوجته الأخيرة كودار، عن حياتهما معا وعن نظرتها إليه، ليس فقط كزوج، بل كفنان مدهش، ومبدع كبير. وفي الفيلم أيضا لقطات من حفل تكريمه في معهد الفيلم الأمريكي، نرى كيف يوجه له أحد النقاد سؤالا يتعلق بعدم استكمال أفلامه الأخيرة، فيستنكر ويلز هذا القول، ويرفض الاعتراف بأنه توقف عن العمل، مصرا على أنه سيواصل العمل إلى أن ينتهي من هذه الافلام قريبا. لقد كان ويلز نموذجا للقدرة الدائمة على الاستمرار في العمل حتى آخر نفس في حياته، وهذا أهم ما يكشف لنا الفيلم عنه.

الأوسكار والنظام


لم يحصل أورسون ويلز على أي من جوائز الأكاديمية الأمريكية لفنون السينما (الأوسكار9، لا كمؤلف بارز وكاتب سيناريو، ولا كممثل عظيم، ولا كمخرج من الرواد، بل ولا حتى عن فيلمه الذي أدهش كل رجال صناعة السينما في زمانه ولايزال يعد من أهم عشرة أفلام في تاريخ السينما، أي فيلم "المواطن كين". ولم يحصل ويلز أيضا على جائزة الأوسكار التي تمنح تكريما للمخرجين العظام عن مجمل أعمالهم السينمائية، لكن أعماله القليلة المكتملة التي تركها، تتحدى الأوسكار، وتثبت للمقارنة مع الأعمال الرفيعة في الفن. ومن هذه الافلام: "فالساتف"، الذي استوحاه عن مسرحيات عدة لشكسبير، و"الرجل الثالث" الذي صوره في فيينا بعد الحرب العالمية الثانية، و"سيدة من شنغهاي"، و"آل أمبرسون العظام"، و"المحاكمة" عن رواية كافكا الشهيرة، و"لمسة الشر"، و"عطيل" الذي صوره في أربعة بلدان من بينها المغرب، وقد عرضت النسخة الكاملة منه للمرة الأولى في مهرجان كان السينمائي عام 1993، وفيلم "التزوير" وهو آخر أفلامه كمخرج.

كان ويلز قادرا على جعل الفيلم السينمائي سينمائيا خالصا، يحمل بصمته الشخصية، أيا كان المصدر المأخوذ عنه الفيلم، سواء عن مسرحيات شكسبير أم عن القصص والروايات البوليسية، وسواء كان يحتوي على أبعاد فلسفية أم نفسية أم سياسية. وكان قادرا على أن يجعله أيضا، شديد الجاذبية ومختلفا تماما عما قبله. وكان يضطر إلى القبول بالتمثيل في أفلام عديدة، حتى من تلك التي لم يكن يحترمها كثيرا، من أجل تدبير بعض المال الذي يمكنه من مواصلة عمله كمخرج، يقوم أيضا بإنتاج أفلامه الفنية.

وهنا تحديدا، يكمن سر شقائه ومجده في آن. فهو المتمرد الأعظم على "النظام" أي نظام الإنتاج التقليدي في هوليوود، المتجاوز لعصره فنيا وفكريا، الطامح إلى خلق لغة سينمائية خالصة. إلا أنه أيضا، ضحية النظام الذي حاربه، ولفظه، وحرمه من فرصة استكمال الكثير من أفلامه المدهشة التي لا تزال تنتظر من يكملها، ويخرجها من معطف الساحر ويعيدها إلينا. ولو قدر لهذه الأعمال أن تعرض اليوم ستكون كفيلة بتغيير وجه السينما إلى الأبد.
(جميع الحقوق محفوظة وغير مسموح باعادة النشر إلا بإذن صريح مكتوب من ناشر المدونة)

الأحد، 13 مارس، 2011

"ميرال": عودة إلى مناقشة جادة لعمل سينمائي مهم

كنت أتخيل أن يكون فيلم "ميرال" Miral للمخرج الأمريكي (اليهودي) جوليان شنابل، الفيلم الأكثر إثارة للاهتمام، للنقاش، والجدل حول موضوعه ومحتواه في أوساط النخبة المثقفة العربية والإعلام العربي بشكل عام في 2010، باعتباره أول فيلم احترافي كبير مصنوع للجمهور العريض، يتناول تاريخ الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني، منذ فيلم "حنا ك" الذي أخرجه الفرنسي (اليوناني الأصل) كوستا جافراس، والذي تعين على مخرجه فيما بعد أن يدفع الثمن باهظا، ويقدم فيلما آخر "يكفر به" عن تعاطفه مع القضية العربية، كما دفعت بطلته جيل كلايبرج الثمن أيضا، متمثلا في تجاهل هوليوود لها حتى وفاتها أخيرا.

أما "ميرال" الذي صور في عدد من المدن الفلسطينية داخل وخارج ما يسمى بالخط الأخضر، فلم يعرض سوى في اليوم الأخير من مهرجان أبوظبي، وعرضا واحدا في مهرجان الدوحة-تريبيكا فقط من بين كل المهرجانات السينمائية العربية لعام 2010، وغابت بالتالي فرصة مناقشته بشكل حقيقي يبتعد عن الانطباعات الأولية.

سيناريو الفيلم مأخوذ عن مذكرات رولا جبريل التي صاغتها في شكل رواية تروي فيها قصة حياتها، وهي الفلسطينية التي جاءت من قلب المأساة الى أوروبا لكي تصبح حاليا من أشهر مقدمات البرامج الشعبية في التليفزيون الإيطالي.


قصة الصراع
يروي الفيلم، أو يطمح إلى أن يروي، قصة الصراع الدائر في فلسطين، منذ عام 1948 حتى اليوم، من خلال التركيز على دور هند الحسيني، التي أنشأت بيتا لإيواء الأطفال اليتامى الذين فقدوا أباءهم في حرب عام 1948، واتسع هذا البيت الذي كان يأوي في البداية 55 طفلا فأصبح يستوعب ألفي طفل.
أما "ميرال" فلم تفقد والديها في الحرب، وهي التي ولدت في اوائل السبعينيات، بل فقدت أمها بعد ان انتحرت هربا من مصيرها الذي يرويه الفيلم بالتفصيل، فأودعها والدها "دار الطفولة" لكي تصبح في رعاية هند الحسيني، تلك الشخصية الفلسطينية "الأسطورية" التي تحدت كل الظروف غير الانسانية، ونجحت في الحفاظ على مدرسة تعليم الأطفال، وكانت ترى أن التعليم هو طوق النجاة الأساسي أمام الشعب الفلسطيني.
فيلم "ميرال" شاركت في إنتاجه شركات من فرنسا وايطاليا والهند وإسرائيل. وصنع أساسا لكي يخاطب الجمهور الأمريكي العريض. وقد بدأت عروضه العامة في السوق الأمريكية في شهر ديسمبر 2010. والمشاركة الاسرائيلية فيه مجرد تقديم خدمات للتصوير، وهو ما يحدث أيضا لافلام المخرجين الفلسطينيين الذين يصورون في اسرائيل مثل ايليا سليمان، ولا يجب التوقف امامه باعتباره نوعا من "المشاركة" الإسرائيلية في الإنتاج.
يبدأ الفيلم بلقطات تسجيلية (سيتكرر كثيرا استخدام لقطات من الأرشيف خلال الفيلم) لإعلان بن جوريون قيام دولة إسرائيل ووصول أعداد كبيرة من المهاجرين اليهود إلى فلسطين، ثم مظاهر الاحتفالي الشوارع بما يطلق عليه الإسرائيليون "يوم الاستقلال" في 15 مايو 1949 ثم قيام الحرب العربية- الإسرائيلية الأولى التي تنتهي بـ"النكبة" الكبرى.
ونرى لقطات لعشرات الأطفال يتحدثون عن فقدانهم لذويهم، وقد أصبحوا بلا مأوى في عرض الطريق، وهند الحسيني وهي تصطحبهم معها.
ونقفز الى حرب 1976 ودخول القوات الإسرائيلية إلى القدس. لكننا نعود في الزمن الى الوراء لكي نتوقف أمام قصة "نادية" (ياسمين المصري) التي تهرب من حياة الفقر والفاقة مع أسرتها المتعددة الأطفال، ووالدها الفظ الذي يسيء معاملتها، لتعمل راقصة في ملهى ليلي، ثم لا تستطيع أن تتحمل اهانة امرأة لها داخل حافلة، فتضربها بعنف ويقبض عليها وتحكم بقضاء ستة أشهر في السجن. وهناك تلتقي نادية بفاطمة، وهي ممرضة فلسطينية صدرت ضدها ثلاثة أحكام بالسجن المؤبد بعد أن قامت بزرع قنبلة داخل دار سينما.
تدور حوارات طويلة بين المرأتين داخل السجن، حول معنى القتل، وكيف يصبح من الممكن قتل أناس لا تعرفهم، قد يكونوا من الأبرياء، وحول مغزى الاحتلال، وقسوة العيش تحت سطوته. ويصور شنابل عملية زرع القنبلة داخل دار السينما في "فلاش باك" حيث نرى السينما تعرض فيلم "نفور" Repulsion لرومان بولانسكي في تحية واضحة لهذا المخرج (اليهودي، البولندي الأصل) الذي كان وقت إعداد الفيلم موضوعا تحت الإقامة الجبرية في سويسرا.
بعد خروج نادية من السجن يزوجونها من رجل لا تحبه، تنجب منه طفلتها "ميرال" لكنها تختفي ذات يوم، ونعلم أنها انتحرت. وهذا هو الجزء الأكثر غموضا في الفيلم، وفي عام 1985 يقوم هاني زوج نادية بتسليم ميرال الى مدرسة الدير أي الى هند الحسيني.


مشهد الجرافات


وفي 1987 تندلع الانتفاضة الأولى وتذهب ميرال الى مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في الضفة الغربية لتعليم الاطفال. ويركز الفيلم هنا كثيرا على فلسفة هند الحسني في ضرورة التعليم للفلسطينيين، مع ضرورة أن يعرفوا دائما من أين جاءوا والى أي وطن ينتمون، في إشارة إلى توازن نظرتها، وعدم ابتعادها عن القيم الوطنية الفلسطينية.
ولكن سرعان مما تشهد ميرال كيف تلقى زميلة لها مصرعها برصاص القوات الإسرائيلية أثناء قمع الانتفاضة، كما تشهد هدم منازل قريتها بواسطة الجرافات الاسرائيلية، وتشريد العشرات من السكان. في مشهد من أعظم مشاهد الفيلم ولعله أيضا أكثر المشاهد من نوعها، "تعبيرية" في السينما، وهو مشهد يستغرق عرضه على الشاشة زمنا يوازي الزمن الحقيقي في الواقع، ويتم تقطيع لقطاته من زوايا مختلفة، مع تصاعد الموسيقى الحزينة المؤثرة التي تستخدم فيها آلات التشيللو والكمان، وتتناوب لقطات لعشرات الأشخاص من الأطفال والكبار وهم يتطلعون بأسى إلى ما يحدث أمامهم من هدم وتدمير، حتى يصل المشهد إلى ذروته في التأثير على المشاهدين، وبما يتجاوز عشرات المرات ما نراه يوميا في نشرات الأخبار والتقارير التليفزيونية. إن هذا المشهد وحده، يتجاوز أيضا فكرة الواقعية أو التصوير الواقعي لحدث تراجيدي، ليصل إلى فكرة "القهر" بالمعنى الشامل، أو وقوف الإنسان بكل انسانيته وعذابه ورغبته في مجرد العيش الكريم، عاجزا أمام جبروت الآلة، آلة الدمار التي ابتكرها الإنسان أيضا للقضاء على الأمل، وزرع الشقاء والحقد والرغبة في الانتقام. إننا نشاهد تلك الآلة العملاقة الجهنمية التي تقضي على رمز الحياة، أي البيت، كما لو كنا نشاهد وحشا من وحوش ما قبل التاريخ، وقد عاد لتهديد حياة البشر. إنه شيء فاقد أصلا لكل قيم الإنسانية. وهذا هو المغزى الذي يبقى في الأذهان طيلة الوقت، ولكن دون ان ينفصل في العقل البشري ابدا، عن صلته الوثيقة الثابتة بالبربرية الإسرائيلية العسكرية الغاشمة.

الطابع التسجيلي يسود النصف الأول من الفيلم (الذي يستغرق زمن عرضه 111 دقيقة). فنحن نشهد الكثير من الأحداث، خاصة الانتفاضة، مجسدة كما لو كانت مسجلة وقت وقوعها، في حين أن كل شيء في الفيلم مصنوع، أو أعيد تجسيده، بدقة مدهشة، وباستخدام كل امكانيات السينما الحديثة (تكلف انتاج الفيلم حسب تصريحات المخرج شنابل 15 مليون دولار).

نهاية القصة
في ظل هذا الدمار كله تسعى هند الحسيني بكل ما تملك من قوة، للحفاظ على المدرسة، وعلى الأطفال. ولكن بعد مقتل هديل صديقة ميرال، تتحول ميرال الى ناشطة، ترتبط بعلاقة مع شاب من النشطاء وتشارك في عملية تفجير داخل مستوطنة إسرائيلية عام 1990 ويتم اعتقالها (مع مائة آخرين) والتحقيق معها وتعذيبها لكي تعترف على زملائها، إلا أنها تصمد وتتمكن من الخروج بعد أن تتعهد بعدم المشاركة في العمليات ضد اسرائيل.
وفي النهاية تقنعها هند بمغادرة البلاد الى ايطاليا بعد ان تكون قد دبرت لها سبل مواصلة تعليمها هناك.
ولعل من أكثر نقاط الفيلم ضعفا وتهافتا واخلالا بالإيقاع، الفصل الأخير الذي يروي قصة "ليزا وسمير". وليزا هي فتاة اسرائيلية يهودية، وسمير هو ابن عم ميرال. والاثنان يرتبطان معا بعلاقة عاطفية. لكن ليزا ابنة لضابط في الجيش الاسرائيلي. وتعترض والدة سمير على تلك العلاقة وترفضها، وتسعى بشتى الطرق لجعل ليزا تترك ابنها. أما والد ليزا فهو أيضا يتحفظ على تلك العلاقة لكنه يبدو أكثر تفهما، ويصر الاثنان على مواصلة تلك العلاقة، وتتجاوب ميرال معهما، في إشارة رمزية مباشرة تؤكد الفكرة الثابتة لدى أصحاب الأفكار الليبرالية في الغرب، أي فكرة ضرورة التعايش بين العرب واليهود، وأنه لا يوجد حل آخر، وأنه قد آن الأوان لوقف مسلسل القتل والقتل المضاد، وهو ما عبر عنه المخرج شنابل في المؤتمرالصحفي الذي عقد في مهرجان فينيسيا، عندما أصر على أنه كيهودي، كانت أمه مسؤولة عن ادارة فرع الهستدروت في أمريكا من أجل دعم إسرائيل، وجد أن من الضروري تقديم وجهة النظر الأخرى، من أجل تقريب المسافات بين الطرفين، وإن فيلمه يمكن أن يكون مادة جيدة أمام الرئيس الأمريكي وهو يفتح ملف الشرق الأوسط من جديد!

مشاكل السرد والإخراج
ناقشنا في الجزء الأول من هذا المقال، الجوانب والإشكاليات الفكرية في فيلم "ميرال" لجوليان شنابل، وتطرقنا لما يتضمنه الفيلم من قضايا وجوانب تتعلق بالصراع العربي الفلسطيني.
هذه الرغبة الملحة في اطلاع الجمهور الأمريكي على القضية بتفاصيلها ولو من خلال فيلم واحد محدود المساحة والزمن، هو الذي يؤدي في واقع الأمر، الى وقوع الفيلم في الكثير من المشاكل الفنية.
من هذا المشاكل أولا: السقوط في الطابع التعليمي المباشر، من خلال الشروح، والتوقف، والسرد الذي يستخدم الوثيقة المصورة، لكي يذكر ويربط، ويجعل التعقيدات التي شهدتها المنطقة خلال أكثر من نصف قرن، شديدة التبسيط بل والتنميط أيضا كما نرى في الجزء الخاص بتردد ميرال بين الانتماء النهائي لحركة المقاومة المسلحة، أو الخضوع لقيادات منظمة التحرير التي كانت قد بدأت الترويج لخطة أوسلو. هنا يوجد الكثير جدا من الحشو والمشاهد الزائدة، والحوارات العقيمة التي لا تضيف بل تقطع مسار الأحداث. وإن كانت تحاول أن تقدم "تلخيصا" للتناقضات بين الأجنحة الفلسطينية المتصارعة.


ثانيا: ربما يكون ما يميز الجزء الأول من الفيلم ذلك التصوير البديع باستخدام الكاميرا المحمولة الحرة بطريقة فنية، في لقطات طويلة، من اليسار الى اليمين، ثم إلى أعلى، ثم تهبط الى أسفل مجددا، بحيث تصبح اللقطة مشهدا كاملا، تحيط بالمكان وبتفاصيله الموحية الخاصة التي روعيت فيها أكثر درجات الدقة، مع البشر، بملامحهم وملابسهم وسلوكياتهم المميزة: في الفيلم نسمع الآذان، ونرى المصلين، والمضربين، وأصحاب الحوانيت الصغيرة، ومرتادي المقاهي، وتلاميذ المدارس ودورهم في الانتفاضة، والقوات الإسرائيلية تغلق الطرق وتضع المتاريس والحواجز، وتقوم بأعمال الدورية والتفتيش، ومظاهر الموت والدفن والصلاة على الميت.. الخ
إلا أن هذا التشكيل البديع سينمائيا سرعان ما يختل بسبب ذلك الخلل في طريقة القص، الحكي، أسلوب السرد، البناء (وكلها تعبيرات مختلفة عن جانب واحد هو الـ narrativity فنحن نبدأ عام 1994 أي من نهاية الأحداث عمليا بعد أوسلو، لكي نعود الى 1948 وتأسيس اسرائيل، ثم الحرب، ثم 1967 ثم الانتفاضة وهكذا. ولكن السرد يتوقف لكي يقدم وجهات نظر متباينة، أولا الفيلم يبدأ من وجهة نظر هند الحسيني، وتمر 40 دقيقة قبل ظهور ميرال، التي يفترض أنها الشخصية المحورية في الفيلم، لكننا نذهب قبل ذلك لنتعرف على والدتها "نادية" ثم الى زميلتها في السجن "فاطمة"، وكل له قصته، وله وجهة نظره في الأحداث، مما يخلق فوضى غير منظمة، واضطرابا فكريا في مسار الفيلم وليس فقط فيما يتعلق بسلاسة البناء، فمن الممكن أن يتمحور الفيلم بين الماضي والحاضر، ولكن مع التركيز دائما، على موضوعه الأساسي.
العنصر الثالث يتلخص في أن الفيلم، نتيجة لهذا التشتت في الرؤية والرغبة في رواية كل شيء، يفتقد وحدة الأسلوب، فهو تارة يشبه فيلما بوليسيا من أفلام الاثارة السياسية، وتارة أخرى يبدو كعمل وثائقي أو توثيقي من خلال الافراط في استخدام الوثائق ومراعاة الدقة التسجيلية في اعادة تصوير الأحداث التاريخية، ومرة ثالثة يتجه نحو الميلودراما أو أسلوب المسلسلات soap opera في لعبه على المصادفات والأنماط التبسيطية والتقابلات المصنوعة لخدمة فكرة "التعايش" مثلا، ومرة رابعة يبدو كعمل "تعليمي" موجه.. وهكذا.
ورغم الجهد الواضح في أداء دور ميرال تبدو الممثلة الهندية فريدا بنتو غريبة على الدور، بل وعن الأماكن التي تدور فيها الأحداث في فلسطين، وغير منسجمة لغويا وشكليا ودراميا مع الممثلين الآخرين ومنهم الكثير من الممثلين العرب وعلى رأسهم هيام عباس التي تبدو الأكثر بروزا وتألقا في الفيلم، في تقمصها لدور هند الحسيني ببراعة جديرة بالتقدير والثناء بحيث يبدو الدور وقد كتب لها خصيصا.
هنا يصبح استخدام اللغة الانجليزية معظم الوقت، مفتعلا خاصة عندما نشاهد رجلا وزوجته يجلسان على السرير في غرفة النوم، يتبادلان الحديث بالانجليزية بلكنة فلسطينية، أو عندما تخاطب ميرال صديقها الناشط الفلسطيني بالانجليزية، ويخاطب الضابط الاسرائيلي ابنته بالانجليزية بلكنة اسرائيلية قوية.. وهكذا، وهو ما يساهم في "تغريب" الفيلم وان كان دفاع المخرج شنابل عن هذا الاختيار يتركز على رغبته في وصول الفيلم الى الجمهور الأمريكي بسهولة كما أوضحنا!
وأخيرا لا أجد مكانا هنا للظهور الرمزي للممثل الأمريكي وليم دافو، ولا للممثلة الانجليزية العظيمة فانيسا ريدجريف، من زمن الانتداب البريطاني، ووجود قوات الأمم المتحدة بعد حرب 1948، وهو استخدام لاثنين من كبار الممثلين يبديان، كما هو معروف، تعاطفا مع قضية الشعب الفلسطيني، وبهما، يظن شنابل أنه سيضمن نوعا من الشعبية لفيلمه.
وقد يكون أخطر ما في رسالة الفيلم أنه يدين على نحو ما، فكرة النضال المسلح، دون أن يطرح بديلا حقيقيا يصلح تبنيه من جانب المجموع، بل يكتفي بتقديم حل فردي "طوباوي" يتمثل في ضرورة البحث عن التعليم، والتمسك بفكرة التعليم كوسية لمقاومة الاحتلال أو الوقوع في التطرف، وهي رؤية ساذجة تبدو كما لو كانت تطالب الشعب الفلسطيني بمغادرة أراضيه بحثا عن التعليم وفرص العمل في أوروبا!
ولكن رغم كل الملاحظات السلبية على الفيلم، إلا أنه يساهم بشكل ما، في إضاءة بقعة من الضوء أمام الجمهور في الغرب، على ذلك الملف الملتبس، ويصور بشكل قوي وغير مسبوق، معنى العيش الفلسطيني تحت الاحتلال، وما يمكن أن يولده ذلك اليأس والإحباط، وتلاشي كل فرص تحقيق السلام يوما بعد يوم، من لجوء إلى كل أشكال التطرف والعنف. وهو تحذير سينمائي غير مسبوق في السينما الروائية الغربية الموجهة للجمهور العام.

الجمعة، 11 مارس، 2011

المصري متهم حتى تثبت براءته

المستشار طارق البشري


بقلم: خالد البري

 
من كام يوم حكيت لبنتي اللي عمرها ٦ سنوات حكاية وقلت لها تصبحي على خير وبعدين رحت أغسل سناني قبل ما أنام… وأنا في الحمام سمعت صوتها من غرفتها بتغني مع نفسها "دولا مين ودولا مين، دول عساكر مصريين". والله لقيت دمعة نزلت من عيني من غير ما أحس.. بنتي دي مولودة في لندن، وأمها لبنانية، وأنا معلمتهاش الأغنية دي أبدا. بعدها بأقل من ٤٨ ساعة قريت التعديلات الدستورية اللي لجنة الأستاذ طارق البشري اقترحتها، ولقيت فيها هذا البند بخصوص الترشح لرئاسة الجمهورية:
"ألا يكون هو أو أحد والديه حاصلا على جنسية أجنبية , وألا يكون متزوجا من أجنبية , وألا يقل سنه عن 40 عاما" وهو تعديل للبند السابق الذي يقول ببساطة إن رئيس الجمهورية يجب أن يكون مصريا ومن أبوين مصريين.
يعني أنا وابنتي لا يحق لنا الترشح لرئاسة مصر، بغض النظر عن أننا لا ننوي الترشح، وبغض النظر عن أن أيا منا لم يصل إلى السن القانونية للترشح. نحن ممنوعان من الترشح، وأبناء ابنتي في المستقبل ممنوعون من الترشح. أي أنني أعاقب ابنتي ونسلها لأنني عشت خارج مصر وحصلت بطريقة إدارية روتينية على الجنسية البريطانية. أحسست أن الموضوع شخصي كما هو عام. كأنني تلقيت برقية تقول: "لجنة الأستاذ طارق البشري تقدح في وطنية خالد البري وابنته جود ذات الأعوام الستة وأبناءها." ففكرت أن أرد على طارق البشري برسالة أنا ايضا.

عزيزي الستشار السالف الذكر
أنا أعلم أنك لا تنتمي إلى الجيل الذي أنتمي إليه بل إلى جيل سابق له طريقة تفكيره، وله معاركه، وله أعداؤه وأصدقاؤه… تشكل هذا كله من خلال التاريخ الذي عشته والدعاية والإعلام الذي استمعت إليه والكتب التي قرأتها. للأسف، جيلك لم يحقق لمصر ما تستحق، وجعل الحياة في مصر بطريقة كريمة حكرا لأبناء أصحاب السلطة والنفوذ من السياسيين وأرباب المال، ثم، ايضا، لابناء طبقة من رجال القضاء المحترمين الذين تمتعوا بحصانة حمتهم من قلة أدب ضابط شرطة أو من استبعاد أمن الدولة لهم من الوظائف، ولأبناء طبقة العسكريين بما لهم من اتصالات ونفوذ… باختصار حتى لا أطيل عليك. أبناء هؤلاء لم يكونوا مضطرين للرحيل خارج الوطن، بالعكس، بعض منهم استفاد من الميزات التي تعطى لرجال القضاء في تعيين أبنائهم في سلك النيابة تفضيلا على أبناء "الغير لائقين اجتماعيا"، ميزات يقول الخبثاء أنها كانت ثمنا لسكوت آبائهم. وهذا على سبيل المثال لا الحصر.
أما أنا وكثيرون غيري من أبناء المتعلمين وأبناء الكادحين وأبناء الطبقة الوسطى والفقيرة فلم نتمتع بأي من هذا، بل اضطر كثير منا إلى البحث عن حياة كريمة بعيدا عن الوطن، كانت تلك الوسيلة الوحيدة لكي يؤمنوا لأنفسهم مردودا ماديا وأدبيا يليق بمواهبهم على اختلافها. لم نكن جواسيس ولا مجرمين، وكثير منا كانوا ضحايا غربة مفروضة عليهم. لم يكن لديهم خيار. أنا وكثير من أصدقائي دخلنا السجن في عهد مبارك دون محاكمة، وأنت ورجال القضاء لم تدافعوا عنا بما يليق بكم كرجال قضاء، لم تعتصموا يوما من أجلنا ومن أجل احترام القضاء من باب أضعف الإيمان.
الآن اجتمعت أنت وبعض من المستشارين باختيار من مجلس عسكري وقررتم أنكم وأبناءكم أكثر وطنية منا ومن أبنائنا، أو على الاقل أكثر استحقاقا للثقة منا ومن أبنائنا. هذا سوء تقدير (على أقل تقدير) لكنه أيضا يشي بسوء تفكير… لماذا؟
أولا: لأنك وانت رجل القانون نزعت حقا من حقوقنا بلا جرم ارتكبناه. فالحصول على جنسية أجنبية ليس جرما في القانون المصري، والزواج من أجنبية ليس جرما في القانون المصري. والأكثر من ذلك، عاقبت أبناءنا على ما لا خيار لهم فيه… أنت تشي للناس بأن ثمة شيئا جوهريا (حتميا) في الإنسان الذي يحصل على جنسية أجنبية يجعله وأبناءه غير مستحقين للثقة، ولا بد من مرور ثلاثة أجيال لكي ينظف هذا الشيء الجوهري ونتخلص من آثاره. هذه شوفينية تنتمي إلى جيلك ولا تنتمي إلى جيلنا. نحن نتعامل مع الناس على سلوكهم. لا يهمنا من هم ولا أبناء من هم. االذي يسرق مصر أو يخطئ في حقها هو من نعاقبه، سواء كان أبواه مصريين أو مصريين "بشرطة".
ثانيا: لانك ـ والمفترض أنه حتى لو كنت من جيل سابق ـ مطلع على مسار التفكير في العالم. كثيرون منا اعتبروا أن اختيار أوباما لرئاسة الولايات المتحدة حدث تاريخي. الأمريكيون اختاروا رئيسا أسود ليحكمهم بعد أن كانوا - في جيلك - لا يسمحون لمن هم مثله بالجلوس في المقاعد الأمامية في حافلات النقل. هذا تغير للأفضل. وأنت تعلم أن أوباما ليس فقط رئيسا أسود، بل هو ابن رجل كيني. لكن هذا لم يقلل في عيون أقوى قوة في العالم من وطنيته.. هذا الرجل يا بك يا مستشار يملك المفتاح النووي، آه والله، المفتاح النووي. أضف إلى ذلك أن ساركوزي (وانت تعرف أن الدولة القومية نشأت في أوروبا وفرنسا بشكل خاص) من أبوين مهاجرين من المجر. نيك كليغ الذي كان مرشحا لرئاسة الوزراء في بريطانيا وهو حاليا نائب رئيس الوزراء متزوج من إسبانية تتحدث إنجليزية مكسرة.
ثالثا: لأنك تنشر عقلية شوفينية فاشية جربناها فولدت لنا فاشيات مختلفة الأشكال والأحجام، منها القومية التي تعادي الأجنبي خيرا وشرا (وتمالئه في الوقت نفسه إذا ضمنت مصالحها الشخصية لا مصالح الوطن) ومنها الإسلاموية المتعصبة التي تبيح دمه. اليس غريبا أن يكون مقبولا قبل أربعة عشر قرنا من الزمان أن يتزوج رأس الدولة الإسلامية من ماريا القبطية ولا يكون مقبولا لرأس الدولة المصرية أن يتزوج ماريا الفرنسية؟ وعلى ذكر الفرنسية، هل تعتقد أنك أكثر وطنية من طه حسين الذي أدخل التعليم المجاني إلى مصر، لقد كان متزوجا من فرنسية. أنصحك أن تقرأ كتابه مستقبل الثقافة في مصر بقلب وعقل مفتوح، لا تأخذك العزة بالإثم لأن كتبك، على خلاف كتبه، لم تساهم في جعل مصر بلدا أفضل. في مجتمع ما قبل جيلك كانت مصر منفتحة على الآخرين فتفوقت في السينما والأدب والفكر والاقتصاد بالنسبة إلى جاراتها. لأنها كانت - كما طه حسين - تنظر إلى الأمام بثقة، وتحلم، ولا ترتعد أو تبتز بدعاوى الفاشيين الذين يعتقدون أنهم أفضل من غيرهم وأنهم يملكون الحقيقة.
يوم أن طلب منك تعديل الدستور أسديت إليك أمانة نقل مصر إلى عهد تال. لكنك اخترت أن تعود بها إلى الوراء. اخترت أن تلعب على وتر التعصب والتشكيك ضد فئة من ابناء وطنك، لولا بعض منهم ولولا دماء بعض منهم لما كنت في مكانك الذي أنت فيه ولا كان الدستور مادة للنقاش. لقد اعتقدنا أنك ستفتح الباب أمام كل المصريين، لكنك اخترت، على عادة جيلك، أن تفصل البنود القانونية لكي تغلق الأبواب أكثر، لكي تستبعد مرشحين بأعينهم، يتردد أن أحدهم هو أحمد زويل، العالم المصري الكبير الذي عبر دائما عن رغبته في أن يكون في خدمة مصر وشعبها. أنا أؤمن أن مصر ستمضي في طريقها على اية حال، لكنني أعتقد أيضا أن أناسا كأحمد زويل ربما يلعبون دورا في وضعها على الطريق السليم.
أضعف الإيمان أن تبقى هذه المادة على ما هي عليه، على الظلم الذي فيها، لأن ابنتي، ابنة اللبنانية، ستظل مقدوحا في وطنيتها. لكن الأفضل أن تصير ـ ببساطة ـ "يجب أن يكون الرئيس مصريا، لا يمنع من الترشح من المصريين إلا من أدين بما يقدح في ذمته الوطنية. " ثم نترك الخيار للشعب. هكذا يجب أن تكون روح الدستور الجديد: الانفتاح لا الانغلاق، التيسير لا التعسير، الأمام لا الخلف.

* خالد البري كاتب واعلامي مصري مقيم في لندن ومؤلف رواية "رقصة شرقية"

الثلاثاء، 8 مارس، 2011

"دمشق مع حبي" البحث في الذاكرة

يمكن القول إن الفيلم السوري "دمشق مع حبي"، وهو العمل الروائي الطويل الثاني للمخرج محمد عبد العزيز، بعد فيلمه الأول البديع "نصف ميلليغرام نيكوتين"، أحد أجمل الأفلام التي أنتجت عن مدينة دمشق، بل وعن المدينة عموما في السينما، دون أن يكون "سحر المدينة" مقحما، أو مفروضا فرضا من خارج الفيلم، ودون خلل بالتوازن العام للفيلم، أو طغيان الصور الوثائقية على الجوانب الدرامية.
إن السينمائي هنا، يعبر بحب ودفء وشفافية، عن علاقته بمدينته، عن إحساسه الشخصي بها، وعن رؤيته لجمالها الكامن الخفي، وتأمله في دروبها، ولكن ليس بعيدا عن ناسها، عن تلك الشخصيات البسيطة الآسرة التي تمتليء بها المدينة ويمتليء بها الفيلم، ضمن الرغبة في تصوير ذلك الطابع الحميمي للعلاقات، بين البشر والمكان، وبين الجماعات البشرية المتجاورة التي يجمعها المكان.
ولعله يمكن القول أيضا إن الفيلم هو أحد الأفلام القليلة في السينما العربية التي تقدم صورة "مختلفة" للشخصية اليهودية المحلية (أي السورية)، وهي صورة إنسانية، يغلب عليها جانب الانتماء،اي فكرة العلاقة مع المكان، مع الذاكرة، ويؤكد على انتماء تلك الفئة، لأرضها، ولتراثها الثقافي رغم اختلاف الأديان، ورغم كل حديث عن "الكراهية". وفيلم "دمشق مع حبي" بهذا المعنى يصبح أيضا فيلما عن الحب، تماما كما هو فيلم عن الذاكرة.

فيلم طريق
يختار محمد عبد العزيز (كاتب سيناريو الفيلم ومخرجه) أسلوب فيلم الرحلة، أو بالأحرى، فيلم الطريق road movie، لكي يتيح للشخصيته الرئيسية، "هالة"، اليهودية الحسناء التي ترفض الهجرة إلى إيطاليا مع والدها المقعد "ألبرت"، وتقرر العودة إلى دمشق القديمة للبحث عن حبيبها الذي انقطعت أخباره عنها منذ عشرين سنة، يتيح لها الفرصة للتفتيش المضني في الذكرة، ويؤدي بحثها الشاق في الأماكن، إلى استعادة علاقتها الوثيقة بالمكان الذي لم تستطع أن تفارقه أبدا رغم أنها حاولت.
ويعبر الفيلم عن روح التعايش بين مختلف الديانات والثقافات في دمشق القديمة، من خلال بحث "اليهودية" عن حبيبها "المسيحي"، بمساعدة الأصدقاء المسلمين.
ومن اللقطة الأولى يعبر الفيلم عن فكرة "الابتعاد" عن المكان من خلال لقطة لسيارة تغادر على الطريق، إلى المطار، وفي اللقطات التالية مباشرة نرى لعب أطفال معلقة (تشي بالذاكرة) ثم لقطة قريبة ليد ألبرت مزراحي، والد هالة المقعد الذي يتحرك على مقعد للمعاقين، وهي تمسح برفق وحزن على جدار مدينة دمشق القديمة. ونراه في المطار بعد ذلك مباشرة، وإن كنا نعود إليه وهو يتطلع بصورة واضحة الى احدى الحارات الدمشقية القديمة. وعندما يصل ألبرت إلى إيطاليا للحاق بأفراد أسرته من اليهود الدمشقيين الذين سبقوه إليها، يبدو منذ لحظة وصوله وهو يتحدث مع زوجة شقيقه في السيارة التي تنقله من المطار، عن سحر دمشق، وعن الذاكرة خصوصا، عن عرايش العنب، ورائحة التراب، التي تختلط، كما يقول، برائحة التاريخ ورائحة الياسمين، والليمون.. بل إنه جاء معه أيضا بحفنة من تراب المدينة.
يلخص البرت علاقته بالمكان عندما يقول في بلاغة: إن الإنسان الذي يفقد مكانه يتخلى عن ذاكرته. والذاكرة عنده هي البيوت، والمحلات، الشجر والناس، والأماكن. لذلك يكون وصوله إلى الأرض الغريبة إيذانا بوفاته. لكن الأسرة تصر على تنفيذ وصيته، أي دفن جثمانه في دمشق.
وهناك تستمر "هالة" في رحلة البحث عن "نبيل" الغائب المفقود منذ ذهابه الى لبنان مجندا في الجيش إبان الحرب الأهلية اللبنانية.
لا تألو هالة جهدا في بحثها عن نبيل، الذي هو في حقيقته بحث في ذاكرتها، في هويتها، في معنى العلاقة مع المكان والبشر.
إنها تذهب في البحث بمساعدة زميل نبيل السابق في الجيش "كميل" الذي فقد ساقه في الحرب اللبنانية، لكي تطرق أبواب الشرطة والجوازات والوفيات والتجنيد، وتلتقي بصاحبة بيت أسرة نبيل القديم وهي أرمينية عجوز لاتزال تحافظ على ذاكرتها. وتتوصل بعد رحلة تخرج فيها الكاميرا إلى المناظر الطبيعية الخلابة خارج دمشق، الى أن نبيل يمكن أن يكون قد أصبح راهبا والتحق بأحد الأديرة الكائنة في الصحراء.
خبايا الأسلوب
فكرة البحث عن الغائب، وهي فكرة موجودة بقوة في الأدب، تبدو هنا وسيلة للكشف عن أسرار الأماكن البديعة التي تتوقف أمامها كاميرا محمد عبد العزيز مع اهتمامه الكبير بتفاصيل المكان، بالقيم التشكيلية في اختياره زوايا اللقطات والاضاءة، وحركة الكاميرا، ومزج لقطاته بموسيقى تبدو كما لو كانت نابعة من الروح، مزيج من التراتيل الدينية والأدعية، والموسيقى الناعمة التي تخفي توترا ما.

نبيل الذي لم يمت ويظهر في اللقطات الأخيرة من الفيلم لنراه بعد أن كبر وأصبح هو الآخر مقعدا، يجلس على مقعد متحرك، يمكن أن يكون خيالا أو حقيقة: لم يعد هذا مهما، لأن الفيلم لا يقطع أبدا بوجوده الحقيقي بل ولا يضيف بعد ظهوره أمام هالة، ثم اختفاء الاثنين من المشهد، أي شيء يوحي باستكمال الحدث. فالحدث ليس هو المهم، ونبيل قد يكون حقيقة أو رمزا، لكنه البحث، الرحلة، التفتيش في الذاكرة، محاولة فك الغاز المكان، أسرار أبواب دمشق السبعة التي يتردد صداها في الفيلم كثيرا، بل ان الفيلم ينتهي عند أحد أشهر تلك الأبواب التاريخية وهو الباب الشرقي (أو باب شرقي الذي يعود الى العصر الروماني والذي نزل عنده صلاح الدين الأيوبي موحد مصر والشام).
يمد محمد عبد العزيز هنا أسلوبه المميز في فيلمه السابق على استقامته، ويبدو أكثر تحكما في المونتاج، وفي استخدام أسلوب التداعيات، أي تلك الانتقالات التي تقفز فوق حدود الزمان والمكان، تقدم وتؤخر، في سياق سردي غير تقليدي، يتميز بالحيوية الشديدة، لكي يبقي على المشاهد يقظا، دون ارهاق، بل تصبح رحلة المشاهدة أيضا نوعا من المغامرة تماما مثل مغامرة البحث عن الماضي، والتفتيش في خبايا الذاكرة والمكان، التي تقوم بها "هالة" وتصحبنا فيها معها.
وربما يكون الجزء الأخير من الفيلم قد شابه بعض الاضطراب في السرد بسبب التوقف طويلا، أكثر مما يسمح السياق، أمام تلك الحالة "الكاريكاتورية" الخاصة لحبيبين تربطهما علاقة شديدة التوتر يمكن تلخصها في "الحب حتى الكراهية".. وهما امرأة، تريد الزواج من رجل مشغول بكرة القدم أكثر من انشغاله باتمام الزواج. وما ينشأ من مواقف طريفة عبثية خارجة عن أسلوب الفيلم، تصل الى حد تهديد المرأة باطلاق النار على نفسها.
وربما يكون المخرج- المؤلف قد أراد بها اضفاء طابع طريف على الفيلم، لكني أعترف بأنني لم أجد لهذه المشاهد المتكررة علاقة عضوية بالنسيج الأساسي للفيلم، وكان يمكن بالتأكيد اختصارها كثيرا والتخلص من الاستطراردات على طاولة المونتاج.
يتميز أداء الممثلين جميعا في هذا الفيلم، بالانسجام، وفي مقدمتهم دون شك، مرح جبر في الدور الرئيسي، أي دور هالة، بملامح وجهها الجميل مع مسحة خاصة من الحزن النبيل، وقدرتها علىالتقمص والتعبير الداخلي عن معاناة الشخصية التي تؤديها.
وكذلك يبرز أداء خالد تاجا وفارس الحلو الذي يظهر هنا في دور صغير كضيف شرف لكنه حاضر بقوة في الفيلم، وأنطوانيت نجيب، ودانة جبر، وجهاد سعد، وسامر عمران، وباقي فريق الطاقم التمثيلي.
جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com