الأحد، 30 يناير، 2011

وقت الثورة.. ويوم الحساب

لم يعد هذا وقت السينما، بل وقت الثورة، والثورة فقط. الثورة التي ستجتاح العالم العربي كله، من تونس إلى مصر إلى اليمن إلى الجزائر ثم إلى سورية وليبيا.. وهي ليس كما قالوا لنا طويلا وكثيرا، ثورة الماضويين الانعزاليين أو الانتهازيين من رموز ما يسمى بالأحزاب السياسية القديمة التي سقطت في عفن النظام الذي صنعها، بل هي ثورة الجماهير التي يقودها المثقفون الشباب، وهي بهذا المعنى ثورة الشباب الحقيقية الأولى التي تشهدها المنطقة العربية.
ستنتصر ثورة الشباب الواعي على الدهماء والبلطجية واللصوص الذين صنتعهم الأنظمة لكي تستخدمهم ضد الحركة الديمقراطية الوطنية. وستنتصر ثورة الشباب والجماهير بلجانها الشعبية التي بدأت تعيد تنظيم الحياة، تحمي السكان، وتنظم حركة الشارع، لأنها من الناس والى الناس، وبعد ان سقطت كل مؤسسات النظام: الأمنية والسياسية وتلاشت وبعد أن فر من البلاد رموز النهب والفساد الذين يطلقون عليهم رجال الأعمال وهم النهابون واللصوص الكبار الذين لم يجدوا أفضل من اللصوص الصغار لحمايتهم فانقلب عليهم هؤلاء اليوم أيضا واقتحموا قصورهم ومنتجعاتهم.
إن السلب والنهب هو من صنع النظام. لكني على ثقة من أن الشباب الواعي العظيم الذي صنع تلك الثورة العظيمة، سينتصر على الجهل، بل وسيقهر الأوليجاركية والطغمة المستبدة التي لا تريد أن تغادر السلطة ولا أن تسلم القرار للشعب بل وتفضل أن تهدم الدولة وتغتال الشعب، كل الشعب على أن تستسلم لارادته، وهو درس لكل شعوب العالم الثالث لكي لا تراهن أبدا على أن أي طغمة استبدادية مدعومة من الغرب (لكونها تلعق أحذية ربيبة الغرب، اسرائيل ليلا ونهارا) يمكن أن تسلم السلطة طواعية، فلا يمكن لطاغية استمرأ الحكم عشرات السنين، أن يستيقظ من النوم فجأة لكي يعترف بأخطائه ويشفق على شعبه ويعترف بأن هؤلاء الناس يستحقون أن يعيشوا حياة ديمقراطية، وأن يتحرروا. فدروس التاريخ كلها تعلمنا أن مثل هؤلاء الطغاة، لا يرحلون عن مقاعد السلطة سوى بالتضحيات وبتقديم الشهداء وعبر أنهار من دماء الأبرياء بكل اسف.
لكن الدرس الآخر الذي يجب أن يترسخ في أذهاننا جميعا أن الطغاة تصنعهم ايضا أقلام أولئك الذين يروجون لهم في الصحف واجهزة الاعلام وهؤلاء يجب أيضا محاسبتهم ومحاكمتهم وجعلهم أمثولة أمام شعوبهم.. كل الذين تواطأوا أو صمتوا أو روجوا ودافعوا عن الظلم والفساد، وكتبوا في مديحه النظريات الفكرية، وكل المثقفين الذين نافقوا وزينوا الشرور لحكام الاستبداد يجب أن يدفعوا الثمن بعد ان جاء "يوم الحساب".
إن مسؤولية ما يحدث الآن في مصر من فوضى وعنف وتخريب وحرائق، هي أساسا واولا مسؤولية حاكم مستبد فرد، لا يريد أن يغادر إلا على أشلاء شعبه، وهي مسؤولية طغمة زينت له الطغيان، ومسؤولية أجهزة عجزت في النهاية حتى عن حماية نفسها، ومسؤولية مجموعة من المثقفين الانتهازيين الذين تصوروا أن وسيلتهم للصعود والحصول على المنافع تعني التخلي الكامل عن النضال وعن مجرد توجيه النقد إلى أنظمة فاسدة، بل والالتحاق للعمل في خدمتها وتلميع صورتها بشتى الطرق، وهؤلاء لا يجب أن يفلتوا من الحساب في يوم الحساب.. يوم حساب الشعوب.
أريد هنا أن أحيي السينمائيين والفنانين المصريين الذين أدركوا أن وجودهم في وسط شعبهم هو الأصل والأساس وأن التاريخ لن يرحم كل من يبيع ضميره الفني لسلطة غاشمة.
تحية صمود الى خالد الصاوي وخالد النبوي ومحمد دياب واحمد ماهر ومنى زكي وجيهان فاضل وخالد أبو النجا وعمرو واكد وعمرو سلامة وبلال فضل ويسري نصر الله وتامر حبيب وكل الذين يشاركون في انتفاضة الشعب المصري.

الأربعاء، 26 يناير، 2011

أغرب مظاهرة في القاهرة داخل محطة مترو وعلى القضبان

شجاعة حقيقية أعظم من مائة فيلم

الهجوم على هند صبري



 *بقلم: منى صفوان


موقف "هند" السياسي، و الهجوم عليها، و النيل من وطنيتها، ليس دليلا على غيرة الاعلام المصري على ثورة تونس، بقدر ما هو أمر مربك بشأن هذا التعرض الشخصي لفنانه تونسية تعمل في مصر.
ربما كان على الاعلام المصري، عدم التعرض لموقف "هند" بهذه الحدة، خاصة أن موقفها السياسي كتونسية ، ليس كما يظهر في الاعلام المصري، ولكن يبدو أن هناك متربصين، كانوا بانتظار سبب لإطلاق النار.
فبالنسبة لموقفها السياسي، فهو ليس حجة قوية للاعلام المصري. فهند صبري كانت بالجرأة التي دفعتها لإعلان أسفها، لعدم قدرتها على رفض وضع اسمها ضمن قائمه المثقفين التوانسه المطالبين بتمديد ولاية بن علي، وأكدت أنها كانت جبانة، ولكنها قبل سقوط النظام كانت قد كتبت مقالا بعنوان "أوقفوا إطلاق النار" أعلنت فيه موقفا جريئاٌ مقارنة بغيرها من الفنانين والمثقفين التوانسه.
وان كانت هند مدانة فلطفي بو شناق و غيره من المثقفين التوانسه مدانون أيضا، لان أسماءهم في القائمة. و إن كانت هند جبانة، فمحمد كريشان، وبرغم انه يعمل في الجزيرة، إلا انه أثناء أحداث تونس، كتب مقالا في القدس العربي يتحدث فيه عما يدور في ساحل العاج، فوجه له اللوم، بأنه كان أولى به أن يكتب عما يحدث في بلده، فكتب بعدها مقالا بعنوان " لا تكتب عن تونس" قبل خلع بن علي، أوضح فيه أنه في غنى عن مواجهة النظام والاعلام التونسي، الذي لن ينجو منه وسيتعرض بسبب رأيه لمضايقات.
لهذا تبدو محاكمة هند غير عادلة، والاستفراد بها مقصود. ومن حقها القول: إن كنتم ستحاكمونني فحاكموا 11 مليون تونسي لأننا كلنا كنا خائفين.
وفي مصر، لا يهاجم الاعلام المصري نجوم ونجمات السينما، الذين يجاملون حسني مبارك، ومصر أكثر انفتاحا مما كانت عليه تونس.
وهند لم تعلن موقفا سياسيا مع النظام إلا أن خوفها هو النقطة، التي امسكها الاعلام . وسجلها الشخصي والمهني نظيف، بلا نقاط يمكن أن تؤخذ عليها، برغم أنها دخلت السينما، من بوابة الاداور الجريئة، كونها قادمة من ثقافة مختلفة عن الثقافة المصرية، وأكثر انفتاحا منها، لكن تجاوزت دور ممثلة الإغراء، لتكون ممثلة حقيقية، و ليست فقط مجرد مؤدية لأداور جرئيه.
ولم تتقن اللهجة المصرية فقط، بل أيضا أتقنت تجسيد دور فتاه البلد المصرية، الذي تخفق في أدائه كثير من فنانات مصر، و ينسى الذي يتابعها أنها تونسية ، فهي تفوقت على المصريات أنفسهن.
ولم تظهر في ادوار باهته، وعملت مع كبار المخرجين، ولأنها تحترم موهبتها ، فلم نراها يوما سنيده لتامر حسني أو تشترك في بطوله باهته مع احمد حلمي.
فهي بطلة منذ بدء مسيرتها في الفيلم التونسي "صمت القصور" وعمرها 14 عاما، وحصولها وقتها على جائزة أحسن ممثلة من مهرجان برلين.
هذه التونسية، الحاصلة على شهادة الماجستير في القانون، ترفد الوسط الفني بممثلة شابة واعية مثقفة، متعلمة وموهوبة .
ولكنك قد تجد الكثير مما لا يحبون هند في الوسط الفني، ويتهمونها بالغرور. و يجدون في اعتزازها بموهبتها تعاليا عليهم. وربما هذا أثار حفيظة الوسط الصحفي و الفني في مصر، التي يرفض مثقفوها أي تعال عليهم.
فتهمتها الأصلية، هي الغرور، ليس موقفها السياسي. ولكن كان في ثورة تونس فرصة للنيل منها. هند
ظلمت بقدر حجم موهبتها، ونيل الاعلام منها بهذه الطريقة الفجة، وكأنه حامي الشعب التونسي وثورته، دليل وجود سبب شخصي مستفز، كان يتحين الفرصة للظهور، وأيضا دليل تفوق هند، تفوق لم يحتمله هذا الوسط .
برغم أن "هند" هي التي جاءت لمصر، ووقعت في غرام مصر، وتحدثت بلهجة مصر، ومثلت مصر وباسم مصر، فأنستنا أنها تونسية.

* كاتبة يمنية مقيمة في مصر

السبت، 22 يناير، 2011

فيلم " الجامع ".. فانتازيا ساخرة لواقع أليم


المخرج داود أولاد السيد

أستضيف هنا الناقدة المصرية الشابة مروة سلامة في مقال حول الفيلم المغربي "الجامع".. لعلنا بذلك نفتح نافذة أمام ابداعات الشباب ونتواصل معهم من خلال هذه المدونة. نرحب بكل مساهمات يبعث بها الاخوة الأصدقاء، وكذلك الملاحظات والرسائل وسننشرها ونقوم بالتعليق عليها أولا بأول.


بقلم: مروة سلامة


في فيلم " الجامع " يصحبنا المخرج المغربي داود أولاد السيد إلي الجنوب المغربي وبالتحديد مدينة زاكورة قرية ورزازات، لينقل الواقع الذي يعيشه أهالي هذه المنطقة، التي شهدت إقبالا شديدا في الفترة الأخيرة من قبل شركات الإنتاج الأجنبي والمغربي أيضا لتصوير أعمالهم السينمائية بها، حيث يقوم أهالي القرية بإيجار أراضيهم لهذه الشركات. و رغم أن هذا الأمر قد أتاح العديد من فرص العمل مما ساهم في زيادة الدخل المادي لأهالي هذه المنطقة، إلا أنه أثر بالسلب علي البعض الآخر لإعتمادهم الكلي علي هذا العمل مع الزوار السينمائيين الوافدين عليهم وبالتالي لم يصبح لأحد منهم عمل آخر سوي الظهور كممثليين ثانويين في السينما بعد أن أصبح هذا العمل مصدر الدخل الوحيد لهم.
فيلم الجامع" يعد أمتدادا لفيلم في إنتظار بازوليني" للمخرج نفسه، الذي تم تصويره في القرية نفسها وبالإستعانة ببعض أفراد العمل .
تدور أحداث الفيلم حول أسرة بسيطة تعمل في مجال الفلاحة وزراعة التمور التي تشتهر بها هذه القرية، وفي أحد الأيام يقررمحمد أن يؤجر أرضه لإحدي الشركات السينمائية وللمخرج داود أولاد السيد ليظهر المخرج بشخصيته الحقيقية، و بالفعل تبني الشركة علي أرضه ديكور فيلم "في إنتظار بازوليني" ومن بين هذا الديكور يقومون ببناء الجامع، ومن هنا تبدأ المشكلة وتتولد الاحداث.
يصل داود أولاد السيد إلي منطقة زاكورة لحضور مهرجان السينما بها، ويتجول بسيارته في شوارع ورزازات باحثا عن محمد، وهو يستعرض حياة الناس بالقرية ويقف عند أرض محمد المقام عليها ديكور الجامع، يوقفه أحد الأشخاص كان قد ظهر معه ككومبارس في أحد الافلام ويطلب منه ألا ينساه في فيلمه القادم ، ويقابله شخص آخر ويطلب منه الطلب نفسه، تأكيدا من أولاد السيد علي الواقع الذي يعيشه أهالي المنطقة واعتمادهم علي العمل السينمائي.
وعندما يصل داوود الى منزل "محمد" يجده فى حالة من الحزن والضيق فيخبره بأنه لم يعد يرغب فى العمل بالسينما وحسبه ما لقى من مشاكل بسببها فيذكره بأنه وافق على تأجير أرضه له بعد أن وعده بأن تهدم كل الديكورات بعد إنتهاء التصوير، ثم ينهض "محمد" من مكانه ويقوم بعرض شريط فيديو يستعرض لحظة هدم كافة الديكورات بحضور فقيه القرية والمقدم وأهالى القرية وأنهم قد هدموا كل شئ ما عدا الجامع أو ديكور الجامع بمعنى أدق، وهو الأمر الذى سبب له الكثير من المشاكل فقد أصبح أهالى القرية يترددون عليه واعتبروه جامع القرية ولم يعد أحد يعترف بأنه قطعة ديكور.
ويلقى محمد اللوم على أولاد السيد الذي كان يحذره من ذلك الأمر أثناء التصوير، إلا أنه سخر منه ولم يصدق ان الأمور سوف تتعقد لهذه الدرجة التى يرفض فيها الناس هدم ديكور الجامع ورد الأرض لمالكها الحقيقى والتى تمثل مورد الرزق الوحيد بالنسبة له.
لم يجعل داوود حضوره فى الفيلم حضوراً مثالياً، ولم يكتب لنفسه فى هذا السيناريو دوراً حاسماً فى حل قضية البطل، بل اكتفى بأن يجعل نفسه بالنيابة عن السينمائين سبباً فى إحدي المشكلات التى يتعرض لها سكان هذه القرية بإعتبارهم يعتمدون عليهم كدخل مادى أساسى، فكأن داود ضلعاً أساسياً فى المشكلة التى ألمت بالبطل بعد أن إنتهى التصوير وأنه لم ينفذ وعده له.
فقد تركه يواجهه مصيره مع سكان القرية دون تدخل منه فى حل مشكلته مما جعل محمد يحذر إبنته الكبرى عائشة من تكرار تجربة أبيها والعمل معهم فى السينما لأن أصحاب المهن السينمائية ليس لهم أمان بما فيهم داود .
رحلة البحث عن الحل
يحاول محمد أن يجد حلاً لإسترداد أرضه، بعد أن فشلت مفاوضاته مع إمام الجامع، الذى كان يغيظه بإستمرار بحجة أنه لن يتمكن من هدمه، بعد أن صار جامعا حقيقاً تقام فيه الصلاة ويتردد عليه أهالى القرية، مما يدفع محمد لأن يذهب لمسجد آخر بالقرية ويسأل فقيه المسجد عن الحكم الشرعى لحالته وهل من الممكن هدم ديكور الجامع الذى اتخذه الناس مسجداً دون أن يحمل مواصفات شرعية أم لا؟ وبإستخدام اللقطة القربية"Close Shoot" على وجه محمد وهو فاتحاً فمه لتعجبه من جواب الفقيه، فيزل عليه كلامه كالصاعقة، يأتى المشهد بشكل ساخر لا يخلو من خفة الظل، فيفاجاً بالفقيه يتحدث معه عن فضل المساجد والثواب الذى يعود على الفرد من بناء مسجد وأنه بمثابة صدقة جارية فهذا كله كلام لا غبار عليه ومفروغ منه ولكنه ليس جامعا حقيقيا. كان هذا هو رده علي الشيخ الذي لم يجد له حلا سوي اعتبار أن الله قد ساق له هؤلاء السينمائيين ليأخذ ثواب بناء الجامع، وعندما يحاول أن يشرح له الأمر بصورة أخرى يتركه الفقيه بعد أن يحذره من هدمه، فيأتى فقيه آخر قد حضر النقاش ويطلب منه أن يرى الجامع بعينه ليعطيه الجواب الصحيح وعندما يذهب يفاجأ محمد بأن كلامه لم يختلف كثيراً عن الفقيه السابق وهذا ما جعل إمام الجامع يشعر بالزهو أمام محمد .
أجاد داوود الإسقاطات السينمائية فى الفيلم ففى هذا المشهد يترك كلاً من الإمام والفقيه الحكم فى القضية لحمد ويدخلان لقضاء الصلاة فى الجامع الوهمى من الباب الخلفى الخاص بالأجانب والذى يتضح فيه معالم الديكور الخشبى.
يعود محمد للتفكير فى شئ آخر وما أن يرى الجرافة حتى يتبادر إلى ذهنه أن يستغلها فى هدم هذا الجامع فيوقفها ويحاول أن يقنع صاحبه بأن يعاونه، فى البداية يغضب الرجل لأنه يريد هدم المسجد الذى يصلى فيه الناس، ولكن ما أن يعرض عليه مبلغا من المال الا ويوافق بأن يؤجرها له، ويقترح عليه بأن يبحث عن شخص آخر يقوم بعملية الهدم، فيأتى الحديث عن الشيخ "سلام" أحد رجال الدين فى هذه القرية وهو نموذج لرجل الدين المتسامح، فشخصيته علي النقيض تماما من إمام الجامع الوهمى، فما أن يذهب إليه محمد ويعرض عليه الامر يوافق على الفور ودون أى تردد، وعندما يصلان إلى الجامع يجدان جنازة يتقدمها الإمام، وقد حمل النعش ومن وراءه الناس وينظر إليهم فى تحد، ولا يستطع أحد الإقتراب من الجامع وهنا يصل المقدم ويأمر الشيخ سلام أن يعود من حيث أتى وإلا سيحدث مالا يحمد عقباه، ولكن الشيخ سلام يثور فى وجهه ويعترض على هذا الكلام ويقول له " ان للمساجد شروط شرعية وأنها لا تنطبق على هذا المسجد فهذا المسجد بنى من أجل السينما لذا فهو باطل، ولا يعتبر مسجداً حقيقاً لعدم توجيه الصومعة نحو القبلة " فيثير هذا الكلام غضب المقدم ويستغل سلطته القانونية ويقف امامه بإسم القانون ويأخذ من محمد هويته الشخصية ويأمره بالذهاب للتحقيق معه فى مكتبه .

البيروقراطية وضياع الحقوق
يحاول محمد أن يجد مخرجاً قانونياً لمشكلته فيذهب للمقدم ويخبره أن قضيته ليست سهلة وأنه يعرف أخبار الجميع فى هذه القرية ولا يخفى عليه شئ ، فيخرج أوراقا من مكتبه تتضمن إذن التصوير من قبل مركز السينما فى الرباط ، فيخبره بأن هذه الرخصة تعطي لفريق العمل الحق في بناء الديكورات اللازمة لتصوير الفيلم بما فيها ديكور الجامع، وهنا يستبشر محمد وكأنه وجد الحل، لكن المقدم يفاجئه بأن هذه الرخصة للبناء وليست للهدم ولذا فعليه أن يحضر رخصة للهدم فهذه المفارقة هى ما تدعوه للضحك والسخرية فى الوقت نفسه، ويتعجب محمد لماذا لا يعطى له هذه الرخصة ؟ فيجيب المقدم أنها ليست من إختصاصه وأن عليه الذهاب بنفسه الى مركز السينما فى الرباط ، فيقدم داوود هذا المشهد بالشكل الساخر من تلك الاوضاع الروتنية التى سئمنا منها فى أوطاننا العربية بل الأكثر من ذلك أن المقدم ينصحه بجدية ببيع الموتوسكيل الخاص به ليتمكن من السفر لإحضار تلك الورقة، وإلا فلن يعود له حق فى إستراد أرضه. يعود محمد مرة أخرى إلى الشيخ "سلام" يطلب منه أن يكتب له شكوى لتقديمها إلى مركز السينما ليشرح فيها ما لحق به من ضرر حيث أصبح هذا المسجد مزاراً سياحياً للأجانب من كل مكان.
وفى أحد المشاهد الساخرة فى الفيلم يصور داود الإمام وهو ينظر فى دهاء إلى جماعة من الأجانب ويملئ عينيه الطمع فما أن يراهم يجري ليدخل إلى المسجد ليرتدى زى الجنرال الرومانى الذى ظهر به فى فيلم "فى إنتظار بازولينى" ويتسابق الأجانب للوقوف إلي جواره وإلتقاط صور تذكارية معه.
لم تكن شخصية إمام الجامع الشخصية الوحيدة التى تتمتع بالإنتهازية فى الفيلم فتظهر أيضا شخصية السياسى مرشح المجلس الذى يستغل إمام هذا الجامع فى الوصول إلى أكبر عدد من الناخبين. وقد صور "داوود " هذه الشخصية تصويراً حقيقيا تماما ًكما نراها فى أرض الواقع.
نجد أن المشاكل في الفيلم إنحصرت في مشكلتين: مشكلة البطل و الجامع، ومشكلة الزوجة "سعدية" (بشري أهريش) وختان إبنها "عمر"، فنجد أن الزوجة أنهت مشكلتها بنفسها بذهابها بمفردها لإجراء العملية لإبنها دون علم الزوج المشغول دائما بمشكلته الخاصة، بينما ظل هو عاجزا عن حل مشكلته. لم يستطع أحد التفرقة بين النجمة المغربية (بشري) و بين سكان القرية الحقيقيين الذين شاركوا في الفيلم، سواء في الملابس، الماكياج ،الإكسسوارات مما أضفي مصداقية علي العمل الفني. كما كان أداء الفنان مصطفي تاه تاه لدور إمام الجامع المستغل ،أداءا متميزا، فقد طوع ملامح شخصيته بشكل موفق لأداء شخصية الشرير بطريقة لا تخلو من خفة الظل. من ناحية أخري فإن حضور داود في الفيلم أوضح مدي بساطته وروحه الجميلة مع فريق العمل، مما يؤثر علي نجاحه فيما بعد.
كان لعشق أولاد السيد للتصوير الفوتوغرافي أثره في أفلامه فكل لقطة عنده لتعد صورة فوتوغرافية تلتقط الأوضاع المحيطة بحلوها ومرها ، لأن الصورة نابعة من الواقع فهي لا تكذب ولا تتجمل، ل تصور حياة البسطاء وديارهم وتجمع النساء لغسيل ملابسهم عند النهر، وحفلات الختان، الرقصات الشعبية، كل ذلك يعرضه بعدسته دون إسترسال في الحوار، ليترك المشاهد يري ويحكم بنفسه علي ما يراه، إلي جانب تقديمه لأفكاره برؤية كوميدية ساخرة.
فيلم الجامع" يحمل فكرة بسيطة يعرضها أولاد السيد دون تحذلق، ويدعو من خلالها لإعمال العقل.

الأربعاء، 19 يناير، 2011

حول فيلم "أشباح جويا"



ضياع الموهبة: حالة ميلوش فورمان


شعرت بنوع من الحسرة وأنا أشاهد فيلم "أشباح جويا" Goya’s Ghosts للمخرج التشيكي الأصل، الأمريكي الجنسية، ميلوش فورمان. فهذا المخرج الكبير (مواليد 1932) من أولئك السينمائيين الذي فتحنا أعيننا على موهبتهم الكبيرة الشاهقة، منذ أن كان الراحل الكبير فتحي فرج يأتينا بروائع السينما التشيكية الجديدة في السبعينيات من خلال عروض شبكة نوادي السينما المصرية التي لم يعد لها وجود حاليا في ظل تدهور الوضع الثقافي العام وانكفائه على فكرة "الاحتفالية" الدعائية الدائمة.
كانت أفلام فورمان الأولى التي أخرجها في تشيكوسلوفاكيا مثل "بيتر وبافلا" و"غراميات شقراء"، ثم فيلمه الأشهر "حفل رجال الإطفاء" الذي رشح للأوسكار عام 1968، أعمالا ملهمة، سواء في حداثة الأسلوب وطزاجته، أو جرأتها في التعامل مع المادة السينمائية رغم أنف الرقابة المشددة التي كانت قائمة، واستخدام المستويات المتعددة، من أجل تقديم رؤية ساخرة شديدة الهجائية للسيطرة الحزبية البيروقراطية على مصائر الأفراد، والتعريض بها وتحويلها الى عرض ساخر satire يمتليء بالابتكار وبالخيال الخصب المجنون الذي قد يصل الى حدود السيريالية.
هاجر فورمان بعد وقوع الغزو السوفيتي للأراضي التشيكية عام 1968 الى الولايات المتحدة حيث لايزال يعيش ويعمل حتى اليوم. وهناك أخرج عددا من الأفلام التي استقبلت استقبالا حافلا وتوجت بالعديد من الجوائز، كان أولها "طار فوق عش الوقواق" One Flew Over the Cuckoos’s nest عام 1975 (أول الأفلام "الكبيرة" التي وضعت الممثل جاك نيكلسون في دائرة الضوء)، ثم "الشعر" Hair عن المسرحية الانجليزية الشهيرة التي اعتبرت بداية حركة التمرد الجديدة في المسرح (1979)، ثم "أماديوس" (1984).
أخرج فورمان بعد ذلك ثلاثة افلام أخرى تراوحت في مستوياتها، وإن لم تخفق تماما، منها فيلمه الشهير "الشعب ضد لاري فلينت" The People vs. Lary Flynt الذي حقق نجاحا في السوق الأمريكية، وفيه يتناول قصة حياة ناشر مجلات العري "البرونوجرافيا" الشهير لاري فلينت الذي أطلق عليه مجهول الرصاص عام 1978 فأصيب بشلل نصفي وظل حتى يومنا هذا مقعدا.
وكان آخر ما أخرجه ميلوش فورمان من أفلام هذا الفيلم "أشباح جويا" عام 2006، عن سيناريو اشترك في كتابته مع جان كلود كارييه الذي تعاون مع السيريالي العظيم لوي بونويل في كتابة عدد من أهم أفلامه، كما كتب أيضا السيناريو لبعض الأفلام التي تعد من "العلامات" في تاريخ السينما الفنية مثل "الخفة غير المحتملة للوجود" The Unbearable Lightness of Being الذي أخرجه الأمريكي فيليب كوفمان، و"الطبلة الصفيح" The Tin Drum لشلوندورف الألماني، وقد كتب أيضا سيناريو فيلم "فالمونت"Valmont لميلوش فورمان نفسه، وهو فيلمه الذي سقط سقوطا كبيرا (1989) وكان مقتبسا عن المسرحية نفسها التي أعد عنها الفيلم البريطاني الشهير "علاقات خطرة" Dangerous Liasions الذي أخرجه ستيفن فريرز عام 1988 وتفوقت جلن كلوز Glen Close في أداء الدور الرئيسي فيه (أين أصبحت الآن بالمناسبة؟).
أما "أشباح جويا" الذي شاهدته أخيرا فقط ولم أكن قد لحقت به وقت ظهوره قبل نحو 4 سنوات، فممن الممكن القول انه يجسد "انتحار موهبة"، والمدهش تماما أن أهم عيوب الفيلم تتركز في السيناريو الذي اشترك فيه كارييه العظيم. كيف كان هذا؟ بل وكيف "تورط" فورمان في وصفة انتحارية على هذا النحو؟
أحداث السيناريو تدور خلال سنوات الثورة والغزو والحروب ومحاكم التفتيش الثانية في اسبانيا، زمن الثورة الفرنسية، ثم غزو جيش نابليون بونابرت لاسبانيا، ثم الغزو البريطاني الذي يطرد الفرنسيين بعد سلسلة من الحروب الشهيرة في شبه جزيرة أيبيريا، وما بين هذه الأحداث، تقع الكثير من التجاوزات، تولد مصائر، وتختفي شخصيات، لتعود مجددا، ونشهد ثلاثة أجيال من نسل امراة واحدة هي "إنيس" التي تقوم بدورها ناتالي بورتمان، كما تقوم بدور ابنتها "أليثيا"، في حين يقوم بدور القس الذي يتحول الى ثائر على الكنيسة الكاثوليكية حتى النهاية، الممثل الاسباني خافيير بارديم، ويقوم الممثل السويدي ستيلان سكارجارد بدور جويا.
ولعل من أكثر الأشياء مدعاة للشعور بالإحباط بعد مشاهدة هذا الفيلم، أنه يضيع ببساطة، فرصة ثمينة للتعامل الجاد مع شخصية الرسام الشهير فرنشيسكو جويا، فهو يتراجع هنا كشخصية درامية ثرية كان يمكن أن تحرك الاحداث، ليصبح مجرد ديكور خلفي يظهر أحيانا وسط الاحداث، يشهد عليها دون أن يتدخل فيها. ولذلك يمكن القول إن هذا أقل الأعمال السينمائية التي تعرضت لمشاهيرالرسامين.
إن جويا نفسه بهذا المعنى، يصبح "شبحا" في الفيلم، بل وحتى لوحاته الشهيرة لا نجد لها وجودا حقيقيا في حين يطرح كارييه- فورمان في الفيلم قضية أخلاقية تدور حول استخدام الفكر الديني كمبرر للقمع، لممارسة الاضطهاد السياسي والفكري، وكيف تتحول المؤسسة الكاثوليكية (كمؤسسة تقوم على اليقين الأيديولوجي المطلق) إلى مؤسسة قمعية، تكذب، وتلفق، وتسفك الدماء، بل ويمارس رموزها أبشع أنواع الاغتصاب والتستر والقتل.
ولعل الشخصية التي تجسد هذا المعنى أكثر من غيرها في الفيلم هي شخصية فرنانديز، القس الذي يرسم له جويا لوحة "بوتريه" خاصة في بداية الفيلم. وعلى حين يستنكر الأسقف وأتباعه هذا التصرف بدعوى أن جويا يسخر في رسومه من رجال اللاهوت، يدافع عنه فرنانديز لكنه سرعان ما يطرح نفسه مدافعا متشددا عن القيم الكاثوليكية، ويطالب بإعادة الوسائل والأساليب التي كانت سائدة في عهد محاكم التفتيش الأولى، أي التعذيب والتنكيل بكل من تتشكك الكنيسة في ولائه لمبادئها، حتى لو كانت تعلم ببرائته، بغرض التخويف والإرهاب، لإبقاء الحال كما هو.
فكرة استخدام التاريخ كخلفية لأحداث درامية مصنوعة سرعان ما تكشف عن تورط في نوع من الميلودراما التقليدية التي تمتليء بالمبالغات والتكرار والإطالة والمصادفات العديدة، مما يجعل متابعة الفيلم عملا ثقيلا.
فرنانديز يطمع في جسد الفتاة الحسناء "إنييس" رمز البراءة التي يرى لوحة لها في مرسم جويا في البداية، فيأمر رجاله بمتابعتها فيقبضون عليها ويجري التحقيق معها باستخدام أقسى وسائل التعذيب، لكي تعترف بأن رفضها تناول لحم الخنزير يعني أنها يهودية متخفية (دون أن تكون كذلك)، ويلقون بها بالتالي في السجن. ولكن أسرتها الثرية تستدرج فرنانديز عن طريق صديق الأسرة "جويا" الى حفل عشاء في منزل الأسرة حيث يتم ترويعه وإرغامه على التوقيع على وثيقة يعترف فيها بأنه تسلل إلى الكنيسة لتخريبها، وتهديده بأنهم سيسلمون الوثيقة الموقعة بخط يده الى الأسقف، ما لم يساعد على اطلاق سراح ابنتهم. غير أن الرجل يقوم باغتصاب الفتاة عدة مرات في السجن، ويهرب الى فرنسا، ثم يعود مع الجيوش الفرنسية وقد تبرأ من عمله الكنسي وأصبح من الداعين إلى مباديء الثورة الفرنسية، مناهضا للكنيسة، مستنكرا ماضيه دون ان يجرؤ على مواجهة نفسه بما ارتكبه في حق أنييس.
وتكون اينييس قد أنجبت منه طفلة في السجن، ومع اطلاق سراحها بعد دخول الفرنسيين، تذهب للبحث عن ابنتها التي أنتزعت منها قبل 15 عاما، ولكنها لا تعثر عليها بل يعثر عليها جويا ويكتشف انها تعمل "عاهرة"، وينبه الفاريز الذي يريد ارغامها على الذهاب ضمن العبيد الى أمريكا، الا أنها تفلت، ومع دخول القوات البريطانية وانسحاب الفرنسيين، تعود الكنيسة الى قوتها، ويسترد الأسقف مكانته، ويتم القبض على الفاريز والحكم عليه بالاعدام دون أن تبدو عليه اي علامة من علامات "الندم"، ويموت بينما يرى أمامه ابنته في صحبة ضابط بريطاني، في حين يسجل جويا بريشته الحدث.
الخطاب الأخلاقي وحده لا يصنع هنا فيلما عظيما، بل إن فورمان يبدو وقد فقد كل تألقه السابق، كما فقد قدرته حتى على إدارة طاقم تمثيل دولي في فيلم اسباني ناطق بالانجليزية. ورغم ما بذله الممثل السويدي في دور جويا الا انه بدا شاحبا مرتبكا، كما بدا خافيير بارديم نمطيا جامدا، وتلعثمت ناتالي بورتمان واتسم أداؤها بالمبالغة في دوري انييس واليثيا. معا.
لقد أراد فورمان أن يتعامل مع لقطات ومشاهد فيلمه كما لو كانت تنتمي الى تلك المرحلة "الرومانسية" الشهيرة في حياة جويا الفنية، لكن الفيلم جاء رغم الاهتمام الكبير بمصادر الضوء، وبالتكوين في اللقطات، باردا يفتقد الى الحرارة والحيوية بل والحبكة الدقيقة التي لا تمتليء بالشخصيات التي تخرج هنا كما دخلت، تظهر ثم تموت، أو تصبح منسية، أو تبدو في الخلفية عاجزة عن الفعل.
ولا تقول لنا نهاية فيلم "أشباح جويا" سوى أن جويا يكتفي بالرصد والتسجيل، كما لو كان الفيلم يريد أن يقول لنا أن الفنان عموما لا دور فاعلا له في الواقع سوى المتابعة والرصد، بل ان السيناريو الذي يتبناه بالكامل فورمان، يجعل الفاريز (الشخصية السلبية تماما في الفيلم) يوجه له في احد المشاهد انتقادات حادة عندما يتهمه بأنه يرسم لمن يدفع، اليوم للملوك الاسبان ثم للفرنسيين، وبعد ذلك يتوقع أن يوظف موهبته في خدمة الانجليز. أي أن جويا لا موقف له، ولا دور، ولا فائدة أصلا في مسار الأحداث، فهل هذا الموقف العبثي من الفنان ودوره خلاصة ما توصل إليه الفنان الكبير ميلوش فورمان بعد أن بلغ ذروة اليأس من تغيير العالم!

الاثنين، 17 يناير، 2011

قولوا لي ماذا تشاهدون من أفلام أقول لكم من أنتم!

القاهرة ـ ' القدس العربي': يصدر خلال أيام عن مكتبة مدبولي في القاهرة، كتاب ' شخصيات وافلام من عصر السينما' للناقد السينمائي أمير العمري، هو الكتاب الثاني عشر للمؤلف. ننشر هنا مقدمة الكتاب الذي يعتبره مؤلفه ' أقرب كتبه إلى نفسه وأكثرها تعبيرا عن رؤيته وتجربته:
نعم كان هناك ' عصر السينما'. كان هذا ' عصرنا' نشأنا فيه وعشناه، وشهدنا كيف كان، وأين ذهب. وآمل أن تتكفل صفحات هذا الكتاب بالإجابة على التساؤلات الخاصة بعصر السينما: معناه ومغزاه وملامحه، كيف كان، وأين انتهى، ولماذا.
كان العصر الذي أقصده، في الماضي، في الخمسينيات والستينيات وقسط كبير من سبعينيات القرن الماضي، لكنه شحب وتضاءل في الثمانينيات، وانتهى عمليا في التسعينيات، بعد أن أصبحت الدنيا غير الدنيا، والناس غير الناس، والسينما غير السينما.
كان عصر السينما عندما كانت الأسر من الطبقة الوسطى، تصطحب أبناءها وتذهب إلى دار السينما عصر يوم الخميس أو الجمعة، دون أي حرج، بل كانت رحلة الذهاب إلى السينما طقسا من الطقوس البديعة التي تستعد لها الأسرة في مصر، بإعداد الملابس التي سترتديها ربة الأسرة وبناتُها وأبناؤُها، وربما تُعد الأم أيضا بعض المأكولات الخفيفة التي يمكن تناولها خلال فترة الاستراحة بين الفيلمين، فقد كانت دور العرض، خصوصا في الأحياء وعواصم المحافظات، تعرض فيلمين، على طريقة ' العرض المستمر'، ينتهي الفيلم الثاني فيبدأ مرة أخرى، عرض الفيلم الأول، وهكذا.
كانت مشاهدة الأفلام في دور العرض السينمائي هي المتعة الأولى لدى أسر الطبقة الوسطى والطبقات الشعبية، إلى جانب الاستماع للحفل الشهري الذي كان يبث إذاعيا، للسيدة أم كلثوم. وكان هذا الحفل يحظى في الكثير من الأحيان، بحضور الرئيس جمال عبد الناصر ومجموعة من صحبه.
كنا نعيش ' عصر السينما' عندما كانت السينما إحدى الركائز الثقافية في المجتمع، بل والأسس الاقتصادية للدولة أيضا. وكان الفيلم وسيلة وغاية في الوقت نفسه، كان وسيلة لتوصيل فكرة ما، أو موعظة، أو حكمة أخلاقية من وراء القصة التي يرويها. وكان هدفا في كونه وسيلة للتعبير الفني، لبيان قدرة الممثلين على التشخيص ومنافسة ممثلي المسرح، بل وكان الكثير من الممثلين ينتقلون ما بين المسرح والسينما، ويرتفعون بالتالي بفن الأداء التمثيلي كثيرا.
كان عصر السينما عندما كانت هناك قامات في التمثيل تتألق على الشاشة الفضية مثل حسين رياض، وعبد الوارث عسر، وسراج منير، وزكي رستم، وسليمان نجيب، ومحمود المليجي، ونجيب الريحاني، وزكي طليمات، ومحمود مرسي، وأمينة رزق، وفاتن حمامة، وشكري سرحان، ومريم فخر الدين، وفريد شوقي، ومحسن سرحان، ويحيى شاهين، ومحمد توفيق، وسعيد ابو بكر، وعدلي كاسب، وتحية كاريوكا، وشادية، وعمر الشريف، وغيرهم كثيرون.. كثيرون.
كان تعامل المخرج وباقي العناصر الفنية مع الفيلم، أثناء عملية التصوير نفسها، تعامل الهواة المحبين، الذين يسعون إلى التجويد والإجادة، ينشدون استخدام كل مفردات السينما كفن وصناعة، لتجسيد العالم كما يرونه: رومانسيا بسيطا، أو واقعيا معقدا. وفي الحالتين كان الجمهور يقبل على الفيلم، يدعمه بالقروش التي كان يشتري بها تذاكر دخول السينما، وكان هناك اهتمام بعدم التنازل على مستوى الصنعة، بل بالتطلع إلى مجاراة المستوى الاحترافي للفيلم الأمريكي عندما كانت هوليوود تعيش عصرها الذهبي. وكانت محاكاة الفيلم الأمريكي في ' عصر السينما' أمرا أساسيا، ولكن هذه المحاكاة لم تكن تتمثل في نقل القصة أو اقتباس السيناريو وتمصيره بالضرورة، بل في مجاراة أسلوب الإضاءة، واستخدام الظلال والديكورات، والتلاعب بالأبيض والأسود، وكان السينمائيون يكتشفون ' نجوما' يمكنهم تقديمهم كنماذج درامية عربية توازي نجوما آخرين اشتهروا في السينما الأمريكية.
كانت هند رستم مثلا نموذجا عربيا لمارلين مونرو. وقد ظهرت معها في نفس الفترة. وكان فريد شوقي معادلا عربيا لأنطوني كوين، في حين كانت مريم فخر الدين المقابل العربي لكاترين هيبورن، وكان محسن سرحان مقابلا لهمفري بوغارت.. وهكذا.
في عصر السينما كانت دار العرض السينمائي هي أساس السينما كلها وجوهر سحرها. فلم تكن شاشة التليفزيون قد أصبحت طاغية مسيطرة كما هي الآن. ولم يكن الفيديو قد ظهر أو انتشر كما حدث فيما بعد، ولم نكن قد عرفنا بعد الاسطوانات المدمجة ( دي في دي) ومشاهدة الأفلام عن طريق الصناديق الصغيرة الموضوعة فوق المكاتب والطاولات، أي عبر أجهزة الكومبيوتر وفضاء الانترنت.
كان الفيلم في نظر الجميع، هو المصور على شرائط من مقاس 35 مم، وليس المصور بكاميرا الديجيتال أو عن طريق تقنية الفيديو الرقمية المتقدمة كما حدث حاليا. ويعتبر شريط الفيلم ' السيلولويد' الركن الأساسي في تاريخ السينما وفي عصر السينما، وكنا نتهافت للحصول على بضعة ' كادرات' من هذا الشريط ونحن أطفال، لكي نستخدمها في محاكاة آلة العرض، باستخدام ضوء ' بطارية' صغيرة خلف ثقب في علبة من علب الأحذية، نمرر من خلاله شريط الفيلم لنرى الصور على حائط أبيض في شرفة نتحلق فيها ليلا، أو تحت سرير في الظلام.
كان الديكور السينمائي ركنا أساسيا من أركان صنع الفيلم، وهو عنصر يُحسب حسابه، له خبراؤه والمختصون في تصميمه وبنائه وتنسيق المناظر في داخله أيضا، قبل أن تصبح البيوت والشوارع والمحلات التجارية أماكن أرخص، مع تقدم الابتكارات في تقنيات الفيلم الخام وتقدم درجة حساسيته للضوء، والتقدم في استخدام تقنية التسجيل المباشر للصوت.
كانت السينما في العالم قد أصبحت فنا وصناعة وتجارة، وكان هناك حديث طويل ممتد، حول أن من يسيطر على الأذرع الثلاث للسينما، أي الإنتاج والتوزيع والعرض، يسيطر تماما على تلك الصناعة ويستطيع توجيهها. ولذلك اتجهت حكومات الدول الاشتراكية إلى احتكار العمليات الثلاث، لكنها فشلت في احتكار الأفكار، أو توجيهها، فقد كانت طاقة التمرد لدى الفنان أقوى من أي قيود. ولعل أبرز دليل على ذلك، ما أبدعه المخرج الروسي الكبير أندريه تاركوفسكي، الذي منع فيلمه البديع ' أندريه روبلييف' في الاتحاد السوفييتي عام 1966، وعندما اشتدت عليه وطأة النظام، هجر بلاده وعمل في إيطاليا والسويد إلى حين وفاته حيث أخرج فيلمين من التحف الكبرى في تاريخ السينما هما ' حنين' Nostalgia و' القربان' The Sacrifice .
وفي مصر خلال الستينيات، شهدت السينما تطورات درامية، بعد أن اتجهت أنظار الدولة أيضا إلى ضرورة دعم الصناعة، وتشجيع إنتاج الأفلام التي لا يستطيع المال الخاص تمويلها، وهي فترة ظهر فيها الكثير من الأفلام الجيدة دون شك، لكن هذه السياسة أصبحت مثار جدل ربما حتى وقتنا هذا، ولم تمر دون مجازفات ومخاطر بل ومنزلقات. فلم يكن ممكنا أن تتيح الدولة حرية النقد في مراحل وصفت بأنها ' مصيرية'، وعرفت مواجهات عسكرية مسلحة مع إسرائيل، وهو ما استدعى أن يكون هامش حرية التعبير محدودا للغاية، غير أن السينمائيين كانوا يستخدمون الهامش إلى أقصى مداه، ويلجأون إلى الرمز والاستعارة والتشبيه.
غير أن الجدل والصراع كانا يدفعان العجلة إلى الأمام. وكانت التجارب السينمائية الجديدة تسعى إلى أن تصبح جزءا من التيار السينمائي الإنساني عموما، أي أن تكون مصر في مجال السينما، جزءا من العالم، لا تنكفىء على نفسها مستندة إلى فكرة الريادة التاريخية وحدها، بل تلتحق بالعالم، سواء على مستوى السينما أو الثقافة عموما. فمصر شاركت في مهرجان كان مثلا، من البداية، أي في عام 1946 وامتدت مشاركتها طويلا قبل أن تتوقف.
كانت مصر، في الخمسينيات والستينيات، تسعى إلى استكمال مشروعها ' الحداثي'، وأن تنتقل لتصبح مجتمعا صناعيا إلى جانب المجتمع الزراعي الذي كان قد انتقل من نظام ري الحياض إلى الري الدائم، وفي هذا الإطار ' الحداثي' الذي يلتحق بالعصر، ويستخدم مفردات العصر، كانت السينما كفن وصناعة، تمر بفترة ازدهار كبير قبل أن تصاب بنكسة بسبب ممارسات البعض من الذين كانوا يعملون في الحقيقة، لحساب الموزع الخارجي، ويسعون لتلبية متطلباته، حتى لو كان معنى هذا تخريب السينما المصرية من الداخل. وسنجد بين طيات هذا الكتاب مثالا واضحا على ذلك النوع من التخريب.
وعندما اشتدت وطأة الأزمة السياسية في أعقاب هزيمة 1967 اصطبغ عصر السينما ببعض المتغيرات التي حملت الكثير من الآمال والطموحات، لكنها سرعان ما أجهضت.
في قلب عصر السينما، جاءت أيضا تجربة نوادي السينما، التي تعلمنا فيها كيف نتذوق الأفلام ونحللها ونناقشها ونستمتع بها. ودارت محاولات وقتذاك لجعل النقد السينمائي جزءا أصيلا من ثقافتنا، مثله مثل النقد الأدبي والمسرحي والتشكيلي، أي أنه نوع أدبي في الكتابة، يمكننا أن نأخذه على محمل الجد، وليس مجرد مادة مكتوبة لإلهاء وتسلية القراء في الصفحات الأخيرة من الصحف. اعتبر هذا الأمر، أي رسوخ النقد السينمائي كشكل أدبي جديد، أمرا مفروغا منه حتى نهاية السبعينيات. فماذا حدث الآن بعد أن غادرنا ' عصر السينما'، وأين نحن من العالم سينمائيا، وما الذي آل إليه مصير الفيلم الفني الطموح أمام الآلة الضخمة التي تضخ الأفلام الاستهلاكية السريعة؟
' قولوا لي ماذا تشاهدون من أفلام، أقل لكم من أنتم'. يصلح هذا التساؤل بالتأكيد، للتفرقة بين عصر السينما، وعصر ما بعد عصر السينما.
ولعل من الصحيح القول إن صفحات هذا الكتاب تعتبر، على نحو ما، رحلة إلى الماضي، إلى عصر لم يعد قائما، لكنها رحلة تقصد فهم الحاضر في ضوء الماضي، ومعرفة أين نضع أقدامنا حاليا، وهل من الممكن أن نستعيد النهضة، ونعود لكي نعيش الحلم من جديد، حلم السينما داخل دار السينما، وهل سيأتي وقت تعود فيه الأسرة المصرية والعربية، إلى دار السينما للاستمتاع، ثم يغادر أفرادها دار العرض وهم يتناقشون في الفيلم الذي شاهدوه لتوهم، مدلولاته الاجتماعية، ومستواه الفني، دون تشنج أو مناداة بالمنع، والتحريم، والعقاب، كما أصبح الوضع الآن، دون حتى الذهاب لمشاهدة الأفلام؟
هذا الأمل يظل قائما، شريطة أن تعتدل بوصلة المجتمع كله وتبدأ في الاتجاه نحو خلق وترسيخ ثقافة أخرى جديدة، ثقافة بالمعنى الشامل لكلمة ثقافة، تواجه الثقافة الغيبية السائدة المتخلفة التي انتشرت كالوباء في المجتمع طيلة السنوات الثلاثين الماضية، كما تواجه الثقافة الرسمية التي تميل إلى المهادنة مع التخلف، إن لم يكن التنافس معه أيضا.
من دون هذا سيظل ' عصر السينما' عالما سحريا من الماضي. أحاول أن أروي منه بعض ما أعرفه في هذا الكتاب الذي أرجو أن تصل رسالته دون حاجة مني إلى شرحها أو تبسيطها، فهي كامنة بين ثنايا السطور.
ولكن ينبغي أن أشير إلى أن الكتاب يتضمن الكثير من رؤيتي الشخصية لبعض الأحداث والشخصيات التي اقتربت منها والتي لعبت دورا مهما من وجهة نظري، في تشكيل عصر السينما كما عشته أنا على الأقل، كما أنها أحداث وشخصيات لا غنى عن التوقف أمامها في سياق وصف أجواء العصر الذي أتناوله، مع محاولة تقديم صورة لذلك الارتباط الحتمي في رأيي، بين السياسي والثقافي والسينمائي، والربط بين ما كان يقع من أحداث سياسية بارزة، وانعكاساتها على السينما وعلى العلاقة بين الدولة والسينما، وبين المتفرج الصغير، الذي كنته في تلك الفترة من عصر السينما، وبين أفكار كبيرة كانت تأتينا عبر الكثير من الافلام التي عشنا معها، وأصبح بوسعنا أخيرا، أن نستعيدها ونعيد اكتشافها ومشاهدتها بعد أن أصبحت متوفرة لحسن الحظ في الأسواق العالمية.
أخيرا، أرجو أن يكون التعريف بهذه الأفلام هنا، دافعا للشباب من محبي الفن السينمائي، للعودة إليها، والحصول عليها في نسخ من الأسطونات المدمجة ( دي في دي) ومشاهدتها والاستمتاع بها أيضا في ضوء ما ورد في هذا الكتاب من معلومات عن ظروف ظهورها على خريطة السينما المصرية أو العالمية.

الجمعة، 14 يناير، 2011

الفيلم الوثائقي السيريالي

بقلم: بروس هودسدون

ترجمة: أمير العمري


"سوف أتأمل في الوجه الآخر من العالم"
بنيامين بيريه في "اختراع العالم"

 
يوصف الفيلم الوثائقي باعتباره "خيالي لا يشبه أي شكل خيالي آخر". وبدلا عن المفهوم القائل إن الخيالي يقدم مدخلا إلى "عالم"، يزعم الوثائقي أنه يقدم مدخلا إلى "العالم"، وهو زعم بأنه يمتلك وضعا خاصا، فيه نوع من التفوق الأخلاقي، يتمثل في الرابطة المباشرة التي تتكون بين الواقع وتجسيد الواقع في السينما.
الفيلم الوثائقي السيريالي يتحدى هذا الزعم ويطوع هذا الزعم لتحقيق وضعا خاصا.

لقد قام روبرت فلاهرتي بإعادة تجسيد بعض المشاهد من أجل المحافظة على أنماط حياة الإسكيمو المهددة بالتلاشي، على شريط الفيلم السينمائي، والجمع في سلاسة، بين اللقطات المصنوعة واللقطات الوثائقية المباشرة في فيلمه "نانوك من الشمال" (1922). وفي الوقت نفسه، كان بنيامين كريستنسن يقفز من مستوى للواقع الى مستوى آخر في فيلمه "هاكسن: السحر عبر العصور" Häxan: Whitchcraft through the Ages ".

الأشكال السردية التي وفق بينها كريستنسن، جامعا بين الواقع والخيال في "هاكسن" Häxan كانت نوعا من الإرهاصات الأولية لظهور الفيلم الوثائقي السيريالي. تطمس السريالية، خلال سعيها لفتح الخيال على الواقع، الفرق بين الحقيقة والخيال. في الأفلام الوثائقية السيريالية والأفلام السيريالية بشكل عام، يتم استخدام التأثير الواقعي لتقريب المتفرج من العالم الذي يجسده الفيلم، من أجل مصادرة الافتراضات المسبقة في ذهن المتفرج حول هذا العالم. وقد تجسد استخدام المزج بين الحقيقة والخيال في استخدام لقطات من فيلم وثائقي عن العقارب في المشهد الأول من فيلم "العصر الذهبي" للويس بونويل (1930)، وفي استخدام جان فيجو للمزج بين الذاتية، والتصويرالذي تتخذ فيه الكاميرا مكان العين، والهجائية الساخرة، والمسح الاجتماعي في تصويره لمدينة نيس في فيلمه " حول نيس" propos de Nice A(1930).

عرض فيلم "العصرالذهبي" عرضا عاما قبل 75 عاما في ستوديو 28 في باريس في 28 نوفمبر 1930. وقد أتاح هذا العرض وضع الفيلم الوثائقي على حافة المثلث السيريالي الذي بلغ ذروته عندما فتح الطريق أمام السيريالية الاثنوجرافية في فيلم "أرض بلا خبز" Las Hurdes (1933)، الذي كان ثوريا ورجعيا على حد سواء، غامضا ومتصل، منفصلا بقسوة في تعليقه الصوتي، ومتكلفا بعبثية في اختيار خلفيته الموسيقية.

كانت اللقطات الأولى في فيلم "العصر الذهبي" تعكس إشكالية الرغبة في اقتحام حقل اجتماعي أكبر من ذلك بكثير" من خلال فيلم لا يمكن تصنيفه بسهولة، سيريالي بشكل أساسي، مزيج من الأنواع السينمائية genres ومن الخيالي والوثائقي،و شبه التاريخي، والميلودرامي، وهو ما كان أكثر قدرة على مقاومة استفزازات فيلم "الكلب الأندلسي" لبونويل (1929) بلقطاته التي تشبه الأحلام، في سياق "خطاب التحليل النفسي للرغبة الكامنة على مستوى اللاوعي". لقد أصبح "العصر الذهبي" عرضة لهجوم متواصل من اليمين، ومنع من العرض العام في غضون أسبوع من عرضه الأول (استمر حظر عرضه عمليا لمدة 50 عاما) ، بينما تمتع فيلم "الكلب الأندلسي" بالعرض بشكل متواصل في باريس لمدة ثمانية أشهر، وهو نجاح استقبل استقبالا متناقضا في أوساط السيرياليين.

وإذا كان "الكلب الاندلسي" يعتبر مغامرة عظمى سيريالية داخل عالم اللاوعي، فربما يكون "العصر الذهبي" هو الأكثر في تعبيره الصلب والعنيد عن العزيمة الثورية.


من فيلم "العصر الذهبي" لبونويل
 وقد أعيد إحياء طريقة استخدام أسلوب التعارض بين اللقطات الخيالية والوثائقية في فيلم "فيلهلم رايش: ألغاز الكائن الحي" الذي أخرجه اليوغسلافي دوسان مكافييف عام 1971. وقد وصفه الناقد ديفيد تومبسون في دراسة له، بأنه "أسلوب صاعد ومترابط ينتقل من الخصوصية البشرية، إلى السلوك السياسي، وينظر أيضا إلى السلوك السياسي باعتباره رد فعل للإحباط النفسي والجنسي، وهو ما يمكن تطبيقه على قدم المساواة، على فيلم "العصر الذهبي".

بالمقارنة، يستخدم كريس ماركر أسلوبا يجمع بين اللقطات 'الحقيقية'، والتعليق الصوتي الخيالي، والبناء القائم على شكل الرحلة، وذلك في فيلمه "عديم الشمس" Sans Soleil (1983). إنه يتجاوز الأسلوب التقليدي الشائع لأفلام الرحلة، عن طريق الجمع بين المشردين الحقيقين والمتخيلين في سياق سيريالي يمكن مقارنته بما حققه السيريالي باتريك كيللر في فيلميه (من أفلام الرحلة): لندن (1994) و"روبنسون في الفضاء" (1997).

لقد أعرب سيرجي أيزنشتاين عن رفضه للسيريالية عندما تعرف عليها في باريس عام 1930. وقد وصفها بقوله: "إنها بعيدة كل البعد، سواء في الفكر أو في الشكل، عن كل ما قمنا به ونقوم به"، وهو رأي لا يشاركه فيه السيرياليون. بونويل، على سبيل المثال، اعترف في سيرته الذاتية بأنه كان على قناعة، لسنوات عديدة، بأن فيلم "المدمرة بوتيمكين" (1925) هو الفيلم "الأكثر جمالا في تاريخ السينما". ووصف أيزنشتاين فيلمه " الخط العام" (1929)، الذي يعتبر ظاهريا 'دراما وثائقية رسمية حول المزارع الجماعية" ، بأنه "محاولة لتصوير تجربة العمل اليومي عند الفلاحين بطريقة مثيرة للاهتمام ". وهو يحتوي على أحد أكثر المشاهد في ذاكرة السينما تعبيرا عن الشهوة الجنسية (بمعنى التحول المكثف)، الحصول على آلة لفصل الزبدة عن الحليب، حيث تتحول الإثارة الجنسية هنا"من الجسد البشري إلى الآلة" إن لقطات أيزنشتاين الأساسية المثيرة للنشوة في هذا الفيلم هي لقطات كان قد صورها أصلا لفيلمه المكسيكي " تحيا المكسيك" (1932).


لوي بونويل
 ويربط المونتاج بين التعارضات المقلقة، الكامنة في ثنايا الصور، وبين الصوت والصورة (التعليق، المؤثرات الصوتية الحية، والموسيقى) وذلك في الأفلام الوثائقية التي صنعها سينمائيون سيرياليون من أمثال جان بينليفيه Painlevé، هنري ستورك، جورج فرانجو Franju، آلان رينيه، وهمفري جينينجز، ويان سفانكماير Švankmajer، وفي هذه الأفلام يستخدم هؤلاء المخرجين ازدواجية المغزى الشعري في مادة الفيلم: العلوم الطبيعية، جزيرة عيد الفصح ، مسلخ، الضريح، المكتبة، ثقافة الطبقة العاملة، والعرض المروع للعظام البشرية في صندوق عظام الموتي داخل الدير. إن ما يجمع بينهم هو الإحساس الناتج عن خلق عوالم موازية، سطح كوكب حضارة ميتة (في فيلم L’Ile de Pâques، لهنري ستورك، 1935)، والضريح الذي هو أرشيف كبير (في "كل ذاكرة العالم" لآلان رينيه، 1956) أو الرعب المكتوم من المسالخ في الضواحي (في فيلم "البهائم"، لفرانجو، 1949)- العلاقة الكابوسية الخيالية في علاقتها مع العالم الواقعي. وحتى في تصوير كيف تقضي الطبقة العاملة أوقات الفراغ (كما في "وقت الفراغ"، 1939)، تمكن المخرج همفري جينينجز من العثور على "نوع من الخيال القاتم. وبعض الكرامة... ".

في السينما ، يتم التعبير عن خطابات متناقضة في سياق سائد يعمل بمثابة اللغة التي تستخدم في تعريف لغة أخرى metalanguage. وفي حالة السينما الوثائقية، عادة ما يحدث هذا من خلال التعليق الصوتي المصاحب الذي يربط معا، الرؤى المختلفة للواقع، التي تكشف عنها الصور والأصوات الأخرى في الفيلم. وفي الفيلم الوثائقي السيريالي، إما يتم الاستغناء عن التعليق الصوتي، أو يكون التعليق متناثرا وقليلا، أو يتم تهميشه ليصبح مجرد صوت نشاز أو مرتبطا بسياق محدد.

لقد تحدى لويس بونويل في فيلم "أرض بلا خبز" Las Hurdes، وجان روش في أفلامه الإثنولوجية، القواعد التقليدية للفيلم الوثائقي. ويمكن قراءة فيلم بونويل باعتباره محاكاة ساخرة سيريالية للفيلم الخيالي "يوسع مساحة اضطراب المفاهيم السينمائية التي سبق أن رسخها في "الكلب الأندلسي" و"العصر الذهبي"، بشكل يتلخص أساسا في طريقة استخدامه للتعليق الصوتي. ويسهم راؤول رويز في فيلمه "الأحداث الكبرى والناس العاديون، 1979) في استراتيجية التفكيك الذاتي للعديد من القناعات الموضوعية في الفيلم الوثائقي.

على مر السنين، كثيرا ما أسيء تفسير التناقض الواضح بين التعليق الصوتي و"الاستخدام غير المناسب" للسيمفونية الخامسة لبرامز في فيلم "أرض بلا خبز" على انه نتيجة تدخل فظ من جانب موزع الفيلم. إلا أن رويز، مع ذلك، لا يترك سببا لمثل هذا الغموض في سخريته اللاذعة من القناعات الواقعية كما تنعكس في التقارير التليفزيونية. إن غموض "الأحداث الكبرى" يكمن حيث يمكن أن يقودنا رويز. إن التأملات الأقرب إلى اليوميات لرجل تشيلي يعيش في المنفى، في فرنسا، في الانتخابات المحلية الفرنسية (رؤية رويز نفسه)، تفسح المجال لاستخدام مواد خارجية تأتي من مصادر أخرى، مما يجعل اليوميات التي كانت متدفقة، تتوقف. ومن أجل تقديم تعريف لما هو حقيقي وما هو دخيل في الفيلم الوثائقي يقوم رويز باستدعاء حالته الشخصية باعتباره رجلا من تشيلي يعيش في المنفي، في فرنسا. وهو يجعل النقد يتجه إلى ذلك الشعور بالقبول لدى المتفرجين عن طريق تثبيت ثلاث حقائق سيريالية تتعلق بالفيلم "الوثائقي المستقبلي" يمكن التعبير عنها من خلال هذه العبارة:


طالما ظل الفقر موجودا، سنكون أغنياء

وطالما ظل الحزن موجودا، سنكون سعداء

وما دامت السجون موجودة، سنكون أحرارا

(من بيل نيكولز: "تجسيد الواقع: قضايا ومفاهيم في الفيلم الوثائقي).
* جزء من دراسة بعنوان "السينما الوثائقية السيريالية: مراجعة الحقيقي"- 2005.

هستيريا التطبيع بين النقابة والرقابة والغرفة!

قدم برنامج "ستديو مصر" الذي تبثه قناة سينما النيل (نايل سينما) حلقة خاصة جيدة جدا وشديدة الجدية والعمق، عن قضية دائرة هذه الأيام في مصر، وهي قضية لم يخترعها البرنامج بالطبع ولا القائمون عليه، بل خلقها القائمون على بعض المؤسسات سواء بنزق وجهل، أم بسوء نية وقصد، مثل الرقابة والنقابة والغرفة، أي ذلك الثلاثي المرح الذي انبرى أخيرا، يعلمنا دروس العداء للصهيونية، ويمنح صكوك الوطنية باسم رفض التطبيع.
وبعدما جرى من هياج عصبي حاد من جانب نقابة المهن الفنية المصرية بعد عرض فيلم اتضح ان منتجته تحمل الجنسيةالاسرائيلية بالاضافة الى جنسيتها البريطانية، في مهرجان ابو ظبي، يثار حاليا موضوع عرض فيلم "لعبة عادلة" Fair Game وهو من بطولة شون بن، وشارك فيه الممثل المصري خالد النبوي الى جانب ممثلة اتضح انها اسرائيلية و تقوم بدور عراقية في الفيلم!
والطريف في الأمر أن المعارضة لعرض الفيلم بل وارغام الرقابة على المصنفات الفنية (وهو جهاز سيء السمعة تاريخيا!) على تأخير عرضه رغم اجازتها له، لم تأت من جانب دعاة التشنج التاريخيين ممن يمكن أن نطلق عليهم "عبيد الايديولوجيا" وأمثالهم، بل من جانب جهات لم يعرف لها أي موقف يتعلق بالقضايا "الفكرية" أو السياسية التي تشغل المجتمع، مثل غرفة صناعة السينما التي يفترض انها اساسا، تجمع للمنتجين والموزعين السيمائيين في مصر، والتي تنازلت تاريخيا، عن دورها الأساسي في دعم الصناعة والضغط على المجلس التشريعي من اجل اصدار قوانين وتعديلات تحمي هذه الصناعة من الانهيار وتشجع رأس المال المحلي لاقتحام عملية الانتاج، وضرورة محاسبة الفيلم كمنتج ثقافي وليس كسلعة.
بدلا من ذلك جاءت الغرفة لكي تبدي استغرابها الشديد ومعارضتها لعرض فيلم يدافع عن القضية العربية، ويدين السياسة الامريكية في العراق بشكل واضح، خاصة وان بطله شون بن، معروف بمواقفه المناهضة لسياسة التدخل في العراق وغيره. ووجود ممثلة اسرائيلية في الفيلم لم يغير شيئا في مضمونه، ولم يجعله باي درجة، أقرب الى الموقف الإسرائيلي مثلا، بل ضده في الواقع!
هنا يبدو أن منطق المزايدة فيما يتعلق بموضوع الوطنية، والتطبيع، وإسرائيل، أصبح هو الغالب بشكل هستيري على بعض المؤسسات التي لم يعرف لها أي اهتمام باي قضية، بل ولا حتى بقضية وجود السينما.
ماذا فعلت "الغرفة" مثلا لحماية التراث السينمائي المصري ومنع بيعه للخارج؟ ماذا كان رد فعل اساطين الغرفة وكهنتها عندما اكتشفنا وكشفنا عن ضياع "نيجاتيف" معظم الافلام المصرية المنتجة قبل عام 1950، والتهديد باختفاء ما بقى منها؟
لقد كان للمنتج- الموزع صفوت غطاس قول شهير عندما رد على موضوع تهالك النيجاتيف وفساد طرق الحفظ وغياب السينماتيك، بقوله إن يستطيع اشعال النار في كل شرائط النيجاتيف القديمة بعود كبريت وينتهي الامر، لأن "لدينا "الديجيتال" فما حاجتنا لنسخ النيجاتيف التقليدية، وهو قول لا يعكس فقط جهلا فاضحا بل تحريضا على ارتكاب فعل إجرامي كان ينبغي أن يحاسب عليه. وكلامه هذا مسجل بالصوت والصورة في فيلم "كلاسيكيات السينما المصرية" الذي عرضناه قبل 8 سنوات في المجلس الاعلى للثقافة.
هل كان خالد النبوي يعمل جاسوسا لإسرائيل عندما قبل القيام بدور في فيلم يخدم القضية العربية ويدين السياسة الأمريكية- الإسرائيلية في الشرق الاوسط؟
هل كان ممدوح الليثي نقيب اتحاد الفنانين، اكثر وطنية من عمرو واكد عندما قام الأخير بدور في مسلسل "بيت صدام" الذي يقوم ببطولته ممثل اسرائيلي.
ولماذا لا يستنكف الإسرائيلي، العنصري، المتعالي، صاحب عقدة التفوق، التمثيل جنبا الى جنب مع ممثل عربي، تعتبره بعض الأوساط في إسرائيل أدنى، بل ويستحق السحق مثل ذبابة!
كيف لا تستنكر المؤسسة الإسرائيلية قيام ممثليها بالتمثيل في الأفلام الامريكية التي يشارك فيها ممثل مصري مثل سيد بدرية في هوليوود، وهل يلعب الاسرائيليون دائما أدوار البطولة فيما يلعب العرب دائما أدوار النذالة؟
إن الأمر بات في حاجة إلى "قرصة" وليس وقفة، مع أمثال تلك المؤسسات الوهمية التي تستخدم فزاعة التطبيع لاشغالنا عن القضية الأساسية وهي مقاومة إسرائيل على الارض، وليس في السينما، ووقف زحفها العسكري والاستخباراتي، والحيلولة بينها وبين التغلغل الاقتصادي بالتعاون مع أنظمة قائمة بالفعل. وهذا هو جوهر الموضوع لمن يريد أن يناضل ضد الصهيونية بالفعل بعيدا عن مكاتب (وسط البلد)!

الجمعة، 7 يناير، 2011

فيلم "127 ساعة": الإنسان والقدر الإنساني

لاشك أن فيلم "127 ساعة" للمخرج البريطاني داني بويل (رصد القطارات، المليونير المتشرد) أحد أفضل الأفلام التي عرضت عام 2010. والسبب ليس فقط أنه يصل إلى درجة مدهشة من الإتقان في الصنعة، وهو أمر لم يعد ولا يجب أن يدهشنا، خاصة عندما تكون قد توفرت للفيلم الإمكانيات الفنية والإنتاجية الضرورية بسخاء، وبعد أن أصبح "إتقان الصنعة" أي التقنيات السينمائية في هوليوود، أمرا مفروغا منه دون أن يعد في حد ذاته "ميزة خارقة" كما يعتقد البعض، فالتقنية غير الأسلوب، والأدوات، غير الرؤية. والفيلم بدون أسلوب أو رؤية هو عمل آلي يمكن لاي "صنايعي" أن يصنعه.
أما السبب الأكثر أهمية فيعود في رأيي، إلى قدرة داني بويل على التعامل مع موضوع إنساني غير عادي بكل هذه الدرجة من الشفافية التي تقترب من الحس الصوفي المعذب أحيانا، خلال تأمله في طبيعة المأزق الإنساني، مأزق الوجود ومعنى الخلاص، وهل هو خلاص روحي أم جسدي، أم كلاهما.
هذه المعاني والأفكار لا تطرح هنا على صعيد مباشر بل يمكن أن نستشفها فقط إذا تمكنا من الوصول إلى هذا المستوى الثاني الأكثر عمقا عند مشاهدة الفيلم ولم نتوقف فقط عند المستوى الأول، الذي يبدو على السطح الخارجي للصورة.
إنسان أمريكي شاب، من هواة المغامرة، أكثر قليلا من مجرد تسلق الجبال، بل الغوص في المنحنيات والدروب القائمة بين المرتفعات الجبلية في الغرب الأمريكي، التي تعرف بالـ canyons
هذا الشاب، الذي انقطعت صلته تماما بأسرته، لأنه ببساطة، لم يخبرها بما يعتزم القيام به، وبعالمه الآخر في المدينة، يجد نفسه فجأة حبيسا بفعل قوة خارقة لا يمكنه أن يقاومها، هي قوة الطبيعة القاهرة، فقد سقط في هوة عميقة وأصبح معلقا في فراغ قائم بين جبلين، بعد أن تحركت صخرة كبيرة وأطبقت على ذراعه الأيمن، وأصبح بالتالي عاجزا تماما عن الحركة. كل ما معه كاميرا فيديو صغيرة ومطواة وقنينة ماء وأشياء أخرى عادية تماما يخرجها كلها من حقيبته ويضعها أمامه، الكاميرا تسجل ما يحدث له، بينما يحاول هو بالمطواة الصغيرة أن يحفر في الصخر حول ذراعه لكي يخلصها ويحرر نفسه، ولكن دون القدرة على تحقيق أي تقدم يوحي بأي أمل.

ويظل بطلنا هذا.. آرون رالستون (وهي شخصية حقيقية كما أن الحادثة حقيقية) معلقا في هذا المأزق المكاني والزماني، لمدة خمسة أيام أو 127 ساعة تحديدا.
ولا يجد في النهاية حلا بعد أن ينفذ الماء الذي كان معه ويضطر لشرب بوله، وتتلوى أمعاؤه من الألم جوعا، سوى أن يستخدم المطواة في قطع ذراعه لكي يفصله بالكامل عن جسده، وهو ما يقوم به في أحد أكثر المشاهد رعبا في تاريخ السينما.
هذا الانتحار
هذا الموضوع كان يعد من وجهة النظر الدرامية البحتة "انتحارا". لماذا؟ لأنه يخلو أصلا من معظم العناصر المعتادة التي تتشكل منها الدر اما: الحركة، الشخصيات، الصراع، العقدة.. إلخ
غير أن مخرجا بوزن داني بويل يتمكن بعبقريته من تحويل هذه الحالة "الاستاتيكيية" او الساكنة، إلى فيلم مثير، من خلال تصويره المكثف لتلك الحالة من زواياها المختلفة: ماضي الشخصية وتاريخها الشخصي الذي يعود إليه في لقطات سريعة قصيرة، هواجسه وأحلامه في تلك اللحظة الممتدة: هل يحلم بشرب مياه مثلجة مثلا أم مشروب رائع وهو يجلس على شاطيء البحر مثلا، وبكل بأجواء العيش اللذيذ التي تليق بشاب في مقتبل العمر مثله، إلى طفولته، وإلى نفسه التي نراها وهي تشاهده في تلك الحالة وتتأمل ذراعه ومأزقه. إنها تلك الحالة السيريالية المخيفة التي تدور في تلك المساحة الغامضة بين الحلم والواقع، أو بين الكابوس والحقيقة، تغلفها موسيقى شديدة القوة والتعبير لا تتوقف دقيقة واحدة عن الضغط بشدة على أعصابنا نحن المشاهدين.
واقعية مشهد البتر الذي يصل إلى مستوى من الإقناع غير مسبوق على الشاشة، أدى إلى تسجيل عدد من حالات الإغماء بين المتفرجين داخل دور العرض. وقد شهد العرض الخاص الذي حضرته في لندن للفيلم قبيل عرضه في مهرجان لندن السينمائي (قبل أن يذهب إلى مهرجان دبي أيضا) الكثير من حالات "المغادرة" أي أولئك الذين غادروا قاعة السينما في ذعر، وتردد أن إحدى الصحفيات أغمى عليها أيضا.
ولعل الفيلم من خلال كل هذه القوة التي تتغلغل في الأحشاء، أي تنفذ داخل أكثر المناطق وعورة في النفس البشرية (عبر فكرة الحرية بأي ثمن ورفض القهر) وتجسيدها بهذا الشكل المباشر بلا رحمة، عامل أساسي في فكرة "العلاج بالصدمة" وفي مسرح السيكودراما مثلا بوجه خاص.
كان اليخاندرو خودوروفسكي العظيم مثلا يذبح الدجاج ويلقي به من فوق خشبة المسرح أثناء الرقص عاريا مع زملائه في العرض، في أواخر الستينيات في باريس، في ذروة ما عرف باسم مسرح البانيك panic theatre .. غير أننا لسنا هنا أمام سيريالية بونويل أو جموح خودوروفسكي المتجاوز لكل الحدود، بل أمام تجسيد "واقعي" تماما للحقيقة، لما حدث، لتلك الرغبة العنيفة لدى الإنسان في تجاوز مأزقه، والعبور عليه بأي ثمن وبأي طريقة، حتى لو كانت قطع ذراعه والتخلي عنها ثم التطلع إليها في فزع، ومحاولة تضميد الجرح الهائل أو وقف النزيف الحاد الذي ينتج بعد ذلك، ثم السقوط من هذا الوضع المعلق، من على ارتفاع أكثر من عشرين مترا، وقطع مسافة 12 كيلومترا قبل يصل إلى بر النجاة
إيقاع الفيلم سريع، رغم تلك الحالة الساكنة كما أشرت، ولقطاته متعددة داخل ذلك الإطار الزمني المحدد (السحري) أي الـ90 دقيقة.

والأداء التمثيلي يرقى هنا إلى أفضل مستويات التمثيل السينمائي، أساسا بفضل مخرج يعرف كيف يختار الممثل، وكيف يدربه ويؤهله نفسيا للقيام بهذا الدور الشاق، ثم ذلك الممثل (جيمس فرانكو) الذي يمتلك القدرة والشجاعة والاقدام على أداء دور صعب مع توحد تام مع الشخصية.
فيلم أساسي
إن فيلم "127 ساعة" ليس واحدا من تلك الأفلام التي تراها ثم تنساها بسرعة بعد أن تغادر دار العرض، فهو ليس فيلما من أفلام الميلوداما المشغوفة عادة بالعقدة، أي بمجرد فكرة وجود رجل وحيد في مأزق، بل يتجاوز هذا كثيرا ليصبح فيلما قاعديا، أساسيا، يعود بنا إلى جوهر سنيما الفن الأول وأصولها، تلك السينما "الأساسية" التي عاد إليها أيضا في 2010، وياللدهشة، مخرج كبير مثل البولندي يرزي سكوليموفسكي في فيلمه البديع "القتل الضروري" The Necessary killing الذي يتناول موضوعا قد يكون مشابها، عن إنسان يحاول النجاة من مصيره، وكأننا أيضا نعود إلى بدء الخليقة، إلى جوهر فكرة الصراع بين الإنسان والطبيعة، ورغبته الدائمة في الإفلات من مصيره حتى لو ارتكب فعل القتل، أول ما ارتكبه الإنسان على سطح كوكبنا، وهنا في فيلمنا هذا، حتى لو قطع ذراعه بيده.
وهذه الرؤية الخاصة عن الإنسان في عزلته، وفي علاقته بالقدر ومحاولته الإفلات منه، وارتداده إلى السحيق، إلى الطبيعة البكر الأولى، وإلى نفسه أيضا، هي أساسا، ما يميز فيلم "127 ساعة" ويجعل منه بالتالي أحد أعمال الفن الرفيع في زماننا.

الأحد، 2 يناير، 2011

تأملات وحوارات

سنظل تحسب وندقق وننظر للأفلام، مكوناتها وأنواعها ومساراتها، وسنظل نتأمل في السينما كفن: كيف تكون، وماذا يجذبنا فيها، وما الذي ينبغي فعله لكي تصبح السينما أداة ثقافية وفكرية وفنية تقوم بدور في تشكيل وجدان الإنسان العربي. لكننا لن نستطيع أبدا أن نحيط تماما بمكنون السينما، جوهر سحرها وسرها رغم إدراكنا لما يميز فيلما عن غيره، وما يميز مخرجا عن سائر المخرجين.
السينما ماتت! كانت تلك صيحة أطلقها البعض، بعد انتشار وطغيان التليفزيون، ثم بعد انتشار الفيديو وأخيرا في عصر الانتشار الهائل للانترنت، أو ما أطلق عليه "عصر كل إنسان لنفسه".. غير أن السينما أثبتت أنها لاتزال فنا يمكنه أن يجمع البشر معا مجددا في قاعة العرض السينمائي، أو أن هذا ما أثبتته الدورة السابعة لمهرجان دبي السينمائي التي انتهت أخيرا.
* حوارات كثيرة دارت بيني وبين عدد كبير من السينمائيين أخيرا وتركزت حول هذا العصر الذي نعيشه مقارنة بالماضي، كيف أصبح، وما الذي تغير. وكان رأيي اننا بكل أسف، اصبحنا نعيش عصر الفرقة بعد أن كنا نحيا عصر التجمعات، وأن كلا منا يجلس أمام جهاز الكومبيوتر موهما نفسه أنه بمفرده يستطيع تحريك العالم، والحصول على ما يريد. غير أن الحقيقة أننا لا نتحقق سوى بالآخر ومع الآخر، هذه حقيقة ثابتة منذ فجر الإنسانية. هل سيطول زمن الفرقة كثيرا؟ لا أدري!
* ما الذي يفتقده الجيل الجديد الحالي من السينمائيين عن جيلنا؟ سؤال طرحه علي أحد السينمائيين الأصدقاء في جلسة جمعت عددا من أهم السينمائيين في العالم العربي في رأيي. كان رأيي الذي قلته امام الجميع أنه على حين اننا كنا نتاجا لعصر نوادي السينما، فإن الجيل الحالي نتاج لعصر البحث الفردي الشاق عن المعرفة السينمائية، ولكن بشكل فردي وبعيد عن المناقشات والجدل الذي يخلق حوارا ممتدا يصبح رافدا مهما من روافد الوعي السينمائي.
* في الندوة الدولية حول النقد السينمائي التي شاركت فيها ضمن النشاط الثقافي المرموق في مهرجان دبي السينمائي قالت الناقدة الأمريكية ثيلما آدمز إن الناقد السينمائي الحقيقي في الولايات المتحدة أصبح عملة نادرة، وإن عدد نقاد السينما في نيويورك لا يزيد عن 35 ناقدا، وفي الولايات المتحدة كلها لا يتجاوز 200 ناقد، هذا في الدولة الهائلة التي تعرف أكبر انتشار للسينما في العالم. وهذه حقيقة قد تثير الكثير من الدهشة لدينا لأنني استطعت أن أحصي عددا يفوق المائتين من الذين وقعوا على بيان (للنقاد) بشأن السرقات التي يتعرض لها بعض نقاد السينما، صدر قبل عدة أشهر. وبكل أسف تبين لي فيما بعد أن الكثيرين ممن وقعوا على هذا البيان ليسوا من النقاد ولا من أصدقاء النقاد، بل من "لصوص النقاد".. وربما أضافوا توقيعاتهم على البيان إمعانا في النكاية بنا!

السبت، 1 يناير، 2011

مهرجان دبي السينمائي 6

لقطة أثناء التصوير

"هذه صورتي وأنا ميت": فلسطين من النضال إلى الاقتتال



"هذه صورتي وأنا ميت" عنوان صادم للفيلم التسجيلي، أو غير الخيالي، الذي أخرجه المخرج الفلسطيني الأردني محمود المساد، وشارك به في مسابقة المهر العربي للأفلام التسجيلية وفاز بالجائزة الأولى لأحسن فيلم في هذه المسابقة.
في هذا الفيلم الذي يبلغ زمن عرضه 81 دقيقة، يلتقط المساد خيطا دقيقا لشخصية من الشخصيات المنسية، من فترة النضال الفلسطيني في السبعينيات، هي شخصية مأمون مربش، الذي كان أحد المناضلين في صفوف المقاومة المسلحة في حركة فتح في بيروت.
هذا الرجل الذي ساهم في الكثير من عمليات المقاومة بل، وأشرف أيضا على الإعداد لعمليات بطولية منها عملية المناضلة الشهيدة دلال المغربي كما يظهر في الفيلم، أي مأمون مربش، ترصد له عملاء الموساد، إلى أن تمكنوا من اغتياله في أثينا التي كان قد لجأ إليها بعد خروج المقاومة الفلسطينية من بيروت عام 1982، وأطلقوا عليه الرصاص من مسافة قريبة وهو داخل سيارته عام 1983، وكان يجلس إلى جواره ابنه الطفل الذي لم يكن قد تجاوز سنواته الأربع في ذلك الوقت.
ما حدث أن الرصاص الكثيف الذي انطلق من السلاح القاتل الذي تمكن من اللحاق بالسيارة بدراجة نارية، أصاب أيضا الطفل "بشير"، ونقلت الأنباء وقتذاك أنه قتل مع والده في العملية.
لكن بشير نقل الى المستشفى حيث تلقى العلاج، ونجا من الموت، وهو يعيش بيننا اليوم بعد أن بلغ التاسعة والعشرين من عمره وأصبح هو بطل هذا الفيلم.
بشير مربش: بطل الفيلم ومدخلنا لموضوعه
المخرج محمود المساد، يقتنص أولا بذكاء وفطنة كبيرتين، هذه الفكرة التي ترتبط بالذاكرة، بالماضي، لكي يصنع منها نسيجا بصريا متشابكا مؤثرا، حول زمن البطولة والتضحية والثمن الذي كان يتعين أن يدفعه الذين وهبوا أنفسهم لقضيتهم الوطنية، وأيضا لكي يجسد أيضا الفرق بين ما كان في الماضي، وما أصبحنا عليه اليوم، بين زمن النضال، وما انتهت اليه القضية اليوم من اقتتال الشركاء، اي الفصائل الفلسطينية، وأساسا، فتح وحماس.
يتوقف المساد بكاميرته أمام الكثير من العلامات، ومن جوف الصورة تبرز التساؤلات المعذبة القلقة حول كيف كان هذا ممكنا، وما الذي حدث، وما مغزاه، وهل كان هناك خطأ ما، هل كان طريق النضال المسلح، طريقا خطا، وهل كان هناك طريق آخر، وكيف يمكن أن يصل الوضع اليوم الى ما وصل إليه، وغير ذلك الكثير.
المدخل الدرامي إلى الفيلم هو حادث الاغتيال، ووجود الإبن الصغير "بشير" في مقدمة الصورة. والصورة، أو تلك اللقطة تحديدا، وهي مصورة بالأبيض والأسود، تتكرر كثيرا بالحركة البطيئة عبر الفيلم، باعتبارها اللقطة المركزية التي تتدفق منها الذاكرة: ذاكرة بطلنا بشير الذي عاد اليوم لكي يبحث عن تاريخ والده، من خلال التفتيش في ذاكرة أصدقائه: الحلاق والطبيب والرسام وغيرهم.
في الفيلم صور وشهادات، مزيج من الخاص والعام، ومن الذاتي والموضوعي، من الصورة الداخلية والحكايات الشخصية عن "مأمون البريش" الذي طويت صفحته تقريبا منذ وفاته رغم كل ما قدمه للقضية من تضحيات هائلة، والبحث الشاق عن المعرفة والتذكر من جانب الإبن "بشير" الذي يروي له الطبيب كيف أن والده أنقذ حياة زعيم الكتائب اللبنانية خلال الحرب الأهلية عندما اعتقلته قوات حركة فتح، لكنه أمر باطلاق سراحه، فنجا الجميل بذلك من الموت. وهي معلومة مهمة لا يعلمها المشاهدون. وقد جاء موقف المأمون ردا على اطلاق بشير الجميل سراحه في الماضي بعد أن وقع أسيرا في أيدي قوات الكتائب وكاد أن يلقى مصرعه. هذه القصة نفسها تعكس مغزى انسانيا كبيرا عن فرقاء الحرب الذين يكنون الاحترام لبعضهم البعض. وقد جاء الاسم الذي أطلقه الرجل على ابنه فيما بعد، أي "بشير"، تيمنا باسم بشير الجميل الذي سيعود ويلقى حتفه في عملية فدائية هائلة قيل إنها كانت من تنفيذ وتخطيط عناصر فلسطينية مسلحة.
أما اقتتال اليوم في غزة والفضة الغربية، فيبقى في الفيلم صورة مشبعة بنوع من السيريالية أو التجريدية العبثية التي تدعوك إلى التشكك فيما آلت إليه مسيرة النضال من أجل إقامة الدولة، حينما انتهت الى دويلتين محاصرتين متصارعتين، وهي نهاية ما كان يحلم بها أكثر المناضلين تشاؤما في عصره!
ايقاع الفيلم متدفق يتسم بالقوة والتماسك، لكنه يسمح بنوع من التأمل مع مساحة جيدة من الصورة التي تظهر في معظم الأحيان، في لقطات متوسطة الحجم، صور مدهشة، وعلاقة خاصة بين الشخصية الرئيسة التي تستخدم لصنع القالب "الدرامي" او المدخل "الروائي" إلى الفيلم إذا جاز التعبير، وقدرة هائلة من جانب المخرج وفريق مساعديه على اقتناص الشهادت وتصويرها بكل تلك التلقائية والتدفق مع التحكم في زوايا الصورة، واعادة بناء حادث الاغتيال باستخدام الأسلوب التجريدي نفسه، بحيث تتكرر لقطة إطلاق الرصاص على الرجل في السيارة، وتعود الينا بين حين وآخر، في سياق الشهادات ورحلة البحث عن الحقيقة، ودون أن يتسبب الإخراج في إرباك الشهود الذين يقصون ذكرياتهم على الإبن، ودون أن يبدو أننا نتفرج على مشاهد مصممة ومتفق عليها سلفا، حيث يعتمد الفيلم على فكرة "اعادة التجسيد" مع الابقاء على المباشرة الحميمية التي تميز أسلوب "سينما الحقيقة".
إن هذا الفيلم دليل آخر على قدرة السينما التسجيلية أو الوثائقية على تطوير نفسها، والاستفادة من الأساليب الروائية، والاعلاء من شأن العنصر الدرامي في الصورة، من أجل بلوغ أعلى تأثير ممكن على المشاهد، الأمر الذي يردنا إلى التأمل في أصل السينما: ما هي، وكيف نشأت، وما الهدف منها، وكيف يعبر السينمائي عن العالم من خلال الكاميرا، وما هي حدود قدرته على خدمة موضوعه. وهي تساؤلات ممتدة بامتداد تاريخ الإبداع السينمائي نفسه!
جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2008- 2014
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com