السبت، 22 يناير، 2011

فيلم " الجامع ".. فانتازيا ساخرة لواقع أليم


المخرج داود أولاد السيد

أستضيف هنا الناقدة المصرية الشابة مروة سلامة في مقال حول الفيلم المغربي "الجامع".. لعلنا بذلك نفتح نافذة أمام ابداعات الشباب ونتواصل معهم من خلال هذه المدونة. نرحب بكل مساهمات يبعث بها الاخوة الأصدقاء، وكذلك الملاحظات والرسائل وسننشرها ونقوم بالتعليق عليها أولا بأول.


بقلم: مروة سلامة


في فيلم " الجامع " يصحبنا المخرج المغربي داود أولاد السيد إلي الجنوب المغربي وبالتحديد مدينة زاكورة قرية ورزازات، لينقل الواقع الذي يعيشه أهالي هذه المنطقة، التي شهدت إقبالا شديدا في الفترة الأخيرة من قبل شركات الإنتاج الأجنبي والمغربي أيضا لتصوير أعمالهم السينمائية بها، حيث يقوم أهالي القرية بإيجار أراضيهم لهذه الشركات. و رغم أن هذا الأمر قد أتاح العديد من فرص العمل مما ساهم في زيادة الدخل المادي لأهالي هذه المنطقة، إلا أنه أثر بالسلب علي البعض الآخر لإعتمادهم الكلي علي هذا العمل مع الزوار السينمائيين الوافدين عليهم وبالتالي لم يصبح لأحد منهم عمل آخر سوي الظهور كممثليين ثانويين في السينما بعد أن أصبح هذا العمل مصدر الدخل الوحيد لهم.
فيلم الجامع" يعد أمتدادا لفيلم في إنتظار بازوليني" للمخرج نفسه، الذي تم تصويره في القرية نفسها وبالإستعانة ببعض أفراد العمل .
تدور أحداث الفيلم حول أسرة بسيطة تعمل في مجال الفلاحة وزراعة التمور التي تشتهر بها هذه القرية، وفي أحد الأيام يقررمحمد أن يؤجر أرضه لإحدي الشركات السينمائية وللمخرج داود أولاد السيد ليظهر المخرج بشخصيته الحقيقية، و بالفعل تبني الشركة علي أرضه ديكور فيلم "في إنتظار بازوليني" ومن بين هذا الديكور يقومون ببناء الجامع، ومن هنا تبدأ المشكلة وتتولد الاحداث.
يصل داود أولاد السيد إلي منطقة زاكورة لحضور مهرجان السينما بها، ويتجول بسيارته في شوارع ورزازات باحثا عن محمد، وهو يستعرض حياة الناس بالقرية ويقف عند أرض محمد المقام عليها ديكور الجامع، يوقفه أحد الأشخاص كان قد ظهر معه ككومبارس في أحد الافلام ويطلب منه ألا ينساه في فيلمه القادم ، ويقابله شخص آخر ويطلب منه الطلب نفسه، تأكيدا من أولاد السيد علي الواقع الذي يعيشه أهالي المنطقة واعتمادهم علي العمل السينمائي.
وعندما يصل داوود الى منزل "محمد" يجده فى حالة من الحزن والضيق فيخبره بأنه لم يعد يرغب فى العمل بالسينما وحسبه ما لقى من مشاكل بسببها فيذكره بأنه وافق على تأجير أرضه له بعد أن وعده بأن تهدم كل الديكورات بعد إنتهاء التصوير، ثم ينهض "محمد" من مكانه ويقوم بعرض شريط فيديو يستعرض لحظة هدم كافة الديكورات بحضور فقيه القرية والمقدم وأهالى القرية وأنهم قد هدموا كل شئ ما عدا الجامع أو ديكور الجامع بمعنى أدق، وهو الأمر الذى سبب له الكثير من المشاكل فقد أصبح أهالى القرية يترددون عليه واعتبروه جامع القرية ولم يعد أحد يعترف بأنه قطعة ديكور.
ويلقى محمد اللوم على أولاد السيد الذي كان يحذره من ذلك الأمر أثناء التصوير، إلا أنه سخر منه ولم يصدق ان الأمور سوف تتعقد لهذه الدرجة التى يرفض فيها الناس هدم ديكور الجامع ورد الأرض لمالكها الحقيقى والتى تمثل مورد الرزق الوحيد بالنسبة له.
لم يجعل داوود حضوره فى الفيلم حضوراً مثالياً، ولم يكتب لنفسه فى هذا السيناريو دوراً حاسماً فى حل قضية البطل، بل اكتفى بأن يجعل نفسه بالنيابة عن السينمائين سبباً فى إحدي المشكلات التى يتعرض لها سكان هذه القرية بإعتبارهم يعتمدون عليهم كدخل مادى أساسى، فكأن داود ضلعاً أساسياً فى المشكلة التى ألمت بالبطل بعد أن إنتهى التصوير وأنه لم ينفذ وعده له.
فقد تركه يواجهه مصيره مع سكان القرية دون تدخل منه فى حل مشكلته مما جعل محمد يحذر إبنته الكبرى عائشة من تكرار تجربة أبيها والعمل معهم فى السينما لأن أصحاب المهن السينمائية ليس لهم أمان بما فيهم داود .
رحلة البحث عن الحل
يحاول محمد أن يجد حلاً لإسترداد أرضه، بعد أن فشلت مفاوضاته مع إمام الجامع، الذى كان يغيظه بإستمرار بحجة أنه لن يتمكن من هدمه، بعد أن صار جامعا حقيقاً تقام فيه الصلاة ويتردد عليه أهالى القرية، مما يدفع محمد لأن يذهب لمسجد آخر بالقرية ويسأل فقيه المسجد عن الحكم الشرعى لحالته وهل من الممكن هدم ديكور الجامع الذى اتخذه الناس مسجداً دون أن يحمل مواصفات شرعية أم لا؟ وبإستخدام اللقطة القربية"Close Shoot" على وجه محمد وهو فاتحاً فمه لتعجبه من جواب الفقيه، فيزل عليه كلامه كالصاعقة، يأتى المشهد بشكل ساخر لا يخلو من خفة الظل، فيفاجاً بالفقيه يتحدث معه عن فضل المساجد والثواب الذى يعود على الفرد من بناء مسجد وأنه بمثابة صدقة جارية فهذا كله كلام لا غبار عليه ومفروغ منه ولكنه ليس جامعا حقيقيا. كان هذا هو رده علي الشيخ الذي لم يجد له حلا سوي اعتبار أن الله قد ساق له هؤلاء السينمائيين ليأخذ ثواب بناء الجامع، وعندما يحاول أن يشرح له الأمر بصورة أخرى يتركه الفقيه بعد أن يحذره من هدمه، فيأتى فقيه آخر قد حضر النقاش ويطلب منه أن يرى الجامع بعينه ليعطيه الجواب الصحيح وعندما يذهب يفاجأ محمد بأن كلامه لم يختلف كثيراً عن الفقيه السابق وهذا ما جعل إمام الجامع يشعر بالزهو أمام محمد .
أجاد داوود الإسقاطات السينمائية فى الفيلم ففى هذا المشهد يترك كلاً من الإمام والفقيه الحكم فى القضية لحمد ويدخلان لقضاء الصلاة فى الجامع الوهمى من الباب الخلفى الخاص بالأجانب والذى يتضح فيه معالم الديكور الخشبى.
يعود محمد للتفكير فى شئ آخر وما أن يرى الجرافة حتى يتبادر إلى ذهنه أن يستغلها فى هدم هذا الجامع فيوقفها ويحاول أن يقنع صاحبه بأن يعاونه، فى البداية يغضب الرجل لأنه يريد هدم المسجد الذى يصلى فيه الناس، ولكن ما أن يعرض عليه مبلغا من المال الا ويوافق بأن يؤجرها له، ويقترح عليه بأن يبحث عن شخص آخر يقوم بعملية الهدم، فيأتى الحديث عن الشيخ "سلام" أحد رجال الدين فى هذه القرية وهو نموذج لرجل الدين المتسامح، فشخصيته علي النقيض تماما من إمام الجامع الوهمى، فما أن يذهب إليه محمد ويعرض عليه الامر يوافق على الفور ودون أى تردد، وعندما يصلان إلى الجامع يجدان جنازة يتقدمها الإمام، وقد حمل النعش ومن وراءه الناس وينظر إليهم فى تحد، ولا يستطع أحد الإقتراب من الجامع وهنا يصل المقدم ويأمر الشيخ سلام أن يعود من حيث أتى وإلا سيحدث مالا يحمد عقباه، ولكن الشيخ سلام يثور فى وجهه ويعترض على هذا الكلام ويقول له " ان للمساجد شروط شرعية وأنها لا تنطبق على هذا المسجد فهذا المسجد بنى من أجل السينما لذا فهو باطل، ولا يعتبر مسجداً حقيقاً لعدم توجيه الصومعة نحو القبلة " فيثير هذا الكلام غضب المقدم ويستغل سلطته القانونية ويقف امامه بإسم القانون ويأخذ من محمد هويته الشخصية ويأمره بالذهاب للتحقيق معه فى مكتبه .

البيروقراطية وضياع الحقوق
يحاول محمد أن يجد مخرجاً قانونياً لمشكلته فيذهب للمقدم ويخبره أن قضيته ليست سهلة وأنه يعرف أخبار الجميع فى هذه القرية ولا يخفى عليه شئ ، فيخرج أوراقا من مكتبه تتضمن إذن التصوير من قبل مركز السينما فى الرباط ، فيخبره بأن هذه الرخصة تعطي لفريق العمل الحق في بناء الديكورات اللازمة لتصوير الفيلم بما فيها ديكور الجامع، وهنا يستبشر محمد وكأنه وجد الحل، لكن المقدم يفاجئه بأن هذه الرخصة للبناء وليست للهدم ولذا فعليه أن يحضر رخصة للهدم فهذه المفارقة هى ما تدعوه للضحك والسخرية فى الوقت نفسه، ويتعجب محمد لماذا لا يعطى له هذه الرخصة ؟ فيجيب المقدم أنها ليست من إختصاصه وأن عليه الذهاب بنفسه الى مركز السينما فى الرباط ، فيقدم داوود هذا المشهد بالشكل الساخر من تلك الاوضاع الروتنية التى سئمنا منها فى أوطاننا العربية بل الأكثر من ذلك أن المقدم ينصحه بجدية ببيع الموتوسكيل الخاص به ليتمكن من السفر لإحضار تلك الورقة، وإلا فلن يعود له حق فى إستراد أرضه. يعود محمد مرة أخرى إلى الشيخ "سلام" يطلب منه أن يكتب له شكوى لتقديمها إلى مركز السينما ليشرح فيها ما لحق به من ضرر حيث أصبح هذا المسجد مزاراً سياحياً للأجانب من كل مكان.
وفى أحد المشاهد الساخرة فى الفيلم يصور داود الإمام وهو ينظر فى دهاء إلى جماعة من الأجانب ويملئ عينيه الطمع فما أن يراهم يجري ليدخل إلى المسجد ليرتدى زى الجنرال الرومانى الذى ظهر به فى فيلم "فى إنتظار بازولينى" ويتسابق الأجانب للوقوف إلي جواره وإلتقاط صور تذكارية معه.
لم تكن شخصية إمام الجامع الشخصية الوحيدة التى تتمتع بالإنتهازية فى الفيلم فتظهر أيضا شخصية السياسى مرشح المجلس الذى يستغل إمام هذا الجامع فى الوصول إلى أكبر عدد من الناخبين. وقد صور "داوود " هذه الشخصية تصويراً حقيقيا تماما ًكما نراها فى أرض الواقع.
نجد أن المشاكل في الفيلم إنحصرت في مشكلتين: مشكلة البطل و الجامع، ومشكلة الزوجة "سعدية" (بشري أهريش) وختان إبنها "عمر"، فنجد أن الزوجة أنهت مشكلتها بنفسها بذهابها بمفردها لإجراء العملية لإبنها دون علم الزوج المشغول دائما بمشكلته الخاصة، بينما ظل هو عاجزا عن حل مشكلته. لم يستطع أحد التفرقة بين النجمة المغربية (بشري) و بين سكان القرية الحقيقيين الذين شاركوا في الفيلم، سواء في الملابس، الماكياج ،الإكسسوارات مما أضفي مصداقية علي العمل الفني. كما كان أداء الفنان مصطفي تاه تاه لدور إمام الجامع المستغل ،أداءا متميزا، فقد طوع ملامح شخصيته بشكل موفق لأداء شخصية الشرير بطريقة لا تخلو من خفة الظل. من ناحية أخري فإن حضور داود في الفيلم أوضح مدي بساطته وروحه الجميلة مع فريق العمل، مما يؤثر علي نجاحه فيما بعد.
كان لعشق أولاد السيد للتصوير الفوتوغرافي أثره في أفلامه فكل لقطة عنده لتعد صورة فوتوغرافية تلتقط الأوضاع المحيطة بحلوها ومرها ، لأن الصورة نابعة من الواقع فهي لا تكذب ولا تتجمل، ل تصور حياة البسطاء وديارهم وتجمع النساء لغسيل ملابسهم عند النهر، وحفلات الختان، الرقصات الشعبية، كل ذلك يعرضه بعدسته دون إسترسال في الحوار، ليترك المشاهد يري ويحكم بنفسه علي ما يراه، إلي جانب تقديمه لأفكاره برؤية كوميدية ساخرة.
فيلم الجامع" يحمل فكرة بسيطة يعرضها أولاد السيد دون تحذلق، ويدعو من خلالها لإعمال العقل.

0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com