الجمعة، 14 يناير، 2011

الفيلم الوثائقي السيريالي

بقلم: بروس هودسدون

ترجمة: أمير العمري


"سوف أتأمل في الوجه الآخر من العالم"
بنيامين بيريه في "اختراع العالم"

 
يوصف الفيلم الوثائقي باعتباره "خيالي لا يشبه أي شكل خيالي آخر". وبدلا عن المفهوم القائل إن الخيالي يقدم مدخلا إلى "عالم"، يزعم الوثائقي أنه يقدم مدخلا إلى "العالم"، وهو زعم بأنه يمتلك وضعا خاصا، فيه نوع من التفوق الأخلاقي، يتمثل في الرابطة المباشرة التي تتكون بين الواقع وتجسيد الواقع في السينما.
الفيلم الوثائقي السيريالي يتحدى هذا الزعم ويطوع هذا الزعم لتحقيق وضعا خاصا.

لقد قام روبرت فلاهرتي بإعادة تجسيد بعض المشاهد من أجل المحافظة على أنماط حياة الإسكيمو المهددة بالتلاشي، على شريط الفيلم السينمائي، والجمع في سلاسة، بين اللقطات المصنوعة واللقطات الوثائقية المباشرة في فيلمه "نانوك من الشمال" (1922). وفي الوقت نفسه، كان بنيامين كريستنسن يقفز من مستوى للواقع الى مستوى آخر في فيلمه "هاكسن: السحر عبر العصور" Häxan: Whitchcraft through the Ages ".

الأشكال السردية التي وفق بينها كريستنسن، جامعا بين الواقع والخيال في "هاكسن" Häxan كانت نوعا من الإرهاصات الأولية لظهور الفيلم الوثائقي السيريالي. تطمس السريالية، خلال سعيها لفتح الخيال على الواقع، الفرق بين الحقيقة والخيال. في الأفلام الوثائقية السيريالية والأفلام السيريالية بشكل عام، يتم استخدام التأثير الواقعي لتقريب المتفرج من العالم الذي يجسده الفيلم، من أجل مصادرة الافتراضات المسبقة في ذهن المتفرج حول هذا العالم. وقد تجسد استخدام المزج بين الحقيقة والخيال في استخدام لقطات من فيلم وثائقي عن العقارب في المشهد الأول من فيلم "العصر الذهبي" للويس بونويل (1930)، وفي استخدام جان فيجو للمزج بين الذاتية، والتصويرالذي تتخذ فيه الكاميرا مكان العين، والهجائية الساخرة، والمسح الاجتماعي في تصويره لمدينة نيس في فيلمه " حول نيس" propos de Nice A(1930).

عرض فيلم "العصرالذهبي" عرضا عاما قبل 75 عاما في ستوديو 28 في باريس في 28 نوفمبر 1930. وقد أتاح هذا العرض وضع الفيلم الوثائقي على حافة المثلث السيريالي الذي بلغ ذروته عندما فتح الطريق أمام السيريالية الاثنوجرافية في فيلم "أرض بلا خبز" Las Hurdes (1933)، الذي كان ثوريا ورجعيا على حد سواء، غامضا ومتصل، منفصلا بقسوة في تعليقه الصوتي، ومتكلفا بعبثية في اختيار خلفيته الموسيقية.

كانت اللقطات الأولى في فيلم "العصر الذهبي" تعكس إشكالية الرغبة في اقتحام حقل اجتماعي أكبر من ذلك بكثير" من خلال فيلم لا يمكن تصنيفه بسهولة، سيريالي بشكل أساسي، مزيج من الأنواع السينمائية genres ومن الخيالي والوثائقي،و شبه التاريخي، والميلودرامي، وهو ما كان أكثر قدرة على مقاومة استفزازات فيلم "الكلب الأندلسي" لبونويل (1929) بلقطاته التي تشبه الأحلام، في سياق "خطاب التحليل النفسي للرغبة الكامنة على مستوى اللاوعي". لقد أصبح "العصر الذهبي" عرضة لهجوم متواصل من اليمين، ومنع من العرض العام في غضون أسبوع من عرضه الأول (استمر حظر عرضه عمليا لمدة 50 عاما) ، بينما تمتع فيلم "الكلب الأندلسي" بالعرض بشكل متواصل في باريس لمدة ثمانية أشهر، وهو نجاح استقبل استقبالا متناقضا في أوساط السيرياليين.

وإذا كان "الكلب الاندلسي" يعتبر مغامرة عظمى سيريالية داخل عالم اللاوعي، فربما يكون "العصر الذهبي" هو الأكثر في تعبيره الصلب والعنيد عن العزيمة الثورية.


من فيلم "العصر الذهبي" لبونويل
 وقد أعيد إحياء طريقة استخدام أسلوب التعارض بين اللقطات الخيالية والوثائقية في فيلم "فيلهلم رايش: ألغاز الكائن الحي" الذي أخرجه اليوغسلافي دوسان مكافييف عام 1971. وقد وصفه الناقد ديفيد تومبسون في دراسة له، بأنه "أسلوب صاعد ومترابط ينتقل من الخصوصية البشرية، إلى السلوك السياسي، وينظر أيضا إلى السلوك السياسي باعتباره رد فعل للإحباط النفسي والجنسي، وهو ما يمكن تطبيقه على قدم المساواة، على فيلم "العصر الذهبي".

بالمقارنة، يستخدم كريس ماركر أسلوبا يجمع بين اللقطات 'الحقيقية'، والتعليق الصوتي الخيالي، والبناء القائم على شكل الرحلة، وذلك في فيلمه "عديم الشمس" Sans Soleil (1983). إنه يتجاوز الأسلوب التقليدي الشائع لأفلام الرحلة، عن طريق الجمع بين المشردين الحقيقين والمتخيلين في سياق سيريالي يمكن مقارنته بما حققه السيريالي باتريك كيللر في فيلميه (من أفلام الرحلة): لندن (1994) و"روبنسون في الفضاء" (1997).

لقد أعرب سيرجي أيزنشتاين عن رفضه للسيريالية عندما تعرف عليها في باريس عام 1930. وقد وصفها بقوله: "إنها بعيدة كل البعد، سواء في الفكر أو في الشكل، عن كل ما قمنا به ونقوم به"، وهو رأي لا يشاركه فيه السيرياليون. بونويل، على سبيل المثال، اعترف في سيرته الذاتية بأنه كان على قناعة، لسنوات عديدة، بأن فيلم "المدمرة بوتيمكين" (1925) هو الفيلم "الأكثر جمالا في تاريخ السينما". ووصف أيزنشتاين فيلمه " الخط العام" (1929)، الذي يعتبر ظاهريا 'دراما وثائقية رسمية حول المزارع الجماعية" ، بأنه "محاولة لتصوير تجربة العمل اليومي عند الفلاحين بطريقة مثيرة للاهتمام ". وهو يحتوي على أحد أكثر المشاهد في ذاكرة السينما تعبيرا عن الشهوة الجنسية (بمعنى التحول المكثف)، الحصول على آلة لفصل الزبدة عن الحليب، حيث تتحول الإثارة الجنسية هنا"من الجسد البشري إلى الآلة" إن لقطات أيزنشتاين الأساسية المثيرة للنشوة في هذا الفيلم هي لقطات كان قد صورها أصلا لفيلمه المكسيكي " تحيا المكسيك" (1932).


لوي بونويل
 ويربط المونتاج بين التعارضات المقلقة، الكامنة في ثنايا الصور، وبين الصوت والصورة (التعليق، المؤثرات الصوتية الحية، والموسيقى) وذلك في الأفلام الوثائقية التي صنعها سينمائيون سيرياليون من أمثال جان بينليفيه Painlevé، هنري ستورك، جورج فرانجو Franju، آلان رينيه، وهمفري جينينجز، ويان سفانكماير Švankmajer، وفي هذه الأفلام يستخدم هؤلاء المخرجين ازدواجية المغزى الشعري في مادة الفيلم: العلوم الطبيعية، جزيرة عيد الفصح ، مسلخ، الضريح، المكتبة، ثقافة الطبقة العاملة، والعرض المروع للعظام البشرية في صندوق عظام الموتي داخل الدير. إن ما يجمع بينهم هو الإحساس الناتج عن خلق عوالم موازية، سطح كوكب حضارة ميتة (في فيلم L’Ile de Pâques، لهنري ستورك، 1935)، والضريح الذي هو أرشيف كبير (في "كل ذاكرة العالم" لآلان رينيه، 1956) أو الرعب المكتوم من المسالخ في الضواحي (في فيلم "البهائم"، لفرانجو، 1949)- العلاقة الكابوسية الخيالية في علاقتها مع العالم الواقعي. وحتى في تصوير كيف تقضي الطبقة العاملة أوقات الفراغ (كما في "وقت الفراغ"، 1939)، تمكن المخرج همفري جينينجز من العثور على "نوع من الخيال القاتم. وبعض الكرامة... ".

في السينما ، يتم التعبير عن خطابات متناقضة في سياق سائد يعمل بمثابة اللغة التي تستخدم في تعريف لغة أخرى metalanguage. وفي حالة السينما الوثائقية، عادة ما يحدث هذا من خلال التعليق الصوتي المصاحب الذي يربط معا، الرؤى المختلفة للواقع، التي تكشف عنها الصور والأصوات الأخرى في الفيلم. وفي الفيلم الوثائقي السيريالي، إما يتم الاستغناء عن التعليق الصوتي، أو يكون التعليق متناثرا وقليلا، أو يتم تهميشه ليصبح مجرد صوت نشاز أو مرتبطا بسياق محدد.

لقد تحدى لويس بونويل في فيلم "أرض بلا خبز" Las Hurdes، وجان روش في أفلامه الإثنولوجية، القواعد التقليدية للفيلم الوثائقي. ويمكن قراءة فيلم بونويل باعتباره محاكاة ساخرة سيريالية للفيلم الخيالي "يوسع مساحة اضطراب المفاهيم السينمائية التي سبق أن رسخها في "الكلب الأندلسي" و"العصر الذهبي"، بشكل يتلخص أساسا في طريقة استخدامه للتعليق الصوتي. ويسهم راؤول رويز في فيلمه "الأحداث الكبرى والناس العاديون، 1979) في استراتيجية التفكيك الذاتي للعديد من القناعات الموضوعية في الفيلم الوثائقي.

على مر السنين، كثيرا ما أسيء تفسير التناقض الواضح بين التعليق الصوتي و"الاستخدام غير المناسب" للسيمفونية الخامسة لبرامز في فيلم "أرض بلا خبز" على انه نتيجة تدخل فظ من جانب موزع الفيلم. إلا أن رويز، مع ذلك، لا يترك سببا لمثل هذا الغموض في سخريته اللاذعة من القناعات الواقعية كما تنعكس في التقارير التليفزيونية. إن غموض "الأحداث الكبرى" يكمن حيث يمكن أن يقودنا رويز. إن التأملات الأقرب إلى اليوميات لرجل تشيلي يعيش في المنفى، في فرنسا، في الانتخابات المحلية الفرنسية (رؤية رويز نفسه)، تفسح المجال لاستخدام مواد خارجية تأتي من مصادر أخرى، مما يجعل اليوميات التي كانت متدفقة، تتوقف. ومن أجل تقديم تعريف لما هو حقيقي وما هو دخيل في الفيلم الوثائقي يقوم رويز باستدعاء حالته الشخصية باعتباره رجلا من تشيلي يعيش في المنفي، في فرنسا. وهو يجعل النقد يتجه إلى ذلك الشعور بالقبول لدى المتفرجين عن طريق تثبيت ثلاث حقائق سيريالية تتعلق بالفيلم "الوثائقي المستقبلي" يمكن التعبير عنها من خلال هذه العبارة:


طالما ظل الفقر موجودا، سنكون أغنياء

وطالما ظل الحزن موجودا، سنكون سعداء

وما دامت السجون موجودة، سنكون أحرارا

(من بيل نيكولز: "تجسيد الواقع: قضايا ومفاهيم في الفيلم الوثائقي).
* جزء من دراسة بعنوان "السينما الوثائقية السيريالية: مراجعة الحقيقي"- 2005.

0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com