الأربعاء، 29 سبتمبر، 2010

المؤثرات التسجيلية في فيلم "بيوتيفول"

فيلم "بيوتيفول" Biutiful هو أحدث أفلام المخرج المكسيكي الشهير أليخاندرو إيناريتو جونزاليس صاحب ثلاثية الموت "أموروس بيروس" (ملعون الحب)، "21 جراما"، و"بابل"، والفيلم، على نحو ما، امتداد لتلك الثلاثية. غير أنه الفيلم الأول لمخرجه، الذي لا يكتب له السيناريو الكاتب المكسيكي جيلرمو أرياجا، بل كتبه إيناريتو نفسه بالتعاون مع كاتب أرجنتيني. وهو أيضا فيلمه الأول الذي تدور أحداثه في إسبانيا.
أسلوب الإخراج المميز لأفلام إيناريتو واضح هنا رغم اختلاف طريقة السرد، الذي يقوم على محاور عدة، تلتقي وتتقاطع معا حول شخصية اللابطل، الفرد، المهزوم من البداية، المقضي عليه أيضا بالموت، فهو يعاني من سرطان المثانة ولم يعد أمامه سوى شهرين في الحياة، كما يقول له الأطباء.
"أوكسبال" (الذي يقوم بدوره الممثل الإسباني خافيير بارديم) لا يعاني فقط من المرض العضال الذي يأكل حياته ساعة بعد أخرى، بل من تمزق علاقته بزوجته (عاهرة سابقة، مدمنة خمر، مريضة بمرض ازدواج الرؤية، تعاني من نوبات توتر عصبي حاد).. وقد انفصل عنها منذ فترة، لكنها تتردد على مسكنه الضيق لرؤية طفليها منه، تريد العودة إليه، لكنها لا تستطيع رعاية الطفلين بعد أن قضت المحكمة بإسناد حضانة الطفلين إليه. وهي ايضا تخونه مع شقيقه.
ولكن كيف يعيش "أوكسبال".. هذا الرجل الذي فقد الأب أخيرا، وفقد الزوجة من قبل على نحو ما، والآن هو مهدد بفقدان الحياة نفسها وترك طفليه خلفه؟
إنه نموذج واقعي تماما للرجل الهامشي الضائع، الذي يعيش على هامش مجتمع الحياة في مدينة برشلونة. من هذا المدخل، أي من مدخل العلاقة بين الرجل والمدينة، يكثف إيناريتو (المكسيكي) رؤيته الخاصة لبرشلونة التي تختلف تمام هنا، عن برشلونة "السياحية" الملونة التي رأيناها في فيلم وودي ألين "برشلونة فيكي كريستينا".
إن "برشلونة إيناريتو" يناسبها أكثر الطابع التسجيلي المباشر، الذي يجعل بطله- اللابطل، شاهدا على هذا الواقع، ومنغمسا فيه أيضا: إنها برشلونة المهاجرين غير الشرعيين، والمطاردت بين الشرطة وهؤلاء، وبائعي المخدرات في الزوايا والأركان المظلمة من الشوارع، وكيف امتد الفساد إلى الشرطة، وأصبح هناك من الضباط من يتستر على ممارسات البعض من المهاجرين غير الشرعيين في مجال توزيع المخدرات مقابل الحصول على المال، والظروف الشاقة التي يعيش فيها المهاجرون على هامش الحياة..إلخ
يبدأ الفيلم بداية شاعرية ناعمة في مشهد يبدو كما لو كان يدور بين الحلم واليقظة، نرى فيه بطلنا "أوكسبال"، يقف في غابة في الصباح الباكر، يتأمل الطبيعة، ويرى جثة بومة ماتت لتوها، ويتبدى له شاب افريقي الأصل، يقول له كيف أن البومة قبل أن تموت تنفث شعيرات من أنفها وتلصقها بالأشجار، لتخلق حياة جديدة، ثم يقلد له أصوات الثعالب والريح.. وتتداعى الصور في مخيلة أوكسبال، الذي أصبح مشرفا على الموت، ويتكرر هذا المشهد عند النهاية، بعد ان أصبح أوكسبال متأهبا لاستقبال الموت.
الحي الذي يقيم فيه "أوكسبال" في برشلونة هو حي معروف بكثرة المهاجرين الوافدين الذين يقيمون فيه، من الآسيويين، والصينيين تحديدا، إلى الأفارقة من السنغال ووسط أفريقيا، إلى الرومانيين والبولنديين، وغيرهم.
تتقاطع حياة أوكسبال تقاطعا أصيلا مع حياة الكثير من هؤلاء المهاجرين، فهو مسؤول عن 24 صينيا استقدمهم للعمل أو ضمن دخولهم البلاد، ولكنه يبقيهم تحت رحمة اثنين من أقرانهم يستغلونهم أبشع استغلال ويبقونهم تحت خط الحياة في مخزن بارد تحت الأرض.
وفي الوقت نفسه يستخدم بعض المهاجرين الافارقة في بيع السلع التي يصنعها الصينيون في الشوارع. وهو بالتالي يلهث طيلة الوقت لتدبير الأمور، الحصول على المقابل المالي من الذين يشغلون الصينيين، ورعاية طفليه، واسكات الشرطي الذي يطالب بالمال وإلا أبلغ عن المخالفات العديدة المتراكمة التي يقوم بها، واللهاث وراء علاج قد يطيل بعضة أيام من عمره وهو الذي يتبول دما.
وفي مشهد يمتليء بالحيوية مصور في الشارع، نرى الباعة الأفارقة من المهاجرين غير الشرعيين، يحملون سلالهم الشهيرة، وفجأة تهاجم الشرطة الحي، ويحدث هرج ومرج، وتقع مطاردات وتعتدي الشرطة بوحشية على المهاجرين البؤساء، وتعتقل الكثيرين منهم، ويشهد بطلنا ما يجري وعندما يحاول التدخل يلقى القبض عليه أيضا.
هنا يطغى أسلوب الفيلم التسجيلي على المشهد تماما بكل عناصره: الكاميرا المحمولة على الكتف التي تضفي اهتزازاتها الطابع الواقعي التسجيلي على المشهد كما لو كنا نشاهد لقطات من الجريدة السينمائية أو من التقارير التليفزيونية الاخبارية، وزوايا التصوير المتنوعة التي تساعد في الإحاطة بكافة أركان المشهد، والانتقالات السريعة بين اللقطات، لتغطية المكان بما يحدث فيه في لقطات متنوعة، استخدام المجموعات الحقيقية من المهاجرين وتصوير كيف يتعرضون للمطاردة والمداهمة بالتفصيل وبكل ما يحمله المشهد من عنف بالغ.
وفي مشهد آخر نرى العمال الصينيين وهم يرقدون مكدسين في المخرن البارد، بينهم نساء وأطفال يبكون، وصاحب العمل يوقظهم في غلظة لكي يبدأوا العمل. وإلى مسكن جماعي يقيم فيه عدد كبير من المهاجرين الأفارقة، يتوجه بطلنا لكي يقدم مساعدة مالية لزوجة أحد المقبوض عليهم وكان من ضمن الذين يعملون لحسابه في توزيع المنتجات، ونرى كيف يتكدس المكان بالبشر في ظروف متدنية للغاية، آيات قرآنية معلقة على الحائط، امرأة افريقية تغسل الملابس، دورات مياه قذرة، أطفال يبكون. وعندما ينتهي هذا المشهد، ينتقل المخرج إلى منظر للكاتدرائية الشهيرة المميزة لمدينة برشلونة، أي كاتدرائية "العائلة المقدسة" التي تعد العلامة السياحية الشهيرة للمدينة، تجسيدا للتناقض الفاضح بين العالمين.
وفي مشهد آخر نرى مخيما كبيرا لإيواء المهاجرين الأفارقة، حيث يذهب أوكسبال للبحث عن الرجل السنغالي المسلم الذي ألقي القبض عليه، وهناك يعلم أنهم يقومون بترحيل المهاجرين دون النظر إلى وضعهم العائلي وظروفهم الشخصية، فزوجة هذا الرجل حصلت على اقامة شرعية، وهي ترعة ابنه، وهي التي سيوكل لها أوكسبال في النهاية رعاية طفليه قبيل رحيله عن الحياة، لكن صديق أوكسبال الشرطي يقول له بوضوح إنه لا يمكنه أن يفعل شيئا في هذه الحالة، أي لا يملك أن يغير من قرار الترحيل.
أجهزة التدفئة الرخيصة التي لا تتوفر فيها ضمانات الأمان التي يشتريها أوكسبال لتدفئة المخرن الذي يتكدس فيه العمال الصينيون، تتسبب في مأساة، عندما يتسرب الغاز منها ليلا، فيقضي 24 صينيا بينهم نساء وأطفال، حتفهم في مشهد مروع. وتتفجر الفضيحة في أجهزة الإعلام عندما تطفو جثث الصينيين فوق سطح البحر، ويتضح أن الرجلين الصينيين اللذين يقوما بتشغيلهم قاما بنقل الجثث وألقيا بها في مياه البحر لإخفاء حقيقة ما وقع.
أوكسبال إذن نموذج مكثف للبريء- المذنب، فهو مسؤول عما آلت إليه الأمور، لكنه أيضا البريء الذي يتحايل لكي يساعد نفسه ويساعد الآخرين على النجاة من هذا الواقع الكابوسي الذي يشده إلى أسفل. إنه الأب الذي يكتشف معنى الأبوة متأخرا، ربما بعد أن توفي والده، ويكتشف أنه أهدر حياته فيما لا ينفع، وأن وناياه الطيبة لا تؤدي دائما إلى الخلاص بل يمكن أن تقود إلى المآسي سواء لنفسه أو للآخرين.
ولعل من مشاكل البناء في الفيلم الافراط كثيرا في التفريعات والتعرجات الدرامية. صحيح أنها تخدم الفكرة، لكنها تنحرف بالفيلم في اتجاهات فرعية بعيدة عن البؤرة الدرامية الأساسية. إننا نرى مثلا، كيف يمتلك أوكسبال، رغم إغراقه في العالم السفلي الواقعي الصرف، قدرة روحية خاصة على محادثة الأرواح والاتصال بها، وكيف يستعين به الكثير من اقاربه ومعارفه لتسكين أرواح أحيائهم قبيل مغادرتهم الحياة وهم على فراش الموت.
ونرى أيضا كيف أنه في غمرة لهاثه من أجل البقاء في الحياة، لا يمانع من بيع قبر والده لشركة تقيم فوقه سوقا تجاريا كبيرا، مقابل الحصول على بعض المال، على أن يقوم بحرق الجثة، رغم ارتباطه الشخصي بوالده الذي توفي حديثا في المكسيك ونقلت جثته إلى اسبانيا.
وهناك أيضا المشهد الطويل الذي يدور في المرقص حيث يذهب للبحث عن شقيقه، والحديث الذي يدور بينه وبين إحدى العاهرات اللاتي يجالسهن شقيقه، وأوكسبال يحدثها عن الموت، وكيف أن نهاية حياته قد اقتربت، في حين تطالبه الفتاة بالرقص وتناول الشراب، دون أن تفهم بالضبط ما يتحدث عنه، وهو من المشاهد الزائدة التي كان من الأفضل التحلص منها.
ولعل أهم ما يبقى في الذاكرة من هذا الفيلم تلك المشاهد الخارجية التسجيلية الطابع التي تصبغ الفيلم بصبغة واقعية وتجعل الشخصية جزءا لا يتجزأ من المكان، من المحيط المتدني، وكأننا نشهد "الجحيم الأرضي" خاصة وأن شخصية أوكسبال تبدو لرجل باحث عن الخلاص، كما أنه يدرك متأخرا أن عليه دينا يتعين تسديده، لولديه أساسا، اللذين يجب أن يترك لهما أكبر مبلغ ممكن من المال قبل أن يودع الحياة.
وشأن افلام إيناريتو الأخرى، ليست هناك مساحة كبيرة للتفاؤل في هذا الفيلم، لكن ليس هناك أيضا فزع من فكرة الموت، فالدنيا التي يصورها لا تغري بالبقاء فيها طويلا، في حين أن الصورة العذبة النقية التي يقدمها في مشهد ما قبل البداية وهو نفسه مشهد النهاية، لعالم ما بعد الموت، تبعث على الإحساس بالراحة والانسجام مع النفس. إنها رؤية الفنان وفلسفته الخاصة تتجسد هنا بأبلغ ما يمكن من خلال الصور واللقطات والموسيقى الحزينة لنغمات البيانو أو الأورج، والإضاءة الشاحبة الداكنة، والأبخرة المتصاعدة في قاع مدينة برشلونة، ولعل المدينة هنا تصبح على نحو ما أيضا، وعاء يحتوي مختلف الأجناس كمعادل للدنيا.
والمؤكد ايضا أن هذا الفيلم ما كان لياتي على هذا النحو من التجسيد المكثف المعبر الموحي بعشرات المشاعر إلا بفضل الأداء التمثيلي المتميز كثيرا، للممثل الاسباني خاييم بارديم في الدور الرئيسي، فهو يحمل الدور بل الفيلم بأسره، على كتفيه، ويتعايش مع الشخصية من الداخل، ويعبر عن الألم البدني المباشر بتعبيرات الوجه وتأوهات الجسد كابلغ ما يكون، ولذا استحق عن دوره هذا جائزة التمثيل في مهرجان كان.
أخيرا، كلمة "بيوتيفول" (أي جميلة ولكن مكتوبة بخطأ في أحد الأحرف) هي في النهاية تعليق ساخر على الحياة في برشلونة.. التي نراها في هذا الفيلم كما لم نرها من قبل.. وهي كلمة تكتبها ابنة اوكسبال وبها الخطأ الإملائي، تعبيرا عن تلك الصورة المقلوبة للواقع.. الصورة الصادمة التي يقدمها لنا الفيلم.

الأحد، 26 سبتمبر، 2010

"جولى وجوليا".. اكتشاف الذات فى مطبخ "أبلة نظيرة"!


بقلم: محمود عبد الشكور


لوأردت رأياً مختصراً فى الفيلم الأمريكى "جولى وجوليا" الذى كتبته "نورا إيفرون" سأقول لك أنه عمل متواضع من الناحية الفنية ، مملّ ويبعث على التثاؤب ، ويشبه الطبخة الرديئة التى تثير الإزعاج من حيث المذاق والنتائج ، ومع ذلك فإن الفيلم يقدم نقاطاً هامة يمكن أن يستفيد منها صنّاع السينما المصرية والعربية لو أرادوا: الدرس الأول هو توظيف موهبة كبارالنجوم لصالح العمل وخاصة الرائعة "ميريل ستريب" التى فاززت عن دورها بالفيلم بجائزة الكرة الذهبية ، كما رُشحت عن دورها (وهو أهم وأفضل ما فى الفيلم) للفوز بجائزتى الأوسكار والبافتا لأفضل ممثلة .
إنها ممثلة استثنائية تستطيع أن تصنع كل شئ ،ويمكنها أن تقدم أىّ شخصية. الدرس الثانى هو فى الجدية الشديدة الت تُصنع بها الأفلام مهما كان مستوى السيناريو . فيلمنا المتواضع مثلاً يدور فى عالم الطهى والوجبات الفرنسية ، وتشاهد فيه أكبر كمية متنوعة من أصناف الطعام ، وأظن أن الفيلم له "مستشارغذائى" مثلما يوجد خبير للمعارك فى الأفلام الحربية! أما الدرس الثالث فهو فى استلهام الأفلام من مصادر متنوعة وتعددة مما يوسع من دائرة الخيال والمعالجات في حين نقتصر نحن على السناريوهات المكتوبة مباشرة للسينما ، أو القليل جداً المأخوذ عن أعمال أدبية ،دون الإلتفات الى كتب التجارب الشخصية ،أو حتى التجارب الخاصة المكتوبة فى شكل مذكرات شخصية.
فيلم "جولى وجوليا" مأخوذ عن كتابين هما :"حياتى فى فرنسا" لمؤلفته "جوليا تشايلد" بالإشتراك مع أحد الكتّاب ، ويتناول هذا الكتاب حياة أشهر مقدمى برامج الطهى فى التليفزيون الأمريكى ، وهى أيضاً مؤلفة أشهر مرجع لإعداد الأكلات الفرنسية لستّ البيت الأمريكية بعنوان "إتقان فن الطهى الفرنسى" ، أى أننا أمام " أبلة نظيرة نقولا" المصرية الرائدة فى مجال فن الطهى ولكن على الطريقة الأمريكية ، أما الكتاب الثانى المأخوذ عنه الفيلم فهو بعنوان "جولى وجوليا" ، ومؤلفته شابة أمريكية لها مدونة شهيرة جداً اسمها "جولى بويل" حاولت من خلالها تنفيذ 524 وجبة طعام فرنسية سجلتها "جوليا" الرائدة فى كتابها القديم بشرط أن يتم تنفيذ هذه الوجبات المتتالية خلال 365 يوماً فقط.
لم تكن المشكلة فى الفكرة ،ولكنها فى المعالجة السينمائية وفى طبيعة الكتابة التى تاه منها الخط الفاصل بين متابعى برامج الطهى ومشاهدى أفلام السينما ..
كانت هناك محاولة طموحة للربط بين الشخصيتين :"جولى" الشابة التى تبدأ مدونتها عام2002 لتنفيذ ما جاء فى الكتاب الشهير للمأكولات الفرنسية ،و"جوليا" التى بدأت عام 1949 فى تعلم الطبخ على الطريقة الفرنسية بتشجيع من زوجها الدبوماسى "بول تشايلد" . من الناحية النظرية الفكرة برّاقة بل ومُلهمة ، ولكن من الناحية العملية بدا الأمر وكأننا أمام فيلمين متقاطعين : أولهما عن حياة سيدة المطبخ العجوز "جوليا تشايلد" (ميريل ستريب) أقوى وأفضل بكثير من كل الوجوه من حكاية الفيلم الثانى عن "جولى بويل" (آمى آدامز) التى تعيش فى "نيويورك" فى عام 2002 . فى كل لحظة نعود فيها الى "جولى" كنا نشعر بالملل الشديد رغم اجتهاد "آمى آدامز" ، ولكن لا مقارنة تقريباً مع حضور "ميريل " الخارق ولمساتها الكاريكاتورية فى أداء شخصية "جوليا"، ولم يكن كافياً على الإطلاق لهذا الربط القول بأن المرأتين متشابهتين فى أمور كثيرة : كلتاهما كانتا سكرتيرتين فى وكالة حكومية ، وكلتاهما عانت من الفراغ ، وكلتاهما تحققتا من خلال المطبخ ، وكلتاهما نجحتا من خلال زوجيهما حيث يلعب "ستانلى توتشى" دور الدبلوماسى "بول تشايلد" زوج "جوليا" ، ويلعب "كريس ماسينا" دور "إيريك" زوج "جولى" التى تعمل فى وكالة لمساعدة أهالى ضحايا 11 سبتمبر.
ظلت حياة "جوليا" هى الأكثر ثراء طوال الوقت ، وكان مثيراً للملل أن نشاهد "جولى بويل" لا تفعل شيئاً تقريباً غير تنفيذ عشرات الأصناف الفرنسية اوالمنقولة من كتاب "جوليا" ، والحقيقة أن كلا الحكايتين لا تخلوان من مشكلات إضافية داخل كل واحدة منهما : الفيلم الذى تلعبه "جوليا" ومعظم أحاثه فى "باريس" سرعان ما امتلأ أيضاً بالحشو والإستطراد والتكرار بتقديم تفصيلات عن رغبة "جوليا" شغل وقت فراغها فى "باريس" ، وفى علاقتها بأختها "دوروثى" التى تزورها فى فرنسا ، ويجون لها عريساً فرنسياً لا علاقة له بموضوعنا ،ثم تتكرر خطابات "جوليا" لصديقتها بالمراسلة "أفيس" ، وندخل فى مشاكل زوجها الدبلوماسى الذى ينتقل الى عدة أماكن من ألمانيا الى فنلندا ، ثم استجوابه أمام لجان الماكارثية الرهيبة فى الخمسينات ، ثم محاولة "جوليا" البحث عن ناشر لكتابها الضخم (أكثر من 700صفحة ووزنه أكثر من كيلو جرام) ، وهناك تفصيلات أخرى عن كفاحها لتعلم فن الطهى وسط الرجال المحترفين ، ومشاكلها مع اثنتين من زميلاتها اللاتى قمن بمشاركتها فى تأليف الكتاب.

على الجانب الآخر الصورة أكثر سوءا ، "جولى" تتابع الطبخ المتكرر من كتاب "جوليا" ، ثم تنشر على مدونتها حكايتها مع كل طبخة سواء نجحت أو فشلت ، وتحكى عن زوجها المحرر فى مجلة للآثار وتصفه بالقديس ، وفى منتصف هذه الثرثرة لجأت كاتبة السيناريو ( وهى أيضا مخرجة الفيلم "نورا إيفرون") الى اختراع مشكلة بين "جولى" وزوجها "إيريك" لمجرد أن يترك المنزل كنوع من تسخين المواقف المكررة والباردة ، والحقيقة أننى لا أعرف لماذا تشاجر "إيريك" مع زوجته الطبّاخة الشابة خاصة أنه صاحب فكرة مدونتها التى حققت لها شهرة واسعة ، كما أننى لم أعرف لماذ عاد الزوج فجأة الى زوجته ، على الأرجح قد يكون اكتشف أنه سيضيع على نفسه فرصة تناول الوجبات اليومية التى تطبخها "جولى" من كتاب "جوليا" .

كان متوقعاً أن تلتقى "جولى" فى النهاية مع "جوليا" فنظفر أخيراً بحوار الأجيال وخلاصة الحكايتين ، ولكن ما حدث فعلاً أن "جوليا" التى كانت فى سن التسعين عام 2002 أثناء نشر مدونة "جولى" عن أصنافها لم ترغب أبداً فى مقابلة الطبّاخة الشابة، بل إنها أدلت بحوار استنكرت فيه مدونة "جولى" ، واعتبرتها استغلالاً تجارياً لكتابها الضخم الصادر فى العام 1961، وهكذا ضاعت الفرصة الأخيرة لكسر الشعور بالملل والتكرار والإحساس التزايد بأننا نشاهد تجميعاً لفقرات فى فن الطهى وليس فيلماً روائياً طويلاً عن أشهر نجمات هذا الفن .
فى التحليل الأخير ، أصبح لدينا فكرة طموحة جداً تصلح لصناعة فيلم جيد عن الرغبة فى التحقق واكتشاف الذات حتى داخل حجرة المطبخ ، ولكن لدينا سيناريو مُفرط فى الطول يشيبه الوجبة الباردة الخالية من المشهيات ومن الملح والطعم ، وقد تساءلت بعد مشاهدة الفيلم لماذا لم يتم صنع فيلم وثائقى عن "جولى" و"جوليا" بدلاً من هذا الحشو والإستطراد . طبعاً لا يجب التقليل من فرصة مشاهدة أداء "ميريل ستريب" ولمساتها فى التعامل مع الشخصية ، ولا التقليل من متعة مشاهدة الوجبات الفرنسية رغم أنها متاحة فى برامج التليفزيون ، ولكن لا يجب أيضاً التقليل من صعوبة احتمال ساعتين من الطبخ المتواصل لأكلات لم نتذوق منها شيئاً ، لنُصبح فى النهاية أمام فيلم عجيب :"ستّات بتُطبُخ ..ورجّالة بتاكل .. واحنا قاعدين نتفرّج"!

الجمعة، 24 سبتمبر، 2010

سينما مغربية.. سينما عربية

تلقيت رسائل كثيرة خلال الفترة الماضية يثني فيها أصحابها على ما أقوم به من جهد، وهو أمر يسعدني بكل تأكيد واشكر بدوري أصحاب هذه الرسائل على ثقتهم الجميلة في شخصي وفي قلمي، لكني أعتذر عن عدم نشر رسائلهم بسبب طابعها الشخصي، وأكتفي فقط بنشر الرسائل التي تثير بعض القضايا العامة التي قد تهم القراء الذين يداومون على التردد على هذه المدونة. من هذه الرسائل أختار هذه الرسالة التي وصلتني أخيرا من الناقد السينمائي الأستاذ حسن وهبي من المغرب تعليقا على الحديث الذي أدليت به لصحيفة "الأمة العربية" الجزائرية اليومية أخيرا. وهذا نص الرسالة.

الصورة: نور الدين الصايل

الأخ أمير العمري

تحية احترام وتقدير

اكتب لك هذه المرة لأشكرك على المجهودات التي تبذلها من اجل الكتابة على مدونتك الجميلة. كما اكتب لك بعد اطلاعي على الحوار الذي أجرته معك "الأمة العربية" الجزائرية ليوم 11 شتنبر 2010 من اضافة بعض المعلومات فقط بخصوص الحالة التي يعيشها المغرب من حيث الانتاج السينمائي وكذا دور المهرجانات السينمائية العربية و بالخصوص المغرب.
فيما يتعلق بالسينما العربية اتفق معكم ان تطورها مرتبط بالارادة السياسية والتي غالبا ما تضع هذا الاهتمام في المرتبة الاخيرة ولا يأتي التنافس الا في سياق التسابق الاعلامي او الاقتصادي والسياسي بحثا عن ارقام لا جدوى من ورائها. لكن الاستثناء موجود بالمغرب الذي اصبح ينتج 15 فيلما في السنة بالرغم من انها لا تحصل على جوائز دولية وان حصلت بعضها على جوائز مهمة.
ان المؤسسة العمومية بالمغرب قررت أن تدعم السينما المغربية بما يكفي من تمويل وفق نظام خاص تنفذه لجنة تتكون من السينمائيين والنقاد والمهنيين والمثقفين تعمل على قراءة السيناريوهات المقدمة للمركز أو التمويل أو التمويل بعد الانتاج. واذا تميزت السينما المغربية بتطورها على مستوى الكتابة السينمائية والتقنية. فهي اليوم تعرف تقدما على أيدي مجموعة من المخرجين الشباب من طينة محمد مفتكر وفيلمه الطويل الاول "البراق" الحاصل عل مجموعة من الجوائز و محمد عهبنسودة صاحب اول تجربة طويلة كذلك "موسم لمشاوشة" ومحمد شريف طريبق .. كلهم شباب حصلوا على جوائز مما ينم عن مجيئ جيل جديد من السينمائيين المغاربة. دون الاستهانة بالرواد وهم ينخرطون في الكتابة السينمائية المتميزة نذكر المخرج داوود أولاد السيد صاحب "في انتظار بازوليني" و جيلالي فرحاتي المبدع الممتد من "شاطئ الاطفال الضائعين" إلى "الذاكرة المعتقلة".
أخي الكريم لا اقصد الدفاع من منطق اقليمي لكن المؤسسة العمومية والتي يقودها السيد نور الدين الصايل مدير المركز السينمائي المغربي قد اعطى دفعة قوية لعجلة الانتاج السينمائي والارقام دليل على ذلك . الا ان مشكل القاعات السينمائية لازال مطروحا بشدة . اذ عندما تغلق قاعة سينمائية يصعب اعادة فتحها من جديد بالرغم من التسهيلات التي تقدمها الدولة لمشاريع القاعات السينمائية . لولا المركبات السينمائية حيث تتجمع قاعات سينمائية في مكان معين وتسمى " ميكاراما" موجودة اليوم اكبر المدن المغربية حيث بإمكان المشاهد اختيار القاعة/ الفيلم الذي يريد مشاهدته و قد قامت كذلك مجموعة أرباب القاعات بإعادة هيكلة قاعاتها مثل قاعة سينما كوليزي بمدينة مراكش . الا أن هذه التجارب الصغيرة والقليلة لا تكفي لسد حاجيات السكان الذين يزدادون بشكل مهول. صحيح ان التجربة جميلة وتستحق كل تقدير لكن مطمح النقاد والمهتمين لازال كبيرا من اجل المزيد من الابداع و المزيد من الانتاج وهي السياسة التي يدافع عنها الناقد والسينمائي نور الدين الصايل منذ كان رئيسا للأندية السينمائية إلى التلفزيون إلى المركز السينمائي ويسير في نفس الاتجاه عدد كبير من النقاد السينمائيين المغاربة .
وبخصوص المهرجانات السينمائية اتفق مع الافكار الواردة في حوارك. الا ان بعض مهرجانات المغرب يمكن الاشارة الى تلك التي تطمح إلى الدولية كمهرجان مراكش وهنا قد تكون ملاحظتك جد صحيحة بخصوص التنافس المهرجاني العربي لكن كن على يقين ان هذا المهرجان والذي تتبعته من بدايته إلى اليوم قد اعطى دفعة جديدة إلى السينما المغربية والانتاج السينمائي بفعل التواصل الذي يحققه اثناء انعقاد دوراته وخلال فقرته التي تتناول الاشكاليات العامة للسينما. وتدفع إلى التكوين السينمائي وخاصة الشباب واليوم يتوجه المهرجان إلى ابداعات الشباب وانتاجات التربوية و التلاميذية.. أما المشاهدة فلا ينكر احد تلك الأفلام الرائعة التي قدمت لنا نحن المشاهدون في دول الجنوب وعلى الشاشة الكبرى واتذكر هنا تلك الأفلام الاسبانية والامريكية الجنوبية والايطالية رغم ما يوجه اليها من انتقاد اليوم.
اما مهرجان السينما الإفريقية و الذي بدأ كملتقى على يد الجامعة الوطنية للأندية السينمائية وهو اليوم يعد من اهم المهرجانات الإفريقية بعد واغادوغو ببوركينا فاسو. اذا لم نقل انه اكبر منافس له. ولعل الندوة التي تناولت موضوع التعاون جنوب/ جنوب قد ابانت عن تجربة المغرب في مجال التعاون مع دول الجنوب بالقارة الافريقية وشهادة السينمائيين الافارقة تدل على الخدمات التي يقدمها المركز السينمائي المغربي للسينمائيين الافارقة كما هو الحال مع السودان ومالي وغيرها ونبه نور الدين الصايل في الندوة اننا لن نعيد انتاج السينمائيين الكبار كعصمان صمبين لهذا علينا الاستمرار بما نتوفر عليه من امكانيات تقنية وابداعية ومالية .
المهرجان هو فرصة للتواصل وتبادل التجارب والخبرات وتشجيع للإنتاج المشترك و الانتاج الوطني كذلك و الكتابة النقدية السينمائية . اليس من حقنا ان نصنع مهرجانات سينمائية اقليمية متميزة تلبي حاجيات القارة او البلد ؟
مودتي حسن وهبي- المغرب

تعليقي على رسالة الأستاذ حسن وهبي كالتالي:
أولا كنت ومازلت، من أكثر الداعمين للأفلام المغربية، ومن اكثر النقاد الذين يكتبون بالعربية اهتماما بنقد وتحليل الافلام المغربية، وهذا أمر معروف ليس في حاجة إلى تذكير، وكان أحدث ما نشرته في مجال نقد الأفلام المغربية هو مقالي المنشور في موقع "الجزيرة الوثائقية" الاسبوع الماضي عن فيلم "كازانيجرا"، فحتى لو فاتني أن أكتب عن الفيلم في حينه أعود إليه ولا أنساها بعد فترة. وفي هذا الإطار أنا لا أهتم لا بالإقليمية، ولا بالمواقف الشخصية الخاصة بالقائم على الدعم الحكومي للأفلام في المغرب، وهو في هذه الحالة السيد نور الدين الصايل مدير المركز السينمائي المغربي. وإن كنت بحكم تكويني وخبرتي في هذا المجال، أميل كثيرا إلى عدم المبالغة في قيمة شخص ما ايأ كان، ولا في إسباغ العظمة والمجد عليه، خصوصا إذا كان مثل الصايل، المعروف بعدائه الشديد للنقاد العرب الذين تعمقوا في فهم السينما وقضاياها على مدى سنوات طويلة، فيما عدا حفنة يقل عددها عن عدد أصابع اليد الواحدة، من أصدقائه الشخصيين الذين يتولون تلميعه في أجهزة الإعلام التي يعملون بها، ولحسن الحظ: لست منهم ولا أريد.
ثانيا: إنه لمن المرحب به بكل تأكيد، أن يكون المغرب الدولة الوحيدة التي تنتج هذا العدد من الأفلام بعد مصر، لكننا لازلنا نأمل أن يتحول ظهور الأفلام في المغرب إلى حركة حقيقية للإنتاج السينمائي، أي في وجود ستديوهات ودور عرض سينمائي متعددة وسوق داخلي يسمح بإعادة تمويل الأفلام المحلية دون حاجة دائمة إلى التمويل الفرنسي، وفي ظل وجود سينمائيين مغاربة مؤهلين للعمل في هذه الافلام في مجالات المونتاج والتصوير والصوت والديكور... وغير ذلك، وهي أركان العمل السينمائي وكلها لاتزال تعتمد على العنصر الأجنبي وخصوصا الفرنسي (وليس العربي بالمناسبة!). وهذا ما كنت أقصده عندما تحدثت عن غياب سينما حقيقية عربية في ظل غياب كل هذه الأركان الأساسية.
ثالثا: حديثي عن المهرجانات السينمائية التي تقام في البلدان العربية يستند على تجربتي الشخصية الطويلة منذ ثلاثين عاما، مع مهرجانات مثل قرطاج والقاهرة ودمشق وتطوان وأبو ظبي ودبي والاسماعيلية وغير ذلك. وكلها تشترك في اهتمامها الكبير بحفلات الافتتاح والختام والبساط الأحمر وما إلى ذلك، لكنها تشترك جميعا (وهذا كلام نشرته أكثر من مرة) في إهمالها التام لتخصيص عروض خاصة للنقاد مثلا، وتنظيم مؤتمرات صحفية أو ندوات حقيقية لمناقشة الأفلام المتسابقة على الاقل، يديرها نقاد لهم وزنهم بما يضفي عليها طابعا ثقافيا حقيقيا يحقق فائدة ومردودا فكريا، وليس مجموعة من مديري الدعاية أو الموظفين في المهرجانات الذين يكتفون بمجرد "تحريك" الأسئلة وكاننا في حصة مدرسية. لكنها أزمة الحرية بالطبع.
من جهة أخرى، لم يسبق لي الذهاب إلى مهرجان مراكش الذي يشيد به الصديق حسن ايما إشادة.. غير أنني أعلم من أصدقاء مقربين لي في المغرب أن مراكش يتعامل مع نفسه على أنه مهرجان فرنسي يقام في أرض مغربية، ولا أعرف كيف يمكن قراءة هذه المقولة. ولأن السيد الصايل المهيمن على شؤون معظم المهرجانات في المغرب بحكم منصبه وقربه من السلطة، هو الذي يتحكم فيمن يحضر أو لا يحضر مثل هذه المهرجانات (ومهرجان خريبكة من بينها) فلم أسعد بالمرور بتجربة مهرجان مراكش أو سواه من مهرجانات السيد صايل الذي كما أشرت، يسعده بكل تأكيد حضور نقاد من فرنسا، ولا يسعده حضور النقاد العرب الذين يفوقون كثيرا نقاد الشانزليزيه، وذلك لأسباب ترجع إلى التكوين الشخصي الخاص جدا للسيد صايل نفسه، وهو أمر معروف للكثيرين في المغرب لا أرغب في الخوض فيه.
أخيرا: إن مواقف السيد صايل وغيره من القائمين على أمر المؤسسات السينمائية العربية متطابقة بالنسبة لي، مثل محمد الأحمد في دمشق، وعلي أبو شادي في مصر، وغيرهما، الذين أصبحوا منذ دهر، موظفين لدى جهاز الدولة، وخرجوا بالتالي من حلبة النقد السينمائي والعمل الثقافي الفكري المستقل. أرجو أن يتقبل الصديق حسن تعليقي هذا بسعة صدره المعهودة، وطبعا، الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية.. كما أرجو.

الثلاثاء، 21 سبتمبر، 2010

"عن الآلهة والبشر": دقائق النسيج التسجيلي وذروة التراجيديا الشاعرية

لاشك أن الفيلم الفرنسي "عن الآلهة والبشر" لجافيه بوفوار، يظل أجمل الأفلام التي عرضت خلال العام الحالي، وأكثرها بقاء في الذاكرة. وقد حصل الفيلم، عن جدارة، على الجائزة الكبرى التي تمنحها لجنة التحكيم الدولية في مهرجان كان السينمائي. فماذا يروي هذا الفيلم، وكيف يصور ما يرويه، وما هي أهميته وعناصر تميزه التي تجعلنا نعتبره أفضل أفلام العام حتى اللحظة التي نكتب فيها؟ يتناول الفيلم في سياق تسجيلي- درامي، وقائع الأسابيع الأخيرة في حياة ثمانية من رهبان دير كاثوليكي على مشارف قرية جبلية بالريف الجزائري، قبل أن تنتهي حياتهم بالموت، بعد أن يختطفهم مسلحون من الجماعة الإسلامية التي كانت تشن هجمات مسلحة على القرى في إطار حربها المشتعلة ضد النظام الحاكم في الجزائر خلال عقد التسعينيات.
وقائع تلك الحادثة التي انتهت، كما هومعروف، بمقتل ستة من الرهبان قتلا، قيل في البداية إنهم قتلوا على أيدي المسلحين الإسلاميين، ثم اتضح فيما بعد، في رواية أخرى، أنهم قتلوا بطريق الخطأ على أيدي قوات الأمن الحكومية أثناء تبادل لإطلاق النار مع المسلحين. وبذلك دفع هؤلاء الرهبان المسالمين حياتهم في إطار الصراع السياسي المحتدم بين طرف يدعي التشبث بالإسلام ويريد إقامة دولة إسلامية حسب تصوره في الجزائر، ولو بالعنف، وطرف يرفض أصلا أي حوار مع ذلك الطرف، ويرغب في تصفيته بالسلاح.
غير أن الفيلم لا يهتم كثيرا بالجانب السياسي في الموضوع، بل يركز أكثر، على الجانب الإنساني، على طبيعة هؤلاء الرجال، كيف استطاعوا البقاء في تلك المنطقة النائية رغم كل ما يتهددهم من مخاطر قد تودي بحياتهم، بل واختاروا البقاء إلى النهاية، حتى بعد أن أصبحوا على يقين من المصير الذي ينتظرهم.. كيف كانت مشاعرهم وما الذي كان يعتمل في أذهانهم في تلك الأسابيع المشحونة بالقلق والتوتر، ولماذا تركوا أنفسهم هكذا كالمنومين، يستسلمون لأقدارهم؟
هذه التساؤلات الصعبة المعقدة، هي ما يشغل بال مخرج الفيلم ومؤلفه، في الوقت نفسه. وهي تُطرح على صعيد فلسفي، دون أن يقدم لها إجابات قاطعة شافية في سياق الفيلم، بل تظل هناك مساحة من "الغموض" بين لقطات الفيلم، وفضاءا متسعا، يتيح للمشاهدين الفرصة للتأمل في معنى الحياة والموت، ومغزى أن تموت من أجل قضية، وعلاقة الفرد مع الله، وهل الموت قدر محتوم لا يملك المرء منه فكاكا، أم أنه اختيار قد ينفع معه "التصويت" على البقاء أو الرحيل، وفي البقاء الموت المؤكد، وكيف يمكن أن يصل المرء إلى تلك الحالة العذبة من الذوبان الروحي في الله، إلى أن يتوحد معه ذلك التوحد الروحاني الجميل الذي يغذي الروح ويقويها ويجعلها تعلو على الجسد، وتتسامى بالإنسان، فلا يعد هناك لديه أي أهمية لفكرة "النجاة" بالجسد، من المصير المنتظر.
هناك تصوير مكثف شبه تسجيلي في البداية، للحياة اليومية لأولئك الرهبان، داخل الدير وخارجه، يتمثل في رصد ملامح العلاقة مع الآخر، أي الجار في تلك القرية الجزائرية التي يرفض شيوخها وحكماؤها التطرف، ويتهمون جماعات العنف المسلح بأنهم خارجون على الإسلام، بعد أن تنكروا لأهم مبادئه، أي السلام. رئيس الدير "كريستيان" رجل يدرس الدين الإسلامي، يستطيع أن يقرأ العربية، وهو أيضا مطلع على القرآن الكريم، يستند إليه وإلى الانجيل في أحاديثه، لأنه يرى الأديان السماوية تكمل بعضها بعضا.
وأحد الرهبان، "لوك" طبيب يشعر بمسؤوليته عن المرضي من سكان القرية الفقراء، الذين يعودونه في تلك العيادة البسيطة التي يديرها لوجه الله، ويستقدم الأدوية لها خصيصا من فرنسا. رئيس الرهبان يشارك أقرانه المسلمين احتفالاتهم الدينية والعائلية، ويشعرون هم تجاهه بالتقدير والعرفان لما يقدمه هو وصحبه، من خدمات للقرية، فالرهبان يمارسون الزراعة أيضا، ويزودون القرية ببعض احتياجاتها من الحبوب.


لكن العلاقة مع السلطة، أي مع مسؤولي الحكم المحلي، ليست على مايرام، فالسلطات التي تنظر بتشكك إلى هؤلاء الفرنسيين بحكم تاريخ العصر الاستعماري، تريد أن تفرض عليهم حماية الجيش، لكنهم يرفضون بإصرار دخول أي عناصر مسلحة إلى الدير. لقد سلموا أنفسهم لله، واعتمدوا على مسالمتهم ورصيدهم لدى الناس زخيرة لهم تحميهم من تقلبات الاوضاع على هذا الجانب أو ذاك، لكنهم رغم ذلك، يتعرضون مرة وأخرى، لزيارة تلو زيارة، غير مستحبة دائما، من قبل مجموعة من المسلحين الإسلاميين طلبا لمساعدتهم الطبية في مداواة الجرحى منهم.
يتدرج الأسلوب السينمائي من الطابع شبه التسجيلي شبه الدرامي، إلى الأسلوب الشاعري الرقيق الذي يجسد تدريجيا طابع "المأساة"، ويتجه الفيلم في مساره لكي يتركز حول فكرة التضحية، والاختيار، والقدر، والاستعانة بالله في مواجهة الشدائد، والقبول بحكمه، وبما ينزله على عباده. الطبيعة في الفيلم جميلة ولكن محايدة، والإنسان يتضرع لكنه أضعف من أن يواجه القدر، وأداة القدر (أي الجماعة المسلحة) لا تملك هي نفسها، أن تفعل شيئا لكبح جماحها، بل تبدو منساقة بفعل دافع أقوى، نحو المقدر لها.
يتجه التركيز في الجزء الثاني من الفيلم أكثر على الداخل، على كيف يواجه كل راهب من الرهبان الثمانية الموقف المحتمل. هناك نوع من التردد في البداية، بل إن أحدهم يبدو أيضا على غير اقتناع بذلك الموقف الذي يراه عبثيا، أي البقاء لاستقبال الموت المحتم في حين أن لديه أسرة تنتظره في فرنسا، ولكنه يذهب لزيارة أسرته ويغيب في رحلة قصيرة، ثم يعود وهو أشد إصرارا على البقاء مع رفاقه حتى النهاية.
حركة الكاميرا بطيئة وطويلة، والإضاءة خافتة كأنها على ضوء الشموع، والإيقاع بطيء وممتد لكي يسمح بالتأمل، والموسيقى تغيب تماما عن الفيلم، يستعين المخرج بديلا لها، بأصوات الآذان، وأصوات زقزقات الطيور في المحيط الذي يقع فيه الدير، وصوت طائرات الهليكوبتر التي تحلق فوق الدير فتسبب النفور الشديد لدى الرهبان، كما يمتليء الفيلم بأصوات التراتيل والأناشيد الدينية الجماعية التي يرددها الرهبان، والصلاة والمناشدة والتضرع إلى الله أن ينقذهم، وفي الليلة الموعودة، أي تلك التي تسبق الحدث المنتظر التراجيدي، يجتمع الرهبان، يتناولون معا العشاء، ويشربون الخمر، في تكوين بديع وكأننا أمام لوحة "العشاء الأخير" الشهيرة لدافنشي، التي تصور المسيح والحواريين قبل أن يذهب المسيح إلى مصيره المنتظر. في هذا المشهد المثير الذي ترتفع فيه المشاعر إلى عنان السماء، تنزل موسيقى باليه "بحيرة البجع" لتشايكوفسكي، وتتحد معها الصورة الشاحبة البديعة بألوانها القاتمة وإضاءتها الخافتة، وألوانها الذهبية البنية، وكأننا أمام إحدى لوحات عصر النهضة.


وفي المشهد الأخير من الفيلم يقع الهجوم المسلح على الدير، ويتم اقتحامه من قبل عناصر الجماعة الإسلامية، ويقتاد أفراد المجموعة المهاجمة ستة من الرهبان إلى أعالي الجبل في حين ينجح اثنان منهم في الاختباء.
ويعد مشهد الصعود المرهق نحو قمة الجبل وسط الضباب، والرهبان مقيدون ومربوطون معا بالأحبال، مشهدا بديعا في تصويره الموحي للمصير الذي ينتظرهم، فمع الصعود تزداد ضبابية الصورة، وتشحب الإضاءة تدريجيا إلى أن يلف الضباب المجموعة فتختفي تماما عند قمة الجبل وينتهي الفيلم دون مشهد واحد لطلقة رصاص، أو لقطع رأس، أو لقتل إنسان والاعتداء عليه. فالفيلم يؤكد، في أكثر من مشهد، وبشكل ربما يعاني قليلا من التكرار، على فكرة أن الإسلام نفسه بريء تماما من التطرف ومن العنف، بل ويصور أفراد الجماعة الإسلامية في صورة شباب متردد، يستجيب في البداية لرئيس الدير في ضرورة إلقاء السلاح قبل دخول الدير، ولا يصورهم في تلك الصورة النمطية المألوفة التي يعرضها الإعلام الغربي عادة لأفراد هذه الجماعات.
ليس هذا فيلما من أفلام الهجاء السياسي، والأحكام الجاهزة، بل عمل فني بليغ يشع بالتسامح، والرغبة في فهم الآخر، إنه فيلم عن الحب، وعن الإيمان الحقيقي بالمعنى المطلق، عندما يصبح أقوى من كل أشكال العنف والقتل وسفك الدماء. وليس عن العنف والكراهية والرفض وانعدام التعايش، فالتعايش قائم بالفعل، تفسده حفنة من المتطرفين المدفوعين بالعقيدة، في حين تلجأ مجموعة أخرى من "العقائديين" للتشبث بالروحاني من أجل الوصول إلى تلك اللحظة التي يتأهب فيها المرء للموت دون وجل أو تردد. هنا تموت الأجساد، ولكن الأرواح تصعد عاليا، طاهرة بريئة متحررة من كل قيود الجسد.
ولعل من أفضل عناصر الفيلم إلى جانب التصوير البديع (للمصورة كارولين شامبتييه التي أدارت تصوير 64 فيلما)، ذلك التمثيل الطبيعي المؤثر الذي تميز فيه بشكل خاص الممثل لامبير ويلسون (هل يصدق أحد أنه هو نفسه أحد أبطال فيلم "ماتريكس") في دور كريستيان رئيس الدير، والممثل الكبير ميشيل لونسدال في دور لوك، وأوليفييه رابوردان، وجاك إيرلان. إن الأداء التمثيلي هنا يرتفع إلى أرقى مدارس التمثيل في العالم، حيث الأداء بالهمسة واللمسة والحركة والإيماءة، والتحكم في عضلات الوجه، وفي نغمة الصوت، والاندماج الكامل في الفكرة، فكرة التسامي والاعتماد على اليقين الديني لتحقيق راحة النفس.. أليس هذا هو ما نسعى جميعا إلى الوصول إليه؟!
((جميع حقوق النشر محفوظة ويحظر إعادة نشر أي مادة بأي صورة من الصور، دون اذن مسبق مكتوب من ناشر المدونة))

الخميس، 16 سبتمبر، 2010

البحث عن متعة المشاهدة

من فيلم "طيور" لفولجاريس

بقلم: محمد هاشم عبد السلام
((يسعدني أن أستضيف في هذا الفضاء المتواضع الناقد والروائي الصديق محمد هاشم عبد السلام، في هذه المقالة البديعة التي تعبر عن فكر ورؤية ثاقبة فيما يتعلق بالمؤثرات والتاثيرات المتعلقة بموضوع "الفرجة" في عالمنا في الوقت الجاري، وصولا إلى الدور الآخر للتليفزيون في عالم مختلف، في تعميق المشاهدة المتأنية الواعية للسينما)).


قبل سنوات بعيدة كانت لي زاوية ثابتة متخصصة في عروض الكتب بمجلة "أحوال" الإماراتية، ومن بين الكتب التي قدمت لها في هذه الزواية كتاب "التليفزيون وآليات التلاعب بالعقول" للمفكر وعالم الاجتماع الفرنسي الشهير "بيير بورديو" (1930 – 2002). ولفرط إعجابي الشديد حتى اليوم بهذا الكتاب المتميز، رغم صغر حجمه، أعدت الكتابة عنه بشكل موسع في مجلة "تليفزيون الخليج"، التي تصدر عن دول مجلس التعاون الخليجي.
يركّز بورديو في هذا الكتاب الشيق وبطريقة مباشرة وحادة بعض الشيء، على الدور الذي تقوم به وسائل الإعلام الحديثة، وفي القلب منها ذلك الجهاز الضخم الذي يسمى التليفزيون، وما تمارسه هذه الوسائل من "تلاعب وتأثير" في عقول الناس. ويبين كيف تقوم هذه الوسائل، خاصة الصحف والتليفزيون، بتشكيل الأفكار والوعي العام، وكيف تعمل آليات توجيه وتشكيل الوعي والرأي العام، ومن الذي يقوم بالتحكم في تنظيم وتوجيه أو إدارة هذه الآليات؟ وكيف أن الصحافة، وبعدها التليفزيون، كان الهدف الأساسي منهما خلق أداة تنوير وتثقيف وتغيير للوعي والواقع لما هو أفضل، أو على الأقل القيام بعملية "إخبار" حقيقية صادقة لكل ما يجري وفي حيادية تامة، وكيف أنها غدت بفعل هيمنة قوى المال ونخب المصالح أداة تمرير لما يتطلبه السوق وعلاقات الربح من حيل إعلانية واستعراضات باذخة وباهتة المضمون، وإلى أي مدى ساهمت في عزوف الناس عن السياسة والثقافة الجادة، وتعميم قيم الاستهلاك والسلبية والامتثالية.
من بين الأمور العديدة التي تعرض لها بودريو في هذا الكتاب تلك الخلفية التي تراها أعيننا على الشاشات الزائفة أمامنا، وقدم لنا في ذلك نموذج شديد الرواج وهو البرامج الحوارية أو "التوك شو"، وراح يفندها بدقة وبعين خبير متفحص، بدءًا من تركيب البلاتوه مرورًا بنبرات المذيع والضيوف المتحدثين من كلا الجانبين وانتهاء بالصراعات والمناقشات الحادة المفتعلة فيما بينهم، وفرض نمط التفكير السريع، وتقديم الندوات الزائفة، وانتقاء الأسئلة وعدم إعطاء الحق في الكلام لمن يملك أفكارًا جديدة أو جيدة، وكيف يجري الضغط على هؤلاء ومنحهم الحق في وقت غير ملائم. إلى آخر كل هذه التنويعات التي هي من أدوات التلاعب بعقول المشاهدين وتغيير وعيهم وممارسة الرقابة عليهم في نفس الوقت، ودفعهم إلى التفكير في أمور بعينها وفي اتجاه معين، وبالتالي بناء نمط معين قائم على هذا التوجيه الخفي.
وقبل فترة قصيرة، أثارت مقالة كتبها الصديق العزيز الناقد أمير العمري عن الفرجة وآليات المشاهدة التليفزيونية الكثير من المواجع والشجون عندي، ودفعتني كلماته الهامة عن طقس الفرجة، كما يسميه، وما يخلقه في المتلقي من إيجابية أو سلبية إلى المقارنة بين ما قرأته بين دفتي كتاب بورديو، وتجربتي الشخصية مع طقس آخر مغاير من أنواع المشاهدة وجدت نفسي مدفوعًا إليه رغمًا عني ومجبرًا عليه، لكن نوعية الإجبار هنا كانت مختلفة تمامًا عن تلك التي تعرض لها وفندها بورديو في كتابه وأكد عليها الصديق أمير العمري في مقالته، فنوعية الإجبار هنا دفعت إليها عن طيب خاطر وبحب بالغ وإقبال كان له ما يبرره في نظري آنذاك. وأود قبل أعرض لتلك التجربة أن أوضح أنني لن أتحدث هنا معلقًا عن دور الدراما والمسلسلات وتجربة مشاهدتها أو عن البرامج الحوارية وغيرها من البرامج أو الأمور تعج بها محطاتنا الفضائية ليل نهار دون تحقيق فائدة من أي نوع، فكلامي سيعمل على توسيع نطاق زواية الرؤية أكثر بعض الشيء للمقارنة بين حال القمر المصري بقنواته التي قاربت السبعمئة قناة (أربعين مليون متابع في الوطن العربي وفقًا لإحصائيات هذا العام 2010) وقمر واحد فحسب هو القمر الأوروبي "الهوتبيرد"، وتجربتي التي لا تنسى معه.

من فيلم "ستالكر" لتاركوفسكي
قبل عدة سنوات، من باب مواكبة العصر، فكرت في تركيب جهاز ستالايت عندي بالمنزل لمتابعة ما يتردد على مسمعي من أسماء محطات مختلفة دون أن أدري عنها أي شيء، ومن دون وعي مسبق صممت على ضرورة تزويد الطبق بلاقط للقنوات الأوروبية أولا إلى جانب آخر للقمر المصري، ورغم الصعوبة التي واجهتني في هذا الأمر، إلا أنني رجحت الاستغناء عن الفكرة برمتها لو فشلت في تركيب لاقط القمر الأوروبي، وبعد فترة أتضح أنني كنت على حق في هذا، وتدريجيًا، ربما بعد أسبوع أو أقل، تناسيت أمر القمر المصري تمامًا، ووجدتني أغرق وسط طوفان من القنوات الفضائية الأوروبية أحاولا لاهثًا، دون فائدة، مجاراة ما تقدمه على مدار ساعات اليوم من مواد إخبارية وسينمائية وبرامج وأغاني وغيرها الكثير مما لا تمله العين أو تتأذى له الأذن.
وبعد فترة ليست بالقصيرة صرت محترفًا فيما يتعلق بأمر قنوات القمر الأوروبي، فرحت أستغني تمامًا عن كل ما ليس لي به علاقة، وأركز فقط على عشرات، أؤكد عشرات، القنوات، التي تأكدت أنها تستحق المتابعة وتخصيص الجهد والوقت خلال ساعات اليوم. وبعد أن كان الأمر في البداية خاصعًا للصدفة البحتة والانتقال العشوائي بين قناة وأخرى لمحاولة ملاحقة ما تبثه، أفلحت بعد ذلك في منهجة عملية الفرجة بشكل تخطيطي صارم وفقًا لتوقيتات البلدان وما تبثه كل قناة.
سأقصر حديثي هنا على محطة أو محطتين تحديدًا لأن المقام لا يتسع لذكر أسماء أو مميزات كل محطة من المحطات على حدة. في البداية وعلى رأس كل هذه المحطات وجدتني مشدودًا إلى المحطة العملاقة "آرتى" الفرنسية الألمانية المتميزة، بكل ما تقدمه بالفرنسية وأحيانًا الألمانية، رغم معرفتي القليلة باللغتين، لكل ما هو فني راقي، من برامج سواء حوارية أو غيرها (ضاربًا بكلام بورديو عرض الحائط) أو متابعات لمهرجانات أو أحداث فنية أو عروض ريبورتاجات فنية ومتحفية إلخ، إلى جانب بالطبع الوجبة السينمائية اليومية، ناهيك عن وجبة أخرى كانت تخصصها القناة كل أسبوع لعرض مجموعة أفلام لمخرج بعينه، فهذا الأسبوع أسبوع تاركوفسكي، أو كوبولا أو بولانسكي أو لانج، على سبيل المثال، وكانت هذه القناة تتميز بميزة محببة عندي للغاية دون سائر القنوات، (للأسف تخلت عنها الآن بعض الشيء) تتمثل في عدم دبلجتها لأي حوار لأي فيلم تقدمه، فقط تضع الترجمة الفرنسية بخط صغير أسفل الشاشة وينتهى الأمر عند هذا الحد، إلى جانب انتفاء أي نوع من أنواع القطع ولو اللحظي لأحداث الفيلم من أجل فاصل إعلاني أو إخباري أو غيره من الأمور حتى لو انقلب العالم رأسًا على عقب، إضافة إلى ميزة أخرى لم أرها في أي محطة أخرى تتمثل في عدم إظهار شعار أو اسم المحطة في أي ركن من أركان الشاشة، لتلافي إزعاج المتفرج أو تشتيت انتباهه أو إفساد صورة الفيلم المعروض لمن يهون تسجيل الأفلام، فاحترام المشاهد والمادة المقدمة، والفنان الذي أبدعها يأتي أولا وقبل كل شيء عندهم، وإن كان الفيلم المعروض تصل مدة عرضه إلى ثلاث ساعات، على سبيل المثال، كنت أجلس الثلاث ساعات كاملة وأنا على يقين تام من أن الفيلم لن يقطع أبدًا أو يتخلله فاصل إعلاني أو استراحة حتى ينتهي تمامًا، وأقصد بينتهي تمامًا، ليس مجرد ظهور كلمة النهاية، إن كانت موجودة، بل انتهاء التترات النهائية كلية، خلافًا لما يحدث عندنا من حذف حتى لاسم المخرج بعد انتهاء الفيلم.
ليس هناك أدنى شك في أن الحديث عن كل قناة من هذه القنوات على حدة قد يستغرق العديد من الصفحات التي يجب تخصيصها لكل محطة وما تقدمه، كما ذكرت من قبل، فثمة الكثير برأيي يستحق الإشادة أو على الأقل مجرد الإتيان على ذكر اسم المحطة كنوع من أنواع الدين الذين أنا مدين به لهذه المحطات التي لولاها لما شاهدت الكثير من الروائع الفنية والتسجيلية والسينمائية الطويلة. ولولا، على سبيل المثال، المحطة المجرية الرسمية، لما تمكنت من مشاهدة أعمال المخرج المجري اشتيفان سابو، أو ميكلوش يانتشو أو زولتان فابري، أو البرامج التسجيلية أو الحوارية المعدة عنهم وعن غيرهم. والشيء نفسه ينطبق على المحطات الإيطالية، "الراي" تحديدًا، وهذا الكم الهائل من الأفلام الإيطالية القديمة والحديثة وغيرها من الأفلام الأجنبية الأخرى، التي تبث على مدار الساعات على كافة محطاتها، وعلى الرغم من الداء الفظيع لدى الإيطاليين حيث الولع بدبلجة كل شيء وكذلك قطعهم الإعلاني على الأقل مرة في منتصف الفيلم، إلا إنني لا أنكر أبدًا أنني شاهدت الكثير جدًا من المواد السينمائية والتسجيلية النادرة على هذه المحطات، بما في ذلك المحطات الإيطالية التعليمية أيضًا.

من فيلم "المروج الباكية" لأنجلوبولوس

من بين الأمور الكثيرة التي استوقفتني وقتها أثناء فترة متابعتي لتلك المحطات، ملاحظة أدهشتني للغاية، فمعظم المحطات التي كنت أتابعها كانت عبارة عن محطات حكومية مملوكة لبلدانها، ربما باستثناء "الآرتى"، أو "الميزو" (تلك المحطة الموسيقية المرعبة في فرادتها وتخصصها) إن لم تخني الذاكرة، فهناك أكثر من محطة ألمانية، ومجرية، ورومانية، وسلوفينية، وسويسرية، وبولندية وإسبانية إلخ، ليست سوى القنوات الأولى أو الثانية بتليفزيونات بلدانها، وهو أمر يدعو بالفعل إلى الحسرة عند مجرد التفكير فيه وتأمله. وما فاق وغطى على كل هذا، من وجهة نظري، كان قناة البرلمان اليوناني، تلك المحطة التي لا يتجاوز عدد ساعات إرسالها عشر ساعات أو يزيد قليلا مقسمة على مدار اليوم، وهي بالفعل قناة خاصة تابعة للبرلمان اليوناني، تذيع جلسات مجلس الشعب أو الشوري، لا أعرف بالضبط، اليوناني صباحًا لمدة ساعتين أو ثلاثة ثم تغلق تاركة إياك تستمتع بعزف خلفي لأروع الموسيقات الكلاسيكية، وتفتح مرة أخرى بعدة فترة لا تتجاوز الساعتين، لتذيع الكثير مما لم تشهده عيناي من قبل، ثم تغلق عند منتصف الليل، تاركة لك حرية الاستماع إلى ما تبثه من قطع من أروع الموسيقات الكلاسيكية على خلفية تعرض برامج اليوم التالي.
كانت هذه المحطة التي أجهل اسمها باليونانية أو حتى معناه (تليفزيون....) "ΒΟΥΛΗ-ΤΗΛΕΟΡΑΣΗ"، متخصصة فقط في كل ما هو فني، لا وجود لمذيعين أو مذيعات أو إعلانات أو غيرها من هذه الأمور، باستثناء نشرة أخبار مقتضبة لا تتجاوز الخمس دقائق. كانت تفتتح ساعاتها الفنية بفيلم تسجيلي عن ممثل أو مخرج أو مغني أو فرقة موسيقية معروفة أو مدرسة من المدارس الفنية إلخ، ثم تسجيلي آخر في كافة حقول المعرفة، وكان أغلبها من إنتاج البي بي سي أو القناة الرابعة البريطانية أو مما كانت تبثه محطتي الناشيونال جيوجرافيك أو الأنيمال بلانيت، ثم بعد ذلك فيلم السهرة. وفيلم السهرة لم يكن يختار هكذا هباء، بل وفقًا لبرنامج معد سلفًا طوال الأسبوع، باستثناء يومي السبت والأحد، يوم للمسرح، وآخر للبالية أو الأوبرا، وبقية أيام الأسبوع الخمسة لمخرج سينمائي واحد فقط تعرض له مختارات من أعماله الفنية. كانت هذه القناة تتمتع بنوع من الفاشية محبب جدًا لنفسي، فلم يكن هناك أي فيلم هوليوودي أو بوليوودي أو ترفيهي دون المستوى يعرض بها على الإطلاق، ولم أشاهد بها أية أفلام أمريكية اللهم إلا أفلام كازافيتش أو جارموش أو لينش فقط، وهذا معناه أن كل ما هو دون المستوى حتى وإن كان جميلا حائزًا على الأوسكار أو غيرها من الجوائز المهرجانية لم يكن له أي مكان بها، لدرجة أن أفلام الويسترن المحترمة كالتالي لسيرجوليوني العظيم لم تكن تعرض هناك، وربما مرد ذلك للمساحة الزمنية التي لم تكن تتسع لنوع آخر أو عينة أخرى من المخرجين ليس إلا، فمن يترك أفلام تاركوفسكي وبيلا تار وفيلليني ودراير وأنطونيوني وكيشلوفسكي وبرجمان وبازوليني وغيرهم من القمم ليعرض لمن هم أدنى منهم مكانة، فالمجال هناك وكذلك الذوق الفني الصارم في الانتقاء لا يتسع لآخرين ليسوا من طينة هؤلاء على الإطلاق. وبفضل هذه القناة شاهدت هناك العديد من أفلام هؤلاء لم يسبق لي مشاهدتها أو أعدت مشاهدت بعضها أو تعرفت على بعضهم وعلى أفلامهم لأول مرة، كوباياشي ومينزل وفايدا إلخ. وبالرغم من هذا كنت أراهن دائمًا على أنهم لن يصمدوا كثيرًا أمام طوفان الأفلام الأخرى والمخرجين الآخرين، لكنهم ظلوا عند حسن ظني الفني بهم وأخسروني الرهان، ولم يتنازلوا قيد أنملة عن خياراتهم الفنية الصارمة، وهي صارمة بحق، فهم عندما يختاروا على سبيل المثال عرض أسبوع لفيلليني، كانوا يختاروا أهم ما أنجز فيلليني أو بونويل أو ساورا أو غيرهم، أن أي الاختيار لم يكن اختيارًا عشوائيًا على الإطلاق، وكم كان هذا ولا يزال يثير في نفسي الدهشة، فكيف لمجموعة من القائمين على محطة ليست بالمتخصصة، سياسية بالأساس، يتوفر لديهم مثل هذا القدر الجميل من الذائقة الفنية الرفيعة في كل ما يقدمونه حتى على مستوى المادة الوثائقية؟ ولا أنسى بالطبع أنهم في بعض الأحيان، وفي يوم بمنتصف الأسبوع على وجه التحديد كانوا يعرضون بدلا من الأفلام التسجيلية فيلمًا يونانيًا لأحد مخرجيهم، وكان هذا الرافد في غاية الأهمية بالنسبة لي، لأقف على السينما اليونانية ومخرجيها ومدارسها، وأشاهد من هم غير كاكويانس وزورباه، لأدهش على سبيل المثال بمخرجين رائعين كفولجاريس، وكوندوروس، ناهيك، بالطبع، عن الرائد الكبير أنجلوبولوس.

من فيلم "ماما روما"


رسخت عندي هذه المحطة، وغيرها من المحطات التي تعرض أكثر من عمل لمخرج بعينه، خاصية غاية في التميز، في رأيي، وكانت لتلك الخاصية بذورها في غيرها من المجالات الفنية الأخرى التي أهتم بها، إلا أن هذه البذور صارت مع الوقت تترسخ وتتجذر وتتعمق، وبت أطبقها بحزم على كافة المجالات الفنية لفائدتها العميقة، وتلك الخاصية التي بت أنتهجها تتمثل في التعامل مع أي مخرج أو فنان أو كاتب إلخ بصورة إجمالية متدرجة، بمعنى، ألا أتحدث عن مخرج أو فنان أو كاتب أو موسيقي دون معرفتي الإجمالية بكافة أعماله، والمعرفة هنا لا تعني فقط مجرد حفظ أو ترديد أسماء الأعمال. أما التدرج، فأقصد به قراءة أو مشاهدة أو سماع أعمال هذا الكاتب أو المخرج أو الموسيقي منذ بداياته الأولى وحتى آخر ما أعماله الإبداعية. فقد اكتشفت أن هذا لا يجعلك على إلمام بمجمل أعمال هذا المبدع فحسب، بل أيضًا يجعلك تقف على الصعود أو الهبوط، الثبات أو الانقلاب في المستوى الفني الذي مرّ أو مرت به أعمال هذا المبدع على مدار حياته، وبالتالي تكوين صورة كاملة وشاملة عنه تجعلك في النهاية تستطيع الكتابة أو الحكم بمنطق فني وحياد على أعماله أو مستواه، دون التأثر بما قد يكتبه البعض أو تكوين رأي بناء على عمل قد يكون هو الأقوى أو الأضعف بين تسلسل أعماله الإبداعية.

من فيلم "قنال" لأندريه فايدا


ذكرت في مطلع هذا المقال أن ثمة نوع من المشاهدة أجبرني إجبارًا على أو اضطرني إلى أن أعيد النظر فيما ذكره بورديو، وكذلك إعادة ترتيب نظام حياتي وتشكيله وفقًا لما تمليه عليّ مقتضيات هذه المشاهدة وبقدر ما لها من أهمية أيضًا، فثمن نوع من المشاهدة تدفعك بالفعل إلى هذا وبالتالي ليست كل مشاهدة سلبية وامتثالية بالضرورة، تسلب الإنسان ملكاته وقدراته وقواة العقلية، لأن هناك مشاهدة قد تدفعك في أحيان كثيرة إلى أن تطأ قدمك مناطق ليس لك أي عهد سابق بها، أو لم يكن يخطر ببالك مجرد التفكير فيها، على الأقل هذا ما حدث معي. فعندما، على سبيل المثال، أتذكر الآن كيف أنني كنت أبحث لاهثًا عن محاولا إماطة اللثام عن أمر اللغة اليونانية ومعرفة أبجديتها بل وحتى تعلمها من أجل قناة البرلمان اليوناني هذه، أجدني أبتسم من غرابة التجربة، وأسعد بما حققته فيها وما دفعتني إليه.
في البداية كانت قد واجهتني صعوبة بالغة في متابعة المواعيد المختلف وأحيانًا المتضاربة لما تبثه هذه المحطات من مادة بغية متابعتها أو تسجيلها والاحتفاظ بها، فرحت قبل أي شيء، بعدما فاتني أكثر من فيلم ومادة هامة، أبحث في الانترنت عن توقيتات البلدان المختلفة، إلى أن اهتديت إلى برنامج صغير تدخل به اسم البلد ليذكر لك التوقيت بالضبط وفقًا لتوقيت بلدك، وبذلك استطعت أن أحل أول مشكلة واجهتني مع توقيت المحطات. وكانت المشكلة الثانية تتمثل في رغبتي في أن أعرف مسبقًا ما ستبثه كل محطة وتوقيت بثه حتى لا أظل تحت رحمة الانتقال من محطة إلى أخرى أو أن يفوتني بداية فيلم أو برنامج يفسد علي متعة المشاهدة أو التسجيل، فلجأت إلى الانترنت مرة أخرى، وهالني ما وجدته هناك، كل محطة من هذه المحطات تضع لن أقول برامجها الأسبوعية فحسب، بل نصف الشهرية وأحيانًا الشهرية أيضًا، وبالكامل، منذ أن تبدأ المحطة الإرسال وحتى الختام، وبتوقيت صارم لا مجال للتهريج فيه، وهناك مواقع توفر عليك كل هذا العناء، فموقع قنوات "التي في سانك" الفرنسية، على سبيل المثال، بمحطاتها الثلاث، بمجرد أن تختار المحطة يظهر لك منطقتك الجغرافية لتختار بلدك ويرتب لك جداول العرض وفقًا لتاريخ بلدك الذي اخترته، وإن كنت تبحث عن فيلم ضمن جدول البرامج فستجد كل ما يخص الفيلم، الحبكة، تاريخ الإنتاج، الممثلين الجوائز، صور، وأحيانًا دقيقة من الفيلم لتستعرضها.
لكن في مواقع أخرى واجهتني مشكلة مختلفة، فأنا لا أعرف البولندية أو المجرية أو الرومانية أو الإسبانية أو الأرمينية إلخ، فماذا أفعل لأعرف عنوان الفيلم أو اسم مخرجه؟ ومن هنا، رحت أبحث في جميع اللغات التي أحتاجها عن كلمة إخراج، لأنهم جميعًا كانوا يكتبون اسم الفيلم المعروض وتوقيت العرض ومدة الفيلم ثم اسم المخرج، فتعلمت الأحرف التي تكتب بها هذه الكلمة بعدة لغات، وكنت أقف عندها في الجداول وعندما أجد كلمة إخراج يليها اسم المخرج، وفي أحيان كثيرة كان من السهل علي قراءته أو تخمينه والتعرف عليه، كنت أسجل يوم العرض والتوقيت وزمن الفيلم، وأذهب لصفحة المخرج أو الفيلم على قاعدة البيانات بالإنترنت لتكوين فكرة مسبقة عن الفيلم والقصة والأبطال إلخ (فالفيلم، في أغلب الأحيان، إما مدبلج أو ناطق بلغة أجنبية وعليه ترجمة أجهلها، ناطق بالروسية وعليه ترجمة بولندية، مثلا). وبعد الانتهاء من كافة المحطات كنت أنتقل إلى مرحلة أخرى تتمثل في محاولة التوفيق بين هذه المحطات، والحرص على عدم حدوث تداخل فيما بينها، وإن حدث، فكنت أبدّي فيلمًا عن آخر، أو أترك المهم من أجل الأهم، أو الفيلم الذي سيعاد في يوم وتوقيت آخر واستعيض عنه بما لن يعاد أو يعرض على أي محطة خلال الشهر، وهكذا أستطعت حل جميع المشاكل التي واجهتني من أجل مشاهدة محببة دفعتني لبذل ما لا أطيقه في سبيل الفوز بما أحب، لكن الأمر كان غير ذلك بالمرة فيما يتعلق بالقناة اليونانية الأثيرة عندي حتى اليوم، فموقع المحطة الثانوي، داخل موقع البرلمان اليوناني، كان باللغة اليونانية ولا يزال حتى يومنا هذا، وبالتالي لن يفلح معه تعلمي لكلمة إخراج من أجل إماطة اللثام أو معرفة أي شيء عن صاحب الفيلم، ناهيك باسم الفيلم أو أي شيء آخر مكتوب عنه، فقط مدة عرض الفيلم وتوقيت العرض المكتوبين بأرقام هندية هما الواضحين والمعروفين لي وسط هذا الركام من الأحرف اليونانية.

المخرج اياباني مازاكي كوباياشي

لا أعرف كيف لم أفلح في العثور على كتاب واحد لتعليم اللغة اليونانية وقتها، رغم مصادفتي بعد ذلك لأكثر من كتاب في هذا الشأن، تعجبت من هذا وقتها، لكن حبي لهذه المحطة وفرادة ما تقدمه دفعني مرة أخرى للبحث في الإنترنت عن مواقع لتعليم اللغة اليونانية، وبالفعل وجدت موقعًا وضع الأحرف اليونانية القديمة إلى جوار الحديثة إلى جوار المقابل اللاتيني لها، وبذلك استطعت على الأقل أن أقرأ الحروف اليونانية مفردة وأعرف المقابل اللاتيني لها، هذا رسم حرف كذا وهذا رسم حرف كذا، وحفظت الأبجدية اليونانية عن ظهر قلب، مع جهلي بالنطق الصوتي للحروف، ولم يكن هذا مهمًا على الإطلاق بالنسبة لي. بعد ذلك، رحت كمن يفك طلاسم حجر رشيد أطبع جميع برامج القناة من الموقع، وأحاول ترجمة الأحرف اليونانية حرفًا حرفًا بأحرف لاتينية، على أمل أن تسفر الكلمة المترجمة عن اسم قد يشبه اسم مخرج أعرفه أو التكهن بفيلم أتذكره، لأنني قررت في البداية التركيز على الأفلام، وترك أمر الأفلام التسجيلية والوثائقية مؤقتًا، لأقف على الأقل في البداية على الأيام التي كانت تعرض فيها الأفلام، لأنني وقتها لم أكن أعرف باليونانية كلمة بالية أو أوبرا أو مسرحية أو فيلم، إلى أن اهتديت في النهاية إلى معرفة ترتيب العرض الذي تسير به القناة. بالطبع، أخطأت كثيرًا جدًا في البداية، فترجمتي لاسم برجمان على سبيل المثال تسفر عن اسم المخرج باراجانوف، فيلليني يتضح أنه بنيني إلخ، لكن كل هذا كان باعثًا على السعادة بالنسبة لي لأنني كنت على يقين تام في النهاية أنني حتى لو أخطأت في قراءة اسم المخرج أو اسم الفيلم فسوف أستمتع بما سيقدم، لأن من خلفه شيء كبير يدعى، الذوق، الذوق الرفيع في تقديم مادة فنية جميلة راقية ترقتي بالمشاهد وفكره وتحترم وقته وجلوسه مختارًا هذه المحطة بالذات. ومن نافل القول، بالطبع، إن هذا الذوق لا يأتي من فراغ.
وعندما أعود بذاكرتي الآن إلى تلك الفترة غير البعيدة، لا أجدني أتذكر محطة من تلك المحطات لم أشاهد بها ما هو "جديد" أو "فريد"، حتى ولو كانت المحطة غير متخصصة أو ترفيهية، والجديد هو ما لم أشاهده من قبل من مواد عرضت بهذه المحطات، والفريد أقصد به تلك المواد التي أبحث عنها في الإنترنت أو على هيئة اسطوانات ولا أجدها حتى اليوم، فأسعد لأنني واتتني فرصة تسجيلها أو على الأقل الاستمتاع بمشاهدتها. وغني عن القول أن كل ما شاهدته من مواد، حتى من زمن الأفلام الصامتة، مطلع القرن الفائت، كان في غاية النقاء والصفاء والوضوح، لا أتذكر أنني شاهدت مادة فيلمية تسجيلية أو وثائقية أو روائية كانت بها عيوب من أي نوع، فلا وجود لبقع أو دوائر أو خطوط تظهر في المادة بين الحين والآخر أو عيوب في الصوت أو الألوان إلخ. كما أتذكر جيدًا أن أغلب المحطات، كانت تتسابق في أيام احتفالات بأعياد الميلاد ورأس السنة بعرض جديدها، ولا أقصد بجديدها تلك المواد الفيلمية المعروضة حديثًا في السينمات أو المخصصة حصريًا لتلك المحطات، بل أقصد التفنن في تقديم كل ما هو قديم جديد، إن جاز التعبير، فثمة أفلام لشابلن على سبيل المثال أو مقاطع من أفلامه لم أشاهدها من قبل حتى يومنا هذا ولا أجدها على الإنترنت أيضًا، شاهدتها في غير محطة، لوريل وهاردي مثلا، شاهدت لهما الكثير مما لم أشاهده من قبل، وأحيانًا ما شاهدته بالأبيض والأسود أيام الطفولة كنت أجده ملونًا، كما أن جدتها تدل على أنها خارجة من معامل الطباعة لتوها، وبالفعل كنت أستشعر بهجة العام الجديد والاحتفال الحقيقي مع هذه المحطات لما كانت تقدمه من مواد نادرة، أدرك جيدًا أن أموالا طائلة دفعت فيها مقابل ترميمها أو طباعتها أو تلوينها أو العثور عليها وإخراجها من الأرشيفات السينمائية.

باتيليس فولجاريس

أحببت أن آتي هنا على ذكر تجربتي الخاصة مع نوع من المشاهدة ليس لمجرد الذكر فحسب، بل للتدليل على أن ثمة نوعية من المشاهدة قد تدفع بالمشاهد إلى محاولة البحث أو التعلم أو ترتيب الوقت أو بذل الجهد من أجل المتابعة والتفاعل مع ما يحب. بالطبع أعرف جيدًا وأدرك تمامًا أن هناك محطات لا حصر لها، ربما تتجاوز الألف بالقمر الأوروبي، مخصصة لكل ما هو رياضي وسياسي ودعائي وتهريجي وغيرها من الأمور، لكن الفارق بين هذا وذاك أن كل شيء متاح، من يريد المسلسلات أو البرامج الترفيهية أو الحوارية أو السياسية أو المسابقات أو غيرها سيجد، من يرغب في جرعة متكاملة خفيفة من كل هذا سيجد، ومن يبحث عن جرعة ثقيلة متخصصة غاية في التخصص، أيضًا سيجد، ولذلك، وبعد إقدامي على هذه التجربة، يمكنني القول إن بورديو جانبه الإنصاف بعض الشيء في عرض الصورة كاملة فيما يتعلق بما تهدف إليه هذه المحطات من هدم وتخريب وتلاعب بالعقول، (كنت وقتها أقول في نفسي، ربما كان بورديو يقصد قنواتنا نحن بكلامه القاسي هذا، وأجدني أتساءل ماذا لو تابع أو شاهد بورديو مجرد مشاهدة حفنة من قنواتنا؟ أية مجلدات كان سيكتبها هذا المفكر؟!)، والدليل على ذلك بعض القنوات التي ذكرتها وغيرها مما نسيت ذكره، فمثلا، هل تهدف المحطة التي تحمل اسم "المؤلف"، التي لا تعرض إلا الأفلام الخاصة بالمخرجين الذين ينتمون إلى هذا النوع من السينما المعروف بـ "سينما المؤلف"، إلى تخريب العقول والتلاعب بها أو إفساد الأذواق؟ سؤال أجدني مضطرًا لطرحه وإمعان النظر فيه.
في الختام أحب أن أوضح أنني لا أدعو من وراء هذه الكتابة إلى نوع من المقارنة بين هذا وذاك، أي، بين ما نقدمه وكيف نقدمه وبين ما يقدمونه، ليس لأن المقارنة ستكون ظالمة ومجحفة من وجهة نظر البعض، وإنما لانتفاء أي مجال للمقارنة من الأساس، فشتان بين ما يدفعك للبحث والاستمتاع وإعمال العقل لأنه يحترمك ويقدرك كمتفرج، وبين من يدفعك إلى الكسل والخمول والغباء، لأنك بالنسبة له لست أكثر من مجرد أعين مفتوحة على اتساعها وآذان مطرطقة وفم مفغر، على أتم الاستعداد والتهيؤ ليصب عليك كل شيء من كل حدب وصوب دون أن يحق لك إبداء أي نوع من أنواع الاعتراض أو المطالبة بما هو مغاير، ولا أجدني أبالغ في هذا، فبالتأكيد كل من تابع وشاهد أية محطة من هذه المحطات التي أتيت على ذكرها ولو عرضًا سيدرك جيدًا ما أقوله.
يتبقى لي في النهاية أن أضيف أن أغلب، إن لم يكن جميع ما ذكرته، وهو قليل، من محطات هنا هي محطات مفتوحة وليست مشفرة أو تفتح مقابل اشتراك مادي، وهذا يعني أن هناك أيضًا محطات أخرى مشفرة على هذا القمر تبث الكثير من المواد التي لا تقل أهمية وجدية وفنية عما ذكرته هنا، لكنني للأسف الشديد لم يتسنى لي متابعتها إلا لأوقات قصيرة وعلى فترات متباعدة لعجزي عن ملاحقة الكثير مما يستحق المتابعة، وأنني أقتصرت في حديثي هذا على المحطات التليفزيونية فقط الموجودة على القمر الأوروبي ولم أتطرق إلى الإذاعية منها، وهي بالمئات، التي لا تكف ليل نهار عن بث كل ما هو موسيقي فريد سواء كلاسيكي أو غير كلاسيكي، حديث أو قديم.
كذلك، لا أود أن يفهم كلامي، في النهاية، على أنه إنزال أو تقليل من شأن كتاب بورديو الرائع أو أنني أضرب به عرض الحائط كلية، العكس تمامًا، فلا زلت على إدراك واقتناع تام بما أورده بورديو، إلا إنني بعد قراءة الكتاب أكثر من مرة وخوضي لتجربتي الخاصة تلك بت أفرق دائمًا بين كلمتين أو مفردتين بينهما بون شاسع، في رأيي، "المتلقي" و"المشاهد"، فشتان بين من يتلقى ويقبل بما يتلقاه في سلبية تامة، ومن يشاهد وينقب عمّا يشاهده ويتفاعل معه، بين من يسمح لآليات التلقي أن تتلاعب بعقله، ومن يدع عقله يتحكم فيما يشاهده ويُخضِعُ هذه الآليات.

الأحد، 12 سبتمبر، 2010

حول جوائز الدورة 67 لمهرجان فينيسيا السينمائي

اللقطة من فيلم "فينوس السوداء"

جاءت كل جوائز مسابقة مهرجان فينيسيا السينمائي تقريبا في محلها، أي انه لا يوجد فيلم لا يستحق أن يفوز من بين الأفلام الفائزة، ولكن يوجد فيلم واحد كان يستحق الفوز بجائزة ما لكن قائمة الجوائز خلت منه تماما وهو الفيلم التشيلي "تشريح الجثث بعد الموت" Post Mortum. وربما كان هناك من الأفلام ما يستحق الفوز بجائزة أكبر أو أقل مما حصد بالفعل. مثلا الفيلم الفائز بالجائزة الذهبية (الأسد الذهبي)، وهو الفيلم الأمريكي "في مكان ما" ربما تكون الجائزة أكبر منه، فهو فيلم جيد لكن يوجد بالتأكيد ما هو أفضل منه كثيرا مثل الفيلم التشيلي الذي أشرت إليه أو الفيلم الروسي "أرواح ساكنة" (الذي أفلت من لجنة التحكيم أيضا ولم يحصل سوى على جائزة النقاد!).
وكانت الممثلة الفرنسية الجديدة إلينا لونسون، التي قامت بدور البطولة في فيلم "فينوس السوداء" لعبد اللطيف كشيش تستحق الحصول على جائزة أحسن ممثلة، فقد أدت الدور ببراعة، وتعرضت للكثير من التعريض بأعضاء جسدها، وتعلمت الرقص، وبذلت جهدا هائلا في مشاهد مؤذية نفسية لأي ممثلة، لكن اللجنة رأت منحها إلى ممثلة يونانية لم تبرع بشكل مميز بأس مستوى في فيلم "اتنبرو".
جائزة أحسن ممثل حصل عليها، الممثل الأمريكي فنست جاللو، وقد سبق ان قلت إنه يستحقها (قبل إعلان الجوائز بأيام) عن أدائه في الفيلم البولندي "القتل الضروري"، فهو الأداء الصعب، لأنه يعتمد على التعبير الصامت (من دون حوار) بتعبيرات الوجه والجسد، والنظرات والإيماءات.
وهناك جائزة لم أستوعبها أبدا ولا يبدو أنني سأقتنع بها وهي جائزة رمزية (أسد ذهبي خاص) لمخرج غير معروف خارج بلاده(بل وربما لا يعرفه أحد في بلده أيضا!) وهو الأمريكي مونتي هيلمان صاحب فيلم "الطريق إلى لاشيء" الذي لم أحبه على الإطلاق بل وجدته عملا مملا وساذجا ويخلو من اي شيء مثير للاهتمام.
في فوز صوفيا كوبولا (ابنة المخرج المخضرم) بالأسد الذهبي يرى البعض أن رئيس لجنة التحكيم تارانتينو قد جامل "صديقته" السابقة. وربما يكون هذا صحيحا. ولكن هل جامل أيضا المخرج الأمريكي المجهول بمنحه جائزة عن مسيرته السينمائية من خلال كل أعماله، بينما لم نعرف له أي إسهام فني بارز في تاريخ السينما، وقد أخرج 14 فيلما رغم أنه بدأ الاخراج عام 1959، ليس من بينها فيلم واحد من الأفلام التي استقرت في الذاكرة!
أما الفيلم الاسباني "أغنية البوق الحزينة" فهو يستحق ما حصل عليه بالفعل (جائزة السيناريو وجائزة الإخراج).
وعموما الجوائز ليست مقياسا للتفوق الفني كما عودتنا مسابقات المهرجانات دوما، والعبرة بما يبقى في ذاكرة التاريخ.

مهرجان فينيسيا 2010: ملف خاص


فيلم جديد أضيف إلى مسابقة فينيسيا
أعلن مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي إضافة فيلم آخر إلى أفلام المسابقة الرسمية للمهرجان الذي سيفتتح في الأول من سبتمبر. الفيلم الجديد، وهو رقم 24 في المسابقة (هناك 22 فيلما أعلن عنها، وفيلم سيعرض على هيئة مفاجأة يوم 6 سبتمبر) هو الفيلم البولندي"القتل الضروري" للمخرج الكبير يرزي سكوليموفسكي، الذي أكد مدير المهرجان أنه"سوف يتم الانتهاء من العمل فيه في الوقت المناسب" لكي يعرض في المهرجان. يقوم بدور البطولة في الفيلم الممثل فنسنت جالو الذي له فيلم من اخراجه في المسابقة هو فيلم "وعود في الماء" أمام ايمانويل سينيه. ويصور الفيلم " قتل من دون حوار تقريبا، تقريبا، قصة رجل أفغاني تعتقله القوات الأمريكية في كابول ، ثم ينقل إلى بلد أوروبي لا يتم تحديده في الفيلم. وتقول النشرة الصحفية الصادرة عن المهرجان، إن الرجل يتمكن من الهرب لكي يرى نفسه محاطا ببيئة أخرى متجمدة غريبة عليه وهو القادم من الصحراء، ويتعين عليه أن يقتل لكي يبقى على قيد الحياة". والفيلم من الإنتاج المشترك بين شركات من بولندا والمجر وأيرلندا والنرويج.

أفلام المسابقة
24 فيلما 1- البجعة السوداء- دارين أرونوفسكي (أمريكا) 2- العنزة السوداء- أسكانيو سيلستيني (ايطاليا) 3- في مكان ما- صوفيا كوبولا (أمريكا) 4- سعداء قليلون- أنتوني كوردييه (فرنسا) 5- عزلة الارقام الفردية- سافيريو كوستانزو (إيطاليا) 6- أرواح ساكنة- ألكسي فيدورشينكو (روسيا) 7- وعود مكتوبة على الماء- فنسنت جاللو (أمريكا) 8- طريق إلى لاشئ- مونتي هيلمان (أمريكا) 9- أنشودة البوق الحزينة- ألكس دولا إجليزياس (اسبانيا) 10- فينوس السوداء- عبد اللطيف قشيش (فرنسا) 11- تشريح الجثث- بابلو لاران (تشيلي) 12- نسخة بارني- ريتشارد جيه لويس (كندا، إيطاليا) 13- كنا نؤمن- ماريو مارتوني (إيطاليا) 14- 13 قاتلا- تاكاشي ميكي (اليابان) 15- الزوجة الثمينة- فرنسوا أوزون (فرنسا) 16- انقطاع ميك- كيلي ريتشارد (أمريكا) 17- ميرال- جوليان شنابل (أمريكا) 18- الغابة النرويجية- تران أن هونج (فرنسا) 19- أتنبرو- أثينا راشيل تسنجاري (اليونان) 20- القتل الضروري- يرجي سكليموفسكي (بولندا) 21- المفتش دي ولغز لهيب الشبح- تسوي هارك (الصين) 22- ثلاثة- توم تيكوير (المانيا) 23- العاطفة- كارلو مازاكوراتي (إيطاليا) 24- الحفرة: وونج بنج (فرنسا- بلجيكا)

أرقام في فينيسيا
هذه بعض الأرقام المهمة التي نشرها مهرجان فينيسيا السينمائي للاطلاع العام وهي تحمل دلالاتها الخاصة بالطبع، وليست مجرد أرقام في الهواء. عدد الأفلام الروائية التي ستعرض في الأقسام الأربعة الرسمية :84 فيلما منها 80 فيلما عروض أولى في العالم، و4 أفلام تعرض للمرة الأولى خارج بلادها. أفلام المسابقة الرسمية: عدد الأفلام 24 فيلما (كلها تعرض للمرة الأولى في العالم. خارج المسابقة عدد الأفلام الطويلة 27، منها 23 العرض العالمي الأول. قسم "آفاق": 21 فيلما كلها تعرض للمرة الأولى في العالم. قسم السينما الايطالية المعاصرة: 12 فيلما كلها تعرض للمرة الأولى. أرقام مهمة: تقدم 4251 فيلما من 102 دولة إلى المهرجان (74 دولة في عام 2009). منها :2395 فيلما روائيا طويلا، و416 فيلما متوسط الطول، و 1440 فيلما قصيرا . بينما في عام 2009 كان عدد الأفلام الروائية الطويلة التي تقدمت للمهرجان 2208 أفلام، وعدد الأفلام متوسطة الطول 311 فيلما.

على هامش مهرجان فينيسيا السينمائي 2010


الجمعة 3 سبتمبر
* أطلقت على الفيلم الأمريكي "ميرال" المشارك في المسابقة "فيلمنا" أي الفيلم العربي في المسابقة، ليس لأن مخرجه عربي، بل هو يهودي أمريكي، لكنه أفضل من كثير من المخرجين العرب. ولكن الفيلم أيضا بل وأساسا، فيلم المنتج التونسي طارق بن عمار، الذي يتجرأ أخيرا ويلمس موضوعا من مواضيع الساعة في السياسة العربية وهو موضوع فلسطين- إسرائيل، ولو من خلال مذكرات رولا جبريل الفلسطينية – الإيطالية (التي تقوم بدورها في الفيلم الممثلة الهندية الشابة فريدا بنتو، وهي بالمناسبة تشبهها كثيرا). أما السبب الذي دعاني إلى أن أطلق عليه "فيلمنا" فهو طرحه القوي الشريف لوجهة النظر العربية في الصراع، وإدانته القوية التي لاشك فيها للطغيان الإسرائيلي. ولابد أن تكون لي وقفت خاصة فيما بعد، مع هذا الفيلم تفصيلا.
* في المؤتمر الصحفي لمناقشة فيلم "ميرال" (الذي يضم عددا كبيرا من الممثلين العرب) قال المخرج جوليان شنابل إنه لا يفكر في إخراج فيلم آخر قبل عامين، وإنه متفرغ حاليا لدفع فيلم "ميرال" وتوصيله للجمهور، كما قال إن الفيلم جرى تصوير قسم كبير منه في القدس وفي أراضي السلطة الفلسطينية خاصة رام الله، وأن التجربة كانت ممتعة رغم أنها كانت مرهقة كثيرا. وأضاف أنه تلقى رسالة من يهودي أمريكي من المتعصبين لدولة إسرائيل، شكره فيه على الفيلم وقال إنه يشعر بالأسف لأنه خلال زياراته إلى إسرائيل طيلة سنوات، لم يكن ينتبه لمأساة الفلسطينيين.
* حضر المؤتمر الصحفي (أو كما يسميه البعض الندوة الصحفية، أو المناقشة مع الصحفيين، التي تعقد عادة لكل أفلام المسابقة، بحضور طاقم الفيلم) أقول حضر إلى جانب المخرج شنابل، الممثلة الفلسطينية الكبيرة هيام عباس، والممثلة الجميلة ياسمين المصري (وهي في الحقيقة أجمل كثيرا عما هي على الشاشة)، والممثلة الفلسطينية ربى بلال. كما حضر المنتج طارق بن عمار، والممول الفرنسي للفيلم ديوكس والمنتج المنفذ جون كيليك، وغابت بطلة الفيلم الممثلة الهندية فريدا بنتو التي اضطرت كما قال المخرج، إلى السفر للهند.
* رئيس لجنة التحكيم الرئيسية كوينتين تارانتينو صرح بأن هناك الكثير من الأفلام المثيرة في المسابقة هذا العام، وأكد أنه رغم وجود الكثير من أفلام أصدقائه المخرجين، أو الذين يعجب بأفلامهم إلا أنه سيحرص على الموضوعية، فاذا لم يعجبه الفيلم لن يدافع عنه.
* الممثلة العظيمة من كل الأجيال، فانيسا ريدجريف، ظهرت كضيفة شرف في المشهد الأول فقط من فيلم "ميرال"، وبدت وقد تقدمت كثيرا جدا في العمر.
* وهذا بالضبط شأن صديقنا الناقد البريطاني المخضرم ديريك مالكولم، الذي بدا أيضا وقد بدأ التقدم في العمر يهزمه، فقد أصبح يتحرك بصعوبة بالغة، وخصوصا أن الدخول والخروج من مجمع المهرجان شاق للغاية بسبب الترتيبات الأمنية من ناحية، والإنشاءات الجديدة التي فرضت تحويل المسارات، وتغيير معالم المنطقة وإغلاقة المنافذ الطبيعية إليها، حتى لا يصطدم الزائرون بمناطق القتال، عفوا.. أقصد مناطق التشييد والبناء. ديريك حاليا أوشك على بلوغ الثمانين من عمره، لكنه لايزال يتمتع بذاكرة قوية، وقدرة على الحكم السديد على الأفلام.
* صديقنا الآخر، جون روا، الناقد الفرنسي لصحيفة لومانتييه، بدا هو الآخر متقدما في العمر. وقد حضرنا معا في قارب واحد (حرفيا وليس مجازا!) من المطار إلى جزيرة ليدو ظهر يوم الأربعاء، والتقينا مجددا في الباص الداخلي صباح اليوم، وأخذنا نتذكر ندوة النقد في مهرجان تطوان قبل أشهر (في مارس الماضي). وطبعا حكاية مرور الزمن تنعكس علينا جميعا هنا، فلابد أن الآخرين أيضا يلاحظون نفس الشيء علي وعلى غيري، فنحن نلتقي معا هنا، في فينيسيا، منذ ربع قرن.
* ظهر الناقد المخضرم سمير فريد اليوم بعد مشاهدة فيلم "ميرال"، وتبادلنا الحديث عن الفيلم لبضع دقائق، قبل الصعود إلى المؤتمر الصحفي، وسمير رأيه أن الإسرائيليين لن يعجبهم الفيلم، أو بالأحرى، لن يشعروا بالارتياح لما يطرحه، وسيرفضه أيضا المتشددون على الجانب العربي والفلسطيني. سمير بالمناسبة بدأ في التردد بانتظام على هذا المهرجان منذ عام 1978 عندما حضر مع فيلم يوسف شاهين "اسكندرية ليه". وكان قد سبق له حضور الدورة التي عرض فيها فيلم "المومياء" لشادي عبد السلام، وأظنها كانت عام 1970.. كانت أيام!
السبت 4 سبتمبر
* إلى جانب مسابقة الأفلام الطويلة، وقسم "آفاق" (وله لجنة تحكيم تمنح جائزة لأحسن فيلم وهي مبتدعة حديثا على غرار جائزة قسم "نظرة خاصة" في مهرجان كان) هناك أيضا أسبوع النقاد، و"أيام فينيسيا" (أو أيام سينما المؤلفين)، ولكن المهرجان يهتم كثيرا هذا العام بالسينما الإيطالية، التي يخصص لها قسمين هما "السينما الايطالية المعاصرة" (30 فيلما)، و"الكوميديا الايطالية" (19 فيلما قصيرا وطويلا) وهو أمر طبيعي في إطار الرغبة في الترويج للسينما القومية من خلال هذا المهرجان الإيطالي الدولي، وهو ما نأمل أن تحذو حذوه المهرجانات العربية الدولية، فالذين يذهبون إلى مهرجان القاهرة مثلا يرغبون عادة في الاطلاع على أحدث الأفلام المصرية، وعلى جزء من تاريخ السنما المصرية أيضا، وكذلك الذين يترددون على مهرجانات مثل قرطاج ودمشق وغيرهما. أما مهرجان دبي ومهرجان أبو ظبي، فكلاهما يمكنه الاحتفاء بتيار سينمائي عربي أو بالأفلام التي تنتج في دولة ما بدلا من الاحتفال بالسينما الهندية والسينما التركية.. وأنا هنا أفضل استخدام تعبير "الأفلام التونسية" أو اللبنانية أو السورية، وهكذا، لأنني لا أرغب في استخدام تعبيرات مثل "السينما التونسية أو السعودية كما يفعل البعض بكل أسف يوميا، وبإلحاح، في الصحافة العربية، لأسباب يتعلق معظمها بالرغبة في تكريس الوهم بوجود "سينما" أي صناعة سينمائية أو حركة سينمائية متكاملة في تلك البلدان، في حين أن مثل هذه الصناعة أو "السينما المتكاملة" لا توجد، بكل أسف، وهذه حقيقة علمية، لا تقال في معرض الفخر أو الشجب، ولا للتباهي أو التحسر، بل كإقرار لحقيقة علمية، أما الذين يتوهمون أو يوهمون الآخرين بوجود مثل هذه "السينما العربية" في هذا البلد أو ذاك، فسرعان ما يحبطون عندما يرون تلك "السينمات" لا تمتلك حتى الساعة الآليات الأولية لضمان استمرار الإنتاج خلال العام، بل يظهر في معظمها فيلم أو فيلمان على أكثر تقدير، كل عام أو عامين، وهي أفلام لا تلقى توزيعا حقيقيا، ومعظمها من الإنتاج أو التمويل "الأجنبي"، أي أن المنتج العربي المحلي غائب بشكل كان ينبغي أن يدفع نقادنا العرب إلى البحث في أسباب هذه الظاهرة. * وقد سبق أن قلت، قبل أيام، إن حجم التواجد العربي في مهرجان فينيسيا يعكس الحجم الحقيقي لحركة سينمائية لا تتطور بل ولا تمتلك التأثير في محيطها الطبيعي، وتتراجع يوميا أمام المسلسلات التليفزيونية التي أصبحت تستقطب أفضل مخرجي المنطقة.
* في الوقت نفسه ألاحظ، بكل أسف وأسى، أن بعض الكتاب والسينمائيين العرب، أصبحوا يستخدمون التراجع السياسي المصري (وهو ما لا أتوقف شخصيا عن انتقاده) كمبرر للشطب على الإنجاز الثقافي المصري بالجملة، والدعوة إلى إعلان وفاة الثقافة المصرية، واتهام السينما المصرية بكل النقائص والعيوب، في نعرات شوفينية مريضة تغلي بالحقد "العنصري" أحيانا بكل أسف، وكما لو أن المشاكل التي تحيط بالسلطة السياسية والثقافية القائمة وهي قائمة في كل بلدان المنطقة التي تشترك في التخلف الذي لا يتجزأ، توقف حركة الإبداع الثقافي تماما وتشله، وهو غير صحيح، بل يستمر الإبداع في كل الظروف على مستوى البنية التحتية الثقافية، التي لا تتصدر أجهزة الإعلام الرسمية، فنحن نصنع الأفلام القصيرة والطويلة، المستقلة، ونصدر الكتب، ونكتب القصائد الجديدة، والأدب الجديد، ويظهر ناشرون متخصصون في نشر هذه الابداعات بعيدا عن آلة الدولة القمعية التي لا تنشر سوى لمن ترضى عنه، وهكذا.. وتستمر حركة المجتمع المدني في نموها رغم أنف السلطة.
* وجود الفيلم المصري وانتشاره في المنطقة العربية لا أتصور أبدا أنه يمنع ظهور أفلام أخرى، في تلك الدول، بدليل أن المغرب ينتج نحو 15 فيلما سنويا، رغم وجود الفيلم المصري والمسلسل المصري، فماذا فعل المغرب في مجال توزيع أفلامه داخل المغرب أولا وأساسا، وماذا تجني تلك الأفلام وتحقق من داخل سوقها الطبيعية؟ هذا سؤال مهم لا يطرحه أحد بل تصبح القضية المغلوطة دائما: لماذا لا توزع الأفلام المغربية داخل السوق المصرية؟ وكأن توزيع فيلم مغربي أو غيره، وعرضه في مصر، ثم فشله في البقاء أكثر من أسبوع (لأسباب عديدة ليس هنا مجال شرحها) كفيل بنجاح التجربة المغربية في الإنتاج!
* وبمناسبة هذا الحديث نشرت مجلة فاريتي التي تصدر يوميا على هامش مهرجان فينيسيا تصريحات للأخ علي جعفر، وهو "ظاهرة" عجيبة ظهرت حديثا قبل ثلاث أو أربع سنوات. علي جعفر هذا شاب لبناني الأصل، بريطاني الجنسية، واضح أنه نال قسطا من التعليم في نظام التعليم البريطاني، يتحدث ويكتب بالانجليزية، ويرفض بشدة الحديث لوسائل الاعلام الناطقة بالعربية سوى باللغة الانجليزية، رغم معرفته الجيدة باللغة العربية. وقد طرح نفسه أمام مؤسسة السينما البريطانية على أنه مهتم بالسينما في "الشرق الأوسط، ثم كخبير فيها (لا أعرف من أين جاء بخبرته هذه، ومتى حصل عليها!)، وبدأ يكتب عروضا للأفلام العربية في مجلة "سايت آند ساوند"، ثم قفز منها إلى مجلة فاريتي، وأصبح يوظف ما يكتبه لحساب الملاحق الإعلانية التي تحصل عليها المجلة من منتجين مثل عماد أديب وشركنه جود نيوز مثلا، ويجري المقابلات مع أصحاب تلك الشركات، ويمتدح أفلامها، وهو الخلط المعروف القديم بين الصحافة والبيزنس، أو بين النقد والدعاية المدفوعة. والآن انتقل جعفر هذا لكي يعمل في مجال الترويج والعلاقات العامة لحساب شركة المنتج التونسي الأصل (أو التايكون) طارق بن عمار الذي ينشط في أوروبا.
* أما تصريحات علي جعفر الأخيرة فجاءت بمناسبة عرض فيلم "ميرال" من انتاج بن عمار. ويقول جعفر إن شركة بن عمار تتطلع بهذا الفيلم وغيره من الأفلام المشابهة التي تتناول مواضيع تلمس قضايا شرق أوسطية، إلى النفاذ إلى سوق الشرق الأوسط، وضمان ألا يكون قاصرا على الأفلام المصرية!!
وكان الأجدر بالمستر علي جعفر أن يشير إلى الأفلام الأمريكية التقليدية فالأفلام المصرية انحسر توزيعها في معظم بلدان المنطقة وشمال افريقيا لأسباب مغلوطة في رأيي، كما لو أن وقف توزيعها سيساهم في النهوض بالسينما في تلك الدول وهو ما لم يحدث، وثانيا الفيلم المصري ليس غريبا على المشاهدين على أي حال، وليس عدوا ولا يجب، فهو جزء أصيل من ثقافة المنقطة، شئنا أم أبينا، في صعوده أم في تدهوره، والمشاهدون يتفاعلون معه عبر عشرات الملايين من أجهزة التليفزيون يوميا. ولا أعرف ماذا كان يمكن أن يكون رد الفعل إذا صرحت المنتجة المصرية إسعاد يونس مثلا بأن شركتها تتطلع إلى الحيلولة بين أفلام شركة طارق بن عمار وسوق الشرق الأوسط!! عموما الكلام الفارغ كثير جدا.. ومجاني.. لكن فاريتي يهمها إعلانات طارق بن عمار، تماما كما كان يهمها في السابق، إعلانات عماد الدين أديب وكامل أبو علي!
الأحد 5 سبتمبر
* المخرج الأمريكي الكبير مارتن سكورسيزي موجود في فينيسيا لعرض فيلمه التسجيلي الطويل (60 دقيقة) بعنوان "رسالة إلى إيليا" الذي يتابع فيه مسيرة السينمائي الكبير الراحل ايليا كازان الذي غادر عالمنا عام 2003 عن 94 عاما بعد أن أثرى المسرح والسينما في الولايات المتحدة بعدد من أبرز الأعمال منها "على رصيف الميناء" و"عربة اسمها اللذة" و"متمرد بدون قضية" و"أمريكا.. أمريكا" و"الترتيب" و"التايكون الأخير". وقد عرض الفيلم هنا حتى الآن عرضان، وكنت أعول على تمكني من اللحاق بالعرض الثاني إلا أن الأعداد الكبيرة التي أصطفت أمام القاعة حالت بيني وبين المحاولة خصوصا وأن القاعة التي عرض بها الفيلم للصحفيين، لا تتسع لأكثر من 150 مقعدا، ولا أدري لماذا لم يخصص له المهرجان عرضا رئيسيا للصحفيين الموجودين بالآلاف!


* الأسد الذهبي كجائزة خاصة عن الانجاز السينمائي مدى الحياة حصل عليها هذا العام المخرج الصيني من هونج كونج جون وو، الذي لا أجده شخصيا يستحق هذه الجائزة، لكنه الاعجاب الشخصي أو ذلك الاهتمام الخاص لدى مدير مهرجان فينيسيا ماركو موللر، وولعه الكبير بسينما جنوب شرق آسيا، وكل ما يأتي منها، وهذه السينما هي أيضا أحد الأركان البارزة في برامج الدورة الحالية.
الإثنين 6 سبتمبر
أفضل أفلام المسابقة حتى الآن بعد عرض 13 فيلما من بين 24 هي من وجهة نظر كاتب هذه السطور:
1- تشريح الجثث بعد الموت post mortum من شيلي
2- القتل الضروري- من بولندا
3- أرواح ساكنة- من روسيا
4- ميرال- من الولايات المتحدة
5- الغابة النرويجية- من فرنسا
6- في مكان ما- من الولايات المتحدة
والملاحظة البارزة (منذ سنوات في الحقيقة) هي أن السينما الفرنسية لا تتألق في معظم الأحوال، إلا من خلال أفلام يخرجها عادة مخرجون غير فرنسيين، كما هو الحال هنا مثلا، ففيلم "الغابة النرويجية" رغم أنه من الانتاج الفرنسي إلا أن مخرجه فيتنامي، وكذلك فيلم "فينوس السوداء" وهو للمخرج التونسي عبد اللطيف قشيش، والمخرج التشيلي راؤول رويز، والروسي يوسيلياني، وطبعا البولندي الراحل كيشلوفسكي، كأمثلة فقط. وكثيرا ما تحصل أفلام المخرجين "الأجانب" في السينما الفرنسية على الجوائز، في حين يغيب الاهتمام بالأفلام التي يخرجها مخرجون فرنسيون "أصليون" مثلما هو الحال فيما يتعلق بفيلميين في مسابقة مهرجان فينيسيا هما "الزوجة الثمينة" – بطولة جيرار ديبارديو وكاترين دينيف واخراج فرنسوا أوزن ، وفيلم "سعداء قليلون" للمخرج أنتوني كوردييه. ولست شخصيا، من المعجبين بأفلام المخرج فرنسوا أوزون (الذي يطلقون عليه الطفل المرعب) فهو مخرج من نوع الـ perverse أي المخرج صاحب الأفكار السطحية الشاذة التي توهم بأنها أفكار كبيرة فلسفية، وأفلامه تشير بشكل واضح على التحذلق المفتعل الذي يميز التيار العريض في السينما الفرنسية، التلاعب بالكلمات والدوران حول أفكار مجردة لا تدل سوى على الفراغ القاتل، وعدم الاهتمام بما يجري في العالم.
إن السينما الفرنسية تكون في أفضل أحوالها، عندما تعبر عن القضايا التي تشغل الفرنسيين، أو عن قضايا تشغل العالم، ولكن لكي يتناول المخرج موضوعا مجردا عن الإنسان، فلابد أن تجد الكثير جدا من الثرثرة الكلامية، وافتعال المناقشات حول أشياء مثل هل القبلة مثلا بمكن أن يكون لها دلالة أخرى غير الرغبة، وهل الرغبة لصيقة بالمرء أم لا، وهل الطعام له علاقة بالقبلات، وبشكل ممارسة الحب، وما إلى ذلك من خواء كان السينمائيون الفرنسيون في الستينيات قد أعلنوا تمردهم عليه باعتبار أن هذا اللغو من سمات البورجوازية الفرنسية التي تهوى الثرثرة في موضوعات شتى فارغة أثناء تناول الطعام. والسينما الفرنسية بهذا المعنى، في أزمة كبيرة لا يصلح معها سوى انتفاضة على التقليدي والقديم والمعلب، والأفكار المجردة التافهة والسطحية. ولولا وجود جودار وآلان رينيه، والسينمائيين الأجانب في فرنسا لأعلن موت السينما الفرنسية رسميا رغم وجود تافرنييه وبلييه وأسايس وبيسون وغيرهم.
الثلاثاء 7 سبتمبر
مازلنا هنا في انتظار عرض فيلم عبد اللطيف قشيش "فينوس السوداء" (160 دقيقة)، وفيلم "ظلال" التسجيلي لماريان خوري ومصطفى الحسناوي، كما أننا بانتظار عرض فيلم مانويل دي أوليفييرا الجديد المخرج البالغ من العمر حاليا أكثر من 101 سنة، وفيلمه الجديد من النوع القصير (16 دقيقة) في المهرجان فيلمان للمخرج الياباني غزير الانتاج تاكاشي مييكي المعروف بإغراقه في مشاهد الدماء والأشلاء والقتل، الأول داخل المسابقة وهو "13 قاتلا"، والثاني خارجها وهو "الرجل الحمار الوحشي" أو حسب عنوانه الأصلي Zebraman وأفلام العم تاكاشي عادة ما تلقى اقبالا هستيريا من جانب قطاع من مدمني الأفلام، لكن أحدا من النقاد لا يأخذه على محمل الجد! في المهرجان أيضا فيلمان من إخراج الممثل فنسنت جاللو (بطل فيلم "القتل الضروري" المعروض بالمسابقة) الفيلم الأول قصير وعنوانه "العميل"، والثاني طويل باسم "وعود مكتوبة على الماء" وهو من أفلام المسابقة، أي أن له فيلم من تمثيله في المسابقة، وآخر من إخراجه، وثالث في قسم "آفاق".. ياله من رجل محظوظ.. ربما يخرج بجائزة ما، وإن كان ولابد من حصوله على جائزة، فرأيي أن تكون جائزة أحسن ممثل.
الأربعاء 8 سبتمبر


لا أحد يطالبني الآن بالكتابة عن الفيلم- التحفة "فينوس السوداء" للتونسي عبد اللطيف قشيش الذي عرض مساء أمس في اطار أفلام المسابقة. سأكتب عنه بعد أن ينتهي "المولد".. هذا فيلم صادم، قاس، عنيف، ولكنه صادق، ومقنع وواقعي حتى آخر حرف في الكتاب، كتاب السينما الرفيعة. برز هذا الفيلم وارتفع فوق سائر الأفلام وأصبح المرشح الأول هنا بلاشك على الأقل من قبل الذين يفهمون في السينما الحقيقية. سهل من على السطح، صعب للغاية في التنفيذ والخروج بهذه النتيجة المبهرة.
الفيلم اليوناني "اتنبرو" تحاول مخرجته محاكاة جودار في الشكل، ولكن بدون عمقه وفلسفته وثقافته. ولكن بينما يصنع جودار سينما حداثية تعتمد على العقل وعلى المنطق والتحليل الفلسفي للصورة بحيث يكشف عن معانيها المتعددة الطبقات، هنا فيلم ما بعد حداثي، يخلط بين الجد والعبث، وبين العالم والخيال المستقر عن العالم، المرأة في الصدارة، والجرأة الجنسية بارزة بشكل يصدم أحيانا، والمناقشات حول الموت تكشف عن رغبة في التمسك بالحياة. وتساؤلات حول الصداقة والحب واللذة والأبوة والبنوة.

الخميس 9 سبتمبر
* شاهدنا الفيلم المصري التسجيلي الطويل "ظلال" إخراج ماريان خوري ومصطفى الحسناوي المعروض هنا في قسم "آفاق"، وهو عمل جيد جدا، وإن كان لا يخلو بالطبع من بعض العيوب، ويدور بأكمله داخل مستشفى الأمراض العقلية بالعباسية التي كانت من قبل "منطقة يحظر فيها التصوير تماما" فاقتحمتها المخرجة وزميلها التونسي الموهوب بالكاميرا والنتيجة هي هذا الفيلم المرعب. وسأكتب عنه بالتفصيل فيما بعد. * من السينما التجارية الأمريكية عرض خارج المسابقة فيلم "البلدة" The Town للممثل والمخرج بن أفليك، الذي يذكرك بأداء كلينت إيستوود أحيانا، ببروده ونظراته الغائمة، وقوة شكيمته بالطبع. هذا فيلم بوليسي من أفلام الجريمة والمافيا والعنف، عن عصابة تسرق البنوك، يقيم أحد أفرادها (بن أفليك نفسه) علاقة عاطفية مع مديرة بنك سرقته العاصبة لتوها، وتتطور القصة وتدخل إلى أغوار جديدة، فهل الجريمة تنتهي بالعقاب، أم أن المجرم يمكنه أن يفلت هذه المرة أيضا؟ لن أحرق "الحبكة" حتى يستمتع محبو هذا النوع من الأفلام المثيرة بالفيلم عند عرضه عروضا عامة قريبا، وأنا على ثقة من أنه سيلقى إعجاب الكثيرين.
الجمعة 10 سبتمبر
نشرت مجلة فاريتي التي تصدر بصفة يومية أثناء مهرجان فينيسيا، معلومات عن المهرجان مستمدة من تصريحات باولو باراتا رئيس بينالي فينيسيا الذي أقام حفل غذاء على شرف الصحفيين الأجانب الحاضرين قبل يومين. وقال رئيس البينالي إن هذا العام شهد مشاركة 3427 صحفيا منهم 2088 صحفيا ايطاليا، و1339 صحفيا أجنبيا. أي بزيادة قدرها 4 في المائة عن العام السابق. وقال ماركو موللر مدير المهرجان خلال الحفل إن مشاركة الصحافة الالكترونية (الانترنت) في تغطية المهرجان زادت بنسبة 33 في المائة وهو ما يعكس بروز هذا النوع من الصحافة على حسب الأنواع الأخرى. ولكن هناك ارتفاع في تغطية الصحافة المطبوعة بنسبة 21 في المائة، وشاركت 433 مطبوعة أجنبية (غير ايطالية) في تغطية المهرجان).
أتمنى لو تنشر المهرجانات السينمائية التي تقام في العالم العربي، من الدوحة إلى مراكش، أرقام الصحفيين والإعلاميين الذين يقومون بتغطية أحداثها سنة بعد أخرى، كما أتمنى لو تنشر ميزانياتها وعدد ما تتلقاه من أفلام وما تختاره بعد ذلك، وأن تنشر أيضا بيانات بأسماء لجان الاختيار والبرمجة. وأن تقول لنا ما هي بالضبط مسؤولية مدير أو مديرة المكتب الصحفي، وهل هي مجرد "تسهيلات" أو أكبر من ذلك بعض الشيء.. والأفضل طبعا لو تكرمت بنشر مهمة رئيس المهرجان تحديدا، وأقصد هنا رئيس أي مهرجان عربي: ماذا يفعل بالضبط بعيدا عن حضور حفل الافتتاح وحفل الختام والقاء كلمة حماسية عن السينما وبناء الإنسان. وكل عام وأنتم بخير!
السبت 11 سبتمبر
لم أشاهد الفيلم الأمريكي "نسخة بارني" وهو آخر أفلام المسابقة الرسمية، فقد غادرت شاطيء ليدو وفينيسيا بل وإيطاليا كلها قبل أن يعرض. اليوم السبت يقام حفل الختام حينما ينجل ياللغز وتتم الإجابة على السؤال الكبير الذي يثير اهتمام الكثيرين: من الفائز بالأسد الذهبي؟
اليوم أيضا يصادف مرور 9 سنوات على الحدث الجلل الذي غير علاقة العالم بالعرب والمسلمين، وجعل المسلم مثلما كان اليهودي في أوروبا في القرون الوسطى حتى القرن التاسع عشر عندما انفجر ما عرف بـ"قضية دريفوس" في فرنسا. لكن هذا موضوع آخر.. طويل.. طويل.
لا أعرف من الذي سيفوز بالأسد الذهبي ولا الفضي، ولا يهمني أصلا، لا الذهب ولا الفضة، لكن يمكنني القول إن الفيلم الألمالي "ثلاثة" هو أكثر أفلام المسابقة سخفا في الموضوع، ورداءة في الأسلوب، وإن امتلأ بالكثير من الادعاءات والتحذلقات والافتعالات (ولاشك أنه سيعجب بعض من يعشقون كل شيء في السينما الأوروبية ويكرهون السينما التي تنتج في محيطهم العربي بل ويردمون على تاريخ السينما المصرية (صاحبة التاريخ العريق) والعربية صاحبة الانجاز الأحدث، بدعوى أنها "متخلفة"، ربما لأنها لا تنطق الفرنسية، والناس يظهرون في أفلامها دون أن يرتدوا القبعة!
فيلم "ثلاثة" باختصار شديد يمر منه أكثر من ساعة، عبارة عن تمهيد وتقديم للشخصيات، والتفاف حول الموضوع، قبل أن نكتشف أن طبيبا يقيم علاقة جنسية مع امرأة، ومع زوجها الذي تم استئصال احدى خصيتيه بسبب اصابته بالسرطان، ويكتشف وهو في مرحلة النقاهة بعد العملية أنه شاذ جنسيا، أو بالأحرى، أنه يستطيع أن يمارس الجنس مع الرجل ومع المرأة، لا يهم في أي موضع يكون في كلتا الحالتين!
الزوجة تعلم متأخرا بعلاقة زوجها بعشيقها، وبأنها حامل من الرجلين ربما في وقت واحد (شيء يذكرنا بفكرة سخيفة مشابهة في فيلم المسافر!) ولكن بتوأم في رحمها، و يبشرنا الفيلم في نهايته بأن هذا الحب، الذي يجمع الثلاثي، هو الحب الشكل المثالي للحب في المستقبل. ولا يمكنك كمشاهد أن تعترض قط على هذه الرؤية، فلو فعلت وكتبت صراحة أنك تجد الفكرة سخيفة، أو أن الشذوذ الجنسي مسالة مرضية ضد الطبيعة البشرية السوية وتقتضي العلاج، لوجدت نفسك أمام القضاء بتهمة ازدراء الذين يطلقون على أنفسهم "المثليين جنسيا" وليس "الشواذ جنسيا"، بل وربما يكون القاضي وكل أعضاء المحكمة أيضا، من هؤلاء.

أقصى ما فعله البعض أثناء عرض هذا الفيلم "الشاذ" هو الانسحاب من القاعة، وهو ما لم أفعله، بل جلست حتى النهاية لكي اعرف إلام يرمي هذا المخرج الغريب، الذي فشل في إثارة أي اهتمام بالموضوع بسبب تلاعباته المفتعلة بالشكل، ويبدو أن الموضوع يبرر الأسلوب فعلا، والبعض يرى أيضا أن "الموضوع هو الأسلوب". وهو كذلك بالفعل.

السبت، 11 سبتمبر، 2010

جوائز مهرجان فينيسيا السينمائي 2010

صوفيا كوبولا تحمل تمثال الأسد الذهبي


اعلنت لجنة التحكيم لمسابقة مهرجان فينيسيا، التي رأسها المخرج الأمريكي كوينتين تارانتينو، جوائز الدورة السابعة والستين على النحو التالي:
* جائزة الأسد الذهبي لأحسن فيلم: الفيلم الأمريكي "في مكان ما" Somewhere إخراج صوفيا كوبولا
* الأسد الذهبي التذكاري لتاريخه الفني: للمخرج الأمريكي مونتي هيلمان عن فيلم "الطريق إلى لاشيء".
* الأسد الفضي لأحسن إخراج: المخرج الإسباني ألكس دولا أجليزيا عن فيلم "أنشودة البوق الحزينة".
* جائزة لجنة التحكيم الخاصة: الفيلم البولندي "القتل الضروري" ليرجي سكوليموفسكي.
* أحسن فيلم أول: "الأغلبية" Çogunluk للمخرج شيرين يوتشي (تركيا)
* أحسن ممثلة: أريان لابيد عن دورها في الفيلم اليوناني "اتنبورو".
* أحسن ممثل: فنسنت جاللو عن دوره في فيلم "القتل الضروري".
* أحسن موهبة صاعدة في التمثيل: ميلا كونيس عن دورها في فيلم "البجعة السوداء".
* أحسن سيناريو" أنشودة البوق الحزينة- تأليف وإخراج ألكس دولا إجليزيا.
** جائزة الاتحاد الدولي لنقاد السينما والصحافة السينمائية (فيبريسي): الفيلم الروسي "أرواح ساكنة" لألكسي فيدورشنكو.

لقطة من فيلم "أنشودة البوق الحزينة"

الخميس، 9 سبتمبر، 2010

يوميات فينيسيا 9: ملاحظات عامة

من الفيلم الأمريكي المستقل "انقطاع ميك"

السينما الإيطالية في أزمة ما في شك في هذا، فما لم يكن هناك فيلم من أفلام كبار المخرجين، أي من الأجيال القديمة التي ظهرت في الخمسينيات والستينيات (مع استثناءات قليلة)، لا نشاهد سوى مشاريع أفلام مصنوعة فيما يبدو وعين صانعها على جمهور التليفزيون الإيطالي، أي برؤية شديدة المحلية، تفتقر بشكل فاضح إلى ما يسمى بـ"البعد الإنساني الكوني" الذي يجعل الجمهور في كل مكان، يتفهم ويتابع ويهتم، أما ما نراه في فينيسيا عاما بعد عام من الأفلام الإيطالية للأجيال الحديثة من السينمائيين، فهي أعمال لا تثير الاهتمام، ليس فقط على صعيد الموضوع، بل على مستوى الشكل والأسلوب واللغة أيضا.
هناك كثير جدا من الثرثرة، ولكن في الفراغ، وضعف واضح في بنية السيناريو، وجمود مرعب في الخيال والابتكار، وكأنما حالة الانحطاط السياسي التي تعيشها إيطاليا في عهد امبراطورية بيرلسكوني ورفاقه الأشرار، انعكس على الإبداع بشكل عام، والإبداع السينمائي بوجه خاص، فأدى إلى نوع من الاغتراب، أي الرغبة في صنع أفلام التسلية والاثارة الهروبية، أو الاهتمام بأمور فرعية لا تساهم سوى في تكريس العزلة واهتمام الفرد بذاته وليس بما يدور حوله. أنا هنا لا أقصد فيلما بعينه، بل أعني السينما الايطالية بشكل عام، التي نتابعها عاما بعد آخر هنا في فينيسيا، فلا نجد فيلما مشرفا من أفلام الشباب أو الأجيال الجديدة، بينما كان الفيلم الإيطالي الأكثر أهمية العام الماضي مثلا، هو فيلم "الانتصار" لماركو بيللوكيو، وهذا العام يمكن القول بأن فيلم بيللوكيو "ليست شقيقة" هو أيضا الأفضل. وبيللوكيو هذا بدأ الاخراج السينمائي عام 1964! ( بالمناسبة بعض الكاتبين يكتبون الاسم بطريقتهم "بلوتشيو" بينا الايطاليون ينطقونه بيللوكيو، والبعض ينطقه "بينوكيو".. والله أعلم!).
ومع ذلك، فمن الواضح أن نقاد إيطاليا، وتحديدا كثير من الصحفيين السينمائيين فيها، يبهرهم فيلم مثل "العاطفة"، ويتحمسون كثيرا لدرس التاريخ الممل في فيلم "كنا نؤمن".
الأمر نفسه يمكن ترديده بشأن السينما الأمريكية المستقلة التي تعرض نماذج كثيرة منها هنا، فالواضح أن أسوأ الأفلام في المسابقة حتى الآن (لم يبق سوى فيلمان) هي هذه الأفلام باستثناء فيلم "ميرال" وهو ليس أمريكيا تماما بالطبع، وفيلم صوفيا كوبولا "في مكان ما".. وماعدا ذلك، أفلام يفوقها كثيرا جدا فيلم تقليدي من السينما الأمريكية التي يحبها الجمهور هو فيلم "البلدة" لبن أفليك.. فما معنى أن تصنع أفلاما "مستقلة" ولكن عقيمة وغير مثيرة فنيا من أي زاوية!
سبق أن كتبت أقول إن حالة الأفلام الفرنسية عموما أيضا ليست على ما يرام، وإن المثير فنيا من فرنسا يكون عادة من إخراج سينمائيين غير فرنسيين (بالمعنى الحرفي والثقافي وليس بمعنى حيازة شهادة الجنسية!)، وبالتالي لا يوجد من فرنسا هنا فيلم يمكن التعامل معه بجدية سوى فيلم "فينوس السوداء" للتونسي عبد اللطيف بن كشيش. صحيح أنه يحمل الجنسية الفرنسية، ويكتب بالفرنسية، لكن هذا لا يجعل منه فرنسيا، بل إنه يصرح لمجلة "فاريتي" بأن في فيلمه الأخير ما يمكن فهمه على ضوء تجربته الشخصية، أو بالأحرى معاناته الخاصة في فرنسا من سوء معاملة الفرنسيين ومطالبتهم له باستمرار بأن يقدم ما هو متوقع منه كـ"عربي" وليس كممثل (عندما كان يعمل بالتمثيل)!
فرنسا وإيطاليا وأمريكا أقل مما يجب كثيرا من خلال ما هو معروض.. ما هي الأفلام الجيدة التي تربعت فوق القمة إذن؟ هي أفلام من روسيا وشيلي وبولندا والصين واسبانيا.. مع الاستثناءات المحدوة التي أشرت إليها. فهل لهذا مغزى ما، أم أن الأمر محض مصادفة؟
ما يهم هو أن لدينا، للمرة الأولى منذ سنوات بعيدة، 10 أفلام أو ربما أكثر، على مستوى جيد جدا، يمكن مناقشتها نقديا بشكل تفصيلي باعتبارها أعمالا فنية تنتمي إلى عالمنا، وهذا يكفي في الوقت الحالي.
جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2015- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com