الأحد، 29 أغسطس، 2010

مهرجان فينيسيا السينمائي في خضم المنافسة الشرسة


الدورة التي ستفتتح يوم الأربعاء الأول من سبتمبر (أيلول) من مهرجان فينيسيا السينمائي هي الدورة السابعة والستون من عمر هذا المهرجان الذي تأسس عمليا عام 1932، أي أن عمره الحقيقي اليوم يبلغ 78 عاما. فقد توقف لعدة دورات، خلال سنوات الحرب العالمية الثانية. وهو يعد بالتالي أقدم مهرجانات السينما في العالم. ولكنه واجه أيضا الكثير من الأزمات التي كادت أن تعصف به خصوصا في أواخر السبعينيات وقت اشتداد الصراع السياسي في إيطاليا بين اليمين واليسار، وفي ظل الإضرابات المستمرة التي عانت منها إيطاليا وقتذاك. وقد توقف المهرجان أيضا لعدة سنوات عن منح جوائزه، ولم ينعقد المهرجان عام 1978، وفي تلك الفترة ظهر عدد من المهرجانات السينمائية الأخرى الصغيرة التي حاولت أن تنافس مهرجان فينيسيا وتستقطب الأضواء بعيدا عنه، أو تقضي عليه.
وقد تعرض المهرجان لفترة من الخمول وكان أن يغرق ويطويه النسيان في السنوات الأولى من الألفية الثالثة، إلى أن جاء ماركو موللر (وهو منتج سينمائي ومدير سابق لمهرجان لوكارنو) وفتح المهرجان أكثر على السينما الأمريكية، وبدأ يعمل بما يملكه من أدوات، دون أن يضع في اعتباره الدخول في منافسة مباشرة يعرف نتيجتها، مع مهرجان كان. وكان مولد مهرجان روما السينمائي أيضا عاملا أساسي في زيادة الحمية عند القائمين على مهرجان فينيسيا في مواجة ذلك المنافس الجديد الذي تدعمه صناعة السينما الإيطالية بوقة. ومع ذلك تلاشى بسرعة، الضجيج الذي اثاره مهرجان روما، وظل قابعا في محيط محدود، وهو ما يؤكد فرتنا عن أن مهرجانات المدن الكبرى والعواصم ليست أمامها عادة فرصة كبيرة للمنافسة بسبب ضياع المهرجان في أجواء ومتاعب المدن الكبرى كما هو حال مهرجان القاهرة السينمائي مثلا، ومهرجان طوكيو، ولندن، وموسكو، وهي مهرجانات لا تتطور كثيرا، وإن حاولت عاما بعد عام، وربما يكون الاستثناء الوحيد هو مهرجان برلين العريق.
التحدي الحقيق القائم حاليا هو مع مهرجان اقل أهمية كثيرا من فينيسيا وهو مهرجان تورنتو في كندا، الذي لا ينظم مسابقة ولا يمنح جوائز، والسبب لأنه شديد التنظيم وأكثر قربا من قلعة صناعة السينما في العالم أي هوليوود، والمدنية تتيح امكانيات أكبر في الاقامة وغيرها، وباسعار مناسبة لشركات الانتاج والتوزيع التي تأتي معها عادة بجيوش من الموظفين.
غير أن مهرجان فينيسيا مازال على حيويته رغم التحديات، وهو تميز بتغليبه الجانب الفني في السينما على الجانب التجاري، فهو مثلا لا ينظم سوقا للأفلام كما يفعل مهرجان كان، ولا يعرف بالتالي وجود كل تلك الأعداد من الموزعين والمنتجين، لكنه بدأ منذ نحو عشرين عاما أو أكثر، في اجتذاب الكثير من نجوم السينما في العالم، ومن الولايات المتحدة تحديدا، سواء نجوم الإخراج أو التمثيل.
هذا العام ربما لا يوجد الكثير من النجوم. صحيح ان المسابقة تتضمن 6 أفلام أمريكية لكنها من الأفلام المستقلة التي لا تعتمد عادة على كبار النجوم. ستحضر بالطبع هيلين ميرين، وناتالي بورتمان، لكن سيغيب مثلا جورج كلوني.
ويرتبط المهرجان في أذهان الكثير من السينمائيين المشاهير بحصول أفلامهم على التقدير والجوائز في هذا المهرجان قبل أن تنطلق إلى العالم وتمتد شهرة مخرجيها. ولعل من أشهر هؤلاء المخرج الياباني الراحل أكيرا كيروساوا الذي اكتشفه المهرجان عام 1950 مع عرض فيلمه "راشومون" الذي حصل على الأسد الذهبي هناك، وانطلقت منه السمعة الكبيرة التي حققها مخرجه فيما بعد.
ويعد الحصول على جائزة "الأسد الذهبي" التي توازي "السعفة الذهبية"، مفتاحا لتوزيع الفيلم في شتى أرجاء العالم (مطروحا منه العالم العربي بالطبع!). كما تميز المهرجان خلال السنوات القليلة الأخيرة بمنحه الجوائز لعدد من الأفلام التي نجحت بعد ذلك في الحصول على جوائز الأوسكار الرئيسية مثل فيلم "جبل بروكباك"، و"المصارع"، و"خزانة الألم".
الدورة الجديدة تحمل الكثير من الآمال، وربما تكون بمثابة انطلاقة للمهرجان نحو آفاق جديدة، خصوصا وأن المهرجان يستعد لافتتاح الإنشاءات الجديدة في العام القادم التي يمكن أن تحقق له اجتذاب المزيد من الجمهور والأفلام، وترسيخه كمؤسسة تعمل على مدار العام، وتستضيف الكثير من المؤتمرات مما يساهم في إحياء جزيرة ليدو الصغيرة التي يقام بها المهرجان منذ سنوات بعيدة، والتي تعاني عادة من الإهمال التام وعدم التقدم في أعمال البنية الأساسية اللازمة لازدهار أي مهرجان، أي على نطاق الفنادق والمطاعم، بسبب ما تتعرض له من كساد في معظم أوقات العام بعد أن ينتهي موسم الصيف.
السينما العربية التي كانت قد تواجدت بشكل لا بأس به العام الماضي من خلال ثلاثة أفلام مصرية داخل وخارج المسابقة، وفيلم تونسي، وآخر محسوب على الجزائر، تراجع وجودها هذا العام وانحسر في فيلمين من الأفلام التسجيلية من مصر ولبنان، هما "ظلال" لماريان خوري ومصطفى الحسناوي، و"شيوعيين كنا" لماهر أبي سمرا من لبنان. ولكن هناك طبعا فيلم "فينوس السوداء"، الذي سيعرض داخل المسابقة، للمخرج التونسي الأصل الذي يعمل في نطاق السينما الفرنسية، عبد اللطيف قشيش. وهذا في رأيي، هو الحجم الحقيقي لمنطقة غير مؤثرة في خريطة السينما العالمية، وكفت عن القيام بدورها من التأثير الثقافي والفني في محيطها العربي بما في ذلك المجال الداخلي، باستثناء السينما المصرية بالطبع، فالأفلام أصبحت تصنع لحفة من المهتمين، ونادرا ما تنجح في الوصول للجمهور عن طريق العرض العام في دور العرض، بل وأصبح السؤال المطروح ايضا هو" وأين هي دور العرض أصلا!

الجمعة، 27 أغسطس، 2010

"جنوب الحدود": مغامرة جديدة لأوليفر ستون في أمريكا اللاتينية


استمتعت شخصيا بدرجة كبيرة بالفيلم التسجيلي "جنوب الحدود" South of the Border للمخرج الأمريكي الشهير أوليفر ستون (الذي عرض خارج المسابقة في مهرجان فينيسيا).
ستون يخوض هنا مغامرة جديدة في السباحة ضد التيار السائد، ضد الإعلام الأمريكي وما يروجه من معلومات خاطئة وما يعكسه من مواقف موالية بالكامل لنظرة الإدارة الأمريكية التقليدية بل وضد موقف ورؤية وكالات الاستخبارات الأمريكية من بلدان أمريكا اللاتينية، التي تتناقض في مواقفها السياسية مع رغبة واشنطن في فرض الهيمنة عليها.
على رأس تلك البلدان فنزويلا في عهد رئيسها الممتليء بالحيوية والنشاط والذي يتحلى أيضا بشجاعة كبيرة: هوجو تشافيز.
ستون يتجول بالكاميرا، في عدد من بلدان القارة الجنوبية، فيذهب إلى فنزويلا حيث يلتقي بتشافيز، ثم إلى الأرجنتين فيقابل الرئيس السابق نيستور كيرشنر والرئيسة الحالية (زوجته) كريستينا كيرشنر، وإلى بوليفيا حيث يلتقي بأول رئيس في أمريكا اللاتينية من السكان الأصليين (يطلقون عليهم خطأ الهنود الحمر) هو الرئيس إيفو موراليس، ثم إلى البرازيل والرئيس لولا دا سيلفا، وباراجواي والرئيس فرناندو لوجو، وأخيرا إلى كوبا ورئيسها راؤول كاسترو.
يستخدم ستون المادة المصورة التي يظهر فيها بنفسه يدير الحوارات أمام الكاميرا، ويطرح الكثير من التساؤلات من وجهة نظر الأمريكي "العادي" لكنه لا يحاول بالطبع ادخال الرأي الآخر، المناقض لآراء زعماء بلدان أمريكا اللاتينية بل ويستثني رئيس كولومبيا المؤيد تماما للسياسة الأمريكية والذي تخوض بلاده حربا ضد جماعات الثوار منذ سنوات، والسبب بسيط، لأن هذا الرأي أو تلك الوجهة الأخرى، معروفة ومألوفة وشائعة، ويعرفها جميع الأمريكيين، بل والرأي العام في العالم من خلال أجهزة الإعلام السائدة مثل سي إن إن وغيرها، وهي تتلخص في إدانة هذه البلدان والحكم عليها بانتهاك حقوق الإنسان (التي يقول لنا الفيلم إنها أصبحت التهمة الجديدة بعد تهمة الديكتاتورية).
ويسخر الفيلم من اتهام تشافيز مثلا بالديكتاتورية، وتقول رئيسة الأرجنتين إنها لا تعرف بلدا في العالم أجريت فيه الانتخابات الديمقراطية 17 مرة في سنوات معدودة كما حدث في فنزويلا. ويؤكد الفيلم على أن جميع الرؤساء الذين يحاورهم ستون جاءوا إلى الحكم عن طريق الانتخابات بل إنهم فضوا دائما التصدي للعنف بالعنف، ويصور احترامهم لحق الإضراب والتظاهر في كل الظروف، باستثناء كوبا التي تنهج نهجا مختلفا، وإن كان يصور كيف يحظى النظام بالشعبية الكبيرة من جانب الطبقات الكادحة، أي الأغلبية.
المدهش أن الفيلم يكشف لنا كيف أن هذه البلدان كلها في عصر العولمة، وبعد اختفاء المنظومة السوفيتية من الوجود، انتفضت كلها متجهة في اتجاه اليسار، لكي تتمرد على قوانين واشنطن، وشروط البنك الدولي الذي توجهه الإدارة الأمريكية لمصالحها وكيف أنها تمكنت من التصدي لأكبر قوة في العالم، كما رفضت الانصياع لشروطها وشروط البنك المتخصص في اقراض دول العالم الثالث بشروط قاسية تؤدي أحيانا إلى كوارث اجتماعية وسياسية، دون أن تنهار كما يذاع علينا يوميا، ودون أن تشتعل فيها الانقلابات والثورات، بل على العكس تماما، للمرة الأولى في تاريخ تلك القارة التي كانت الولايات المتحدة تعتبرها "البيت الخلفي" لها، تقارب الحكام مع المحكومين، وأصبحت برامج الإصلاح الحقيقية توجه لمصلحة الناس وليس لمصلحة البنك الدولي والاحتكارات الأمريكية.
ويركز الفيلم بدرجة كبيرة، على تجربة تشافيز في فنزويلا، وهي من أغنى الدول بالنفط، وكيف تآمرت عليه الولايات المتحدة وأرادت الاطاحة به في انقلاب سرعان من انعكس لصالحه، وكيف تمكن من الصمود وتحويل بلاده من دولة تستورد كل قمحها من الخارج إلى دولة مصدرة، وكيف وفرت الدول التعليم والصحة لفئات كانت محرومة تماما منها.
ولعل من الجوانب المهمة التي يكشف عنها الفيلم من خلال الحوارات المكثفة مع زعماء البلدان التي اشرنا إليها، هو كيف تتضامن هذه الدول معا، في مواجهة القوة الأكبر في العالم، متحدة بموقف موحد ورأي واحد، لا تسعى للصدام بل لاحترام استقلاليتها وتوجهها المختلف.
صحيح أن هذا الفيلم من الأفلام التليفزيونية المصورة بكاميرا الديجيتال الصغيرة، وصحيح أنه يعتمد على الحوارات، لكنه يتمتع بقدر كبير من الحيوية، والجمال الداخلي، الذي يشع من مشاهد كثيرة مثل المشهد الذي يلعب فيه ستون مع رئيس بوليفيا الكرة، أو عندما يشرح رئيس باراجواي الشاب في حماسة وسخرية، كيف أنه رد على رفض الأمريكيين سحب قاعدتهم العسكرية من بلاده بأنه سيوافق على وجودها في حالة موافقتهم على وجود قاعدة لبلاده على الأراضي الأمريكية.
ويكشف الفيلم من خلال ما يدور من حوارات عما يتمتع به هؤلاء الرؤساء من ثقافة سياسية وقدرة تحليلية عالية، يجمعهم الوقوف سياسيا على اليسار أو يسار الوسط، ويدافعون جميعا عن دور الدولة في توجيه الاقتصاد، ويرفضون فكرة الاستسلام لاقتصاد السوق طبقا لشروط البنك الدولي.
وفي الفيلم جانب تعليمي مهم يساهم في إثارة الوعي لدى مشاهديه. وليت حكامنا يشاهدونه لكي يدركوا أن الأمر ممكن.. وليته يعرض على الجمهور في بلادنا لكي يعرفوا كيف يخدعهم حكامهم ليلا ونهارا بالقول إنه "ليس ممكنا"!
ملحوظة: فاجأ الرئيس الفنزويلي تشافيز جمهور المهرجان وظهر إلى جانب أوليفر ستون في المؤتمر الصحفي ليس باعتباره رئيسا، بل باعتباره الشخصية الأولى في للفيلم مما أضفى جوا من الحيوية الشديدة على المؤتمر. وقد قضى تشافيز 17 ساعة في فينيسيا قبل أن يغادرها.

الخميس، 26 أغسطس، 2010

السيميولوجيا والسينما في لغة الفيلم (الجزء الأخير)

لقطة من فيلم "على آخر نفس" أول افلام جودار


كتابة: بيتر والين
ترجمة: أمين صالح

(6)
النص شيء مادي، دلالته لا تقررها شفرة من خارجها، على نحو آلي، ولا عضوياً كوحدة كاملة رمزية، لكن من خلال استنطاقه لشفرته الخاصة. فقط من خلال هكذا استنطاق، هكذا حوار داخلي بين الإشارة والشفرة، ينتج النص فضاءات داخل المعنى. ينتج معنى من نوع جديد يتولد ضمن النص نفسه.
المؤثرات الأيديولوجية لهكذا إعادة صياغة للأسس السيميولوجية للفن ستكون ذات أهمية قصوى. إنها بعد الآن سوف لن تعيّن موقعاً لوعي القارئ أو المتفرج خارج العمل كمتلق/ مستقبل، ومستهلك، وقاض، بل ترغمه على تعريض وعيه للمجازفة داخل النص ذاته، بحيث يكون مجبراً على استجواب شفراته الخاصة، منهجه الخاص في التأويل، أثناء القراءة، وذلك من أجل إنتاج ثغرات وفجوات في فضاء وعيه.. (هي ثغرات وفجوات موجودة في الواقع لكنها مكبوحة من قِبل الأيديولوجيا التي تصر على "كلية" واستقامة كل وعي فردي). الجماليات السابقة أقرّت شمولية أو عمومية الفن المؤسس إما في عمومية "الحقيقة" أو عمومية "الواقع". الحركة الحديثة، للمرة الأولى، هشمت هذه العمومية أو الشمولية إلى قطع وأصرّت على خصوصية وتفرّد كل فعل من أفعال قراءة النص، والعملية المتعددة لحل الشفرات، التي فيها انتقال الشفرة يعني العودة إلى إشارات كانت في السابق محلولة شفرتها، والعكس بالعكس، بحيث أن كل قراءة كانت عملية مكشوفة، قائمة في فضاء مفتوح.
علم الجمال الكلاسيكي كان دوماً يثبّت وحدةً وتماسكاً أساسياً إلى كل عمل. الحداثة تأتي لتمزق هذه الوحدة والانسجام. إنها تفتح العمل داخلياً وخارجياً معاً، ونحو الخارج. هكذا لا تعود هناك أعمال مستقلة ومنعزلة، أشبه بوحدات، وكل عمل مسيّج في فردانيته الخاصة، عالمه المطلق، وحْدته الكلية. الحداثة تنتج أعمالاً لا تعود مندفعة نحو المركز، متماسكة بفعل محاورها الخاصة، بل هي مندفعة بعيداً عن المركز، رامية القارئ خارج العمل ونحو أعمال أخرى.
في الماضي، صعوبة القراءة كانت ببساطة تكمن في العثور على نظام شفري صحيح، في تفسير غموض ما، أو التباسات، أو مساحات من الجهل. ما إن تصير الشفرة معروفة حتى تصبح القراءة آلية. لكن الحداثة تجعل القراءة صعبة من وجهة أخرى، ليس في العثور على الشفرة أو إدراك الأفكار والمضامين، بل في جعل عملية حل الشفرة نفسها مسألة صعبة، فأن تقرأ يعني أن تعمل. القراءة تصبح إشكالية، والمضمون لا يصير مرتبطاً بالإشارة بواسطة أي رابط. إنه، على نحو غير مقصود، منفصل، مكبوح، معطل، بحيث يتعيّن على القارئ أن يلعب دوره الخاص في إنتاجه. في الوقت نفسه، النص، من خلال فرض ممارسة القراءة هذه، يعطل خرافة الوعي المتفتح للقارئ. العقل يصبح منتجاً، إنه يعمل. تماماً كما المؤلف الذي لا يعود "يجد" كلماته، لكن يجب أن "ينتج" نصاً، كذلك القارئ يجب أن يعمل ضمن النص. الصورة القديمة للقارئ بوصفه مستهلكاً قد تهشمت وتبدّدت.
النص إذن لا يعود وسطاً شفافاً. إنه شيء مادي والذي يوفّر الشروط لإنتاج المعنى، ضمن كوابح تعيّن نفسها. النص مفتوح أكثر مما هو منغلق. متعدد أكثر مما هو أحادي. مثمر أكثر مما هو مستنفد. ومع أنه من إنتاج فرد، هو المؤلف، إلا أنه لا يمثّل، أو يعبّر ببساطة عن، أفكار المؤلف، إنما يوجد ويحيا بذاته، بحكم حقه الشخصي.
الكاتب والقارئ هما، على نحو حيادي، نقّاد للنص. من خلال تعاونهما تكون المعاني منتَجة على نحو جماعي. في الوقت نفسه، هذه "المعاني" لها تأثيرات؛ تماماً كما النص، بتقديم إجراءاته في حل الشفرة الخاصة، يستنطق نفسه، بحيث أن القارئ أيضاً يجب أن يستنطق نفسه، أن يخرق فقاعة وعيه ويولج فيه الصدوع والتناقضات والأسئلة التي هي إشكالية.


(7)
هذا هو السياق الذي فيه ينبغي رؤية أفلام جودار.. هذه الأفلام التي تمثّل استجواباً، وإعادة استجواب مستمر، لبنى صنع الفيلم المسلّم بها من قِبل صانع الفيلم والمتفرج. إنها ليست ببساطة مسألة تجاور لأساليب مختلفة أو لوجهات نظر مختلفة، بل مسألة التحدي النظامي للافتراضات التي تشكّل الأساس لتبني أسلوب ما أو وجهة نظر ما.

في أفلام جودار الأولى، البنية السردية والدرامية مسلّم بها جدلاً، لكن الشخصيات في الأفلام تستجوب بعضها البعض بشأن الشفرات التي تستخدمها في ما يتصل بمصادر سوء الفهم وعدم الإدراك. بعد ذلك، وفيما مسيرته تستمر، هو يبدأ، أكثر فأكثر، في استجواب، ليس الاتصال الخاص بالعلاقات بين الشخصيات، بل الاتصال الذي يمثله الفيلم نفسه. وأخيراً، هو بدأ يرى إلى صنع الفيلم ليس كتوصيل على الإطلاق بل كإنتاج نص فيه معضلات صنع الفيلم نفسها تكون مطروحة. هذا مظهر سياسي لسينما جودار، تماماً كما الجدل والتضمين السياسي على نحو صريح.
بجعل الأشياء "صعبة" على المتفرج بهذه الطريقة، وبوضع حد لتدفق أفلامه، جودار يجبر المتفرج على استجواب نفسه بشأن كيفية النظر إلى الأفلام، سواء كمستهلك سلبي يحكم على خارج العمل، مسلّماً بالشفرة التي يختارها المخرج، أم داخل العمل كمشارك في الحوار.
أعمال جودار هامة، خصوصاً للسينما، لأن في هذا المجال، أكثر من أي شكل فني آخر، الغموض السيميولوجي يكون ممكناً.. هذا بسبب الصفة الدلالية – الأيقونية الغالبة على معظم الأفلام و"الإيهام بالواقع" الذي توفره السينما.
يبدو أن السينما تحقق الحلم القديم بتقديم وسيلة اتصال فيها الإشارات الموظفة هي نفسها متماثلة مع العالم الذي هو موضع التفكير. المنظرون الواقعيون يرون في السينما الشكل الثري القادر على تقديم المظهر والجوهر معاً، المظهر الفعلي للعالم الواقعي وحقيقته معاً. العالم الواقعي يعود إلى المتفرج وهو مصفّى بالتخلّل عبر عقل الفنان، الرائي، الذي يرى ويعرض معاً.
بالسعي لجعل السينما وسطاً تقليدياً فإنهم يسلبون منه إمكانيته كعالم بديل، أفضل، أنقى، وأصدق. تلك التنظيرات ترتكز على تضليل رهيب: فكرة أن الحقيقة تكمن في العالم الواقعي ويمكن التقاطها بالكاميرا. إذا كان الوضع كذلك، فإن كل شخص سوف يمتلك حرية الوصول إلى الحقيقة، بما أن كل شخص يعيش حياته كلها في العالم الواقعي. بينما ليس للحقيقة أي معنى ما لم يكن لديها قوة تعليلية، ما لم تكن معرفة، نتاج تفكير. أفراد مختلفون قد يختبرون حقيقة الفقر لكن ذلك قد يُنسب إلى أسباب مختلفة: مشيئة الله، سوء الحظ، ندرة طبيعية، الرأسمالية. جميعهم عاشوا تجربة فقر حقيقية، لكن كل واحد منهم يعرف عن هذا الفقر بشكل مختلف عن غيره. الشيء نفسه ينطبق على أشعة الشمس: كل شخص يختبرها لكن قلة من الناس يعرفون شيئاً عن الشمس من الناحية العلمية. الواقعية هي في الحقيقة، كما كانت تاريخياً، ثمرة الرومانتيكية. الرومانتيكي، على نحو نموذجي، يرتاب في المعرفة العلمية أو لا يهتم بها.


(8)
"نظرية الفيلم" (المخرج بوصفه مؤلفاً لفيلمه)، كما أفهمها، تصر على ضرورة أن يشتغل المتفرج على قراءة النص. مع بعض الأفلام، هذا الفعل يكون غير مجد وغير مثمر، لكن مع أفلام أخرى، الأمر لا يكون كذلك. في هذه الحالات، بمعنى معين، الفيلم يتغيّر، يصبح فيلماً آخر. لا يعود ممكناً النظر إليه بالعيون ذاتها. ليس هناك من تجربة متكاملة، حقيقية، يتمتع بها الناقد وإليها يحاول أن يرشد الآخرين. قبل كل شيء، تجربة الناقد ليست متجذرة أساساً في جوهر الفيلم نفسه.
الناقد ليس في قلب المسألة. إنه شخص يثابر على تعلّم مشاهدة الفيلم على نحو مختلف، وهو قادر أن يحدّد الآليات التي تجعل هذا ممكناً. هذه ليست مسألة "قراءة في" أو إسقاط اهتمامات الناقد الخاصة في الفيلم. أي قراءة للفيلم ينبغي أن تكون مبرّرة بتفسير لكيفية اشتغال الفيلم نفسه على جعل هذه القراءة ممكنة. القراءة الفردية لا تعطينا المعنى الحقيقي للفيلم. إنها ببساطة قراءة تنتج معنى إضافياً.
مرّة أخرى، من الضروري الإلحاح على أنه في غياب أي معنى حقيقي، جوهري، لا يمكن أن يكون هناك أي نقد كامل، والذي يقرر ويوطّد تأويل فيلم ما نهائياً وعلى نحو حاسم. علاوة على ذلك، بما أن المعنى ليس متضمناً على نحو متمم في أي فيلم، فإن أي حل للشفرة قد لا ينطبق على النطاق كله. النقد التقليدي يبحث دوماً عن الشفرة التي يمكن فهمها، والتي سوف تمنح التأويل التام، مغطيةً كل تفصيلة. الجماليات الكلاسيكية والرومانتيكية معاً تؤمن أن كل تفصيلة ينبغي أن تمتلك معنى: الكلاسيكية لأنها تؤمن بالشفرة الشائعة، العامة. والرومانتيكية لأنها تؤمن بالوحدة العضوية التي فيها كل تفصيلة تعكس ماهية أو جوهر الكل.
نظرية المؤلف تظهر أن أي حل للشفرة عليه أن يتنافس، في السينما، مع جلبة من الإشارات المشفرة على نحو مختلف. وراء ذلك، هناك وهْم التفكير في أي عمل بوصفه كاملاً بذاته، بوصفه وحدة معزولة والتي علاقتها مع أفلام أخرى، مع نصوص أخرى، تكون منضبطة ومتحكم فيها بحرص لتفادي التلوّث.
النص، بتعبير أوكتافيو باث، شيء يشبه الآلة التي تنتج المعنى. فضلاً عن ذلك، معناه ليس محايداً، ليس شيئاً ينبغي ببساطة امتصاصه من قِبل المستهلك.
معنى النصوص يمكن أن يكون مدمراً للشفرات المستعملة في نصوص أخرى، والتي قد تكون شفرات مستعملة من قِبل المتفرج أو القارئ الذي يجد شفراته المألوفة عرضة للتهديد.
كلنا نعلم أن "دون كيخوته" كان مدمراً لقصص القرون الوسطى التي قوامها المغامرات الفروسية. ونعلم أيضاً أن "يوليسيس" كانت مدمرة لرواية القرن التاسع عشر. لكن يبدو أن من الصعب الإقرار بهذه التدميرية.
* عن كتاب Signs and Meaning in the cinema, 1969

الاثنين، 23 أغسطس، 2010

مهزلة سرقة زهرة الخشخاش في مصر

* قام كل الموظفين في متحف محمود خليل في القاهرة لأداء الصلاة فانتهز اللص الفرصة وسرق لوحة "زهرة الخشخاش" لفان جوخ التي يبلغ ثمنها 55 مليون دولار!
* الوزير (من الوِزر) فاروق حسني قام "بتلبيس" القضية لوكيل أول وزارة الثقافة محسن شعلان (فنان تشكيلي) والمسؤول عن كل متاحف مصر، فقبضوا على المسكين ووضعوا القيود الحديدية في يديه، ووجه الوزير تعليماته إلى مدير مكتبه وخادمه الأمين، الجنرال فاروق عبد السلام (لواء سابق بالجيش) لكي يشهد ضد شعلان ويكيل له الاتهامات بالتقصير أمام النائب العام. أولا من قال إن الفنان التشكيلي أي الرسام، يصلح لأن يكون مسؤولا عن إدارة متاحف الدولة في أي دولة، وليت أحدا يذكر لي مثالا واحدا مشابها في أي دولة متحضرة أو شبه متحضرة في العالم.
ثانيا: من قال إن الجنرالات يصلحون لتولي مناصب في وزارات الثقافة وما مدى معرفة فاروق عبد السلام الذي دُرب أصلا على استخدام المدفعية، بفان جوخ أو غيره؟ وإذا كان الجنرالات سيعملون بالثقافة فمن الذي سيخوض حروب "الأمة" ضد العدو المفترض.. أقصد حزب الله طبعا!
ثالثا: إذا كان ما يقوم به الموظفون في المصالح الحكومية المصرية في أوقات العمل عندما يهبون جميعا إلى الصلاة ويتركون أعمالهم يجب أن يكون نموذجا للجميع في عصر "اللوثة الدينية" التي لا علاقة لها بالتدين، فلماذا لا يقوم جنود وضباط الجيش المصري بالتجمع لأداء الصلاة في أقرب مسجد (من خط النار) لكي يورطوا "حزب الله" ويجعلوه "يفوت" الفريضة، وينتهز الفرصة ويتسلل وراء الخطوط لضرب إسرائيل! ولكن السؤال هنا: ومن الذي سيحمي أبو الهول في هذه الحالة؟

السيميولوجيا والسينما في لغة الفيلم (الجزء الثالث)

صورة نادرة تجمع بين جودار والفيسلوف جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار
كتابة: بيتر والين
ترجمة: أمين صالح
(4)
في السينما، يبدو جلياً تماماً أن المظاهر الدلالية والأيقونية هي الأكثر فعالية. المظهر الرمزي محدود وثانوي. لكن من الأيام الأولى للسينما كان هناك ميل مثابر، مع أنه مفهوم، لتضخيم أهمية التشابهات مع اللغة الشفهية. السبب الرئيسي لهذا كان الرغبة في تثبيت وضع السينما بوصفها فناً.
على نحو بيّن، الكثير من التأثير الذي مارسه أندريه بازان كان ناشئاً عن قدرته على رؤية المظهر الدلالي للسينما باعتباره جوهرها – والمنتقص من شأنها بالطريقة نفسها – مع ذلك، وفي الوقت نفسه، يحتفي بمكانتها الفنية. بازان أبداً لم يجادل بشأن الفارق بين الفن واللا فن داخل السينما. كان يميل إلى قبول أي شيء بوصفه فناً.
الغنى الجمالي للسينما ينشأ من حقيقة أنها تتضمن كل الأبعاد الثلاثة للعلامة: الدلالي، الأيقوني، والرمزي. المأخذ الأكبر على كل الذين كتبوا عن السينما هو أنهم تناولوا بعدا واحدا من هذه الأبعاد، جاعلين منه أساس الجمالية والبعد الجوهري للعلامة السينمائية، وأهملوا الأخرى. هذا يفضي إلى إفقار أو إضعاف السينما.
فضلاً عن ذلك، لا يمكن إهمال أي من هذه الأبعاد، أو التقليل من أهميته. إنها حاضرة معاً. الحسنة العظيمة لتحليل بيرس للعلامات أنه لم يرَ المظاهر المختلفة بوصفها وحيدة، غير مختلطة، على نحو متبادل. وهو، بخلاف سوسير، لم يُظهر أي تحيّز خاص لصالح مظهر أو آخر. في الواقع، هو أراد علم منطق وعلم بلاغة مبني على كل المظاهر الثلاثة.
فقط بتأمل التفاعل بين الأبعاد المختلفة الثلاثة للسينما يكون بإمكاننا أن نفهم تأثيرها الجمالي.
لقد رأينا كيف أن استخدام سوسير للرمز لا ينسجم مع استخدام بيرس. بالنسبة لبيرس، العلامة اللغوية هي رمز، بالمعنى الضيّق والعلمي. بالنسبة لسوسير، العلامة اللغوية هي اعتباطية في حين أن..
"إحدى ميزات الرمز هو أنه لا يكون أبداً اعتباطياً على نحو كلي. هو ليس خاوياً، ذلك لأن هناك بقايا رباط طبيعي بين الدال والمدلول. إن رمز العدالة، كفتيّ الميزان، لا يمكن استبداله بأي رمز آخر".
ما الذي ينبغي أن نقوله عن المطرقة والمنجل، الصليب المسيحي، ميزان العدالة؟ لابد أن نميّز بوضوح بين الوصف أو الصورة والشعار. الصورة، على نحو غالب، هي أيقونية، بينما الشعار علامة مختلطة.. أيقونية جزئياً، رمزية جزئياً. فضلاً عن ذلك، هذه الصفة المزدوجة للعلامة الرمزية أو المجازية يمكن أن تكون مستثمرة على نحو صريح وعلني. الشعارات هي متقلبة، غير مستقرة، قابلة للتغيّر: قد تتطور إلى علامات رمزية أو تتراجع لتصبح أيقونية.
ليسنج Lessing رأى المعضلة بوضوح أشد. الرمزي أو المجازي، كما يعتقد، هما ضروريان للفنانين التشكيليين، لكن ليس للشعراء.. إنهما هنا فائضان، زائدان عن الحاجة، ذلك لأن اللغة اللفظية، التي لها الأسبقية، هي رمزية بذاتها.
يقول ليسنج: "الميزان في يد العدالة هو بالتأكيد أقل مجازية محضة، لأن الاستخدام الصحيح للميزان هو حقاً جزء من العدل. لكن القيثارة أو الفلوت في يد إلهة الغناء، أو الحربة في يد إله الحرب، أو المطرقة والملقط في يد إله النار، هذه الأشياء كلها ليست رموزاً بل مجرد أدوات".
يتعيّن على الرسامين أن يخفضوا الرمزي إلى الحد الأدنى. كان ليسنج يتطلع إلى فن والذي سيكون أيقونياً محضاً. الذي حدث أن، فيما كان الرمزي يُقصى، الدلالي بدأ في جعل نفسه محسوساً. وبدأ الرسامون في الاهتمام بعلم البصريات وسيكولوجيا الإدراك الحسّي.
قال كوربيه: "أنا أؤكد أن الرسم أساساً فن مادي، ملموس، ولا يمكن إلا أن يتألف من تمثيل للأشياء الحقيقية والكائنة. إنها لغة فيزيائية تماماً، مفرداتها تتألف من كل الأشياء المنظورة. الشيء الذي هو تجريدي، غير مرئي، غير كائن، هو ليس ضمن عالم الرسم (..) الجمال يوجد في الطبيعة، ويمكن الالتقاء به مصادفةً وسط الواقع، تحت أكثر المظاهر تنوعاً وتعدداً. حالما يتم العثور عليه هناك فإنه ينتسب إلى الفن، أو بالأحرى إلى الفنان الذي يعرف كيف يراه هناك. حالما يكون الجمال حقيقياً ومرئياً فإنه يحصل على تعبيره الفني من هذه الخاصيات ذاتها. ليس للوسيلة الفنية الحق في تضخيم هذا التعبير. بالتدخل في ذلك، يجازف المرء بتحريفه، وبالتالي إضعافه. الجمال الذي تقدمه الطبيعة أسمى من كل تقاليد الفنان".
في السينما، سيكون أمراً مضللاً تماماً تأييد بعْدٍ واحد، على نحو أحادي الجانب، وجعله شرعياً على حساب كل الأبعاد الأخرى. ليس هناك سينما نقية، خالصة، معتمدة على ماهية واحدة، ومختومة بإحكام منعاً لأي تلويث.
من فيلم "ألغاز الكائن البشري" لمكافييف
هذا يعلّل قيمة مخرج مثل جان- لوك جودار، الذي لا يخشى من دمج هوليوود مع كانت وهيجل، مونتاج إيزنشتاين مع واقعية روسيلليني، الكلمات مع الصور، الممثلين المحترفين مع شخصيات تاريخية، لوميير مع ميليه، الوثائقي مع الأيقوني.
أكثر من أي مخرج آخر، جودار أدرك الإمكانيات الرائعة للسينما بوصفها وسطاً للاتصال والتعبير. على يديه، كما في علامة بيرس المثالية، أصبحت السينما مزيجاً متساوياً تقريباً للرمزي والأيقوني والدلالي. أفلامه تمتلك المعنى المفاهيمي، الجمال التصويري، والحقيقة الوثائقية. بالتالي لم يكن مفاجئاً انتشار تأثيره بين المخرجين عبر العالم.
إن صانع الفيلم محظوظ لأنه يعمل في أكثر الوسائط تركيبيةً سيميولوجياً، وأكثرها ثراءً جمالياً. بإمكاننا أن نردد اليوم ما قاله أبل جانس قبل أربعة عقود: "لقد حان زمن الصورة".
(5)
الاختراقات العظيمة في الأدب والرسم والموسيقى، الضربات التي هشّمت (أو كان ينبغي أن تهشم) الجماليات التقليدية، حدثت في السنوات التي سبقت الحرب العالمية الأولى، حين كانت السينما تعيش طفولتها، في المرحلة الأولى من نشوئها، في زمن بروز عالم الفودفيل (مسرح المنوعات)، وصناديق الفرجة والمسارح الرخيصة. تلك كانت مرحلة الرسومات التجريدية الأولى، القصائد الصوتية الأولى، الفرق الموسيقية الضاجة الأولى. كانت كذلك فترة انطلاق فكرة السيميولوجيا على يد سوسير في محاضراته بجنيف، وعندما كان فرويد يقدم أكثر اكتشافاته أهميةً.
تحديداً، لأن السينما كانت فناً جديداً، فقد احتاجت تلك الاختراقات وقتاً لكي تمارس تأثيرها. التأثير الأول للحركة الحديثة على السينما حدث في العشرينيات. المثال الأكثر وضوحاً لهذا هو، بالطبع، إيزنشتاين. في الوقت نفسه ظهرت أعمال الحركة الطليعية الباريسية - ليجيه، مان راي، بونويل – ومخرجي الأفلام التجريدية مثل إيجلنج، هانز ريختر. في ألمانيا كانت الحركة التعبيرية تتغذّى في السينما في هيئة أفلام مثل: مقصورة الدكتور كاليجاري.
لكن عندما نلتفت إلى الوراء، نستطيع أن نرى كم كان ظاهرياً هذا الاتصال الأول، وكيف كان مطموساً تماماً خلال الثلاثينيات. في روسيا، انطلقت الواقعية الاشتراكية وتعرضت السينما الطليعية، التي برزت في العشرينيات، للمحاربة. في ألمانيا، وصول الحزب النازي إلى السلطة أجهض كل إنجازات التعبيرية والطليعية. تلاشت التجارب المبكرة للمخرجين ليجيه وريختر. بونويل سلك سبيله الخاص. فيشنجر اكتفى بالعمل لصالح شركة ديزني في الثلاثينيات. وإذا كان هناك أي وجود للطليعية في تلك الفترة فيمكن العثور عليها في الحركة الوثائقية.. التي هي بالتأكيد من أكثر المحاولات الطليعية محافظة واعتدالاً.
بروز الفيلم الناطق، والتوسع السريع للاقتصاد الأمريكي والنفوذ السياسي بعد الحرب، أدى ذلك إلى هيمنة هوليوود في أغلب أقطار العالم. في هذا المحيط كان بوسع مخرج مثل أورسون ويلز أن يظهر كمجدّد وتجريبي خطير، وأن يظهر روسيلليني كثوري، وهمفري جيننغز كشاعر. اليوم تبدو هذه التقديرات والتقييمات عبثية. لقد حدث تغيّر كامل، إعادة تقييم، تحوّل للبؤرة التي جعلت تاريخ السينما شيئاً مختلفاً. إيزنشتاين أو فيرتوف يبدوان معاصرين وليسا ممن تجاوزهم الزمن. ويلز وجيننغز يبدوان محافظين وقديمين. مع ذلك، هذا التغيّر الذي نلمسه مؤخراً، والنتائج الكاملة له، ليست محسوسة بوضوح. كل المعالم، ونقاط التحول، القديمة تتلاشى في سديم الزمن.
ما الذي حدث؟ في الواقع، حدث أمران: الأول، صعود حركة الأندرجراوند، خصوصاً في أمريكا. وهذا كان نتاج ثلاثة عوامل: شعراء ورسامون يحترفون صنع الأفلام، استقرار فناني الحركة الطليعية الأوربية في أمريكا (ريختر وآخرون)، الانحراف عن السرب السائد في هوليوود. هناك أيضاً الشرط الاقتصادي المسبق: تيسّر الأجهزة والمعدات، والمال اللازم لشرائها. في سياق الأندرجراوند، كان صنع الفيلم يُرى كامتداد للفنون الأخرى. لم يكن هناك أي محاولة للتنافس مع هوليوود بتحقيق أفلام درامية طويلة (باستثناء قلة من المخرجين) وقد احتاجت الأندرجراوند إلى فترة طويلة من الزمن لكي تعرض أفلامها في صالات السينما.
التطور الرئيسي الثاني نجده في الطريقة التي بها نشأت الموجة الجديدة الفرنسية، دافعة إلى الوراء التخوم التقليدية لسينما "الفن". وكان لمخرج مثل جودار تأثير هائل.
فيلم مثل WR- Mysteries of the Organism (ألغاز الجسد) للمخرج اليوغوسلافي دوشان ماكافييف، يستثمر حتى الحد الأقصى الاحتمالات السيميولوجية للفيلم في مزجه للوثائقي، الحقيقي، القصاصات الأرشيفية، هوليوود، مونتاج.. الخ.
من الضروري عند هذه النقطة القيام باستطراد، برسم الخلفية التي عليها يعمل جودار، والتي عليها انبثقت "الحركة الحديثة" في الفنون الأخرى.
القرن العشرون شهد هجوماً على الفن التقليدي وعلى علم الجمال الذي مهّد الأسس لفن ثوري لم يتعزّز ويتماسك بعد. محتمل أن هذا التماسك لا يمكن له أن يحدث على نحو مستقل، وبمعزل عن حركة المجتمع وحركة السياسة. الحالة البطولية الأولى للحركة الطليعية في الفنون تزامنت، برغم كل شيء، مع الحالة السياسية التي قادت من 1905 إلى ثورة أكتوبر 1917. أفلام جودار مرتبطة بالاحتدام السياسي الذي بلغ ذروته في أوروبا في مايو 1968.
لكن من الممكن، مع ذلك، على المستوى النظري، محاولة شرح ما سوف يستلزمه هذا الانقطاع المحتمل مع الماضي لو تحقق. هذا يثير مشكلات بشأن طبيعة الفن، مكانه في الإنتاج الفكري، الأيديولوجيا والفلسفة اللتين تدعمان أساسه.

الأحد، 22 أغسطس، 2010

بلاد مسلسلات


أرجو ألا يغضب أصدقائي الذين يكتبون ويخرجون المسلسلات التليفزيونية من هذه الكلمة، وكذلك أصدقائي من هواة الفرجة عليها، فقد توقفت منذ أكثر من عشرين سنة، عن مشاهدة مسلسلات التليفزيون التي يطلق عليها البعض (أو تقريبا معظم الناس حاليا) تسمية خاطئة هي "الدراما"، وكأن الدراما لا تكون إلا في المسلسلات فقط.
والحقيقة أن التعبيرات الخاطئة أصبحت تطغى بشكل محير على حياتنا، لأن أحدا، حتى من الذين يمسكون بالقلم من الصحفيين، لا يمتنعون عن تصحيحها فقط، بل إنهم مسؤولون عن هيمنتها بحكم استخدامهم الدائم لها في تعليقاتهم الصحفية. فهناك مثلا تعبير "فيديو كليب" video clip الذي يقصد به عادة، الأغنية التليفزيونية أو المصورة بكاميرا الفيديو، بينما تعبير "فيديو كليب" بالإنجليزية له معنى مختلف تماما في لغة التليفزيون في بلاد الإنجليز والأمريكان التي ينقل البعض عنها بدون فهم أو أساس معرفي.
أعلم أن هناك بعض المسلسلات التي يبذل فيها كتابها ومخرجوها جهدا كبيرا، ويحاولون تطويرها، سواء منناحية نوعية المواضيع التي يطرحونها، أو شكل المعالجة، أو أسلوب التصوير والإخراج. وهذا "العلم" يأتيني من خلال أصدقاء أثق في أحكامهم ونظرتهم للأمور الفنية والجمالية، لأنني لست من سعداء الحظ الذين يشاهدون ما يشاهده الملايين من مسلسلات. والسبب؟ أسباب كثيرة منها أولا، وأساسا، أنني لا أحب فكرة أن يعتقلني أحد، أيا كان، وتحت أي مبرر أو مسمى، ويحبسني طوال ثلاثين يوما متتالية في بيتي كل مساء، للفرجة على ما أبدعته قريحته. فهذا أصلا، أمر يتنافى مع حقوق الإنسان، أي حقه في اختيار الموعد المناسب للمشاهدة. فأنت عندما تقرر الذهاب إلى السينما لمشاهدة فيلم معين مثلا، فأنت الذي تختار الموعد المناسب لك، وأنت تعرف مسبقا أن زمن عرض الفيلم لا يتجاوز ساعتين أو ساعتين ونصف في معظم الأحوال، ثم ينقضي الأمر. ولا يصبح مطلوبا منك العودة إلى دار السيمنا لمشاهدة بقية الفيلم. أما أن تتابع يوميا في ساعة معينة، مسلسلا قد يتجاوز أحيانا الثلاثين حلقة، فهو أمر لا يمكن احتماله أصلا، لا نفسيا ولا عمليا، فإذا كان أمامك شيء مهم لابد من إنجازه مثلا، أو موعد مهم، أو عمل يشغلك في إحدى الأمسيات المسلسلية، فسوف تفوتك مشاهدة بعض الحلقات، وتفقد بالتالي القدرة على المتابعة.
الأمر الثاني الذي أراه مهما، أن "المسلسل" شكل فني مستحدث ومفتعل لأغراض تجارية بحتة، فالهدف الأساسي للمسلسل هو الحصول على أكبر قدر من الفقرات الإعلانية التي غالبا ما تقطع حتى بدايته في أكثر الأشكال التجارية استفزازا، وهو ما يؤكد أن الهدف الأساسي هو شد المتفرجين إلى الشاشة لكي يبتلعوا تلك الإعلانات التجارية عن الصابون والبامية وزيت الطعام وأدوات التجميل وغيرها. أي أن المسلسل يرتبط بالضرورة، بعملية استلاب وتفريغ للعقل والاستسلام للهاث "السلعي" الرأسمالي، الاستهلاكي، التافه!
الأمر الثالث أنني لا أعتبر المسلسل "فنا" من الفنون المعروفة.. فالفنون السبعة لا تعرف أبدا شكل التسلسل أو الحلقات، فلا توجد مثلا لوحة تشكيلية مسلسلة يمكنك أن تشاهدها بالقطعة، كل يوم قطعة، ولا قصيدة مسلسلة، ولا مسرحية تعرض على حلقات، ولا تمثال يمكن تقسيمه إلى أجزاء تعرض بالواحدة. والفنان بالتالي، أي فنان، مثل الشاعر والروائي والمسرحي والرسام والنحات والسينمائي، لا يفكر بعقلية من يصنع "مسلسلا" بل هو يبدع عملا مكتملا متكاملا غير متجزيء. وهو ما يؤكد فكرتي عن أن مفهوم "المسلسل، أساسه تجاري واستهلاكي وإعلاني ولا ينتج أصلا بدافع فني. ومن زاوية أخرى أجد أن في المسلسلات دائما تكرارا هائلا، وتراكما تصاعديا مرعبا، في الشخصيات، والأجيال، والأحداث، والانماط، كما أجدها كلها مليئة بالثرثرة المستمرة، والخطب الرنانة، والمواعظ الأخلاقية التي تتردد في الحلقة الواحدة عشرات المرات، وهو أمر مثير، ليس فقط للملل، بل للشفقة أحيانا، على صناع المسلسل مهما كانوا حرفيين مهرة، أو خبراء في هذا النوع، فلابد في النهاية من انفلات الإيقاع.
ومازلت أتذكر ما قاله لي كاتب سيناريو من الجيل المخضرم (رحمه الله)، وكان كاتبا متميزا كتب الكثير من الأفلام السينمائية الجيدة. فقد قال لي عندما سألته لماذا لا يكتب للتليفزيون، إنه لا يستطيع تحويل مشهد يقتضي اثنتي عشرة لقطة أو أكثر إلى ثلاث أو أربع لقطات، لأن لا أحد سيمنحك تلك الحرية.
وربما يكون بعض المخرجين السوريين قد تمكنوا من تعويض عدم توفر فرصهم في إخراج الافلام، في المسلسلات التي يخرجونها، أقصد من ناحية استخدام تقنيات السينما وأساليبها الفنية. ولكن مرة أخرى، فالمسلسل هنا ليس حالة "أصيلة"، أو اختيار إبداعي، فأنا على ثقة أنه لو توفرت الفرصة أمام نجدت أنزور مثلا لإخراج أفلام سينمائية، فسوف يهجر المسلسلات رغم أنها تدر عليه وعلى زملائه بالتأكيد، ذهبا (اللهم لا حسد!!).
تصادف مساء أمس أن كنت أتناول الطعام أمام التليفزيون فشاهدت (دون أن أقصد) نحو عشرين دقيقة من أحد المسلسلات، فهالني ما شاهدت: عشرات الشخصيات التي تتحرك هنا وهناك، في ديكورات مكشوفة ومعروف أين أقيمت، من الصعيد إلى القاهرة، ومن جيل الشباب، إلى العواجيز، ومن الريف إلى المدينة، ومن الرقص إلى التجهم، والغيرة، والحب، والدلع والدلال، والفساد الاجتماعي والسياسي، و"رجال الأعمال" الذين أصبحوا هم أصل "البلاوي" وخراب الديار!
وتساءلت: ما الجديد في كل هذا؟ ما الذي يرمي إليه كاتب المسلسل حقا؟ هل هو ضد فساد الطبقة الجديدة أو طبقة "الاثرياء الجدد" التي يطلقون عليها طبقة رجال الأعمال الآن؟ وما الجديد في هذا إذا كنا قد قتلنا هذا الظاهرة بحثا وتنقيبا وتسلسلا في صحفنا وكتبنا وإذاعاتنا وقنواتنا وبرامجنا المفتوحة والمشفرة؟ وهل الذين يكتبون مسلسلات ضد الفساد، وضد التوريث، وضد... ليسوا ضالعين هم أنفسهم في الفساد على طريقتهم الخاصة؟ ألم يدخلوا أولادهم معهد السينما بالوساطة والمحسوبية؟ ألا يحاولون أن يورثوا أبناءهم مهنتهم، فالمخرج يريد أن يجعل ابنه مخرجا، والممثل يجعل ابنه ممثلا.. ولو رغم أنوفنا.. كما هو واضح وبين أمامنا في الكثير من المسلسلات المعروضة حاليا!
إن المسلسل الأكثر إثارة للاهتمام في رأيي، هو ما يجري يوميا على أرض الواقع، لكن هناك من يريدون للجماهير العريضة أن تجلس في منازلها، تتابع ما يجري على الشاشة الصغيرة، عبر المسلسلات، حتى تجعل من طقس الفرجة، طقسا تعويضيا بديلا عن "الفعل".. وهذا هو المطلوب.. أليس كذلك!

الخميس، 19 أغسطس، 2010

السيميولوجيا والسينما في لغة الفيلم (الجزء الثاني)


كتابة: بيتر والن

ترجمة: أمين صالح



(2)
رولان بارت (مواليد 1915، مؤلف "الكتابة في درجة الصفر" 1953، و"عناصر السيميولوجيا" 1964) كنتيجة لبحوثه في لغة الأزياء، استنتج أن من المستحيل الإفلات من الحضور المتخلل للغة الشفوية. الكلمات تدخل في محادثة ذات نظام آخر إما لتثبيت معنى غامض وملتبس، مثل نعت أو عنوان، أو للمساهمة في المعنى الذي لا يمكن توصيله بطريقة أخرى، مثل الكلمات المدوّنة في المساحات الأشبه بالفقاعات في الرسوم الهزلية. الكلمات إما تثبّت المعنى في موضعه أو تنقله.
فقط في حالات نادرة جداً يمكن للنظم غير الشفوية أن توجد بلا دعم إضافي من الشفرة الشفوية. حتى النظم المعطاة شكلاً أو مضموناً عقلانياً، والمتطورة جداً، مثل الرسم والموسيقى، باستمرار تلتمس العون من الكلمات، خصوصاً في المستوى الشعبي الرائج: الأغاني، الرسوم المتحركة، الملصقات الدعائية.
في الواقع، سيكون ممكناً كتابة تاريخ الرسم بوصفه دالاً على العلاقة المتحولة بين الكلمات والصور. أحد الإنجازات الأساسية لعصر النهضة كان في إبعاد الكلمات عن حيّز الصورة. مع ذلك، كانت الكلمات على نحو متكرر ترغم نفسها على العودة وتفرض حضورها. إنها تعاود الظهور في لوحات إل جريكو، على سبيل المثال، وفي لوحات دورير وهوجارث. بوسع المرء أن يقدّم أمثلة لا تحصى. في القرن العشرين، عادت الكلمات بإفراط.
في الموسيقى، الكلمات لم يتم إبعادها والتخلّص منها إلا مع بداية القرن السابع عشر. الكلمات فرضت نفسها في الأوبرا، في الموشّحات الدينية، في اللّيْدة (أغاني ألمانية). أما السينما فكانت حالة جلية أخرى في صميم الموضوع. بضع أفلام صامتة تم تحقيقها بدون عناوين.
لقد توصل رولان بارت إلى نتيجة مفادها أن السيميولوجيا ربما تكون مرئية على نحو أفضل كرافد لعلم اللغة بدلاً من أن تكون العكس. هذا يبدو استنتاجاً يائساً. الفرع ينتهي بأن يصبح "الأكثر تعقيداً وشموليةً" إلى حد أنه يغمر الكل.
مع ذلك، فإن تجربتنا مع السينما توحي بأن التعقيد الكبير للمعنى يمكن التعبير عنه من خلال الصورة. بالتالي، لأخذ مثال واضح، نلاحظ أن أكثر الكتب عاديةً وتفاهة وابتذالاً يمكن أن يتحول إلى فيلم مشوق جداً، مثير للاهتمام، ويحمل مغزى ودلالة. إن قراءة السيناريو هي عادةً تجربة غير ممتعة وغير مثمرة فكرياً.. وعاطفياً أيضاً. المعنى الضمني لهذا، أنه ليس فقط النظم التي كلياً "معتمدة على اعتباطية العلامة" تكون معبّرة وحافلة بالمعنى. العلامات الطبيعية لا يمكن أن تكون مرفوضة كما تصوّر سوسير. إنه هذا المطلب، بإعادة دمج العلامة الطبيعية في السيميولوجيا، الذي قاد كريستيان ميتز لأن يعلن بأن السينما هي بالفعل لغة، لكن لغة بلا نظام شفري. إنها لغة لأنها تملك نصوصاً. ثمة خطاب ذو معنى. لكن بخلاف اللغة اللفظية ، لا يمكن إحالة هذه اللغة إلى شفرة كائنة.
إن افتراض ميتز يورّطه في عدد كبير من المعضلات التي لا يستطيع أن يتغلّب عليها على نحو مرْض. إنه يجد نفسه مرغماً على العودة إلى مفهوم "منطق المعنى المتضمن" الذي به الصورة تصبح لغةً. إنه يستشهد برأي الناقد والمنظّر الهنغاري بيلا بالاش القائل بأن من خلال "تيار الاستقراء" نحن نجعل الفيلم يبدو معقولاً ومفهوماً. لكن ليس واضحاً ما إذا علينا أن نتعلم هذا المنطق أو أنه طبيعي وفطري. من الصعب فهم كيف أن مفاهيم مثل "منطق المعنى الضمني" و "تيار الاستقراء" يمكن دمجهما في نظرية السيميولوجيا.
ما كنا نحتاجه هو بحث أو نقاش، أكثر دقةً، لما نعنيه بـ "العلامة الطبيعية"، وسلسلة من الكلمات مثل: المتشابه، المتواصل، المحفّز.. هذه الكلمات التي يستخدمها بارت وميتز وآخرون لوصف مثل هذه العلامات.
(3)
لحسن الحظ أن الأساس الضروري لتوفير دقة أبعد قد تم انجازه سابقاً من قِبل شارلز ساندرز بيرس، عالم المنطق الأمريكي. كان بيرس معاصراً لسوسير، ومثل سوسير، جُمعت بحوثه ونُشرت بين 1931 و 1935، أي بعد وفاته في 1914 بعشرين سنة.
كان بيرس من أكثر المفكرين الأمريكان أصالةً وتجديداً، كما أشار رومان ياكوبسون، إلى حد أنه لسنوات طويلة من حياته العملية لم يستطع الحصول على وظيفة في الجامعة. إن شهرته الآن ترتكز قبل كل شيء على أعماله الأكثر قابلية للفهم، وبشكل أساسي على تعاليمه في الذرائعية. أما اشتغاله على السيميولوجيا فقد تم – للأسف - إهماله والاستخفاف به. وقد ساهم مريده شارلز موريس في الإساءة إلى نظريته، المتصلة بعلم اللغة وعلم الجمال، عبر ربطها بشكل خبيث من أشكال السلوكية التي وُجهت إليها انتقادات شديدة وقاسية من كتّاب مثل جومبريش ونعوم تشومسكي. في السنوات اللاحقة، استطاع رومان ياكوبسون أن يوجه اهتمام الآخرين إلى سيميولوجيا بيرس، وأن يعيد إحياء حماسة تأخرت زمناً طويلاً.
في عدد من كتب بيرس نجد تصنيفاً لطبقات مختلفة من العلامة، والتي كان ينظر إليها بوصفها الأساس السيميولوجي الجوهري لمنطق لاحق ولعلم بلاغة. التصنيف، الذي هو هام بالنسبة للنقاش الدائر حالياً، هو ذاك الذي يسميه بيرس "الانقسام الثاني للعلامات"، المؤلف من ثلاثة أجزاء أو عناصر، حيث العلامات تكون:
دلالية.. العلامة التي فيها المعنى مبني على رباط وجودي بين الدال والمدلول.
أيقونية.. العلامة التي تمثّل مادتها، في الدرجة الأولى، بواسطة الشبه المادي، الفيزيائي.
رمزية.. العلامة التي تكون اعتباطية ومشفّرة.
في الأيقونة، العلاقة بين الدال والمدلول ليست اعتباطية بل ذات تماثل أو شبه. هكذا، على سبيل المثال، الصورة الشخصية (البورتريه) لرجل يشبه نفسه. من جهة أخرى، بإمكان الأيقونات أن تكون منقسمة إلى شعبتين رئيسيتين: الصور والرسوم البيانية أو التخطيطية. في حالة الصور تكون "الخاصيات البسيطة" متشابهة. وفي حالة الرسوم البيانية تكون "الصلات بين الأجزاء". ثمة رسوم بيانية عديدة تتضمن معالم معبّر عنها بالرموز. وبيرس أكّد هذا نظراً لأنه المظهر الغالب الذي كان يهتم به.
بشأن العلامة الدلالية، قدّم بيرس أمثلة عديدة: "أرى رجلاً ذا مشية متمايلة أو مترنحة.. هذه دلالة محتملة على أنه بحّار. أرى رجلاً متقوس الساقين، ببنطلون من القماش القطني وحذاء نصفي من المطاط وسترة.. هذه دلالات محتملة على أنه فارس (جوكي) في سباق الخيل أو شيء من هذا القبيل. المِزْولة (الساعة الشمسية) أو الساعة تشير إلى توقيت اليوم".
أما العلامة الرمزية فتراوغ الإرادة الفردية. يقول بيرس: "بإمكانك أن تدوّن كلمة "نجمة" لكن ذلك لا يجعلك خالقاً للكلمة، الأمر نفسه عندما تمحوها.. هذا لا يجعلك هادماً للكلمة. الكلمة تعيش في عقول أولئك الذين يستخدمونها".
العلامة الرمزية لا تقتضي تشابهاً مع مادته، ولا رباطاً وجودياً معها. إنها اصطلاحية، متفقة مع القواعد المقررة، ولها قوة القانون. بيرس كان قلقاً بشأن صحة أو ملاءمة تسمية هذا النوع من العلامة "رمزاً".. وهي الاحتمالية التي فكر فيها سوسير وأخذها بعين الاعتبار لكنه رفضها بسبب خطورة التشوّش. مع ذلك، من المؤكد أن سوسير قد بالغ في تقييد مفهوم العلامة بحصرها في "رمزية" بيرس.
تصنيفات بيرس كانت الأساس لأي تقدّم في السيميولوجيا. لكن من المهم ملاحظة أن بيرس لم يعتبرها حصرية على نحو متبادل. على العكس، كل الأوجه الثلاثة كثيراً ما – وعلى نحو ثابت أحياناً – تتداخل وتكون حاضرة معاً. إن هذا الوعي بالتداخل هو الذي ساعده على أن يدوّن بعض الملاحظات المتصلة خصوصاً بالتصوير الفوتوغرافي.
"الصورة الفوتوغرافية، خصوصاً الصور الفورية، هي مرشدة جداً، لأننا نعرف أنها، في نواح معينة، تشبه بالضبط الأشياء التي تصورها. لكن هذا الشبه ناشئ عن كون الصور منتَجة في ظروف معينة إلى حد أنها فيزيائياً تكون مجبرة أن تتوافق درجةً فدرجة مع الطبيعة. في ذلك المظهر، هي إذن تنتمي إلى الطبقة الثانية من العلامات، ذات الصلة الفيزيائية".
بين من كتبوا عن السيميولوجيا، رولان بارت يتوصل إلى استنتاجات مماثلة إلى حد ما، مع أنه لا يستخدم التصنيف "الدلالي"، لكنه يرى الصورة الفوتوغرافية المطبوعة بوصفها "أيقونية". مع ذلك، هو يصف كيف أن الأيقونة الفوتوغرافية تقدّم "نوعاً من الوجود الطبيعي للشيء هناك". ليس ثمة أي تدخّل بشري، أي تحوّل، أي شِفرة، بين الشيء والعلامة. التناقض الظاهري هنا أن الصورة الفوتوغرافية هي رسالة بلا شِفرة.
السينما تتضمن الصيغ الثلاث للعلامة: الدلالية، الأيقونية، الرمزية. الناقد الفرنسي أندريه بازان طوّر جمالية تأسست على الصفة الدلالية للصورة الفوتوغرافية. كريستيان ميتز خالف هذا بجمالية تفترض أن السينما، لكي تكون ذات معنى، لابد أن تحيل نفسها إلى نظام شفري، إلى قواعد خاصة، وأن لغة السينما يجب أن تكون رمزية في المقام الأول.
لكن كان هناك خيار ثالث: فون ستيرنبرغ كان، على نحو قاس، معارضاً لأي نوع من الواقعية. هو كان يسعى، قدر المستطاع، إلى أن ينكر ويهدم الرباط الوجودي بين العالم الطبيعي والصورة السينمائية. لكن هذا لم يكن يعني أنه تحوّل إلى الرمزي. عوضاً عن ذلك، هو كان يؤكد على الصفة التصويرية للسينما. كان يرى السينما، ليس على ضوء العالم الطبيعي أو اللغة الشفهية، بل على ضوء الرسم. "الكانفاس الأبيض الذي عليه تكون الصور مطروحة هو سطح منبسط ذو بعدين. ليس جديداً على نحو مروّع. الرسام استخدمه منذ قرون".
يجب على مخرج الفيلم أن يخلق صوره الخاصة ليس بمحاكاة الطبيعة على نحو خانع وصاغر، ليس بالانحناء أمام صنم الدقة والموثوقية، بل بفرض أسلوبه الخاص، تأويله الخاص.
"سلطة الرسام على موضوعه هي غير محدودة، مطلقة. سيطرته على الشكل البشري والوجه البشري هي استبدادية". لكن "المخرج هو تحت رحمة كاميرته". مأزق مخرج الفيلم هو في هذا، في الأداة الميكانيكية، غريبة الشكل، التي يجد نفسه مجبراً على استخدامها. ما لم يسيطر عليها، ما لم يتحكم فيها، سيكون متنازلاً عن حقه.
فون ستيرنبرغ خلق عالماً اصطناعياً تماماً، فيه الطبيعة تكون مبعدة على نحو صارم. قال ذات مرّة عن فيلمه The Saga of Anatahan أن الخلل الأساسي في هذا الفيلم أنه يحتوي على لقطات لبحر حقيقي، في حين أن كل شيء آخر كان زائفاً.
الفيلم لا يعتمد على أي نظام شفري مشترك، بل على الخيال الفردي للفنان. إنه المظهر الأيقوني للعلامة ذاك الذي يؤكده ستيرنبرغ، المظهر المنفصل عن الدلالي من أجل استحضار عالم، ممكن إدراكه بفضل التماثلات مع العالم الطبيعي، مع ذلك هو ضرب من عالم الحلم، مختلف ومتغاير.
السيميولوجيون كانوا، على نحو غريب، صامتين إزاء موضوع العلامات الأيقونية. كانوا يعانون من انحيازين: الأول، لصالح الاعتباطي والرمزي. الثاني، لصالح المنطوق والصوتي. هذان الشكلان من الانحياز يمكن العثور عليهما في أعمال سوسير الذي، بالنسبة إليه، اللغة كانت نظاماً رمزياً يعمل في رباط حسّي مميّز. حتى الكتابة كانت قد عيّنت، بإصرار ومثابرة، مكاناً أقل شأناً بواسطة اللغويين الذين رأوا في الأبجدية وفي الحرف المكتوب فقط "علامة العلامة"، نظام فرعي خارجي، اصطناعي، ثانوي. هذه الانحيازات يجب تحطيمها. المطلوب هو إحياء علم القرن السابع عشر الذي يشمل دراسة المجال الكلي للاتصال ضمن الرباط الحسي البصري، من الكتابة والأرقام وعلم الجبر حتى التصوير الفوتوغرافي والسينما. ضمن هذا الرباط سوف يتضح بأن العلامات تمتد من تلك التي فيها المظهر الرمزي يكون مهيمناً على نحو بيّن، مثل الحروف والأرقام، إلى العلامات التي فيها المظهر الدلالي يكون مهيمناً، مثل الصورة الوثائقية. بين هذين الطرفين، في محور المجال، هناك درجة جديرة بالاعتبار من التداخل والتشابك، من التعايش، لأوجه مختلفة بلا أي غلبة بيّنة لأي وجه منها.

الاثنين، 16 أغسطس، 2010

السيميولوجيا والسينما في لغة الفيلم

((استجابة لدعوتنا إلى فتح باب المناقشة حول مصطلح "اللغة السينمائية"، أرسل الناقد والباحث والمترجم البحريني الأستاذ أمين صالح دراسة مترجمة لبيتر والن، ننشرها على عدة حلقات، وهي بلاشك، يمكن ان تساهم في تعميق فهمنا للموضوع بل وتعميق الدراسات السينمائية النظرية عموما. والدراسة تعيدنا مجددا إلى ساحة المقارنة العميقة بين النص الأدبي والفيلم السينمائي. ولا يسعني هنا سوى أن أتوجه بالشكر إلى الأستاذ أمين صالح على جهده الكبير الذي أرجو أن يواصله في هذا المجال الذي تحتاجه المكتبة العربية)).


كتابة: بيتر والين
ترجمة: أمين صالح

(1)

أحاول هنا أن أعرض بعض الخطوط الهادية لسيميولوجيا السينما، أي دراسة السينما كنظام من العلامات. الهدف الأساسي لهذا هو فرض إعادة الاستقصاء أو البحث في ما نعنيه عندما نتحدث عن لغة الفيلم.. بأي معنى الفيلم يكون لغةً.
هناك سببان لجعل السيميولوجيا مجالاً حيوياً للدراسة بالنسبة للباحثين في جماليات الفيلم.
الأول، أي نقد يعتمد بالضرورة على معرفة ما يعنيه النص، والقدرة على قراءته. ما لم نفهم شِفرة أو طريقة التعبير التي تتيح للمعنى أن يوجد في السينما، فإننا نكون في موقف المحكوم علينا بالغموض والضبابية وعدم الدقة في النقد السينمائي، وبالتعويل الذي لا أساس له على الحدس والانطباعات الخاطفة.
الثاني، يصبح جليّاً على نحو متزايد أن أي تعريف للفن لابد وأن يكون مفهوماً كجزء من نظرية السيميولوجيا في الثلاثينيات من القرن العشرين.
النقاد الشكلانيون الروس أصروا أن مهمة نقاد الأدب ليس دراسة النتاج الأدبي بل "الحالة الأدبية".. هذا لا يزال ساري المفعول. إن الانسياق الكلي للتفكير الحديث بشأن الفنون كان لغمرها بنظريات عامة عن الاتصال، سواء السيكولوجي أو الاجتماعي (السوسيولوجي)، وللتعامل مع الأعمال الفنية كما الحال مع أي نص آخر أو رسالة أخرى، ولحرمانها من أي خاصيات جمالية معينة بها تستطيع أن تكون مميّزة.
الاختراق العظيم في نظرية الأدب جاء مع إصرار رومان ياكوبسون على أن الشعرية هي مجال اختصاص اللغويين، وأنه كانت هناك وظيفة شعرية إلى جانب الوظائف الأخرى. الرؤية ذاتها لعلم الجمال، كمجال اختصاص للسيميولوجيا، يمكن إيجادها في مدرسة براغ عموماً، وفي أعمال Hjelmslev ومدرسة كوبنهاجن.
هناك اهتمام متزايد بسيميولوجيا السينما، بالسؤال عما إذا كان من الممكن تذويب النقد السينمائي وجماليات السينما في إقليم خاص من علم العلامات. لقد أصبح واضحاً على نحو متزايد أن النظريات التقليدية في لغة الفيلم وقواعد الفيلم، والتي نمت على نحو تلقائي عبر السنوات، تحتاج إلى إعادة استنطاق وأن تكون متصلة بالراسخ من نظام علم اللغة.
إذا كان ينبغي استخدام مفهوم "اللغة"، فلابد أن يكون استخدامه على نحو علمي وليس ببساطة كمجاز فضفاض وغير دقيق، حتى وإن كان إيحائياً. الجدل الذي دار في فرنسا وإيطاليا حول أعمال رولان بارت، كريستيان ميتز، بيير باولو بازوليني، أمبرتو إيكو، يمتد في هذا الاتجاه.
الباعث الرئيسي وراء أعمال هؤلاء النقاد والسيميولوجيين ينشأ من كتاب فرديناند دي سوسير "دروس في علم اللغة". كان سوسير قد توفى سنة 1913، وقام تلامذته في جامعة جنيف بجمع محاضراته ومخطوطاته، إضافة إلى ملاحظاتهم، وتركيب المادة في عرض منهجي، نشر في جنيف سنة 1915.
في هذا الكتاب يتنبأ سوسير بعلم جديد، علم السيميولوجيا: "العلم الذي يدرس حياة العلامات داخل المجتمع هو ممكن تصوره. سيكون جزءاً من السيكولوجيا الاجتماعية، وبناءً على ذلك، جزءاً من السيكولوجيا العامة.. سوف أسميه السيميولوجيا (المشتقة من الكلمة الإغريقية semeion والتي تعني "علامة"). السيميولوجيا سوف تعرض ما يؤلّف العلامات، القوانين التي تحكمها.
بما أن العلم لا يوجد بعد، فإن أحداً لا يستطيع أن يزعم ما الذي سيكون عليه، غير أن له الحق في أن يوجد، في أن يكون مشدوداً سلفاً إلى مكان ما. علم اللغة مجرد جزء من علم السيميولوجيا العام. القوانين التي ستكتشفها السيميولوجيا ستكون ملائمة للغويين، وهؤلاء سوف يعينون حدود منطقة هي محددة جيداً ضمن مجموعة من الحقائق الأنثروبولوجية".
سوسير، الذي كان متأثراً بأعمال إميل دوركهايم (1858- 1917) في السوسيولوجيا، شدّد على أن العلامات يجب دراستها من وجهة نظر اجتماعية، وأن اللغة كانت مؤسسة اجتماعية والتي امتنعت على الإرادة الفردية. النظام اللغوي – ما يمكن تسميته هذه الأيام بـ "الشفرة" – سبق في الوجود الفعلَ الفردي للخطاب، "الرسالة". بالتالي فإن دراسة النظام لها أولوية منطقية.
سوسير شدّد، بوصفه مبدأه الأول، على الطبيعة الاعتباطية للعلاقة. الدال ليس له علاقة طبيعية مع المدلول. العلاقة، وفقاً لتعبير سوسير، هي "ليس لها محرّض". إن سوسير لم يكن واثقاً أي التضمينات الكاملة للطبيعة الاعتباطية في العلامة اللغوية كانت لصالح السيميولوجيا.
"عندما تصبح السيميولوجيا منظّمة كعلم، فإن سؤالاً سوف ينشأ عما إذا هو يحتوي على نحو ملائم طرائق من التعبير مبنية على علامات طبيعية تماماً، مثل البانتومايم. لنفترض أن العلم الجديد يرحّب بها، سيظل اهتمامه الرئيسي المجموعة الكاملة من النظم المعتمدة على اعتباطية العلاقة. في الواقع، كل وسيلة تعبير مستخدمة في المجتمع هي مبنية، من حيث المبدأ، على السلوك الاجتماعي أو على العادة المتبعة. الصيغ المهذبة، على سبيل المثال، مع أنها غالباً ما تكون مشرّبة بتعبيرية طبيعية معينة (كما في حالة الصيني الذي يحيّي الإمبراطور بالانحناء حتى الأرض تسع مرات) هي مع ذلك مثبّتة من قِبل قانون. هذا القانون وليس القيمة الجوهرية للإيماءات هو الذي يرغم المرء على استخدامها. العلامات التي هي اعتباطية تماماً تدرك على نحو أفضل من الأخرى غايات العملية السيميولوجية: لهذا السبب اللغة، الأكثر تعقيداً وشمولية من بين كل نظم التعبير، هي أيضاً الأكثر تميّزاً. بهذا المعنى، بإمكان علم اللغة أن تصبح النمط الرئيس لكل فروع السيميولوجيا مع أن اللغة ليست إلا نظاماً سيميولوجياً واحداً".
لقد كان على علم اللغة أن يكون إقليماً خاصاً للسيميولوجيا، وفي الوقت نفسه، النمط الرئيسي للأقاليم المتعددة الأخرى. مع ذلك، كل الأقاليم – أو على الأقل، المركزية منها – كان عليها أن تملك، كهدف لها، نظماً "معتمدة على اعتباطية العلاقة". لكن يتضح أن من الصعب العثور على هذه النظم.
السيميولوجيون وجدوا أنفسهم مقيدين بلغات مصغّرة، مجهرية، كما في لغة إشارات المرور، لغة المراوح، نظم إشارات السفن، لغة الإيماءة بين رهبان دير "لا تراب" الصائمين عن الكلام، ضروب متنوعة من إشارات ضوئية.. وغير ذلك. هذه اللغات المصغّرة ثبت أنها حالات محدودة جداً، قادرة على ربط نطاق دلالي ضئيل جداً. العديد منها كان متطفلاً على لغة شفوية مناسبة.

السبت، 14 أغسطس، 2010

"العد التنازلي حتى الصفر": عودة التحذير من الخطر النووي

من مميزات الفيلم الوثائقي الجيد أن يكون موضوعه قد نال أولا ما يستحقه من بحوث وتحقيقات وإعداد للمادة من جميع زواياها، وثانيا أن يكون مركزا لا يحيد عن موضوعه ولا يخرج عنه أبدا، وأن يستخدم كل ما يمكن من وثائق ومقابلات وصور من من الأرشيف، لدعم أفكاره الأساسية وإبرازها والتركيز عليها، وأخيرا، أن يكون جذابا للمشاهدين، كأنه يروي لهم قصة مثيرة تشد انتباههم، وتجعلهم أيضا يخرجون بعد المشاهدة، بفكرة جديدة لم تخطر على بالهم من قبل.
هذه المزايا أجدها متوفرة تماما في الفيلم الأمريكي الوثائقي الطويل "العد التنازلي حتى الصفر" Count Down to Zero للمخرجة البريطانية لوسي ووكر الذي عرض خارج المسابقة في مهرجان كان السينمائي الـ63.
موضوع الفيلم هو الخطر النووي الذي لايزال قائما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ونهاية ما عرف بالحرب الباردة بين الكتلتين، الشرقية والغربية، ورغم ذلك، يؤكد الفيلم أن الخطر المحدق انتقل من الصراع بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، إلى ذلك "الانفلات" النووي الذي يمكن أن يؤدي إليه وقوع قنابل نووية في أيدي عصابات دولية، أو منظمات إرهابية، أو أنظمة ترفض الانصياع للرأي العام العالمي، وتتمادى في فكرة الردع المعنوي بل ويمكن ايضا أن تلجأ إلى الردع المادي النووي باستخدام تلك الأسلحة بالفعل، في حالة شعورها بالخطر.مدخل الفيلم إلى الموضوع هو ما ورد في خطاب للرئيس الأمريكي الأسبق جون كنيدي، الذي حذر عام 1961 من الخطر النووي الذي يمكن أن يقضي على الإنسان، وذكر كنيدي آنذاك، قولته الشهيرة "إن كل رجل وامرأة وطفل يعيش تحت سيف ديموقليطس النووي، المعلق بخيوط رفيعة جدا يمكن أن تُقطع في أي لحظة نتيجة حادث، أو حسابات خاطئة، أو نوبة جنون".

السبت، 7 أغسطس، 2010

عمارة يعقوبيان بين الفيلم والرواية : تراجيديا الصعود الى أسفل!


بقلم: محمود عبد الشكور

وكأنّ "عمارة يعقوبيان" الفيلم والرواية، ليسا إلا خريطة لحالة عبثية ومحمومة للصعود "الى أسفل" فى مصر المحروسة . تخيل حشداً وخليطاً من طوائف شتى تهرب عدواً فى اتجاه سلم متحرك ، تدفعهم حلاوة الروح الى القفز على الدرجات ، ولكن المراقب من بعيد يكتشف عبثية المحاولة إذ أن السلم ذاته ليس إلا سلم النزول ، كما أنه يتحرّك فى عكس اتجاه حركة صعودهم !
هكذا يتصرف كل أبطال يعقوبيان : أحلامهم صغيرة، وحلولهم فردية ، والظروف قاهرة، والأزمة لاحل لها سوى بالتغيير الكامل .
رواية علاء الأسوانى ، والفيلم المأخوذ عنها بسيناريو المتألق وحيد حامد، وببطولة نوابغ المشخصاتية المصريين يحتاجان الى رؤية أكثر عمقاً وتفصيلاًخاصة أن الرواية أغادت قطاعاَ كبيراَالى قراءة هذا الفن ، أما الفيلم فسيدخل تاريخ السينما المصرية من أوسع أبوابه – أولاً وقبل كل شئ – لمستواه الفنى الرفيع .
الرواية
عندما صدرت الطبعة الأولى من عمارة يعقوبيان ( دار ميريت يناير 2002 ) أحدثت ضجة غير مسبوقة ، وتحول كل قارئ لها الى مندوب للدعاية يستوقفك فى الشارع ليسألك : "هل قرأت يعقوبيان ؟" خلال شهرين فقط نفذت أول طبعة ، وفى غضون عامين صدرت خمس طبعات أخرى وكتبت عنها الكثير من الدراسات بالعربية والإنجلزية والفرنسية .
المؤلف علاء الأسوانى كان قد صدرت له قبل( يعقوبيان ) مجموعتان قصصيتان طبعت المجموعة الأولى مرتين وهى بعنوان ( الذى اقترب ورأى ) . يعمل طبيبا للأسنان ، وهو ابن الراحل الكبير عباس الأسوانى، وقد أصبح بعد نجاح روايته الأولى مقترن الذكر والسيرة بها ، انه صاحب يعقوبيان مثلما أصبح يحيى حقى صاحب ( القنديل ).
حصلت( يعقوبيان) على تقريظ نقدى مستحق باعتبارها شهادة اجتماعية دالة على زمنها وإن كان بعض النقاد لم يروا فيها مايستحق كل هذه الضجة ، واعتبرت يعقوبيان أحيانا نموذجا لأدب" التلسين "حيث توجد ملامح تشابه بين شخصياتها وشخوص حية تعيش بيننا . الحقيقة أن "التلسين" أو الإسقاط على شخصيات معروفة – بافتراض صحته – ليس عيبا فى ذاته ولاهو أيضا مصدر قوة إذ يظل معيار التقييم دائما هو مستوى العمل من الناحية الفنية أو الأدبية ، ولوكان" التلسين "عيبا مطلقا يقلل من شأن العمل ويصمه تلقائيا بالضعف والركاكة لكان الفيلم العظيم ( المواطن كين ) أسوأ أفلام القرن العشرين إذ يبدو فيه التلسين واضحا على أسطون الصحافة الشهير " راندولف هيرست ".
مع مرور الزمن على الأعمال الهامة (ويعقوبيان تستحق هذا الوصف) سينسى القارئ الأصل الحقيقى للشخصية ، وستصبح الشخصية الروائية التى أبدعها المؤلف الأكثر خلودا وبقاء كما حدث بالفعل مع شخصية" سعيد مهران" التى تبدو اقوى وأروع كثرا من أصلها المعروف " محمود أمين سليمان ".
قوة "عمارة يعقوبيان" الرواية لاتكمن فقط فى نماذجها الإنسانية التى رسمها الأسوانى بعناية مما استدعى الى الأذهان أشخاصاً حقيقيين ، ولكن النجاح الأهم – فى رأيى – يكمن فى أمرين : تقديم عمل معاصر ، بل معاصر جداً ،دون الوقوع فى تقديم رواية سطحية كتلك التى يكتبها الصحفيون الأدباء (باستثناء الروائى والصحفى الكبير الراحل فتحى غانم) .. والأمر الثانى هو نجاح الأسوانى فى رسم حالة من الفوضى الإجتماعية التى توفر مناخاً مثالياً لظهور عدد لانهائى من الشخصيات المماثلة مستقبلاً .
على سبيل المثال : فإن الظروف التى صنعت المصير المأساوى ل " طه الشن الملابس لتُاذلى " ما زالت قائمة ويمكنها أن تصنع عشرات مثله ، وإذا كانت "بثينة " قد هربت من القهر النفسى والإنتهاك الجسدى بالزواج من زكى الدسوقى فإن زميلة لها تقبع فى ذات اللحظة فى مخزن الملابس لتُشبع غريزة صاحب المحل مقابل عشرة جنيهات . هذا المناخ يمكنه أن يفرز عشرت من أمثال الجندى البائس عبد ربه أو الضابط السادى صلاح رشوان أو حتى الزعيم الدينى الذى يهتف (نريدها إسلامية ..إسلامية) .
عمارة يعقوبيان تعبر عن أشخاص من لحم ودم بقدر ما ترصد أعراضاً لمرض مجتمع يعيش حالة من الفوضى ، ولذلك ستظل هذه الرواية وثيقة لاغنى عنها لكل من يحاول دراسة حالة مصر فى التسعينات من القن العشرين وما بعدهامثلما اعتبرنا رواية مثل "ذات" للروائى الكبير صنع الله ابراهيم وثيقة لاغنى عنها فى وصف حال المحروسة فى ثمانينات القرن العشرين .
يعتمد بناء الرواية على اللوحات المستقلة والقفزات والإنتقالات السردية من شخصية الى أخرى مع اللجوء الى أسلوب بسيط فى الحكى والوصف بل وتقديم بعض المعلومات التقريرية أحياناً مثل المعلومات عن تاريخ العمارة ، ورغم أن أبطال الرواية يجمعهم المكان الواحد ، فإن العلاقات بينهم ضعيفة أو واهية (عكس رواية ميرامار) ، ولذلك تبدو شخوص يعقوبيان كما لوكانت حبات مسبحة انفرطت ، ولكن القراءة الأعمق للرواية تكشف عن خيط قوى غريب يجمع بينها يمكن أن نسميه " حلم الصعود الى أسفل ". هناك حالة غريبة من القلق تحاصر كل الشخوص وكأن الجميع يهربون من طوفان قادم التماسا لخلاصهم الشخصى . زكى الدسوقى يبحث عن خلاصه فى الحانات ومع الساقطات ، ودولت شقيقته تبحث عن خلاصها بالحصول على ثروة أخيها ، وكريستين تبحث عن خلاصها بالهروب الى الماضى المفقود ، وطه الشاذلى يبحث عن خلاصه بالعنف المقدس ، والحاج عزام يبحث عن خلاصه بالجنس الشرعى والبيزنس غير الشرعى، وكمال المنوفى يبحث عن خلاصه بتحويل المنصب الى تجارة ، وحاتم رشيد يبحث عن خلاصه بالشذوذ ، والجندى عبد ربه يبحث عن خلاصه بوجوده فى العاصمة حتى لو كان الثمن جسده.
هناك فى الرواية صدامات حادة بين بعض الشخوص تجعل العلاقات اوثق حتى مما تتصور هى نفسها : الدسوقى مثلا ينحدر تقريبا بنفس السرعة التى يصعد بها الحاج عزام ، وطه الشاذلى يُنتهك جسديا بطريقة لاتقل بشاعة عن الطريقة التى يُنتهك بها جسد خطيبته بثينة ، وسعاد تبيع نفسها بيعا شرعيا بالزوج ولكن الأمر لايختلف كثيرا عن طريقة بيع فتاة الحانة لجسدها مع الدسوقى أو طريقة بيع عسكرى الأمن المركزى لجسده ، وقلة وفاء دولت وخادم المكتب أبسخرون أوفانوس كما سماه الفيلم ، يقابلها وفاء كريستين التى تبدو كإحدى اميرات عصر الرومانسة المفقود ، وطه الشاذلى كان يحلم أن يكون ضابطا ، فهل لوحدث ذلك لأصبح يتصرف مع المتهمين مثلما تصرف معه الضابط صلاح رشوان ؟!
ان التناقض الحاد يبدو أيضا بوضوح بين رسوخ المبنى العمارة القديمة وبين هذه التغيرات والإنقلابات التى تجعلهم وكأنهم يجلسون فوق ارجوحة لاتتوقف .
تبقى مسألة انتهاك الجسد التى منحت يعقوبيان طابعها الجرئ ، انه التعبير المادى المحسوس عن الإستباحة فى ظل الفوضى وغياب المعايير ، وهذا الإستخدام ليس جديدا وانما يمكن ان تجده فى اعمال فنية مثل الفيلم المصرى الأشهر المذنبون حيث تحول منزل الممثلة الفاتنة سناء كامل الى ماخور ، وتحول جسدها الى مزار سياحى ينتهكه الجميع ، ولسان حال ( المذنبون ) ويعقوبيان يقول بوضوح :" اذا ماتت النفوس واصبح الانسان سلعة ، فكيف تسلم الأجساد من الإنتهاك "؟!
الفيلم
منذ فيلم "المذنبون " عام 1976 للمخرج الكبير سعيد مرزوق لم يحدث أن قدمت السينما المصرية فيلما يرصد بجرأة الخريطة الشاملة لأمراض المجتمع مثل فيلم (عمارة يعقوبيان) للسيناريست الكبير وحيد حامد وللمخرج الصغير الكبير مروان حامد. كانت هناك على الطريق أفلام مهمة تنتقى زاوية أو أكثر من مناطق الخلل ثم تطلق جرس إنذارها كما فى سواق الأتوبيس ( حيث يموت الأب قهرا وسط أبنائه ) ومثل أهل القمة ( حيث يصعد اللصوص ويضيع حُماة القوانين )، وفيلم الطوفان (حيث يضحى الأبناء بالأم من أجل المال ) وفيلم العار ( حيث يستقيل وكيل نيابة لأول وآخر مرة فى تاريخ الفيلم المصرى للمساهمة فى استقبال وتخزين شحنة مخدرات )، ولكن الأبعاد الكاملة لخريطة الفساد والمفسدين والصاعدين الى أسفل تجدها فى فيلم "عمارة يعقوبيان".
نقل الروايات الناجحة ا لى السينما ليس أمرا سهلا كما يعتقد البعض ، ولكنه فى نماذجه الناضجة ابداع مواز لإبداع صاحب الرواية نظرا لاختلاف طبيعة الوسيط بين العمل المكتوب و الفيلم المرئى ، وقد نجح وحيد حامد الى درجة كبيرة فى تجسيد الرواية فى عمل قوى ومؤثر وشيق لدرجة أن قارئ الرواية لن يشعر أبدا بالملل من المشاهدة ولن يفتقد الدهشة التى صاحبته عند القراءة . حافظ وحيد حامد على طبيعة الشخصيات ومصائرها فبدا الجميع كأنه خرجوا لتوهم من الكتاب ، وقد أسرف فى الإلتزام بالرواية الى درجة الإلتزام بمحاكاة بنائها الذى يعتمد على الإنتقال بين قصص منفصلة مع أنه كان يستطيع أن يترجم بشكل أفضل الخيوط غير المرئية بين الشخصيات كما شرحنا من قبل . مرتان فقط فعلها فى مشهد لقاء الدسوقى و رشيد امام الأسانسير ، وفى مشهد تعليق الدسوقى على ظهور عزام فى التليفزيون .
وفى حين تبدو دوافع الشخصيات الأساسية واضحة ، فإن دوافع بعض الشخصيات الثانوية تبدو غامضة فى الفيلم مقارنة بالرواية . على سبيل المثال : فإن فانوس خادم المكتب يبدو جشعا وخائنا ولئيما دون مبرر منطقى مع أن أبسخرون فى الرواية شخصية أكثر ثراء تتحايل على المعايش لتربية البنات الثلاثة ولرعاية شقيقه ملاك وأولاده ، ودولت التى تبدو فى الفيلم شديدة العنف مع أخيهاتكشف الرواية تاريخها الشخصى الملئ بالإحباط بعد هجرة ابنها وابنتها إثر زواجهما ، وبعد فشلها فى زيجتين إثر وفاة زوجها الأول ، وفى هذا الفراغ وذلك الإحباط ما يفسر الكثير . وهناك ملاحظة أخرى لاتقلل من الجهد المبذول هى التخفيف من بعض مناطق الجرأة السياسية فى الرواية حتى لايزيد استفزاز الرقابة مثل حذف لقاء الحاج عزام مع الرجل الكبير الذي يقتسم الرشاوي مع كمال المنوفى ، وحذف واقعة كتابة طه الشاذلى لخطاب تظلم لرئيس الجمهورية بعد رفض قبول الشاب فى كلية الشرطة ، وحتى الحوار الأكثر جرأة كان فى الرواية وليس الفيلم .
بثينة مثلا تصف بلدها فى يأس وقرف "بالمخروبة "، وتقول لزكى الدسوقى : " كنتم بتعملوا مظاهرات عشان تطردوا الإنجليز ؟ أهم خرجوا .. يعنى البلد حالها انصلح ؟" ، وتعبر فى ثورة عن غضبها فتقول : " أنا ما شفتش من البلد دى حاجة عشان أحبها ". كلها عبارات قد تكون قاسية ولكنها أكثر تعبيرا عن الثورة التى تشتعل داخل بثينة ، وأكثر تجسيدا لمأساتها من عبارة مخففة جدا مثل : "مصر بقت قاسية قوى على أهلها ".
فيما عدا ذلك فإن وحيد حامد فى ملعبه المفضل : الدراما الإجتماعية ذات الخلفية السياسية التى قدم منها روائع حقيقية مثل "دم الغزال"، رغم أننى لم أبتلع أن تكون نهاية حاتم رشيد على يد شخص آخر غير عبد ربه. وجه الإعتراض هنا ليس عدم الإلتزام بالرواية ولكن لأن هذا الفعل يكتسب مغزى أكبر من مجرد العقاب الأخلاقى لرجل شاذ، إنه فى الرواية يعبر عن فشل عبد ربه فى حل ماساته إلابقتل المسئول عنها . لم يعد جندى الأمن البائس قادرا على العودة الى الصعيد بعد أن ذاق الحياة الأفضل فى العاصمة بمساعدة رشيد ، ولكنه يعد قادرا أيضا على أن تعود العلاقة به كما كانت بعد أن فقد طفله الوحيد . فعل القتل يبدو بالنسبة له مريحا لانه سيخلصه من سبب مأساته ، ولأن عقابه على جريمة القتل سيخفف من شعوره بالذنب لعلاقته الشاذة ، أما قيام شخص آخر بقتل حاتم رشيد من أجل السرقة كماحدث فى الفيلم فهى نهاية أخلاقية لاترضى سوى الجمهور المصرى.
لكن وحيد حامد نجح فى المقابل فى تطوير شخصيات أخرى على نحو مبدع مثل كمال المنوفى الذى بدا فى الفيلم فى مكانة أكبر ومتمتعا بنفوذ أخطر من الرواية ، ومثل الحاج عزام تاجر المخدرات الذى لفقت له قضية مخدرات ، بل ان مشهد النهاية الأخير (العروسان الدسوقى وبثينة يتساندان وسط الضباب فى ميدان طلعت حرب فى اتجاه العمارة) يبدو أكثر توافقا مع مغزى الرواية من أي مشهد آخر بديل ،باشوات الأمس وفقراء اليوم يحاولون النجاة من انسحاقهم بزواج عجيب لا يوجد فى الرواية ولافى الفيلم ما ينبيء بنجاحه ، والملاحظ أن كل علاقات الحب فى الفيلم والرواية إما فاشلة أوغير مكتملة ( طه وبثينة ،طه وزوجته المحجبة رضوى ، الحاج عزام وسعاد ،الدسوقى وكريستين ، الحاج عزام وزوجته الأولى ، عبد ربه وزوجته الصعيدية ... إلخ ) .
على مستوى أداء أساتذة التشخيص الذين جسدوا أدوارهم باقتدار فقد كان كل شيء رائعا بل ومذهلا : عادل امام فى أحد أفضل أدواره . إنه أحد كبار المشخصاتية المعاصرين الذين استهلكتهم الأعمال التجارية الرديئة ، ولكن موهبته بلا ضفاف وحضوره بلا سقف ، لاحظ –على سبيل المثال – تعبير وجهه حال طرده من الحانة عن طريق طلعت زكريا . يسرا الرائعة التى ملأت الفيلم حضورا وحسرا رغم ظهورها القصير ولكنها نقلت إلينا عطر عصر كامل لم يعد موجودا . هند صبرى التى عبرت عن انسحاق الفتاة المصرية الفقيرة . نور الشريف فى دور جيد خاصة فى مشاهد العجوز الباحث عن زوجة جديدة . الواعد محمد عادل إمام الذى أقنعنا فى أول أدواره بشخصية صعبه ضائعة بين الحلم والواقع . الرائعان الجريئان باسم سمرة وخالد الصاوى فى شخصيات شاقة وتراجيدية بامتياز ، والصاوي تحديدا يستحق جائزة خاصة لبراعته فى أداء دور حاتم رشيد ،أما المخرج الواعد مروان حامد فقد أدهشنا فى "لى لى "، ولكنه نجح هنا باقتدار فى السيطرة على كل هؤلاء النجوم واستخراج أفضل مالديهم . لم يستعرض ولم يبهر بقدر ما قام بتوظيف كل ادواته لخدمة السيناريو وساعده على ذلك العناصر الإحترافية التى عملت معه : ديكورات فوزى العوامرى المتميزة خاصة فى مشاهد شقة السوقى وشقة حاتم رشيد . إضاءة سامح سليم المدروسة خاصة فى مشاهد تعذيب طه ومشاهد لقاءات رشيد وعبد ربه فى الشقة . ملابس ناهد نصر الله التى ترتبط بالشخصيات ومستواها الإجتماعى والإقتصادى مثل ملابس بثينة المتواضعة وفساتين يسرا التى جعلتها خارج الزمن الذى نعيشه . موسيقى خالد حماد التى تترجم لحالة هروب فوضوية من سفينة فى طريقها الى الغرق المحتوم ! قبل كل هؤلاء ، لابد من توجيه التحية الى عماد أديب وجودنيوز على توظيف الإمكانيات المادية والشرية لكى تُقدّم الرواية الناجحة بهذه الصورة الممتازة على الشاشة الكبيرة .
"عمارة يعقوبيان" الفيلم القذيفة والرواية الوثيقة يكشفان عن عبثية الحل والخلاص الفردى ، ويشرّحان جُثثا حية ونفوساً ميتة بلا هوادة . صحيح أن الرائحة بشعة ، ولكن على الذين تزعجهم الرائحة المنبعثة من الشاشة أن يسألوا أنفسهم أولاً كيف تحمّلوها من قبل فى الواقع المُعاش ؟!
(هذا المقال لم يسبق نشره من قبل)

الخميس، 5 أغسطس، 2010

وثائقيان عربيان بالدورة القادمة من مهرجان فينيسيا


قد تكون الدورة السابعة والستون من مهرجان فينيسيا السينمائي العريق، "دورة خاصة" أي متميزة عن كل السنوات الثماني الماضية، بسبب حرص وسعي المدير الفني للمهرجان ماركو موللر (في عامه السابع في موقعه) للحصول على أفضل الأفلام التي فات على مهرجان كان الحصول عليها، إما بسبب تأخرها خلال المراحل الأخيرة من الإنتاج، أو لأنها فضلت فينيسيا لأسباب مختلفة منها مثلا أن يفضل أصحاب الفيلم الاشتراك به داخل المسابقة الرسمية للتنافس على الجوائز، بكل ما يعنيه هذا من إحاطة الأفلام المتنافسة بالأضواء، مما يوفر دعاية مناسبة للفيلم.
والواضح أن موللر، تمكن من إعداد برنامج لدورة يرغب هو بشدة، في أن يجعلها تغسل سلبيات الدورة الماضية، وتحفل بالمفاجآت السينمائية الكبيرة، لكنه لم يتمكن في الوقت نفسه، من الحصول على كل ما كان يرغب في الحصول عليه من أفلام وأهمها، بلاشك، الفيلم الأمريكي المنتظر "شجرة المعرفة" للمخرج تيرنس ماليك، الذي لم ينته العمل فيه بعد، بل ولم تظهر حتى أي بادرة لمشاركته في مهرجان تورنتو الذي يعقب فينيسيا مباشرة.

التأسيس للبحث عن "الجدل" حول "الجدل"


يسرني أن أنشر هنا التعقيب الذي بعث به الأستاذ الدكتور ناجي فوزي أستاذ النقد السينمائي بمعهد النقد الفني بأكاديمية الفنون بالقاهرة، في معرض التعقيب على ما طرحه قيس الزبيدي في مقاله الذي نشرناه هنا قبل أسابيع محدودة، حول مفهوم "اللغة السينمائية"، وفتحنا حوله حوارا لايزال ممتدا.


بقلم: د. ناجي فوزي


الجدل حول مصطلح "اللغة السينمائية" هو أمر ظهر بالفعل منذ عقد الخمسينيات من القرن العشرين، وظل قائما لزمن طويل، مع أن المفهوم الغالب للمصطلح في حقيقته يرمي – بالفعل- إلى فكرة التعبير الفني بمفردات التقنية السينمائية المرئية (الفيلم السينمائي بدون تقنية الصوت) ثم المرئية/ السمعية (الفيلم المصحوب بتقنية الصوت).
والجدل حول مصطلح "اللغة السينمائية" هو بطبيعته، جدل فلسفي صرف، ولكنه يتجاوز حدود "الترف الفلسفي"، وذلك في محاولة للاستقرار حول حدود استخدامه كمصطلح يتعارف عليه كل من يتصل بنشاط الفن السينمائي (الروائي وغير الروائي) من صناع الأفلام ومن باحثين ونقاد لها، باعتباره مصطلحا يعني به "مفردات التعبير السينمائي" التي تشترك مع "النظام الخاص باللغة المنطوقة" (وليست الطبيعية) عن خاصيتها الأساسية وهي "إيصال المعنى"، فكل من "اللغة المنطوقة" و"اللغة السينمائية" عبارة عن "مادة اتصال"، الغرض منها توصيل معنى معين، فضلا عن ما تتضمنه من معلومة (أو معلومات). فاللغة المنطوقة هي "مادة اتصال لفظية" تتصل بالحاسة السمعية (مع ملاحظة أن الكتابة هي الشكل الاصطلاحي للغة وليست هي بذاتها اللغة)، واللغة السينمائية هي مادة اتصال مرئية بالدرجة الأولى (وبحكم النشأة التاريخية) تتصل بالحاسة البصرية (ولاحقا بحاستي الإبصار والسمع معا).

سيرجي أيزنشتاين

وإذا كانت القيمة الابداعية للغة المنطوقة، بما يجعلها فنا (الأدب بصفة عامة: شعرا ونثرا، وليس الشعر فقط) تؤول إلى كل من الاختيارات اللفظية وأساليب تراكيبها، ففي المقابل فإن القيمة الابداعية للغة السينمائية تستند إلى اختيارات المفردات السينمائية (البصرية والسمعية) وعلاقاتها التراكبية ومن خلال تتابعها المونتاجي، وبذلك فإن موضوع الجدل حول مصطلح اللغة السينمائية يمكن حله، على نحو ما سبق، فلسفيا ذا طابع منطقي مناسب، لا ينحو نحو التبسيط المخل، بقدر ما يتجاوز التعقيد ذا الطابع السفسطائي، وهو طابع جدلي ذو بعد تاريخي في الثقافة اليونانية القديمة، من المرجح أنه تم تجاوزه إلى حد كبير في العصر الحديث، ومن ثم فلا حاجة ماسة لنا للبحث عن "جدل جديد" حول "جدل قديم"، من المرجح أنه قد استنفذ القدر المناسب له من "الطاقة الجدلية" (حول موضوع واحد) بالرغم من أنه على قدر كبير من الأهمية والحيوية النسبيتين، إلا أنه من المرجح- أيضا- أن يظل الجدل حول الامكانيات التعبيرية للمفردات السينمائية هو الموضوع الأرجح في دائرة الاهتمام النقدي طالما بقيت السينما، فالأولى أن نتفرغ لابداعات جدلية في فلسفة الفن السينمائي ذات بعد إضافي، متنجبين "الطابع الاجتراري" لموضوعات نالت استحقاقها من الجدل.

الثلاثاء، 3 أغسطس، 2010

"ميرال" فيلم عن القضية الفلسطينية في مسابقة فينيسيا

الممثلة الهندية فريدا بنتو Freida pinto التي أصبحت نجمة شهيرة منذ نجاحها في الفيلم البريطاني الحاصل على عدد من الجوائز الدولية "المليونير المتشرد" (أو مليونير العشوائيات) ستشارك في مهرجان فينيسيا القادم بفيلم جديد هو "ميرال" Miral، الذي سيتنافس مع 22 فيلما آخر على جائزة الأسد الذهبي في المهرجان.والفيلم من الإنتاج المشترك بين أمريكا وفرنسا وايطاليا واسرائيل إلا أن المشاركة الإسرائيلية في الفيلم لا تتعدى الاستعانة بإحدى شركات الخدمات السينمائية في تنفيذ المشاهد التي صورت هناك. ولكن شركة الإنتاج الرئيسية للفيلم هي شرطة باتيه pathe الفرنسية، لكنه لا يعتبر ممثلا لفرنسا في المهرجان بل للولايات المتحدة بحكم جنسية مخرجه على ما يبدو. وهذه إحدى مشكلات تعدد الجهات الإنتاجية حيث يصعب الاعتماد فقط على ما يسمى بـ"دولة المنشأ" وهي هنا فرنسا في الواقع، علما بأن مخرج الفيلم جوليان شنابل (وهو أمريكي) يستخدم طاقما عالميا من الممثلين يضم وليم دافو الأمريكي، وفانيسا ريدجريف البريطانية، وهيام عباس الفلسطينية، وعمر متولي (مصري هولندي)، بل وهناك عدد كبير نسبيا من الممثلين الفلسطينيين في الفيلم مثل ياسمين المصري ومكرم خوري وكريم خوري.
والفيلم مقتبس عن كتاب للفلسطينية الإيطالية رولا جبريل، تروي فيه قصة نضال امرأة من أجل تأسيس دار للأطفال الأيتام في فلسطين بعد النكبة مباشرة. فريدا تقوم بدور ميرال وهي فتاة فلسطينية، نشأت في دار الأيتام، وعندما كبرت التحقت بالمقاومة الفلسطينية لكنها حائرة بين ما تعلمته على يدي هندي الحسيني مديرة الدار من أن التعليم هو أهم سلاح في المعركة، وبين ارتباطها العاطفي بشاب من المقاومة تعرفت عليه أثناء تدريسها للأطفال في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين.
المخرج شنابل يهودي أمريكي ولد عام 1951 في حي بروكلين في نيويورك ثم انتقل مع أسرته إلى تكساس حيث تعلم الفن التشكيلي وأصبح رساما متميزا، وبدأ الاخراج السينمائي عام 1996 بفيلم "باسكويه" Basquait عن حياة الرسام النيويوركي جان ميشيل باسكويه (من أصل بورتوريكي).

الأحد، 1 أغسطس، 2010

"البجعة السوداء" في افتتاح الدورة الـ67 من مهرجان فينيسيا

ناتالي بورتمان في لقطة من الفيلم

يفتتح مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي في دورته الجديدة السابعة والستين، بالفيلم الأمريكي "البجعة السوداء" للمخرج دارين أرونوفسكي. وتقوم الممثلة ناتالي بورتمان بدور البطولة في الفيلم، وهي تلعب دور راقصة باليه. ويشاركها البطولة فنسنت كاسيل وويونا رايدر. وينتمي الفيلم إلى نوع الدراما النفسية المشوبة بالإثارة والتشويق. وكان من المقرر أن يشارك الفيلم في مسابقة مهرجان كان الماضي إلا أنه لم يكن جاهزا للعرض. وسيفتتح مهرجان فينيسيا في الأول من سبتمبر ويستمر لمدة 11 يوما، وقد تقرر عرض فيلم الافتتاح في المسابقة الرسمية للأفلام الطويلة بينما يعرض في الختام فيلم "العاصفة" للمخرجة الأمريكية جولي تايمور، وهو معالجة سينمائية جديدة لمسرحية شكسبير الشهيرة التي سبق قدمها في السينما اثنان من كبار السينمائيين البريطانيين البارزين هماالراحل ديريك جارمان عام 1979، وبيتر جريناواي في "كتب بروسبيرو" عام 1991 . مخرج "البجعة السوداء" أرونوفسكي سبق أن شارك مرتين في مهرجان فينيسيا، وحصل على الأسد الذهبي عن فيلمه "المصارع" بطولة ميكي رورك، عام 2008.

رابط إلى
موقع مهرجان فينيسيا السينمائي
جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com