الخميس، 30 ديسمبر، 2010

مهرجان دبي السينمائي 5


"الخروج" ميلاد حقيقي واعد لمخرج جديد


أود أولا أن أؤكد أنني فوجئت بـ"الطموح" السينمائي الكبير في فيلم "الخروج" للمخرج الشاب الجديد القادم من الولايات المتحدة، هشام عيسوي.

هذا فيلم ليس كسائر الأفلام التي تمر مرور الكرام. إنه قطعة ملتهبة متوحشة من قلب الواقع القاهري البائس الذي يعيشه سكان المناطق العشوائية اليوم: بطالة وتشرد وفقر وضياع اجتماعي، وتحايل من أجل العيش بشتى الطرق.

فتاة مسيحية شابة في الثامنة عشرة هي "أمل"، ترتبط بعلاقة حب مع شاب مسلم هو "طارق"، عاجز عن العثور على أي نوع من التحقق، يفقد وظيفته في أحد المطاعم، وتفقد "أمل" على إثر ذلك أيضا وظيفتها الهامشية في المطعم نفسه، بعد أن تسرق منها مجموعة من الصعاليك الدراجة النارية التي كانت تستخدمها في توصيل الطلبات إلى زبائن المطعم انقاذا للموقف بناء على رغبة صاحب المطعم الشرس.
تعيش أمل مع أسرة مكونة من الأم، وهي مغلوبة على أمرها، خاضعة لجبروت وتعنت زوج مستبد، مقامر، يستولي على كل ما تملكه، وشقيقة تقاسي الأمرين، من سلبية الأم، ومن إجرام زوج الأم الذي يستولي أيضا على كل ما تكسبه من جنيهات قليلة للإنفاق على ابنها، فتضطر لاحتراف الدعارة، كما ستكتشف أمل التي ترضخ لقهر الزمن وتقبل بالعمل في محل كوافير، تملكه امرأة فاسدة تدير منزلا للدعارة، وتحاول توريط أمل أيضا حيث تلتقي هناك بشقيقتها وتكتشف الحقيقة المرعبة.
اما طارق فهو يرغب في مغادرة مصر مع أولئك الذين يهربون بحرا بالقوارب الى ايطاليا، ولكن شقيقه، المندمج في أجواء تلك "اللوثة الدينية" التي تسيطر علىواقع الطبقة الوسطة الصغيرة في مصر دون أن تعني أي درجة حقيقية من درجات التدين، يحاول إقناعه بالبقاء بعد أن يسند اليه عملا في الطلاء، يستغله فيه مقابل حفنة من الجنيهات القليلة.
طارق يحب أمل رغم اختلاف الديانتين، وشقيقه يعترض بحكم تعصبه الديني، والآخرون ينظرون إليه باعتباره من الخارجين عن الأعراف والتقاليد، وتقول له أمل إنها حامل لكي تقنعه بالبقاء في مصر، لكن رفضه للواقع يبدو في لحظة ما، أكبر من حبه لها فتتركه يذهب بعد أن تقنعه بأنها كانت تدعي الحمل.
اما صديقتها التي فقدت عذريتها فهي تقبل بالزواج من رجل يكبرها كثيرا يعمل بالسعودية، تجري عملية لترقيع غشاء البكارة، وتحصل على تكاليف العملية من الرجل نفسه، دون أن تكشف له السر بالطبع، وبطريقة عملية تقول لأمل إنها ستتزوجه لكنها لن تحبه.

إنها باختيار سلسلة من الاحباطات، ومحاولات الالتفاف حول الواقع المزري الكئيب، من أجل البحث عن مخرج.. ولعل المعنى الحقيقي لعنوان الفيلم هو "المخرج" وليس "الخروج". لكن كل الطرق للخروج من القاهرة تبدو مسدودة، أو أن هذا ما نصل اليه في النهاية.
ولعل من الضروري هنا القول إن ما يميز هذا الفيلم، ليس فقط موضوعه المستمد مباشرة من تعقيدات الواقع المأساوي، بل من تلك القدرة الهائلة على تجسيد الموضوع على الشاشة باستخدام كاميرا الديجيتال (الرقمية) التي لولاها لما أمكن أصلا إنتاج مثل هذا العمل.
نحن هنا أمام قدرة كبيرة لاشك فيها على اختيار الأماكن المناسبة تماما للموضوع، والتعامل مع كل إمكانيات المكان لإثراء الصورة، واختيار زوايا تصوير صعبة تغرسنا كمتفرجين داخل تضاريس المكان: داخل الحواري الضيقة، فوق أسطح المنازل، داخل الحجرات الخانقة. إنها صورة تغوص في احشاء القاهرة العشوائية، لكنها رغم قسوتها الشديدة، لا تخلو من جمالها الخاص، فالرغبة المشتركة بين الحبيبين: أمل وطارق، في التغلب على قسوة الواقع والارتفاع فوقه، تجعلهما، مثلا، يرقصان فوق السطح، في مشهد يلعب على الإيروتيكي دون أن يقصد بالضرورة الإثارة الجنسية. ولعل من جوانب النقص في الفيلم، ومن داخل منطقه الدرامي نفسه، أن هشام عيسوي، نتيجة لشعوره الخاص بالوجل والتردد وهو يصور فيلمه في مصر للمرة الأولى (بعد تجربتين في الاخراج في أمريكا) مدركا للمشاكل التي يمكن أن يواجهها فيلمه، يتقاعس عن مد الكثير من المشاهد على استقامتها الطبيعية كما كان ينبغي، لكي يتجنب تصوير ممارسة الحب بين بطليه مثلا، مكتفيا بالإيحاء الذي يتسبب في رأيي، في بتر أكثر من مشهد، والإضرار بايقاعه. وربما يكون عيسوي أراد أن يجعل بطليه يكتفيان بالتلامس دون القدرة على التحقق الجسدي الكامل، للإشارة إلى فكرة "مجتمع قمع الرغبات" إلا أن هذه الفكرة تبدو غير مخدومة جيدا، وخارجة عن السياق إذا وجدت.

هنا، في هذا الفيلم، نفس من الضياع الوجودي المرتبط بواقع يرفض الفرد، ويقوم بتهميشه باستمرار، يحظر عليه اقامة علاقة عاطفية بسبب اختلاف الأديان، يرفض منحه فرصة حقيقية للعمل والترقي، يجعله عاجزا عن المغادرة بسبب قلة الحيلة تارة، أو انتشار المحتالين تارة أخرى، والنتيجة أننا ندور في دائرة مغلقة لا تؤدي الى شيء. ولعل هذه الفكرة، أي فكرة الدائرة المغلقة، تتجسد في نهاية الفيلم عندما نرى أمل وهي تنزل الى البحر، تسبح، كأنها تتطهر من آثام الواقع وأضرانه، لكنها تعود بعد ذلك إلى الشاطيء.. إلى اليابسة، بعد أن أدركت انه لا مخرج هناك أمامها سوى العودة للدوران داخل دائرة الاستسلام وانعدام الأمل.

وعلى الرغم من الخلل القائم في الايقاع داخل بعض المشاهد، والمبالغة في مشاهد أخرى مثل مشهد اكتشاف كيف احترفت شقيقة أمل الدعارة، والمغالاة في تصوير "نذالة" زوج الأم، ورغم بعض أخطاء الاخراج، والاطالة غير المبررة في بعض المشاهد، إلا أن ما أعجبني بوجه خاص في هذا الفيلم هو تلك القدرة الكبيرة من جانب هشام عيسوي على تطويع المكان والتعامل مع بطليه الشابين: مريهان ومحمد رمضان، في إطاره، بكل هذا التحكم في الأداء، وجعلهما يصلان إلى هذا المستوى الرفيع من التناغم والانسجام، والتعبير السلس، البسيط، والمؤثر.

إن مريهان في دور "أمل" ممثلة بكل كيانها، وهي تعبر عن الحب والرغبة والمرح والحزن والشفقة والجنون والتمرد بكل ما يمكن أن تملك أي ممثلة كبيرة محترفة رغم خبرتها البسيطة المحدودة. وهي فضلا عن ملائمتها الكبيرة للدور وكانها خلقت له، يمكنها الأداء بثقة كبيرة في اللقطات الكبيرة، يساعدها وجه يمتليء بالتعبير الحي، أمام ممثل شاب ولد عملاقا، هو محمد رمضان الذي يضيف الى دوره أبعادا عميقة من خلال معايشته الخاصة للشخصية، ويبدو متكيفا تماما مع أماكن التصوير الطبيعية التي تعيد الكاميرا اكتشافها على نحو شديد الإقناع بواقعيتها.
ولابد أيضا من التنويه والاشادرة بالدور الذي قامت به الممثلة المغربية المتميزة، صاحبة الموهبة المتفجرة، سناء موزيان، التي تلعب دور الفتاة التي تتخذ قرارا ببيع نفسها لرجل لا تربطها به أي عاطفة، فيكبرها ي العمر فقط من أجل النجاة من الحياة البائسة التي تعيشها، وبعد ان انتهت علاقتها بحبيبها نهاية غير موفقة، وبعد ان فقدت عذريتها. ان سناء في هذا الدور، تكشف عن ملامح قوية لممثلة شديدة الثقة بنفسها وبقدرتها على الاداء البسيط السلس، مع ملامح من خفة ظل واضحة أضفت مزيدا من الجمال والجاذبية على الدور رغم صغره في محيط الفيلم ورغم قيام صاحبته من قبل ببطولة عدد من الافلام ربما يكون اهمها فيلم "سميرة في الضيعة" الذي رسخها كواحدة من أفضل الممثلات في السينما العربية.

المخرج هشام عيسوي
 هنا كاميرا محمولة مهتزة في الكثير من المشاهد، موسيقى تشي بالتوتر والقلق والصراع المكتوم. مونتاج يسعى إلى تجاوز الوظيفة التقليدية في الربط بين المشاهد وضمان سلاسة الانتقال فيما بينها إلى توليف مشاهد شاعرية قد تبدو "دخيلة" على مادة الفيلم حينا، أو خارجة عن السياق حينا آخر، غير أنها تبدو في النهاية جزءا من معالم ذلك الأسلوب المتأثر، دون شك، بتجارب سينما العالم الثالث، وربما أيضا "السينما الثالثة".

ربما لا تكون القضية الدينية أو الطائفية بارزة في هذا الفيلم كما كان ينبغي، وربما تكون بعض الحوارات تجنح قليلا إلى السذاجة، لكننا أمام مخرج جديد واعد بشدة، يملك أساس السينما، أي قدرتها على التاثير.

هذا فيلم من قلب السينما الواقعية.. لكنها ليست تلك الواقعية الجديدة التي ميزت جيل الثمانينيات: محمد خان وعاطف الطيب وخيري بشارة وعلى بدرحان، بل واقعية جيل الديجيتال الذي يطلق على نفسه جيل السينما المستقلة. وتعد تجربة تصوير فيلم جديد عند هذا الجيل، مغامرة بحجم مغامرة اكتشاف السينما نفسها.
إن واقعية هذا النوع من السينما، التي تتجرأ على مس المسكوت عنه (التفرقة الدينية، وتصوير أسرة مسيحية فقيرة في صورة سلبيية مثلا، وتفاصيل كثيرة أخرى يعتبرها أنصار التستر على ما يجري في الواقع "تشويها لصورة مصر!) هي واقعية مقلقة، موجعة، لا تكتفي فقط برفع شعار "هكذا تسير الأمور" الذي افتتح به روسيلليني منهج مدرسة الواقعية الجديدة الايطالية بعد الحرب العالمية الثانية، بل "هكذا لا يجب أن تسير الأمور"، أي أن هناك بعدا تحريضيا في هذه السينما أيضا، ولعل هذا هو ما يخيف البعض!

2 comments:

غير معرف يقول...

أستاذي الكريم

تصويب
إسم المخرج هو : هشام العيساوي
وليس : العيسوي

لقد كان لي شرف إكتشاف هذا المخرج
عام 2005 , حيث هرضت فيلمه القصير
T for Terrorist
في مهرجان دبي في ذاك العام

تحياتي
محمد مخلوف

أمير العمري يقول...

عزيزي محمد
نحن في مصر لا نستخدم اسم العيساوي بل هذا يحدث في لبنان وسورية فنحن نقول عيسوي... والمخرج المشار اليه بالتالي اسمه هشام عيسوي وليس العيسوي ولا العيساوي.. وتقبل محبتي وتقديري...

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com