الثلاثاء، 2 نوفمبر، 2010

مهرجانات وجوائز وموالد!

من الظواهر الملفتة للنظر في مهرجانات السينما الدولية التي تقام في العالم العربي، تعدد الجوائز وتكاثرها على نحو محير ومربك في الكثير من الأحيان ودون أي ضرورة أو اعتبار فني، وهو أمر لاشك أنه يلقي بالكثير من الشكوك على نوايا تلك المهرجانات، ويقلل كثيرا من مصداقيتها بل ويجعل من جوائزها مادة للقيل والقال، فعادة ما يوصف الكثير من هذه الجوائز المتعددة المتوالدة، بأنها تهدف أصلا إلى مجاملة أكبر عدد ممكن من أصحاب الأفلام دون أن يكون لها بالضرورة أي علاقة بالمستوى الفني للأفلام نفسها.
الأصل في جوائز المهرجانات أن تكون محدودة في عددها، لكي تكتسب قيمة ما، خاصة عندما لا تكون متبوعة بقيمة مالية. الجائزة الرئيسية عادة هي جائزة أحسن فيلم، وهي الجائزة الكبرى التي يتذكرها الجميع، كما نتذكر جميعا مثلا، جائزة السعفة الذهبية أو الدب الذهبي أو الأسد الذهبي في مهرجانات كان وبرلين وفينيسيا. وقد ابتكرت جائزة لجنة التحكيم الخاصة التي تمنح للفيلم التالي في أهميته للفيلم الأفضل في المسابقة. وبعد ذلك هناك جائزتا أحسن ممثل وأحسن ممثلة. وربما جائزة العمل الأول. أما غير ذلك من الجوائز الفرعية مثل الإخراج والسيناريو فأحيانا تمنح وأحيانا أخرى لا تمنح. وشخصيا لا أرى أي منطق في منح جائزة لأحسن إخراج إذا كنا منحنا جائزة لأحسن فيلم، فما معنى أن يكون الاخراج هو الأحسن دون أن يحصل الفيلم على جائزة أحسن فيلم. فالمعروف أن الاخراج يشمل كل العناصر الفنية في الفيلم.
لكننا في حالة مهرجانات العالم العربي نجد أولا تعددا مخيفا في المسابقات (خمس وست مسابقات متشعبة ومحيرة). أنظر مثلا إلى مهرجان أبو ظبي الأخير ستجد أن هناك مسابقة الأفلام الروائية، ومسابقة قسم "آفاق"، ومسابقة الأفلام الوثائقية، ومسابقة الأفلام القصيرة، ومسابقة أفلام من الامارات، وجائزة أحسن فيلم عربي، وجائزة الجمهور المبتدعة.
وأما مهرجان قرطاج فيمنح حزمة هائلة من الجوائز للأفلام الروائية والتسجيلية والقصيرة وأفلام الأطفال أو الأفلام التي تشكل لها لجنة تحكيم من الأطفال (وهي بدعة جديدة)، وأفلام المرأة، ومسابقة الأفلام التونسية، وجائزة الجمهور!
أما جوائز المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة فتتعدد على نحو مخيف وتتشعب وتبتكر لها لجان التحكيم جوائز أخرى ليس منصوصا عليها في لائحة المهرجان، كما حدث مثلا في دورة عام 2008 من مهرجان قرطاج مثل جوائز الأمل، وجوائز التصوير والموسيقى والمونتاج، وجائزتي التمثيل الثانوي، والتانيت الخاص، وجائزة راندة الشهال، وأخرى على اسم المخرج التونسي الراحل الياس الزرلي، وغير ذلك من الجوائز والأهازيج.
ولا يختلف مهرجان دمشق أو القاهرة أو الاسكندرية عن هذين المهرجانين في تشعب وتعدد الجوائز ولجان التحكيم، ومحاولة إرضاء الجميع، ومنح كل المشاركين جوائز تفقد قيمتها، خاصة وأن معظمها ليست له قيمة مالية بل قيمة رمزية فقط. ومعروف أن القيمة الرمزية تكون محفوظة عندما تنحصر الجوائز في عدد محدود من الأفلام، أما عندما ينفرط العقد وتتوالد الجوائز فيفقد الجميع الاهتمام بالأمر، ويضيع أسماء الأفلام الحاصلة على الجوائز.. وينفض المولد، دون أن يبقى في الذاكرة شيء.
وفكرة تعدد الجوائز تأتي من مسابقة الأوسكار الأمريكية التي لا تعد مهرجانا بل مسابقة مقصود منها تقييم الجوانب المختلفة في الصناعة السينمائية الأمريكية، وهي جوائز يمنحها اتحاد السينمائيين لأعضائهم الأكثر بروزا خلال العام. وهذا هو السبب الوحيد في تعددها وشمولها جوانب تقنية مثل مونتاج الصوت، تصميم المناظر، المؤثرات الخاصة.. إلخ
وبسبب تعدد الجوائز للترضية والمجاملات، وتعدد لجان تحكيم معظم أعضائهالا يتمتعون بأي قدرة على تقييم الأفلام أو الحكم عليها مع استبعاد نقاد السينما المتخصين لأنهم (مثقفون) أي يمكن أن يفسدوا العرس والاحتفال الكبير الذي لا يليق سوى بـ"النجوم" من عينة الهام وسلاف وموزيان ولبلبة وأخواتها، تكتسب المهرجانات العربية الدولية سمعة سيئة يوما بعد يوم، وتفقد المصداقية والاحترام، فالمشكلة ليست فقط أنها تسير على تقاليد بالية متخلفة، بل في أنها لا تستمع إلى ما يكتبه النقاد الصادقون الذين يسعون إلى التطوير لا الهدم، وإلى تعديل صورتنا أمام العالم.. وحتى لا نخجل من الذين يسخرون منا سرا وعلانية، ويعتبروننا من "كذابين الزفة"!

0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com