السبت، 30 أكتوبر، 2010

انقراض القاعات السينمائية بالمغرب: بين صناعة الوهم وسياسة الهروب إلى الأمام



بقلم: مصطفى العلواني * 


 
من الوقائع السوسيوثقافية الصادمة التي استفحلت خلال العقد الأخير بالمغرب واقعة إغلاق القاعات السينمائية، أو بالأحرى انقراضها وموتها الوشيكين، إذا لم تتحرك الدولة والمجتمع لوقفهما. ولئن كانت هذه الظاهرة شبه عامة في الكثير من الدول النامية فإنها تعتبر من قبيل المفارقة الفاضحة في بلد يتباهى بأنه هوليود إفريقيا والعالم العربي، حيث لا يتوانى بمناسبة وبدونها عن الإعلان عن نفسه كقوة سينمائية ناهضة جذلانة بإنتاجها لــ 15 شريطا طويلا وأكثر من 50 شريطا قصيرا سنويا، وهي معطيات تصبح رغم أهميتها غير ذات موضوع، بل وموضع تساؤل ملح عن جدواها والحالة هذه. ما دامت لا تجد لها عمقا جماهيريا وتجليا مؤسساتيا ليس لهما غير تواجد القاعات والعمل على صيانتها والرفع من مستواها بديلا.
وفي هذا المقال ومساهمة في النقاش الدائر، نـود أن نقف على ما أسفرت عنه ندوة القاعات السينمائية بالمغرب، التي انعقدت قبل شهر، بمهرجان سينما المرأة بمدينة سلا، من خلاصات أماطت النقاب، كما سيأتي، عن خلو جعبة المركز السينمائي المغربي من أي مبادرة جدية أو مقاربة عملية موضوعية لوقف هذا النزيف الذي اندحرت بموجبه حظيرة القاعات السينمائية من قرابة 400 قاعة إلى ما يقل عن 50 فهل من مزيد.
وكان السيد مدير المركز السينمائي المغربي، المؤسسة الوصية على القطاع، الذي أفادت مصادر مطلعة، أنه من أفتى بتنظيم الندوة، واختيار المتدخلين فيها، بشكل يتلاءم كما سنبين، ومقاصده منها، قد تحدث خلالها بإسهاب سواء في كلمة التقديم أو خلال مداولاتها بصفته كان مديرا لها لمداولاتها، أيضا كلمة الختم، التي لم يتح بعدها وبشكل تحكمي للحضور الفرصة للنقاش أو التعقيب على ما ساقه من أفكار ومقترحات من باب أخبرها ولا تأخذ برأيها.
وفي هذا السياق، وكأرضية للتأسيس والتيسير لأطروحته حول انقاد القاعات السينمائية، مهد بمداخلة مدير مؤسسة أوروبا سينما، الذي قدم تقريرا عن مشروع رقمنة صالات العرض بفرنسا ودول أوروبية أخرى، وهو مشروع يتولى تجهيز دور العرض بآليات البث الرقمي، بحيث وضح هذا المسؤول ما قطعته مؤسسته من أشواط في اتجاه ذلك، وما هو قيد التحقق معززا ورقته بالكثير من الأرقام وآليات تفعيل المشروع وغير ذلك من الإجراءات.
وتأسيسا على ذلك وبتقنية copier coller، بشرنا السيد نور الدين الصايل، أن خلاص المغرب من آفة انقراض القاعات وموتها المحقق، يتلخص في تقليد هذه التجربة، وبذلك يضرب المغرب حسب زعمه عصفورين بحجر واحد، أي رقمنة القاعات وإنقاذها بنقرة واحدة. وحسم الأمر أنه لا ينبغي الاعتماد في هذا الباب على مساهمة الخواص، جاعلا الكرة في ملعب الدولة كفاعل ومرشح وحيد، لانجاز هذا المشروع. ثم أسند مقترحه بالمراهنة أيضا على تشجيع الاستثمار في بناء المركبات السينمائية، نظير مركبي ميكاراما في كل من الدار البيضاء ومراكش.
ومن التناقضات الأولى التي تسترعي الانتباه في هذا الطرح، هو استبعاد المراهنة على القطاع الخاص بخصوص مشروع الرقمنة، والدفع به في مشروع المركبات وهو ما يـؤثـر على تماسك منطق التحليل ويطبعه بالتدبدب والازدواجية.
وقبل الخوض في مناقشة أطروحة السيد نور الدين الصايل وجب التنويه بتراجعه - وإن جاء متأخرا -عن اتخاذ القرصنة كمشجب واحد أوحد، لتفسير إغلاق القاعات السينمائية، كما ذهب إلى ذلك بـوثـوقية بالندوة التي نظمها وترأسها قبل سنة بمهرجان السينما الإفريقية الذي يترأسه هو الآخر، إلى جانب مهرجانات أخرى؟
الملاحظة الأولى على هذا الطرح، أن مشروع رقمنة القاعات السينمائية مشروع في بدايته بما في ذلك الدول المتقدمة، الشيء الذي يجعله موضوعيا مشروعا تجريبيا لازال خاضعا لتصويبات متسارعة، واردة بقوة، بفعل إمكانية ظهور أجيال جديدة من الآليات، مما يجعل الأجيال الأولى منها مهددة بداهة بالتجاوز على المدى القريب والمتوسط، وبالتالي يكون التفكير في الرقمنة كحل رئيس لأزمة القاعات السينمائية ضرب من التهور والوهم، الذي لن يجد له أذانا صاغية، كحل جدي لانتشال القاعات من خطر التلاشي والاندثار، لأن الأمر بكل بساطة يتعلق بمشروع لم يثبت بعد صلاحيته واستقراره وبالتالي نجاعته.

ومن جهة أخرى تجب الإشارة، أنه لايــوجد إجماع حول هذا المشروع، إذ أن أصواتا كثيرة، ذات مصداقية ارتفعت من داخل الدول الأوروبية، لتعلن أن مشروع رقمنة القاعات، لا يعدو أن يكون سوى حل جزئي، لا ينبغي التعامل معه بوثوقية كحل مطلق. كما أشارت هذه الأصوات بقوة إلى الجوانب السلبية للمشروع، نظرا لما يمثله من تهديد للسينمات المستقلة، كخطر وارد يتربص بالذاكرة البصرية الموشومة في مئات الآلاف من أشرطة السيلولويد من قياس 35 مم، التي من المحتمل جدا، أن يطالها الإهمال والنسيان، وكان حريا بالمركز السينمائي المغربي الذي يوجد في وضعية العاجز حتى عن ترميم وصيانة ما بحوزته من أشرطة سينمائية، سواء منها التي تعود للمرحلة الكولونيالية، أو التي أنجزت سنوات الاستقلال، أن يكون أكثر حساسية لهذا الموضوع، ولا يسعنا في هذا السياق، مدام الشيء بالشيء يذكر، إلا أن نتوقف عند حالة الجمود والإهمال التي تعاني منها الخزانة السينمائية، وتلك حكاية أخرى لنا عودة في مقال خاص للتفصيل في شجونها التي طال أمدها.
وكان السيد نور الدين الصايل قد أعطى خلال الندوة المذكورة، لكل من المخرج والمنتج السينمائي نبيل عيوش بشراكة مع السيد العيادي صاحب قاعة سينما كوليزي بمراكش، الكلمة لعرض الخطوط العريضة لمشروع بناء قاعات مزدوجة binôme، بالأحياء الشعبية والعالم القروي... كذا ... وهو مشروع يعتمد على الشراكة مع الجماعات المحلية، وقد لاحظ المتتبعون تحفظ السيد نبيل عيوش في توضيح طبيعة مشروعه الذي أراد له على ما يبدو أن يظل مستورا، ومع ذلك يمكن تخمينه بناء على عدة سوابق ومعطيات، كمبادرة للاستفادة من هذا الوضع الكارثي، للحصول على وعاء عقاري من الجماعات الحضرية والقروية، والتدبر من هنا وهناك تمويلات للبناء والتجهيز، واتخاذ هذه القاعات أوكارا لترويج خردة، وهي ماركة من الأفلام شبيهة بالسلع الصينية الرخيصة. وقديما قيل مصائب قوم عند قوم فوائد. ومع ذلك فالمشروع بالنسبة للسيد المدير، لا يعدم فائدة في باب تعمار الشوارج وتسخين الطرح للتغطية عن الفشل.
وقد تميزت هذه الندوة باستبعاد وتغييب ممثلي أرباب القاعات السينمائية، الشيء الذي يدعو للاستغراب، باعتبارهم طرفا رئيسا في حل الإشكالية المطروحة، وقد فسر البعض ذلك بتجرؤ رئيس غرفة المستغلين السيد المراكشي، على فضح استفراد رئيس المركز السينمائي المغربي بقرار اتخاذ مدينة طنجة، مسقط رأسه مقرا دائما للمهرجان الوطني للسينما، مما يتناقض والغاية من طابعه المتجول خدمة للترويج للسينما، من خلال تشجيع المنافسة وتكافؤ الفرص بين الحواضر المغربية، بعيدا عن كل نزعة إقليمية ذاتية وبئيسة.
وبالعودة لأطروحة السيد المدير، فإننا نرى أنه من البديهي التساؤل لماذا لو كان تجهيز القاعات السينمائية بآليات البث الرقمي، سيشكل حلا تنجر بمفعوله السحري، على حد زعمه، الجماهير السينمائية، جرا لملئ القاعات السينمائية، قد تأخرت رغم ذلك شركات التوزيع العالمية عن المسارعة بتأسيس فروع لها بالمغرب، وعرض خدماتها بالمجان حتى، باعتبار أنها لا تتوانى قيد رمشة عين، عن التكالب على الأسواق المدرة للربح، هي التي تشتم رائحتها بالفطرة وبلا حاجة لدليل محلي مستبصر ولنا في التاريخ القريب مايؤكد هذا ويزكيه.
إن واقعة انقراض دور السينما بالمغرب، إشكالية مركبة ومستعصية، لا يمكن التصدي لها بالندوات المفبركة، والحلول المبتسرة، بل يجب النظر إليها بلا لف ولا هذيان، كواقعة سوسيو ثقافية، يتداخل فيها مايرتبط بالثورة التكنولوجية، بما هو سياسي، وبما هو تربوي وسوسيوثقافي، والإقرار بما لا يدع مجالا للشك، أن الأجيال الجديدة لا يوجد ضمن مرجعياتها طقس الذهاب إلى السينما، وما يرتبط به من حاجة ملحة للفرجة والمشاهدة الجماعية، أو لنقل على الأقل ليس ذلك أولوية بالنسبة لها.
وإذا كان هناك من إرادة حقيقية لمواجهة المشكل، فإن عليها أن تتجلى كاقتناع حقيق بأن طقس المشاهدة الجماعية، كطقس نبيل وسلوك إنساني حضاري ثقافي، منتج لقيم محبة الحياة والدوق الرفيع، والانتصار للجمال، والتنشئة الاجتماعية السليمة. يقتضي، أن نبدأ بالإقلاع عن صناعة الوهم وركوب سياسة الوهم، التي كثيرا ما تكون وليدة التشبث الأعمى بالمواقع الزائلة.
وتأسيسا على التوصيف والتحليل، الذي قمنا به لظاهرة اندثار القاعات السينمائية، يمكن القول أن المدخل الحقيقي، لإعادة الاعتبار إلى هذه الدور، وبعث الروح في الحاجة إلى الذهاب إلى السينما، يتجاوز التلويح بإجراءات جزئية محدودة الفعالية، والتفكير فيما هو أعمق وأشمل، وذلك من قبيل التفكير في إعادة هيكلة المشهد السينمائي. والإقرار بأن مهمة انقاد دور السينما تتجاوز قدرات المركز السينمائي المغربي، الذي يجب أن يعترف بدالك بشجاعة وبدون مركب نقص.
وقد يكون للمركز السينمائي، قبل فوات الأوان، للمساهمة في انقاد القاعات السينمائية كمؤسسات مدنية حيوية، شرف المبادرة باستدراج الدولة ومؤسسات المجتمع المدني إلى نقاش عمومي، يستهدف إرساء أسس إستراتيجية وطنية حقيقية، لانقاد القاعات، وبعث الحاجة إلى الذهاب إلى السينما، كإشكالية تقتضي إعادة تربية الأجيال الناشئة على الصورة، وعلى متعة المشاهدة الجماعية، المنتجة للمتعة الخلاقة، وهو عمل يحتاج إلى إرادة سياسية، ومجهود تربوي واجتماعي مدني، طويل الأمد، يتطلب شحذ الأفكار، وحشد الطاقات، إنه باختصار، عملية نضالية ثقافية وطنية، processus، تندرج ضمن مشروع مجتمعي، ليست حياله مقترحات من قبيل رقمنة القاعات وتشجيع المركبات السينمائية، سوى تدابير يمكن اقتراحها في نهاية المطاف.
انها مهمة تقتضي تدخل الدولة ممثلة في وزارة الثقافة، ووزارة الإعلام ووزارة التربية الوطنية والمركز السينمائي، والمؤسسات المنتخبة، والمجتمع المدني، بمختلف مؤسساته المهنية والثقافية والتربوية والحقوقية، ومادون ذلك، إن هو إلا بريكولاج مقيت لن ينتج غير الانعزالية والخطاب الوحيد، وباختصار الفشل الذر يع في إنقاذ السينما كنافذة على الحياة.

* ناقد سينمائي من المغرب

1 comments:

نور الدين الحوتي يقول...

موضوع شامل وواف ويكشف تهافت أطروحات السيد نور الدين الصايل الذي لا يفعل الا أن يصول ويجول هنا وهناك متشدقا بانجازاته الواهية الوهمية.

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com