الأحد، 24 أكتوبر، 2010

السينما والتاريخ ويوسف زيدان

أنا من المعجبين كثيرا بيوسف زيدان، الروائي والباحث، لكني قد لا أكون معجبا بالقدر نفسه، بيوسف زيدان الكاتب الصحفي، فهو يتسرع في إبداء الكثير من الآراء دون تدقيق كاف، فتأتي مضطربة مما قد يوقعه أحيانا، في الكثير من الحرج. ولعل مقاله الشهير في هجاء الشعب الجزائري مثال على ذلك.
ومن بين ما لفت نظري أخيرا، مقاله الذي حمل عنوانا ساخرا هو "الناصر أحمد مظهر" (المصري اليوم، 22 سبتمبر 2010). وفيه يحمل بشدة على فيلم "الناصر صلاح الدين" (1963)، ويقول إنه "حقق نجاحاً جماهيرياً، لكنه واجه فشلاً فنياً ذريعاً، كما حقَّق خسارة مالية فادحة، لأن المساندة (الحكومية) فى إنتاجه، لم تستطع أن تخفف من عبء التكلفة المالية «الباهظة» التى أدَّت إلى إفلاس منتجة الفيلم".
وربما لا يعلم زيدان أن الفيلم من أكثر أفلام مخرجه يوسف شاهين، رواجا في الغرب، فقد عرض مرارا وظل يعرض حتى وقت قريب عبر شبكات الكثير من القنوات التليفزيونية في الولايات المتحدة تحديدا، ولم تدفع منتجة الفيلم السيدة آسيا، مليما واحدا لآلاف الجنود الذين شاركوا فيه. وليس كل ما يقوله المنتجون عن الخسائر التي تحققها أفلامهم يجب تصديقه دائما على أي حال.
ولكن جوهر ما يرمي إليه هو أن هناك "خسارة كبرى" لحقت بالوعى المصرى، والعربى "بسبب مخيالية هذا الفيلم، ومخايلاته، وأكاذيبه الكثيرة" حسب تعبيراته.
وسوف لن أتطرق هنا إلى ما يسوقه من أحكام قاطعة كقوله إن صلاح الدين "كان قائداً خائناً للسلطان نور الدين الذى أرسله على رأس الجيش من دمشق إلى مصر، لتأمين حدودها ضد هجمات الصليبيين"، وهو ما كان يقتضي منه التوثيق والتدليل.
أما ما يهمني فهو ما يأخذه زيدان على الفيلم من أنه لم يكن مخلصا لوقائع التاريخ عندما جعل شخصية «عيسى العوَّام» مثلا، لمصرى مسيحى، في حين أنه كان رجلا مسلما.
ولاشك أن زيدان يعلم تمام العلم، أن السينما ليست مثل كتب التاريخ، أي أن من حق السينمائي أن يقدم دائما "رؤيته" الخاصة لأحداث التاريخ، ومن حقه أن يضيف ويحذف ويبتكر ويعيد صياغة الحدث، بحيث يخدم الرؤية التي يريد توصيلها للمشاهد، وهو ما فعله يوسف زيدان نفسه في روايته الذائعة "عزازيل".. فهل كان مثلا، موجودا وقتما كان بطله يناجي المغنية "مرتا" ويبادلها الحب!
من المؤكد أنني اتفق مع الكاتب في رفضه تزييف الحقائق لخدمة أغراض سياسية معينة، لكن السينما أيضا تتعامل مع "الخيال"، ولا تربط نفسها مسبقا بوقائع التاريخ. ولعل خطورة ما يفترضه زيدان هنا أنه يكرس تحريم وتجريم الأعمال الدرامية، تحت ذريعة انها "تختلف" عن الواقع أو التاريخ، والعبرة على أي حال بمدى القدرة على الإقناع في العمل الفني، وبالغاية الإنسانية من رسالته.
والغريب أن ما يعتبره هو عيبا في فيلم "الناصر صلاح الدين"، يعتبره ميزة في الفيلم البريطاني "مملكة السماء"، في حين أننا نرى صلاح الدين في الفيلم الأخير يعفو عن القادة المسيحيين، ويحمى صليبا أثناء وقوعه على الأرض أثناء القتال، ويبادر بإرسال أطبائه لعلاج خصمه زعيم الصليبيين "بالدوين"، الأمر الذي دفع الكثير من المؤرخين الغربيين إلى اتهام الفيلم بالمبالغة في تصوير شخصية صلاح الدين، تماما كما يفعل زيدان في كلامه عن فيلم "الناصر".
ويعود زيدان فيتناقض مجددا مع نفسه عندما يشيد بفيلم "أجورا" الذي يروي قصة العالمة الاغريقية هيباتيا، رغم أن الفيلم يجعل عبدها الذي أحبها، يخنقها لكي يجنبها ما يمكن أن تتعرض له من تنكيل على أيدي المسيحيين المتطرفين في الاسكندرية وذلك على عكس ما قدمه يوسف زيدان من وصف مسهب (تاريخي) في روايته "عزازيل" لقتلها!
لقد كنت أتصور أن يتصدى يوسف زيدان للمتطرفين من المسلمين والمسيحيين على السواء، وأن يعتبر روايته البديعة موجهة ضد التطرف الديني عموما، بدلا من أن يجعل من نفسه، خصما شرسا لتطرف الكنيسة وحدها، التي يتهمها في مقاله، بالضغط على الحكومة لمنع فيلم "أجورا"، بينا فشلت، حسب قوله، في منع فيلم "مملكة السماء". والأفضل بالتأكيد أن يترك زيدان السينما لأهلها ويجنب نفسه كل هذه التناقضات.

0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com