الأربعاء، 1 سبتمبر، 2010

يوميات فينيسيا 1: "الأكورديون" يعرض في غياب جعفر بناهي


  • افتتاح "أيام فينيسيا" يتحول إلى مظاهرة سياسية ضد إيران

    على العكس من كل التقارير الاخبارية التي بثت ونشرت خلال الأيام الأخيرة، والتي تؤكد على حضور المخرج الإيراني جعفر بناهي (50 سنة) الدورة 67 من مهرجان فينيسيا السينمائي (المعروف باسم الموسترا ديلا تشينما، أي معرض السينما) لم يتمكن بناهي من مغادرة إيران بعد أن رفضت السلطات السماح له بالسفر لحضور العرض العالمي الأول لفيلمه القصير "الأكورديون" الذي عرض الأربعاء الأول من سبتمبر في افتتاح القسم الذي يعرف باسم "أيام فينيسيا" (أو أيام المؤلفين) مع الفيلم الفرنسي الروائي الطويل "ضجيج الثلج" للمخرج الشهير برتران بلييه الغائب عن السينما منذ خمس سنوات.
    قام بتقديم الفيلم الإيراني القصير أحد زملاء وأصدقاء بناهي وهو يعيش في أمريكا، وأخذ يلقي كلمة طويلة أطول من الفيلم نفسه، وجه خلالها انتقادات للنظام الإيراني، وطالب بحرية التعبير وقال إن السلطة الإيرانية تعتبر مشاهدة الأفلام في دار العرض جريمة (يقصدد اجتماع الرجال والنساء في ظلام القاعة!)، كما طالبها باطلاق حرية بناهي في السفر، وأخذ يصول ويجول والجمهور يصفق، ثم بدأ يقرأ كلمة أو رسالة أرسلها بناهي من ايران إلى جمهور المهرجان، ثم يتناول مدير التظاهرة الميكروفون ويلقي هو الآخر كلمة حماسية. وأخذت أتطلع حولي وربما ظننت في لحظة أنني قد اكون الوحيد الذي لا يشارك "القطيع" التصفيق والتهليل، ليس لأنني من أعوان أو أنصار أو مؤيدي نظام الملالي الفاشي في إيران، فلاشك عندي في قمعيته ودمويته واحتكاره الحديث باسم الحقيقة المطلقة، واليقين المطلق، ويكفي أنهم يطلقون على شيوخهم الكبار "آيات الله" و"روح الله" وما إلى ذلك من هذه التخاريف والخزعبلات!
    لكني في الواقع أرفض أن تستخدم إيران، كما كان يستخدم الاتحاد السوفيتي في الماضي (مع الفارق بينهما بكل تأكيد) ككبش فداء من أجل البقرة المقدسة أي إسرائيل، التي جعلت من إيران في المحيط الدولي شيطانا رجيما فقط لأن إيران ترغب في الحصول على تكنولوجيا نووية!
    وهذا هو المغزى الخطير في التهليل والتصفيق الذي يجري في فينيسيا باسم الحق والعدل والديمقراطية والسلام، بينما تترك إسرائيل تعربد منذ سنة 1948 دون أي تظاهرة مشابهة في فينيسيا أو غيرها، بل وقد تجرأ اللوبي الموالي لإسرائيل، تلك الدويلة اللعينة التي تجسد كل ما هو شرير في التاريخ البشري، التي ابتلي بها الشرق الأوسط، ووضع صورة فوتوغرافية كبيرة للجندي جلعاد شاليط، فوق تمثال الحياة الشهير الموجود في أهم ساحة تاريخية في روما، وهي الساحة التي صممها مايكل أنجلو، مع ما في الصورة الحديثة لهذا الجندي التافه من إهانة لكل التاريخ الروماني وتاريخ عصر النهضة، الألأمر الذي دفعني عندما كنت في زيارة إلى روما أن أدخل إلى المتحف الموجود في تلك الساحة وأتحدث مع المدير قائلا له إنني لاحظت وجود صورة لشخص مجهول تشوه الساحة، فهل الذين علقوها استأذنوا منكم فما كان منه الا أن قال لي إن البلدية هي التي سمحت بتعليق هذه الصورة. فعدت أقول له: وهل هذا بطل قومي روماني، وهل يحق لكل انسان (عملا بالديمقراطية) أن يعلق صورة بطله، وهل يسمح لي في هذه الحالة بتعليق صورة هتلر مثلا اذا افترضنا أنني أعتبره بطلا لي!!
    عودة إلى تلك الأمسية التي أفسدها حديث السياسة، والتظاهرة المدفوعة التي تتناقض بالكامل، مع ما يحدث الآن، بعد أن أصبح رئيس الحكومة الإيطالية بيرلسكوني ينام في سرير واحد مع أجهل وأبشع الحكام العرب في التاريخ الحديث، والفضيحة العربية الدائمة المتكررة منذ 40 عاما، أي المدعو معمر القذافي، المعروف بأنه "يحشش" لكي يستوحي أفكارا جذابة على شاكلة أن "الجماهير لا يجب أن تتفرج على 11 لاعبا للكرة في الملعب بل يجب أن تنزل الجماهير لكي تمارس اللعبة بنفسها لا تتفرج عليها فالرياضة ممارسة وليست فرجة)، أو ما سبق أن "أفتى" جنابه به قبل سنوات حين قال إن الكتاب الأخضر (الذي جادت به قريحته) تنبأ بسقوط الاتحاد السوفيتي وجدار برلين، وقال إن سقوط الجدار يؤكد أننا نعيش عصر الجماهير، وان الهامبورجر اختراع امريكي وهو عبارة عن خليط من الصراصير والحشرات من أجل تدمير الاتحاد السوفيتي!!!
    كان العالم كله على يقين من أن القذافي يحتاج إلى رعاية صحية خاصة داخل مصحات الأمراض العقلية المتخصصة على مستوى رفيع، أما الآن فقد أصبحت ايطاليا لا تمانع من وضع صورة بيرلسكوني (وهو كاذب، ومحتال، ومستغل للسلطة، وزير عاهرات محترفات) مع صورة الحاكم النكتة، الذي يحكم ليبيا بالحديد والنار هو وعائلته، تماما كما لا تمانع إيطاليا ولا يمانع الغرب الديمقراطي جدا، من تأييد ودعم حسني مبارك وعائلته التي أصبحت تمتلك مصر إلى أن يأتي الله أمرا كان مفعولا، وتغض الطرف عن سورية التي تحكمها عائلة الأسد، وقبيلة آل سعود ماصة دماء البشر التي تتحكم في ثراوات الجزيرة العربية!
    أما "الأكورديون" فهو فيلم بسيط ولاشك في جماله، رغم الرسالة الصريحة المباشرة التي يرغب في توصيلها.
    الفيلم الذي يبلغ زمنه 9 دقائق، يصور طفلا في العاشرة وشقيقته في الخامسة أو السادسة من عمرها. الولد يعزف على الأكورديون، والفتاة تضرب الطبلة والاثنان يشحذان عن طريق الموسيقى والغناء في شوارع طهران. وفجأة تكتشف الفتاة أنهما يطبلان ويعزفان أمام مسجد في المدينة، هنا يهجم عليهما رجل يصادر الأكورديون من الفتى بدعوى أن العزف أمام المسجد حرام، بل ومحظور وأنه كان يمكنه ابلاغ الشرطة. ويقاوم الطفل بشدة انتزاع آلته المحببة التي يتعيش منها، من بين يده لكن الرجل يجذب الأكورديون ويمضي. شقيقة الفتى (خديجة) تتوسل إليه أن ينسى الموضوع، لكن الفتى يقبض على حجر ضخم ويعتزم أمرا. والفتاة تقول له وتعيد وتكرر أن الرجل أكثر بؤسا منهما، وعليه أن يتركه وشأنه. وفجأة يتناهى إليهما صوت يتعرف فيه الفتى على صوت الأكورديون المحبب الذي طار من يده قبل قليل. يتجه الاثنان صوب الصوت، فنرى الرجل الذي ادعى التقوى وتحدث باسم الحرام والحلال وصادر الآلة، جالسا يجاهد لكي يخرج نغمة صحيحة من الأكورديون لكنه عاجز عن الأداء، الفتاة تلحق به وتبدأ في متابعة العزف بالطبل، ثم يقترب الفتى وينتزع الأكورديون من يد الرجل، ويبدأ في العزف في ثقة وقوة، ثم يناول الرجل الوعاء الذي يترك فيه عابروا الطريق ما يجودون به. يقف الرجل إذن يحصل على الصدقات من المارة، بينما صاحب الأكورديون الأصلي (الفنان) يواصل العزف بقوة بعد أن انتصر!
    ولا أظن أن الفيلم في حاجة إلى تفسير، فهو يشرح نفسه بنفسه. ولا أظن أيضا أن الفيلم سينتهي هكذا على هذا النحو، فالمفاجأة التي تأتي من خلال ما يظهر من كلمات على الشاشة أن هذا العمل القصير هو جزء من فيلم روائي طويل يخرجه بناهي من تمويل شركة فرنسية!
    لن اكتب عن فيلم "ضجيج الثلج" فما شاهدته منه كان كافيا (قاومت النوم من شدة التعب والإرهاق بسبب الاستيقاظ في الرابعة صباحا للتوجه إلى المطار، قبل أن أنسحب بعد أن فشلت في القبض على أي مغزى لأي شيء في هذا الفيلم السطحي).. وهو بالقطع، أسخف ما شاهدت من أفلام كوميدية منذ سنوات بعيدة: كوميديا هزلية مليئة بالمبالغات عن مرض السرطان، تجسد المرض الخطير في صورة رجل (يستظرف).. بدون خفة ظل، ولا معنى إنساني، بل عبارة عن تخاريف لا قيمة لها.. شفى الله برتران بلييه، إذا كان قد "ارتكب" هذا الفيلم تحت تأثير المرض (لست واثقا من ذلك)، وأعاده سليما معافا يصنع أفلاما لها معنى!
  • أود فقط ان اضيف أن حب الغرب لأنظمة التخلف والقهر العربي التي ذكرتها يعود الى أن هذه الأنظمة تلتزم بحب اسرائيل ربيبة الغرب والأمريكان، في حين تدعو ايران إلى ازالتها من الوجود!

0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com