الاثنين، 23 أغسطس، 2010

السيميولوجيا والسينما في لغة الفيلم (الجزء الثالث)

صورة نادرة تجمع بين جودار والفيسلوف جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار
كتابة: بيتر والين
ترجمة: أمين صالح
(4)
في السينما، يبدو جلياً تماماً أن المظاهر الدلالية والأيقونية هي الأكثر فعالية. المظهر الرمزي محدود وثانوي. لكن من الأيام الأولى للسينما كان هناك ميل مثابر، مع أنه مفهوم، لتضخيم أهمية التشابهات مع اللغة الشفهية. السبب الرئيسي لهذا كان الرغبة في تثبيت وضع السينما بوصفها فناً.
على نحو بيّن، الكثير من التأثير الذي مارسه أندريه بازان كان ناشئاً عن قدرته على رؤية المظهر الدلالي للسينما باعتباره جوهرها – والمنتقص من شأنها بالطريقة نفسها – مع ذلك، وفي الوقت نفسه، يحتفي بمكانتها الفنية. بازان أبداً لم يجادل بشأن الفارق بين الفن واللا فن داخل السينما. كان يميل إلى قبول أي شيء بوصفه فناً.
الغنى الجمالي للسينما ينشأ من حقيقة أنها تتضمن كل الأبعاد الثلاثة للعلامة: الدلالي، الأيقوني، والرمزي. المأخذ الأكبر على كل الذين كتبوا عن السينما هو أنهم تناولوا بعدا واحدا من هذه الأبعاد، جاعلين منه أساس الجمالية والبعد الجوهري للعلامة السينمائية، وأهملوا الأخرى. هذا يفضي إلى إفقار أو إضعاف السينما.
فضلاً عن ذلك، لا يمكن إهمال أي من هذه الأبعاد، أو التقليل من أهميته. إنها حاضرة معاً. الحسنة العظيمة لتحليل بيرس للعلامات أنه لم يرَ المظاهر المختلفة بوصفها وحيدة، غير مختلطة، على نحو متبادل. وهو، بخلاف سوسير، لم يُظهر أي تحيّز خاص لصالح مظهر أو آخر. في الواقع، هو أراد علم منطق وعلم بلاغة مبني على كل المظاهر الثلاثة.
فقط بتأمل التفاعل بين الأبعاد المختلفة الثلاثة للسينما يكون بإمكاننا أن نفهم تأثيرها الجمالي.
لقد رأينا كيف أن استخدام سوسير للرمز لا ينسجم مع استخدام بيرس. بالنسبة لبيرس، العلامة اللغوية هي رمز، بالمعنى الضيّق والعلمي. بالنسبة لسوسير، العلامة اللغوية هي اعتباطية في حين أن..
"إحدى ميزات الرمز هو أنه لا يكون أبداً اعتباطياً على نحو كلي. هو ليس خاوياً، ذلك لأن هناك بقايا رباط طبيعي بين الدال والمدلول. إن رمز العدالة، كفتيّ الميزان، لا يمكن استبداله بأي رمز آخر".
ما الذي ينبغي أن نقوله عن المطرقة والمنجل، الصليب المسيحي، ميزان العدالة؟ لابد أن نميّز بوضوح بين الوصف أو الصورة والشعار. الصورة، على نحو غالب، هي أيقونية، بينما الشعار علامة مختلطة.. أيقونية جزئياً، رمزية جزئياً. فضلاً عن ذلك، هذه الصفة المزدوجة للعلامة الرمزية أو المجازية يمكن أن تكون مستثمرة على نحو صريح وعلني. الشعارات هي متقلبة، غير مستقرة، قابلة للتغيّر: قد تتطور إلى علامات رمزية أو تتراجع لتصبح أيقونية.
ليسنج Lessing رأى المعضلة بوضوح أشد. الرمزي أو المجازي، كما يعتقد، هما ضروريان للفنانين التشكيليين، لكن ليس للشعراء.. إنهما هنا فائضان، زائدان عن الحاجة، ذلك لأن اللغة اللفظية، التي لها الأسبقية، هي رمزية بذاتها.
يقول ليسنج: "الميزان في يد العدالة هو بالتأكيد أقل مجازية محضة، لأن الاستخدام الصحيح للميزان هو حقاً جزء من العدل. لكن القيثارة أو الفلوت في يد إلهة الغناء، أو الحربة في يد إله الحرب، أو المطرقة والملقط في يد إله النار، هذه الأشياء كلها ليست رموزاً بل مجرد أدوات".
يتعيّن على الرسامين أن يخفضوا الرمزي إلى الحد الأدنى. كان ليسنج يتطلع إلى فن والذي سيكون أيقونياً محضاً. الذي حدث أن، فيما كان الرمزي يُقصى، الدلالي بدأ في جعل نفسه محسوساً. وبدأ الرسامون في الاهتمام بعلم البصريات وسيكولوجيا الإدراك الحسّي.
قال كوربيه: "أنا أؤكد أن الرسم أساساً فن مادي، ملموس، ولا يمكن إلا أن يتألف من تمثيل للأشياء الحقيقية والكائنة. إنها لغة فيزيائية تماماً، مفرداتها تتألف من كل الأشياء المنظورة. الشيء الذي هو تجريدي، غير مرئي، غير كائن، هو ليس ضمن عالم الرسم (..) الجمال يوجد في الطبيعة، ويمكن الالتقاء به مصادفةً وسط الواقع، تحت أكثر المظاهر تنوعاً وتعدداً. حالما يتم العثور عليه هناك فإنه ينتسب إلى الفن، أو بالأحرى إلى الفنان الذي يعرف كيف يراه هناك. حالما يكون الجمال حقيقياً ومرئياً فإنه يحصل على تعبيره الفني من هذه الخاصيات ذاتها. ليس للوسيلة الفنية الحق في تضخيم هذا التعبير. بالتدخل في ذلك، يجازف المرء بتحريفه، وبالتالي إضعافه. الجمال الذي تقدمه الطبيعة أسمى من كل تقاليد الفنان".
في السينما، سيكون أمراً مضللاً تماماً تأييد بعْدٍ واحد، على نحو أحادي الجانب، وجعله شرعياً على حساب كل الأبعاد الأخرى. ليس هناك سينما نقية، خالصة، معتمدة على ماهية واحدة، ومختومة بإحكام منعاً لأي تلويث.
من فيلم "ألغاز الكائن البشري" لمكافييف
هذا يعلّل قيمة مخرج مثل جان- لوك جودار، الذي لا يخشى من دمج هوليوود مع كانت وهيجل، مونتاج إيزنشتاين مع واقعية روسيلليني، الكلمات مع الصور، الممثلين المحترفين مع شخصيات تاريخية، لوميير مع ميليه، الوثائقي مع الأيقوني.
أكثر من أي مخرج آخر، جودار أدرك الإمكانيات الرائعة للسينما بوصفها وسطاً للاتصال والتعبير. على يديه، كما في علامة بيرس المثالية، أصبحت السينما مزيجاً متساوياً تقريباً للرمزي والأيقوني والدلالي. أفلامه تمتلك المعنى المفاهيمي، الجمال التصويري، والحقيقة الوثائقية. بالتالي لم يكن مفاجئاً انتشار تأثيره بين المخرجين عبر العالم.
إن صانع الفيلم محظوظ لأنه يعمل في أكثر الوسائط تركيبيةً سيميولوجياً، وأكثرها ثراءً جمالياً. بإمكاننا أن نردد اليوم ما قاله أبل جانس قبل أربعة عقود: "لقد حان زمن الصورة".
(5)
الاختراقات العظيمة في الأدب والرسم والموسيقى، الضربات التي هشّمت (أو كان ينبغي أن تهشم) الجماليات التقليدية، حدثت في السنوات التي سبقت الحرب العالمية الأولى، حين كانت السينما تعيش طفولتها، في المرحلة الأولى من نشوئها، في زمن بروز عالم الفودفيل (مسرح المنوعات)، وصناديق الفرجة والمسارح الرخيصة. تلك كانت مرحلة الرسومات التجريدية الأولى، القصائد الصوتية الأولى، الفرق الموسيقية الضاجة الأولى. كانت كذلك فترة انطلاق فكرة السيميولوجيا على يد سوسير في محاضراته بجنيف، وعندما كان فرويد يقدم أكثر اكتشافاته أهميةً.
تحديداً، لأن السينما كانت فناً جديداً، فقد احتاجت تلك الاختراقات وقتاً لكي تمارس تأثيرها. التأثير الأول للحركة الحديثة على السينما حدث في العشرينيات. المثال الأكثر وضوحاً لهذا هو، بالطبع، إيزنشتاين. في الوقت نفسه ظهرت أعمال الحركة الطليعية الباريسية - ليجيه، مان راي، بونويل – ومخرجي الأفلام التجريدية مثل إيجلنج، هانز ريختر. في ألمانيا كانت الحركة التعبيرية تتغذّى في السينما في هيئة أفلام مثل: مقصورة الدكتور كاليجاري.
لكن عندما نلتفت إلى الوراء، نستطيع أن نرى كم كان ظاهرياً هذا الاتصال الأول، وكيف كان مطموساً تماماً خلال الثلاثينيات. في روسيا، انطلقت الواقعية الاشتراكية وتعرضت السينما الطليعية، التي برزت في العشرينيات، للمحاربة. في ألمانيا، وصول الحزب النازي إلى السلطة أجهض كل إنجازات التعبيرية والطليعية. تلاشت التجارب المبكرة للمخرجين ليجيه وريختر. بونويل سلك سبيله الخاص. فيشنجر اكتفى بالعمل لصالح شركة ديزني في الثلاثينيات. وإذا كان هناك أي وجود للطليعية في تلك الفترة فيمكن العثور عليها في الحركة الوثائقية.. التي هي بالتأكيد من أكثر المحاولات الطليعية محافظة واعتدالاً.
بروز الفيلم الناطق، والتوسع السريع للاقتصاد الأمريكي والنفوذ السياسي بعد الحرب، أدى ذلك إلى هيمنة هوليوود في أغلب أقطار العالم. في هذا المحيط كان بوسع مخرج مثل أورسون ويلز أن يظهر كمجدّد وتجريبي خطير، وأن يظهر روسيلليني كثوري، وهمفري جيننغز كشاعر. اليوم تبدو هذه التقديرات والتقييمات عبثية. لقد حدث تغيّر كامل، إعادة تقييم، تحوّل للبؤرة التي جعلت تاريخ السينما شيئاً مختلفاً. إيزنشتاين أو فيرتوف يبدوان معاصرين وليسا ممن تجاوزهم الزمن. ويلز وجيننغز يبدوان محافظين وقديمين. مع ذلك، هذا التغيّر الذي نلمسه مؤخراً، والنتائج الكاملة له، ليست محسوسة بوضوح. كل المعالم، ونقاط التحول، القديمة تتلاشى في سديم الزمن.
ما الذي حدث؟ في الواقع، حدث أمران: الأول، صعود حركة الأندرجراوند، خصوصاً في أمريكا. وهذا كان نتاج ثلاثة عوامل: شعراء ورسامون يحترفون صنع الأفلام، استقرار فناني الحركة الطليعية الأوربية في أمريكا (ريختر وآخرون)، الانحراف عن السرب السائد في هوليوود. هناك أيضاً الشرط الاقتصادي المسبق: تيسّر الأجهزة والمعدات، والمال اللازم لشرائها. في سياق الأندرجراوند، كان صنع الفيلم يُرى كامتداد للفنون الأخرى. لم يكن هناك أي محاولة للتنافس مع هوليوود بتحقيق أفلام درامية طويلة (باستثناء قلة من المخرجين) وقد احتاجت الأندرجراوند إلى فترة طويلة من الزمن لكي تعرض أفلامها في صالات السينما.
التطور الرئيسي الثاني نجده في الطريقة التي بها نشأت الموجة الجديدة الفرنسية، دافعة إلى الوراء التخوم التقليدية لسينما "الفن". وكان لمخرج مثل جودار تأثير هائل.
فيلم مثل WR- Mysteries of the Organism (ألغاز الجسد) للمخرج اليوغوسلافي دوشان ماكافييف، يستثمر حتى الحد الأقصى الاحتمالات السيميولوجية للفيلم في مزجه للوثائقي، الحقيقي، القصاصات الأرشيفية، هوليوود، مونتاج.. الخ.
من الضروري عند هذه النقطة القيام باستطراد، برسم الخلفية التي عليها يعمل جودار، والتي عليها انبثقت "الحركة الحديثة" في الفنون الأخرى.
القرن العشرون شهد هجوماً على الفن التقليدي وعلى علم الجمال الذي مهّد الأسس لفن ثوري لم يتعزّز ويتماسك بعد. محتمل أن هذا التماسك لا يمكن له أن يحدث على نحو مستقل، وبمعزل عن حركة المجتمع وحركة السياسة. الحالة البطولية الأولى للحركة الطليعية في الفنون تزامنت، برغم كل شيء، مع الحالة السياسية التي قادت من 1905 إلى ثورة أكتوبر 1917. أفلام جودار مرتبطة بالاحتدام السياسي الذي بلغ ذروته في أوروبا في مايو 1968.
لكن من الممكن، مع ذلك، على المستوى النظري، محاولة شرح ما سوف يستلزمه هذا الانقطاع المحتمل مع الماضي لو تحقق. هذا يثير مشكلات بشأن طبيعة الفن، مكانه في الإنتاج الفكري، الأيديولوجيا والفلسفة اللتين تدعمان أساسه.

0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com