الأحد، 22 أغسطس، 2010

بلاد مسلسلات


أرجو ألا يغضب أصدقائي الذين يكتبون ويخرجون المسلسلات التليفزيونية من هذه الكلمة، وكذلك أصدقائي من هواة الفرجة عليها، فقد توقفت منذ أكثر من عشرين سنة، عن مشاهدة مسلسلات التليفزيون التي يطلق عليها البعض (أو تقريبا معظم الناس حاليا) تسمية خاطئة هي "الدراما"، وكأن الدراما لا تكون إلا في المسلسلات فقط.
والحقيقة أن التعبيرات الخاطئة أصبحت تطغى بشكل محير على حياتنا، لأن أحدا، حتى من الذين يمسكون بالقلم من الصحفيين، لا يمتنعون عن تصحيحها فقط، بل إنهم مسؤولون عن هيمنتها بحكم استخدامهم الدائم لها في تعليقاتهم الصحفية. فهناك مثلا تعبير "فيديو كليب" video clip الذي يقصد به عادة، الأغنية التليفزيونية أو المصورة بكاميرا الفيديو، بينما تعبير "فيديو كليب" بالإنجليزية له معنى مختلف تماما في لغة التليفزيون في بلاد الإنجليز والأمريكان التي ينقل البعض عنها بدون فهم أو أساس معرفي.
أعلم أن هناك بعض المسلسلات التي يبذل فيها كتابها ومخرجوها جهدا كبيرا، ويحاولون تطويرها، سواء منناحية نوعية المواضيع التي يطرحونها، أو شكل المعالجة، أو أسلوب التصوير والإخراج. وهذا "العلم" يأتيني من خلال أصدقاء أثق في أحكامهم ونظرتهم للأمور الفنية والجمالية، لأنني لست من سعداء الحظ الذين يشاهدون ما يشاهده الملايين من مسلسلات. والسبب؟ أسباب كثيرة منها أولا، وأساسا، أنني لا أحب فكرة أن يعتقلني أحد، أيا كان، وتحت أي مبرر أو مسمى، ويحبسني طوال ثلاثين يوما متتالية في بيتي كل مساء، للفرجة على ما أبدعته قريحته. فهذا أصلا، أمر يتنافى مع حقوق الإنسان، أي حقه في اختيار الموعد المناسب للمشاهدة. فأنت عندما تقرر الذهاب إلى السينما لمشاهدة فيلم معين مثلا، فأنت الذي تختار الموعد المناسب لك، وأنت تعرف مسبقا أن زمن عرض الفيلم لا يتجاوز ساعتين أو ساعتين ونصف في معظم الأحوال، ثم ينقضي الأمر. ولا يصبح مطلوبا منك العودة إلى دار السيمنا لمشاهدة بقية الفيلم. أما أن تتابع يوميا في ساعة معينة، مسلسلا قد يتجاوز أحيانا الثلاثين حلقة، فهو أمر لا يمكن احتماله أصلا، لا نفسيا ولا عمليا، فإذا كان أمامك شيء مهم لابد من إنجازه مثلا، أو موعد مهم، أو عمل يشغلك في إحدى الأمسيات المسلسلية، فسوف تفوتك مشاهدة بعض الحلقات، وتفقد بالتالي القدرة على المتابعة.
الأمر الثاني الذي أراه مهما، أن "المسلسل" شكل فني مستحدث ومفتعل لأغراض تجارية بحتة، فالهدف الأساسي للمسلسل هو الحصول على أكبر قدر من الفقرات الإعلانية التي غالبا ما تقطع حتى بدايته في أكثر الأشكال التجارية استفزازا، وهو ما يؤكد أن الهدف الأساسي هو شد المتفرجين إلى الشاشة لكي يبتلعوا تلك الإعلانات التجارية عن الصابون والبامية وزيت الطعام وأدوات التجميل وغيرها. أي أن المسلسل يرتبط بالضرورة، بعملية استلاب وتفريغ للعقل والاستسلام للهاث "السلعي" الرأسمالي، الاستهلاكي، التافه!
الأمر الثالث أنني لا أعتبر المسلسل "فنا" من الفنون المعروفة.. فالفنون السبعة لا تعرف أبدا شكل التسلسل أو الحلقات، فلا توجد مثلا لوحة تشكيلية مسلسلة يمكنك أن تشاهدها بالقطعة، كل يوم قطعة، ولا قصيدة مسلسلة، ولا مسرحية تعرض على حلقات، ولا تمثال يمكن تقسيمه إلى أجزاء تعرض بالواحدة. والفنان بالتالي، أي فنان، مثل الشاعر والروائي والمسرحي والرسام والنحات والسينمائي، لا يفكر بعقلية من يصنع "مسلسلا" بل هو يبدع عملا مكتملا متكاملا غير متجزيء. وهو ما يؤكد فكرتي عن أن مفهوم "المسلسل، أساسه تجاري واستهلاكي وإعلاني ولا ينتج أصلا بدافع فني. ومن زاوية أخرى أجد أن في المسلسلات دائما تكرارا هائلا، وتراكما تصاعديا مرعبا، في الشخصيات، والأجيال، والأحداث، والانماط، كما أجدها كلها مليئة بالثرثرة المستمرة، والخطب الرنانة، والمواعظ الأخلاقية التي تتردد في الحلقة الواحدة عشرات المرات، وهو أمر مثير، ليس فقط للملل، بل للشفقة أحيانا، على صناع المسلسل مهما كانوا حرفيين مهرة، أو خبراء في هذا النوع، فلابد في النهاية من انفلات الإيقاع.
ومازلت أتذكر ما قاله لي كاتب سيناريو من الجيل المخضرم (رحمه الله)، وكان كاتبا متميزا كتب الكثير من الأفلام السينمائية الجيدة. فقد قال لي عندما سألته لماذا لا يكتب للتليفزيون، إنه لا يستطيع تحويل مشهد يقتضي اثنتي عشرة لقطة أو أكثر إلى ثلاث أو أربع لقطات، لأن لا أحد سيمنحك تلك الحرية.
وربما يكون بعض المخرجين السوريين قد تمكنوا من تعويض عدم توفر فرصهم في إخراج الافلام، في المسلسلات التي يخرجونها، أقصد من ناحية استخدام تقنيات السينما وأساليبها الفنية. ولكن مرة أخرى، فالمسلسل هنا ليس حالة "أصيلة"، أو اختيار إبداعي، فأنا على ثقة أنه لو توفرت الفرصة أمام نجدت أنزور مثلا لإخراج أفلام سينمائية، فسوف يهجر المسلسلات رغم أنها تدر عليه وعلى زملائه بالتأكيد، ذهبا (اللهم لا حسد!!).
تصادف مساء أمس أن كنت أتناول الطعام أمام التليفزيون فشاهدت (دون أن أقصد) نحو عشرين دقيقة من أحد المسلسلات، فهالني ما شاهدت: عشرات الشخصيات التي تتحرك هنا وهناك، في ديكورات مكشوفة ومعروف أين أقيمت، من الصعيد إلى القاهرة، ومن جيل الشباب، إلى العواجيز، ومن الريف إلى المدينة، ومن الرقص إلى التجهم، والغيرة، والحب، والدلع والدلال، والفساد الاجتماعي والسياسي، و"رجال الأعمال" الذين أصبحوا هم أصل "البلاوي" وخراب الديار!
وتساءلت: ما الجديد في كل هذا؟ ما الذي يرمي إليه كاتب المسلسل حقا؟ هل هو ضد فساد الطبقة الجديدة أو طبقة "الاثرياء الجدد" التي يطلقون عليها طبقة رجال الأعمال الآن؟ وما الجديد في هذا إذا كنا قد قتلنا هذا الظاهرة بحثا وتنقيبا وتسلسلا في صحفنا وكتبنا وإذاعاتنا وقنواتنا وبرامجنا المفتوحة والمشفرة؟ وهل الذين يكتبون مسلسلات ضد الفساد، وضد التوريث، وضد... ليسوا ضالعين هم أنفسهم في الفساد على طريقتهم الخاصة؟ ألم يدخلوا أولادهم معهد السينما بالوساطة والمحسوبية؟ ألا يحاولون أن يورثوا أبناءهم مهنتهم، فالمخرج يريد أن يجعل ابنه مخرجا، والممثل يجعل ابنه ممثلا.. ولو رغم أنوفنا.. كما هو واضح وبين أمامنا في الكثير من المسلسلات المعروضة حاليا!
إن المسلسل الأكثر إثارة للاهتمام في رأيي، هو ما يجري يوميا على أرض الواقع، لكن هناك من يريدون للجماهير العريضة أن تجلس في منازلها، تتابع ما يجري على الشاشة الصغيرة، عبر المسلسلات، حتى تجعل من طقس الفرجة، طقسا تعويضيا بديلا عن "الفعل".. وهذا هو المطلوب.. أليس كذلك!

0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com