الخميس، 5 أغسطس، 2010

التأسيس للبحث عن "الجدل" حول "الجدل"


يسرني أن أنشر هنا التعقيب الذي بعث به الأستاذ الدكتور ناجي فوزي أستاذ النقد السينمائي بمعهد النقد الفني بأكاديمية الفنون بالقاهرة، في معرض التعقيب على ما طرحه قيس الزبيدي في مقاله الذي نشرناه هنا قبل أسابيع محدودة، حول مفهوم "اللغة السينمائية"، وفتحنا حوله حوارا لايزال ممتدا.


بقلم: د. ناجي فوزي


الجدل حول مصطلح "اللغة السينمائية" هو أمر ظهر بالفعل منذ عقد الخمسينيات من القرن العشرين، وظل قائما لزمن طويل، مع أن المفهوم الغالب للمصطلح في حقيقته يرمي – بالفعل- إلى فكرة التعبير الفني بمفردات التقنية السينمائية المرئية (الفيلم السينمائي بدون تقنية الصوت) ثم المرئية/ السمعية (الفيلم المصحوب بتقنية الصوت).
والجدل حول مصطلح "اللغة السينمائية" هو بطبيعته، جدل فلسفي صرف، ولكنه يتجاوز حدود "الترف الفلسفي"، وذلك في محاولة للاستقرار حول حدود استخدامه كمصطلح يتعارف عليه كل من يتصل بنشاط الفن السينمائي (الروائي وغير الروائي) من صناع الأفلام ومن باحثين ونقاد لها، باعتباره مصطلحا يعني به "مفردات التعبير السينمائي" التي تشترك مع "النظام الخاص باللغة المنطوقة" (وليست الطبيعية) عن خاصيتها الأساسية وهي "إيصال المعنى"، فكل من "اللغة المنطوقة" و"اللغة السينمائية" عبارة عن "مادة اتصال"، الغرض منها توصيل معنى معين، فضلا عن ما تتضمنه من معلومة (أو معلومات). فاللغة المنطوقة هي "مادة اتصال لفظية" تتصل بالحاسة السمعية (مع ملاحظة أن الكتابة هي الشكل الاصطلاحي للغة وليست هي بذاتها اللغة)، واللغة السينمائية هي مادة اتصال مرئية بالدرجة الأولى (وبحكم النشأة التاريخية) تتصل بالحاسة البصرية (ولاحقا بحاستي الإبصار والسمع معا).

سيرجي أيزنشتاين

وإذا كانت القيمة الابداعية للغة المنطوقة، بما يجعلها فنا (الأدب بصفة عامة: شعرا ونثرا، وليس الشعر فقط) تؤول إلى كل من الاختيارات اللفظية وأساليب تراكيبها، ففي المقابل فإن القيمة الابداعية للغة السينمائية تستند إلى اختيارات المفردات السينمائية (البصرية والسمعية) وعلاقاتها التراكبية ومن خلال تتابعها المونتاجي، وبذلك فإن موضوع الجدل حول مصطلح اللغة السينمائية يمكن حله، على نحو ما سبق، فلسفيا ذا طابع منطقي مناسب، لا ينحو نحو التبسيط المخل، بقدر ما يتجاوز التعقيد ذا الطابع السفسطائي، وهو طابع جدلي ذو بعد تاريخي في الثقافة اليونانية القديمة، من المرجح أنه تم تجاوزه إلى حد كبير في العصر الحديث، ومن ثم فلا حاجة ماسة لنا للبحث عن "جدل جديد" حول "جدل قديم"، من المرجح أنه قد استنفذ القدر المناسب له من "الطاقة الجدلية" (حول موضوع واحد) بالرغم من أنه على قدر كبير من الأهمية والحيوية النسبيتين، إلا أنه من المرجح- أيضا- أن يظل الجدل حول الامكانيات التعبيرية للمفردات السينمائية هو الموضوع الأرجح في دائرة الاهتمام النقدي طالما بقيت السينما، فالأولى أن نتفرغ لابداعات جدلية في فلسفة الفن السينمائي ذات بعد إضافي، متنجبين "الطابع الاجتراري" لموضوعات نالت استحقاقها من الجدل.

0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com