الاثنين، 5 يوليو، 2010

"حنين للضوء": التطلع إلى السماء لمعرفة ما في باطن الأرض

كان من أهم وأجمل ما عرض من أفلام وثائقية في مهرجان كان السينمائي الـ63 فيلم "حنين للضوء" Nostalgia De La Luz للمخرج التشيلي الكبير باتريشيو جوزمان Guzman
وقد صنع جوزمان فيلمه في نحو ساعة ونصف، وصوره للشاشة العريضة، وفيه يحاول أن ينقل الفيلم الوثائقي نقلة جديدة، ليس من خلال التلاعب بالشكل بل عن طريق، التعامل مع التاريخ والسياسة ولكن من خلال نظرة فلسفية ذهنية، ترى علاقة بين دقائق الكون، وحبيبات الرمال في جوف الصحراء، بين الكواكب وحركتها وما تسقطه من ضوء، وبين العتمة التي تمكن داخل باطن الأرض، والعتمة القائمة التي تحلق فوق منطقة معينة من "تاريخ" تشيلي، لا يصلها ضوء الكواكب، ولا تخترقها نظرة المناظير العملاقة التي نراها في المشاهد الأولى من الفيلم.
إننا أمام فيلم يبدو للوهلة لأولى، تقليديا، في بنائه، وفي استخدامه للتعليق الصوتي المصاحب لصوره ولقطاته، غير أن الفيلم في جوهر مادته وتركيبها معا، ليس تقليديا على الإطلاق، بل ويمكن أن يكون فيه نوعا من السيريالية أيضا، فهناك علاقة وثيقة بين ما يحدث في الكون، خارج عالمنا المحدود، وبين ما هو كائن في جوف الأرض "حرفيا"، بين التاريخ: تاريخ الإنسان على هذه الأرض، وبين ما يكمن تحت هذه السماء، بين الماضي البعيد والماضي القريب، وبين الإنسان والتاريخ. ولذلك يمكن القول إن فيلمنا هذا ينحو منحى ذهنيا، يحيل المشاهدين إلى التأمل، ويدعوهم إلى التوقف أمام أفكار تتجاوز مجرد الهجاء الشائع في الأفلام التي تبحث عادة، في قضية الاضطهاد السياسي.
يدور الفيلم في معظمه في صحراء "أتاكاما" Atacama التي تبلغ مساحتها نحو الف كيلومتر مربع، وتمتد بين تشيلي وبيرو. وتعتبر هذه الصحراء أكثر مناطق العالم جفافا، ولذا تعتبر بمثابة "جنة" لعلماء الفلك، وفيها كما نرى في الفيلم، عدد من المراصد ذت القباب التي تحتوي على أكبر المناظير الفلكية في العالم.
هنا، من خلال هذه المناظير، يمكن رصد حركة بعض الكواكب.. ويمكن متابعة أشعة الضوء التي تنعكس من هذه الكواكب وتصل إلى كوكبنا بعد فترة زمنية لها بالطبع حساباتها العلمية.

رحلة إلى الماضي
رحلة الضوء بكل ما يحمله من لغز في داخله، هي مدخلنا إلى موضوع الفيلم، ولكن الموضوع ليس علم الفلك. إنه التاريخ: تاريخ القتل وسفك الدماء وعدوان الإنسان على الإنسان.. ما شهدته تشيلي في عهد الجنرال أوجستو بينوشيه، من تصفيات للمعارضين ودفنهم في مقابر جماعية.
ولكن ما علاقة الفلك والضوء بهذا؟
يتحدث عالم الفلك الشاب جاسبار جالاز في الفيلم عن الضوء فيقول إن العلماء عندما يتطلعون إلى السماء لرصد الضوء ومساره، فإنهم في الحقيقة يتطلعون إلى الماضي، فالضوء عندما يسقط لا يصل إلينا مباشرة بل يقتضي الأمر مرور بعض الوقت، قبل أن يصل إلينا، وإذن فنحن في الحقيقة نتعامل مع ظاهرة تنتمي إلى الماضي.
ويقول العالم الشاب إن بحث الإنسان يتركز في الماضي، في التاريخ، فيما وقع بالفعل.
في صحراء أتاكاما الممتدة الشاسعة، ينتشر أيضا عدد من علماء الجيولوجيا والحفريات الذين ينقبون عن أصل الإنسان، ويجرون الكثير من الحفريات التي يستخرجون خلالها الكثير من البقايا التي تدل على نشاط الإنسان في تلك المنطقة منذ أكثر من عشرة آلاف سنة. ولعل هذا النشاط العلمي المزدهر هنا يعود أيضا إلى ان احتواء التربة على أملاح النترات التي تساعد على حفظ الهياكل العظمية والبقايا البشرية.

لكن المفارقة التي يركز عليها جوزمان هنا، هي أنه في حين يجري الاهتمام بالفضاء وما يحدث فيه من خلال رصد أدق التفاصيل، وبينما يلقى الماضي السحيق اهتماما من جانب علماء الحفريات والآثار القديمة، لا أحد يبدو مهتما كثيرا بالبحث فيما وقع في الماضي القريب، خلال سبع عشرة سنة من حكم الجنرال بينوشيه الذي جاء في انقلاب عسكري دموي على حكومة الرئيس سلفادور اليندي عام 1973.
في تلك المناطق الصحراوية التي تقسو فيها الحياة، وتشتد الحرارة، ويتصاعد اللهيب بفعل الجفاف الشديد، هناك بقايا قائمة من مساكن عمال مناجم أملاح النترات، أقيمت في عشرينيات القرن الماضي. هي مهجورة حاليا، لكن نظام الجنرال بينوشيه كان يستخدمها كمعسكرات اعتقال جماعية قتل فيها آلاف الضحايا. ويقدم اثنان من الناجين من تلك المعسكرات الرهيبة شهاداتهم في الفيلم، ويتحدثان عما كان يقع من تصفيات فيها وعمليات تعذيب، ويرويان عن معاناتهما الشخصية خلال سنوات الاعتقال، ثم كيف تمكنا من الهرب.
وفي الصحراء جنبا إلى جنب مع علماء الفلك، وعلماء الآثار، نساء بلا مستقبل، يعشن جميعهن في الماضي، جئن إلى تلك المنطقة النائية واتخذن منها مكانا لإقامتهن الطويلة، من أجل هدف واحد يجمع بينهن جميعا: العثور على رفات الأهل والأحباب والأبناء والأزواج من المعارضين السياسيين لنظام العسكر بزعامة بينوشيه، والذين قضوا خلال سنوات الحكم العسكري، ودفنوا في عمق الصحراء.
الباحثات عن الحقيقة
ماذا يمكن أن تفعل تلك المناظير الضخمة التي تراقب ما يحدث في الفضاء الخارجي، وماذا يمكن أن يقدم العلماء لهاته النسوة المعذبات؟
هنا نرى النسوة وهن يحفرن بأيديهن، يوما بعد يوم، يروادهن الأمل في العثور على رفات أحبائهن الغائبين، دليلا على تلك الجريمة الكبرى التي لوثت تاريخ تشيلي الحديث، وأرادت الأنظمة التي تعاقبت بعد سقوط نظام بينوشيه، أن تنساها، أو تتجاوزها وتتستر عليها، لكن جوزمان، المخرج الذي لعب هو نفسه دورا بارزا في مقاومة الديكتاتورية العسكرية بأفلامه، ودفع ثمنا باهظا لمعارضته، لا ينساها ويريد أن يساهم بفيلمه هذا في إعادة التذكير بتلك التراجيديا الكبرى. إمرأة مثل فيوليتا بيريوسي، وهي في السبعين من عمرها، نحيلة البنية، تشع عيناها ببريق غريب، تأسرك بكلماتها. يسألها جوزمان من وراء الكاميرا: هل ستواصلين التنقيب؟
فتجيب: "سأواصل التنقيب مهما كلفني الأمر ومهما طال الزمن. حتى لو كانت لدي شكوك واسئلة لا أملك إجابات عنها. إنهم يقولون إنهم قاموا بإخراجهم من تحت الأرض وألقوا بهم في مياه البحر. هل حدث هذا حقا؟ لا يمكنني العثور على إجابة عن مثل هذا السؤال. ماذا لو كانوا قد ألقوا بهم في الجبال القريبة. حتى بعد ان بلغت هذا السن، وأنا في السبعين من عمري الآن، أجد من الصعب أن أصدقهم. لقد علموني ألا أصدقهم. أحيانا أشعر أنني كالبلهاء، لأنني لا أكف عن طرح الأسئلة. ولا أحد يريد أن يمنحني الإجابة التي أنشدها. إذا قال لي أحد إنهم ألقوا بهم في أعلى الجبل، فسوف أعثر على وسيلة للوصول إلى قمة الجبل . لست مثلما كنت في العشرين، سيكون من الصعب أن أفعل ذلك.. لكن الأمل يمنحك القوة".فيلم "حنين إلى الضوء"، أي حنين إلى المعرفة، إلى الإبصار، إبصار الحقيقة، والكشف عن الماضي، يكشف لنا طبقة جديدة من المعاناة: معاناة العيش في الماضي ليس من أجل التلذذ به، بل للكشف عن درس في التاريخ لا يجب نسيانه.
الكاميرا- قلم
والفيلم عمل فني رفيع، يستخدم فيه مخرجه كل إمكانيات السينما الوثائقية الحديثة للتعبيرعن فكرته. إنه يستخدم الكاميرا كما يستخدم الشاعر القلم، يبدأ الفيلم بلقطات من خلال عدسات المناظير الفلكية العملاقة، للكون، لقطات سيريالية تتداخل فيها الالوان وتبدو فيها الحركة الدقيقة للأشياء مثل حركة جنين لم يولد بعد. وينتقل بعد ذلك إلى الصحراء، ويصنع من اللقطات التي تمتزج فيها حبيبات الرمال المتطايرة مع الضباب في الليل، صورة فريدة تعمق من إحساسنا بالاغتراب من أجل الاقتراب.
ويشيع طوال الفيلم إيقاع بطيء، يسمح بمساحة جيدة للتفكير والتأمل، وموسيقى كلاسيكية رصينة، تساعد على التحليق بنا إلى مأساة الماضي، إلى عمق التاريخ بطبقاته المختلفة التي يكشف لنا عنها الفيلم تدريجيا، إلى أن يواجهنا بالصدمات الأخيرة. ويستخدم الفيلم الشهادات الحية ويمزجها بالوثائق والصور الفوتوغرافية والخرائط والرسوم. ويستخدم التعليق الصوتي بدقة شديدة، ويحرص على الابتعاد عن الثرثرة، بل بلغة ذات إيقاع شاعري حزين، فيها الكثير من الرصانة، والكثير من الرنين الذي يضفي عليها رونق خاص. والتعليق كله بصون جوزمان نفسه، الذي يريد أن يقول لنا إنه يوجه رسالته بشكل مباشر إلينا نحن المشاهدين.
ورغم ما يبدو من صرامة باردة ظاهرية في التعامل مع الموضوع إلا أن هناك الكثير من المشاهد الصادمة المثيرة للعديد من المشاعر. فهل يمكن مثلا نسيان امرأة مثل فيكي سافيدرا التي استطاعت، بعد سنوات من التنقيب، العثور على جزء من جمجمة شقيقها وبعض أسنانه وإحدى قدميه والحذاء لايزال فيها، وهي تواصل التنقيب، تريد أن تعثر على باقي أجزاء جسده!
تجربة المخرج
باتريشيو جوزمان المخرج من مواليد تشيلي عام 1941، درس السينما في مدريد (اسبانيا)، وتخصص في إخراج الافلام الوثائقية التي يعتبر أشهرها فيلم "معركة تشيلي" الذي يسجل ويوثق فيه لسنوات تجربة حكومة الوحدة الشعبية وما لاقته من متاعب، إلى أن وقع الاتقلاب العسكري عام 1973 وقد سجن جوزمان لفترة قبل ان يتمكن من الفرار من تشيلي ونجح تهريب المادة المصورة إلى كوبا حيث تمكن من عمل المونتاج لفيلمه الطويل، كما أخرج هناك أفلاما أخرى. وله فيلم مرجعي عن سلفادور أليندي. وقد عاش في اسبانيا وفرنسا قبل أن يعود إلى تشيلي حيث واصل عمله في التأريخ للمتغيرات السياسية في بلاده خلال 40 عاما، وهو يمتلك مادة مصورة هائلة صورها لحسابه الشخصي كما يستعين في أفلامه بالكثير من المواد المصورة من الأرشيف.

0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com