الجمعة، 11 يونيو، 2010

"خارج عن القانون": فيلم يشوه الثورة الجزائرية!

((ملحوظة: هذا المقال نشر أولا في موقع "الجزيرة الوثائقية"- الرابط هنا))

بداية يجب أن أؤكد على نقطتين:
الأول: أنني من المعجبين كثيرا بالموهبة السينمائية الكبيرة للمخرج الجزائري رشيد بوشارب، الذي يقيم ويعمل في فرنسا، فقد أثبت بوشارب عبر أفلامه الستة الروائية الطويلة، مهارة وحنكة، وبرع في التعامل مع الممثلين بوجه خاص، كما أثبت قدرته على التحكم أيضا في المونتاج بحيث يبقي المشاعر الجياشة التي تفيض بها أفلامه، "تحت السيطرة"، أي يحول بينها وبين الانحراف في اتجاه الميلودراما التي تعتمد على المبالغات العاطفية مما يمكن أن يؤدي إلى خروج الفيلم عن مساره "العقلاني".
وقد بلغ بوشارب قمة سيطرته كمخرج على كل جوانب فيلمه، في فيلم "البلديون" (أو أيام المجد) الذي عرض في مسابقة مهرجان كان عام 2006. وقد كتبت عنه في ذلك الوقت، وقلت بالحرف: "جاء عرض فيلم "البلديون" الجزائري، مفاجأة حقيقية لعشاق السينما في مهرجان كان السينمائي. المفاجأة أننا أمام فيلم كبير وعميق وراسخ، سواء في موضوعه أو في طريقة تناول الموضوع".
وكتبت أيضا: "ولعل من أهم ما يميز الفيلم، تركيزه الكبير على موضوع الهوية، أي هوية أبطاله. إننا نراهم هنا دائمي التأكيد على هويتهم، تارة من خلال الملابس التي يرتدونها حتى تحت القبعات الحربية، أو تبرز من تحت قمصانهم.
أما النقطة الثانية التي أود التأكيد عليها فهي أن قراءة الأفلام وفهمها، لا يعتمد على قراءة النوايا، ولا استنادا إلى ما يظهر من "كتابات" رسمية دعائية مصاحبة للأفلام تصدرها جهات "صاحبة مصلحة"، بل على تحليل الصور ودلالاتها، وتحليل الشخصيات وبنائها وكيفية تجسيدها في الفيلم.
"خارج عن القانون"
تكلف إنتاج الفيلم الجديد "خارج عن القانون" لرشيد بوشارب الذي شارك في مسابقة مهرجان كان (ونحن نعتمد هنا اسم الفيلم كما ظهر على الشريط نفسه باللغة العربية) 20 مليون دولار، جاءت أربعة ملايين دولار منها من الجزائر (ساهمت شركة سوناطراك للمحروقات بجزء منها)، وساهم المنتج التونسي طارق بن عمار بثلاثة ملايين دولار، وساهمت جهات الإنتاج الفرنسية بالباقي، أي بثلاثة عشر مليونا من الدولارات.
يطمح بوشارب هنا أيضا، إلى تحقيق فيلم ملحمي epic كبير، يمضي منتقلا عبر فترات زمنية متعددة، يروي بطريقة مجازية، قصة ولادة الثورة، ولكن بتركيز خاص على دور الجزائريين في فرنسا تحديدا.
ويبدأ الفيلم عام 1925، في إحدى قرى ولاية سطيف، حينما تأتي فرقة من العسكر الفرنسيين يتقدمهم رئيس البلدية (ينادونه سي القايد) لمصادرة أرض يملكها مزارع جزائري، ويخرجونه وأسرته من أرضهم لكي يستولي عليها المستوطنون الفرنسيون. ويراقب الإبن الأكبر عبد القادر، في انفعال وألم ما يحدث لأبيه.
ويمضي الزمن إلى 8 مايو عام 1945، وفي أسلوب وثائقي تقدم الأحداث: مباراة ملاكمة تدور في حلبة جهزت في ساحة شعبية في مدينة سطيف، بين ملاكم جزائري وملاكم فرنسي. فجأة مجموعة من المستوطنين يطلقون النار من الشرفات على جموع الجزائريين المارين في الطريق، وتحضر قوات الشرطة لتطلق الرشاشات على الجزائريين الذين يحاولون الدفاع عن أنفسهم. مباراة الملاكمة تتوقف ويتفرق الحشد. آلاف الجثث ترقد في الشوارع.
وننتقل إلى عام 1953، ونرى مسعود، الإبن المتوسط للأسرة، وقد أصبح جنديا في الجيش الفرنسي ضمن قوات المظلات، المتجهة إلى جزر الهند الصينية. وإلى عام 1954، على أحد مقاهي سطيف فرنسيون يجلسون. شاب جزائري يطلق النار عليهم. وعبد القادر يتجه إلى "سي القايد" يغرز سكينا في قلبه، جزاء خيانته لأبناء جلدته.
الإبن الأصغر (سعيد) يقنع والدته بعد ذلك بضرورة التوجه إلى فرنسا، على أساس أن مسعود سيلحق بهما هناك، وفي انتظار خروج عبد القادر من السجن حيث يقضي عقوبة على جريمة القتل.
في باريس 1955، داخل السجن، نرى عبد القادر وسط السجناء الجزائريين السياسيين الذين يرددون الأناشيد الوطنية (لقد بدأت حرب التحرير). ويشهد عبد القادر بعينيه عملية قطع رقبة أحد الثوار بالمقصلة. ويتأثر كثيرا.

وفي إحدى ضواحي باريس (نانتير)، تنتشر أكواخ بدائية جرداء يقطنها المهاجرون الجزائريون وبينهم سعيد ووالدته. أكواخ لا يمكنها أن تقيهم برد الشتاء القارص، بينما الثلوج تغطي المنطقة. تقوم الأم بزيارة ابنها عبد القادر في السجن، وتشد من أزره وتشجعه على الصمود.
سعيد يتعرف على رجل جزائري يعلمه مهنة القوادة في حي بيجال حيث يستغل فتاة جزائرية ويقوم بتشغيلها في الدعارة. يحضر عبد القادر لكي يأخذ منها ما ربحته من مال ويناولها رغيفا تتناوله بشراهة. وبعد مرور ستة أشهر يكون قد أصبح لديه بعض المال، يحاول أن يعطي شيئا منه لامه لكنها ترفض في استنكار وتعنفه على ما يقوم به من عمل.
في السجن، عبد القادر يُجند لحساب العمل في خدمة الثورة بقيادة جبهة التحرير الوطني. رفيقه الذي يتولى تجنيده يقول له إن الحرب شر لابد منه، لكنها تخدم قضيتنا.
يغادر عبد القادر السجن، ويتمكن من الحصول على عمل بمصانع سيارات رينو التي يعمل فيها الكثير من الجزائريين. لكنه يأخذ في تحريض العمال على الانضمام للعمل السري في فرنسا مع جبهة التحرير "لأن المفاوضات لن تحقق شيئا". مجموعة من الجزائريين من حزب الحركة الوطنية الجزائرية (حزب مصالي الحاج) الذي تنافست معه جبهة التحرير وكان ينادي بالاستقلال عن طريق التفاوض مع فرنسا، يعتدون على عبد القادر بالضرب المبرح، ويهدده زعيمهم، بالقتل إذا لم يتوقف عما يقوم به.
في هجوم مضاد، يعود عبد القادر مع شقيقه مسعود الذي عاد أخيرا من الهند الصينية، إلى ذلك القيادي في حزب الحركة الوطنية ويقوم عبد القادر بخنقه بحبل، بعد أن يقرا عليه حكم الإعدام الذي أصدرته الجبهة باعتباره خائنا.
مسعود يتزوج من "زهرة" الفتاة اليتيمة التي ترعاها والدته. سعيد يعطيه بعض المال كهدية لزواجه. ليلة حفل الزفاف والجميع يحتفلون بالرقص والغناء في الأكواخ البدائية، تحضر الشرطة الفرنسية للقبض على عبد القادر ورفاقه. الشرطة تعتقل أعدادا كبيرة من الجزائريين. يستغل عبد القادر الفرصة ويأخذ في تحريض الجزائريين على الانتفاض ضد الفرنسيين، ويتمكن من تجنيد أعداد كبيرة منهم في الجبهة.
الجبهة تفرض ضرائب إجبارية على كل الجزائريين العاملين في فرنسا لتمويل النشاط المسلح، وتحظر عليهم التدخين وتناول الخمر.

عام 1957 تبدأ حملة تبرعات مالية لصالح الجبهة من بين الجزائريين في فرنسا، بمساعدة أعضاء في الحزب الشيوعي الفرنسي من الفرنسيين المتعاطفين.. مسعود يحاول التقريب بين أمه وسعيد. رجل جزائري يدعى عمر، اختلس اشتراكات الجبهة، يقوم مسعود بقتله خنقا بيديه مع عبد القادر.
عبد القادر يحل محل مسؤول الجبهة الذي ينتقل إلى جنيف حيث قيادة الجبهة في المنفى. يأمره الرجل بترك العمل في المصنع. سعيد أصبح الآن صاحب كباريه يطلق عليه "كباريه القصبة" في حي البيجال. مسعود يزوره هناك، ويطلعه سعيد على ما أسسه في مجال تبني شاب جزائري وتدريبه لكي يصبح أول ملاكم جزائري، يعده لكي يصبح بطلا من أبطال الملاكمة يحصل على بطولة فرنسا، يقهر الفرنسيين، وربما يصل أيضا إلى بطولة العالم. سعيد يدفع قسطا من المال تبرعا لتمويل الجبهة لكنه غير مرتاح لهذا "الفرض". مسعود ينبهه غلى أن التدخين محظور بينما سعيد مستمر في تدخين السيجار الضخم مثل أي رجل أعمال.
الشرطة الفرنسية بقيادة الكولونيل فايفر تغرق بعض النشطاء الجزائريين في النهر. ارتفاع وتيرة العنف الفرنسي في مواجهة عمليات المقاومة. عبد القادر ومسعود يهددان جزائريا يعمل ضابطا في الشرطة الفرنسية متزوج من فرنسية، لكي يسلم لهما خريطة بتفاصيل مقر الشرطة. اختطاف الكولونيل فايفر. وتهديده ثم الافراج عنه. عبد القادر يأمر سعيد بالغاء مبارة الملاكمة المنتظرة التي اعد لها طويلا لأنهم يريدون تجنيد كل الجزائريين وراء الإضراب العام الذي دعت إليه الجبهة في فرنسا. سعيد يرفض، وعبد القادر يهدده ويتوعده بالقتل. مسعود يبدو حائرا. يعترض على هذا الجنوح في العنف.
مدير الشرطة يشكل منظمة اليد الحمراء لاغتيال الثوريين الجزائريين والتنكيل بهم. تصفيات عنيفة بالرصاص. انفجارات مروعة في الأكواخ ومقتل العشرات. الثوار يهاجمون قافلة للشرطة، عبد القادر ومسعود يتمكنان من النجاة لكن مسعود يصاب ويموت.
ديجول يتعهد بإحلال السلام ويدعو إلى وقف العنف خلال رحلته إلى الجزائر. سعيد يرضخ علىمضض لتهديدات عبد القادر بإلغاء مباراة الملاكمة رغم وجود الجمهور بكثافة حول الحلبة وغضب الملاكم الجزائري الشاب. تهاجم الشرطة المكان لاعتقال عبد القادر الذي يهرب ومعه سعيد. في المترو سعيد وعبد القادر وسط مجموعة من الجزائريين الذين يهتفون "تحيا الجزائر". عندما ينزل الإثنان من عربة المترو تطلق الشرطة الرصاص فيقتل عبد القادر وينجو سعيد. الكولونيل فايفر يتوقف أمام جثة عبد القادر ويقول له: لقد انتصرت. لقطات تسجيلية لمظاهرات الفرح بالاستقلال في يوليو 1962.
تحليل الفيلم
أراد رشيد بوشارب أن يروي نحو أربعين عاما من تاريخ النضال الجزائري المسلح من خلال متابعة قصة أسرة جزائرية يستعرض من خلالها المراحل المختلفة من نضال نشطاء جبهة التحرير على الأراضي الفرنسية تحديدا، على أساس أن هذا الموضوع لم يتم التطرق إليه من قبل في السينما. والفكرة في حد ذاتها ممتازة، ويمكن أن تجد اهتماما بها في فرنسا، خاصة وأن التوزيع الأساسي للفيلم سيكون في السوق الفرنسية. ولكن كيف عالج بوشارب الفكرة والموضوع؟
أولا: اختار بوشارب ثلاث شخصيات ينتقل فيما بينها لكي يجسد من خلالها دراما النضال الجزائري في فرنسا: المتطرف، والوسطي، والمعتدل، أو بالأحرى: المناضل الأيديولوجي المتشدد (عبد القادر)، والمقاوم ذو النزعة الإنسانية (مسعود)، والقواد صاحب النزعة التي تميل إلى الاندماج مع الآخر والاستفادة من الوضع الراهن، ويرفض النضال المسلح (سعيد).
في أحد المشاهد يقول سعيد لشقيقه مسعود: دعك من الحرب التي لا فائدة منها.. تعالى انضم لي واعمل معي..
وهو يكرر أكثر من مرة لأمه قوله إنه يرفض حياة الضعة والفقر والهوان، كما يرفض منطق عبد القادر في أن الحرب هي وسيلة الحصول على الحرية، لأنه يجد ببساطة أنه "قد تحرر بالفعل" ألم يعد بمقدوره أن يفعل ما يشاء، وأن يحقق أحلامه في الثراء.
عبد القادر في الفيلم، شخصية جافة، متزمتة، عنيفة، فولاؤه الايدويولوجي يجعله لا يمانع حتى من قتل شقيقه سعيد. ونراه يقتل بيديه في مشهد بشع، عن طريق الخنق، كما يبرر القتل الجماعي، وهو ايضا بيوريتاني متشدد، يرفض الحب، ويعزف عن نداء الجسد، تحاول رفيقة فرنسية من رفيقات القضية أن تقيم معه علاقة عاطفية لكنه ينبذها أكثر من مرة بفظاظة. إنه نموذج "غير إنساني" فهو مثل "الروبوت" المبرمج لأداء وظيفة لا يمكنه أن يحيد عنها. وطبيعي أن شخصية بهذا التكوين، ستحدد نظرة الجمهور الأوروبي في الوقت الحالي، المشبع بكل تراث الأفلام التسجيلية والشرائط الإخبارية والإعلام السائد، وينظر إليه كصورة نمطية لـ"إرهابي" يقر بوضوح إن "المفاوضات غير مجدية" والعنف هو الحل، ويقتنع بأن "الحرب تخدم قضيتنا"، بل ويحكم بالإعدام شنقا، على منافسه السياسي في حزب الحركة الوطنية، في إطار الصراع بين الحزبين على جمع الأموال من الجزائريين العاملين في فرنسا في تلك الفترة.
هذا "الاستقبال" لشخصية عبد القادر ليس إسقاطا من عندي، بل هو ما تشي به قراءة تكوين الشخصية دراميا حسبما يعرضها الفيلم: في سلوكياتها وسيكولوجيتها، بغض النظر عن كونه ينتمي إلى حركة تستخدم "العنف الثوري". فالنظرة السائدة اليوم في فرنسا وأوروبا إلى "كارلوس" مثلا (الذي شاهدنا فيلما عنه في مهرجان كان الأخير أيضا) هي أنه "إرهابي" كان يقتل الشرطة ويقاوم الدولة "القمعية"، في حين أن كارلوس يرى نفسه "مناضلا" كان يخدم القضية الفلسطينية العادلة منطلقا من قناعات أيديولوجية. إذن ليس المهم هو ما تقوله عن نفسك، بل المهم كيف يراك الآخرون من خلال ما يعرض عليهم. وهنا، أي في فيلم "خارج عن القانون" يبدو عبد القادر كأنه "خارج عن القانون" أي قانون المجتمع (لاحظ أنه جاء من الجزائر إلى فرنسا، ولم يمارس العنف في الجزائر حيث الاستعمار المباشر) وهي نقطة أخرى ضد الفيلم. بل إن اختيار عنوان كهذا للفيلم يضر بالفيلم نفسه، ويحوله إلى نوع من الإدانة. وهو يموت في نهاية الفيلم، ولا يعيش لكي يرى بلاده تتحرر كما كان يحلم، في إشارة واضحة على أنه نموذج مدان ومرفوض.
إذن الشخصية "الثورية" التي تتعاطى الإرهاب الثوري، وتخلص لقضية الثورة حتى النهاية، وتثير وجدان الجزائريين بالشعارات والهتافات التي تتردد كثيرا في الفيلم، هي شخصية سلبية مقضي عليها بالموت.
أما مسعود، فهو المحارب السابق، الذي يبدو أنه خبر الحروب، وأدرك معاناتها، لكنه يجد نفسه تحت تأثير الدافع الوطني، يوظف خبرته، في خدمة قضية يراها بالتأكيد عادلة. لكنه لا يبدو منسجما مع كل هذا التشدد: إنه يعترض على رفض أمه لسوكيات سعيد شقيقه، بل ولا يمانع من الحصول (هو وعبد القادر) على أموال الدعارة، لتمويل النشاط الثوري، يتقيأ بعد أن يخنق رجلا اتهم بسرقة أموال الجبهة بيديه، وهو أيضا يرغب في العيش الهانيء المستقر، ويتزوج وينجب، لكنه يموت في النهاية ميتة عبثية دون أن يحقق نصرا.
أما الوحيد من الأشقاء الثلاثة، الذي يبدو الأكثر منطقية وقبولا، بل وأكثر "إنسانية"، ضمن السياق العام للفيلم، فهو "سعيد" القواد، صاحب الكباريه، معتنق المنطق المادي النفعي (البراجماتي) وليس الثوري، الرافض للنضال المسلح ولفكرة الثورة، الداعي إلى التحرر عن طريق العمل الحر وكسب المال، الذي يبني ويؤسس في المهجر، كيانا يمكن أن يستمر، والذي يصنع أيضا (وهذا مهم رمزيا) بطلا من ابطال المستقبل "الجزائري" أي بطل الملاكمة (الذي سيكون أول ملاكم يرفع علم الجزائر- كما يقول حرفيا في الفيلم). وسعيد هو الذي يساعد بالمال: الشقيق، والجبهة، وبطل المستقبل. وهو الذي يريد انتشال الأم من وهدة الفقر والفاقة، وهو الوحيد من بين الثلاثة الذي يجعله صانع الفيلم يعيش ويبقى لأنه الوحيد الذي دعا إلى "الاندماج" مع الواقع، والاستفادة من النظام الرأسمالي.
الناحية السينمائية
كان هذا من ناحية البناء وتكوين الشخصيات كما صنعها رشيد بوشارب وزميله في كتابة السيناريو أوليفييه لوريل. ولكن من الناحية السينمائية، كيف تعامل بوشارب مع تلك الشخصيات وما هي الأجواء التي وضعها فيها وكيف أدارها؟
من عنوان الفيلم وملصقه السينمائي يمكن للمشاهد أن يدرك أنه مقبل على مشاهدة فيلم من أفلام الجريمة.
يرتدي الأبطال الثلاثة بل والكثير من شخصيات الجزائريين في الفيلم، القبعات طوال الوقت، حتى في المشاهد الداخلية التي لا يكون معتادا فيها ارتداء القبعات (إلا في أفلام العصابات).
وتدور المعارك والمطاردات على طريقة أفلام "الأكشن" الأمريكية، وباستخدام الرشاشات الطويلة، ويكفي مثالا أن نتأمل في طريقة وأسلوب إخراج مشهد اقتحام مقر الشرطة: تمهيد من زوايا متنوعة، إيقاع سريع، لقطات قريبة، كاميرا مهتزة، إضاءة معتمة، عنف بالغ، بل إن المشهد منفذ بتأثر واضح من بناء مشاهد اتصفيات العنيفة في فيلم "الأب الروحي" The Godfather
إن الفيلم يختصر نضال الثوريين الجزائريين في فرنسا في أنماط من هذا النوع، ويصورهم في أجواء أفلام العصابات، كما لو كانوا يقومون بانتقام شخصي مباشر (لاحظ مثلا كيف يعود عبد القادر ورفيقه مباشرة إلى القيادي في حزب الحركة الشعبية لكي يشنقه في مشهد بشع مقزز مثير للاستنكار). وعندما يبتعد الفيلم عن مشاهد القتل والعنف والاعتداءات والابتزاز والتهديدات، فإنه يكتفي بأن يصور لنا المناضلين وهم يرددون الهتافات والشعارات. إن المجموع هنا، يختصر في شرذمة من الأتباع الذين لا دور لهم سوى ترديد الشعارات كما في مشهد المترو.
وتأكيدا على طابع أفلام العصابات، نرى كيف يهدد عبد القادر رجلا جزائريا يبدو مسالما تماما (ضابط شرطة واضح أنه يعمل في الجانب المدني) يصوره وهو يقضي عطلة نهاية الأسبوع مع زوجته وطفلته في حديقة عامة، زوجته الفرنسية الجميلة الوديعة الوجه تتطلع إليه في حب وثقة، يتبادل نظرات الود والمحبة مع ابنته الطفلة البريئة في الحديقة. هنا لابد أن يتعاطف المتفرج مع تلك الأسرة المسالمة. وفجأة يظهر عبد القادر ومسعود في معطفيهما وقبعاتيهما: يلوحان له بما يمكن أن يصيب تلك الأسرة من ضرر إذا رفض أن يتعاون معهم، فلا يملك الرجل سوى الرضوخ لتفادي القتل. هل مثل هذا المشهد يخدم صورة الثوار الجزائريين؟
ويصور بوشارب كيف يقوم مسعود بخنق "عمر" الذي يختلس بعض أموال تبرعات الجبهة لكي يشتري ثلاجة لأسرته، وذلك بدون شفقة أو رحمة أو محاكمة أو حتى مجرد الاستماع لتبريره، ألا تجعل هذه الصور كلها، جمهور المشاهدين ينفر من تلك الشخصيات، ويتماثل فقط مع شخصية القواد؟ وألا تعد هذه إساءة- من الناحية الفكرية والفنية- للثورة الجزائرية؟
أسلوب الإخراج الذي يستخدمه بوشارب هو تارة أسلوب أفلام العصابات gangsters الأمريكية تحديدا، مع بعض لمسات ما يعرف بـ"الفيلم نوار"، وتارة أخرى أسلوب أفلام الغرب الأمريكي أو الويسترن، مع مزيج من أسلوب الفيلم الوثائقي السياسي الذي يستخدم الوثيقة أحيانا ولكن بدون تحليل وفي سياق يشوهها تماما أو يكتفي بجعلها مجرد خلفية للحدث، غير أن الطابع الغالب على الفيلم هو طابع أفلام العصابات، وهو أسلوب مقصود تماما، وليس من الممكن أن يتبنى مخرج هذا الأسلوب في التعامل مع شخصيات فيلمه وأحداثه إلا إذا أراد أن يدينها، ويشوهها، ويحرفها عن الصورة المستقرة التقليدية عن "البطولة" و"الثوار"، بل ويجعل من "أبطاله" معادلا بصريا ودراميا لرجال المافيا الأمريكية، يتحركون بطريقتهم، ويتصرفون مثلهم.
"خارج عن القانون" ليس نموذجا للفيلم الثوري، فيلم البطولة الجماعية الذي يجسد حركة الناس، ويحلل، بصريا وذهنيا، كيف ينحاز البسطاء مع قضيتهم، لا بدافع الانتقام الفردي، بل من أجل قضية كبيرة.
كان هذا ما رأيناه في فيلم "معركة الجزائر" لبونتيكورفو، الذي يظل أعظم ما ظهر من أفلام عن الثورة الجزائرية حتى يومنا هذا. وكان الفيلم يعتمد على تحليل الصور من خلال مونتاج يعتمد على المختزن في الذاكرة الجماعية، كما يعتمد على إعادة تركيب وبناء وتجسيد الأحداث الكبيرة في الصراع من خلال الإيجاز والتوظيف المقتصد للسرد، بعيدا عن الرغبة المراهقة في "الإبهار" أو ذلك الميل الواضح هنا إلى الاستطرادات والثرثرة ،بل وربما تكون نمطية الشخصيات هي التي أضعفت من أداء مجموعة الممثلين الذين سبق أن تفوقوا كثيرا في فيلم "البلديون".
إن فيلم "خارج عن القانون" في المحصلة الأخيرة، سواء عن وعي أو عن سذاجة في الطرح والمعالجة، يشوه نضال الشعب الجزائري ويجعله مجرد صراع طويل بين عصابتين، أو مجموعتين من الأشرار.

0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com