الثلاثاء، 1 يونيو، 2010

"حرقته الشمس 2".. عودة إلى التاريخ


كل تاريخ المخرج السينمائي نيكيتا ميخالكوف يؤكد لنا بوضوح، من خلال أفلامه البديعة، أنه يتمتع بموهبة رفيعة، وأنه صاحب رؤية وبصيرة، كما أنه ممثل له تأثيره الواضح الملموس على الشاشة.
كان فيلمه "حرقته الشمس" Burnt by the Sun الذي حصل على الجائزة الكبرى للجنة التحكيم في مهرجان كان 1994 ثم على أوسكار أحسن فيلم أجنبي، تحفة حقيقية وعملا يشع بالخيال، كما يمتليء بالنقد السياسي لعصر ستالين في الاتحاد السوفيتي، ويصور كيف انعكست ممارسات الستالينية كأقوى وأعنف ما يكون، على مصائر الأفراد، حتى على أكثر المؤمنين بالتجربة الاشتراكية، وساهمت في تفتيت وحدة أسرة سعيدة: أب وزوجته وابنته الجميلة في عمر الزهور.
كان الفيلم يدور أساسا حول أربعة شخصيات: الجنرال كوتوف (الذي يقوم بدوره ميخالكوف نفسه).. وهو أحد أبطال الحرب العالمية الأولى، حصل على تكريم من ستالين نفسه الذي استقبله وأصبح يعتبره من أخلص حلفائه. وماروسيا زوجته الحسناء، وهي موسيقية تنتمي إلى عائلة أرستقراطية من المهتمين بالموسيقى، وابنتهما نادية الصغيرة التي تهيم حبا بوالدها وترتبط به في علاقة شديدة الخصوصية بين الإبنة والأب.
وذات يوم يهبط "ميتيا" وهو رجل كان يرتبط في الماضي بعلاقة عاطفية مع ماروسيا وكاد الاثنان أن يتزوجا لولا أن ميتيا اختفى فجأة. وهو يعود اليوم، يتودد إلى الأسرة خاصة إلى نادية الصغيرة ويحاول أن يكسب ودها، لكن كوتوف لا يشعر بالارتياح من تلك الزيارة التي تعيد تذكير ماروسيا بما مضى، وتربك الجنرال كوتوف الذي يتمتع بشعبية كبيرة في المنطقة التي يقيم فيها داخل منزل فخم من المنازل التي استولت عليها الدولة من الأرستقراطية الغابرة.
لقد عاد ميتيا لكي ينتقم لنفسه من كوتوف، ونعلم أن كوتوف لعب دورا مباشرا في إبعاده خارج البلاد، إلى باريس حيث عمل هناك في خدمة المخابرات السوفيتية المضادة. وفي مواجهة بين الرجلين يقول له كوتوف لقد اشتريناك بالمال مثل أي عاهرة". ورغم ماضيه الأرستقراطي وولائه لقوات "الثورة المضادة" أي ما عرف بالجيش الأبيض الذي دافع عن النبلاء ضد الثورة البلشفية وخاض حربا أهلية شرسة في العشرينيات بدعم من الغرب قبل أن يتحقق النصر للحمر على البيض، إلا أن "ميتيا" لعب دورا مباشرا في استدراج ثمانية من كبار ضباط الجيش الأبيض، وإعادتهم من باريس إلى موسكو حيث أعدموا طبقا لتعليمات من ستالين. وهو يقول إنه ارغم على ذلك تحت التهديد وبسبب رغبة كوتوف في التخلص منه والحصول على قلب ماروسيا الجميلة.
أما الآن، فقد أصبح ميتيا مسؤولا مهما في المخابرات وقد جاء بصحبة بعض رجال المخابرات الأشداء الذين ينتظرونه في سيارة سوداء في الخارج، لاعتقال كوتوف بتهم ملفقة مثل الخيانة والتآر لاغتيال ستالين. وينتهي الفيلم كما نعلم بانتحار ميتيا بعد أن يذهب كوتوف إلى مصيره، واختفاء نادية وماروسيا في معسكرات العمل الجماعي الشاق بتهمة الانتماء للثورة المضادة، إلا أن ميتيا (الذي يعد أيضا ضحية لنظام سياسي قمعي مستبد) لا يقدر على مواجة ما جنته يداه، فينتحر بقطع شرايين يديه. ونعلم من خلال ما يكتب على الشاشة في نهاية الفيلم أن ماروسيا ماتت، ونجت ابنتها نادية وأنها تعيش في كازاخستان، أما كوتوف فقد أعدم. وأن الثلاثة رد إليهم اعتبارهم في عهد خروشوف الذي قاد بحملة تطهير ضد الستالينية.
مع النجاح الكبير الذي حققه الفيلم الذي أصبح يعد من التحف البديعة في السينما الروسية، الآن يأتي الجزء الثاني من هذا الفيلم تحت عنوان جانبي هو "الخروج" Exodus، لكي نعرف أن كوتوف لم يعدم بل نفذ من الاعدام بتعليمات عليا وتحول من معتقل سياسي إلى مدان بجرائم جنائية غير محددة تماما، وأن نادية أصبحت تعمل ممرضة، وماروسيا في مكان غير محدد، ربما لاتزال في المعتقل، وأما ميتيا فقد أنقذ من الموت على ما يبد (لا نعرفف كيف)، وأصبح مطلوبا منه الآن (من ستالين شخصيا) إعادة جمع شمل الأسرة، تصحيحا لما ارتكب بحقهم. لقد أصبح ستالين الآن كما يصوره الفيلم، كهلا، لكنه لايزال يمسك بخيوط السلطة. ويبدأ الفيلم في عام 1941 قبيل نشوب الحرب بين روسيا وألمانيا النازية مباشرة. ويتابع كيف يقضي كوتوف فترة العقوبة داخل معتقل يعاني من تدني الأحوال بدرجة مخيفة، ومع اندلاع الحرب ينضم للقوات المحاربة، ويصور الفيلم في مشاهد هائلة، كيف تجتاح القوات الألمانية الخطوط السوفيتية، وكيف يقوم الطيران الألماني بارتكاب مذابح جماعية أحدها عندما يلهو الطيارون الألمان بمجموعة كبيرة من الروس الفارين من منطقة الحرب على ظهر سفية ضخمة، ثم يتحول الهزل إلى جد عندما يقصفون ركاب السفينة بلا رحمة، وتكون من بينهم نادية التي تنجو بمعجزة، وتتحول على يدي قس إلى الإيمان بالمسيحية ويتم تعميدها في الماء وهي تسبح متشبثة بلغم بحري ضخم.

مشاهد الانفجارات وتطاير الأشلاء واجتياح الدبابات الألمانية الخطوط مصورة بأسلوب يصل أحيانا إلى السيريالية المخيفة، ولكن مع لمسات مرحة من جانب ميخالكوف، الذي يسخر في مشهد أساسي من إرسال 420 جنديا من جنود الاستعراضات العسكرية في الكرملين إلى الجبهة دون أدنى خبرة قتالية، وتكون النتيجة فناؤهم جميعا.
ويكشف الفيلم أيضا كيف فر القادة السوفيت أمام الموجة الأولى من موجات الغزو الألماني. وربما يكون ما ادى إلى رفض المحاربين السوفيت القدمى للفيلم وإدانته بدعوى أنه "مخالف للتاريخ"!
وفي الوقت نفسه يواصل ميتيا بحثه الميداني عن كوتوف وأسرته، ويلتقي بنادية في مشهد مؤثر، ويخبرها بطريقة ما أن أباها لايزال على قيد الحياة. وينتقل الفيلم بين الماضي والحاضر، من مشاهد تجمع كوتوف ونادية، إلى ما نراه الآن بعد أن أصبحت نادية محاصرة في قرية روسية، وكيف تكاد تتعرض للاغتصاب من جانب الجنود الألمان، ثم كيف يقتل جنديان حاولا اغتصابها على يد امرأة أخرى تعرضت للمحنة نفسها، مما يؤدي إلى محاصرة القرية وإخراج كل سكانها وقتلهم في مذبحة جماعية وحشية وحرق كل منازلهم على نحو يذكرنا بالفيلم الروسي الكبير "تعال وشاهد" Come and See للمخرج إليم كليموف، الذي يعد تجسيدا بصريا مذهلا لـ"الهولوكوست" الأوكراني.
نادية تستمر أيضا في محالة البحث عن أبيها، وكوتوف يشعر بأن ابنته لاتزال على قدي الحياة، لكنه غير متأكد. وماروسيا لا تظهر في الفيلم إلا أن ميتيا يؤكد أنها حية. وينتهي الفيلم دون أن يجتمع شمل الأسرة.
ويعتمد ميخالكوف في هذا الفيلم الجميل الذي استمتعت به أيما استمتاع، على التعبير بالأداء وبالصورة والموسيقى والمزج بين الأزمنة. وهو يبدأ فيلمه بمشهد بديع نرى فيه ستالين في قصر من قصوره الصيفية، مع مجموعة من معاونيه منهم وزير داخليته المرعب بيريا، وبينهم أيضا كوتوف نفسه، الذي يقدم لستالين هدية في عيد ميلاده عبارة عن "تورتة" هائلة من الشيكولاتة التي يفضلها ستالين وقد نقشت عليها صورته. ولكن من الذي سيجرؤ على تقطيع هذه التورتة بالسكين؟ إن مجرد توارد هذا الخاطر يصيب الجمع بالرعب، ولكن ستالين يحسم الأمر، ويتناول السكين، وفي اللحظة الأخيرة يهجم كوتوف عليه ويغمر رأسه داخل التورتة حتى يخنقه، ثم يستيقظ من نومه في المعتقل صارخا: كابوس.. كابوس!
هذا المشهد، مثله مثل كل مشاهد ولقطات التداعيات الذهنية والفلاش باك التي نراها في الفيلم، مصورة بألوان زاهية، وإضاءة باهرة تتناقض تماما مع الأجواء القاتمة في الفيلم خاصة في مشاهد الحرب التي يستخدم فيها ميخالكوف آلاف الممثلين الثانويين. وفي أحد المشاهد نرى عدة آلاف منهم يحاولون عبور جسر، فرارا من الغزو الألماني، إلا أن الضابط المسؤول على الجانب الأخر يغلق الجسر ويحول بينهم وبين عبوره، بل ويحذرهم من أن لديه تعليمات بنسفه خلال دقائق لمنع عبور الدبابات الألمانية. ويقع هرج ومرج، ويشتبك العسكريون معا، وتنثني يد الضابط الذي يحمل إشارة نسف الجسر، العلم الأحمر، فيفهم القائد المكلف بإعطاء التعليمات بنسف الجسر أن هذه هي الإشارة المتفق عليها فيأمر بنسفه مما يؤدي إلى غرق الآلاف في مشهد هائل.
صحيح أن الفيلم ليس بنفس رونق وسحر الفيلم الأول، الذي كان يركز على أجواء أكثر حميمية، أجواء الأسرة من الداخل، والعلاقة بين كوتوف وماروسيا، وبين كوتوف ونادية، ولكنه لايزال يشع بموهبة مخرجه، ويكاد يفوق الكثير من الأفلام التي ظهرت عن الحرب في روسيا، في تصميم مشاهده وإدارة التصوير فيها، والتحكم الهائل سواء في جموع الممثلين الثانويين، أو تجسيد وتنفيذ أكثر المشاهد إغراقا في الجموح الفني.
وتقوم ابنة ميخالكوف نتاليا بدورها "نادية" في الفيلم بعد أن كبرت وأًصبحت في الرابعة والعشرين من عمرها الآن. وهي التي لعبت دور نادية في الفيلم الأول ببراعة استحقت عليها إعجاب المشاهدين.
يقول ميخالكوف إن الجزء الثالث والأخير من الفيلم وهو بعنوان "القلعة" سيعرض في الخريف القادم. ويرد على نقاده الذين يتهموه باستغلال أموال الدولة بسبب علاقته الشخصية مع فلاديمير بوتين الذي يستقبله في الكرملين، بأن الفيلمين الثاني والثالث لم يحصلا سوى على مليونين من الدولارات من الحكومة. ويقول نقاد كثيرون إن الفيلم الذي شاهدناه اليوم بلغت ميزانيته 55 مليون دولار في حين قال ميخالكوف ردا على ذلك إن كلا الفيلمين، الثاني والثالث، لم تتجاوز ميزانيتهما معا 40 مليون دولار. ولكن الصحافة الروسية تؤكد أن الفيلم الأخير لم يحصد سوى سبعة ملايين في سوق السينما في روسيا منذ عرضه قبل أشهر.

0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com