الأربعاء، 30 يونيو، 2010

"أورورا" والسينما الرومانية الجديدة

لم تمر سوى سنوات محدودة على ظهور السينما الرومانية الجديدة أو "الموجة الجديدة" كما يحلو للبعض أن يصفها، فقد ولد التيار الجديد الذي دفع بالحياة في قلب هذه السينما العتيقة التي تجمدت طوال سنوات حكم الديكتاتور تشاوشيسكو (1965- 1989) مع ظهور فيلم "موت السيد لازاريسكو" The Death of Mr Lazarescu الفيلم الروائي الثاني للمخرج كريستي بويو Cristi Puiu (مواليد 1967) الذي أذهلنا جميعا عام 2005 بأسلوبه الرصين الذي يعيد الاعتبار مجددا إلى المذهب الطبيعي في السينما.
ويصور الفيلم رحلة ليلية (تحدث في ليلة واحدة في الواقع) لرجل متقاعد يعاني من متاعب في المعدة وهو بصحبة ممرضة في منتصف العمر، تنتقل به عبر عدد من مستشفيات بوخارست، حيث يلقى الإهمال واللامبالاة والتجاهل، ويظل ينتقل من مكان إلى آخر، بسبب البروقراطية القاتلة والتجمد الذي أصاب المشاعر الإنسانية، إلى حين ندرك أنه سيلقى مصيره المحتوم في النهاية.
يبدو هذا الفيلم بسيطا في تكوينه العام: فهو مصور في شقة صغيرة مهملة هي شقة السيد لازاريسكو نفسه، وعربة إسعاف من الداخل، وغرف استقبال وفحص في المستشفيات، وبعدد محدود من الشخصيات: الرجل، الممرضة، سائق سيارة الإسعاف، ثلاثة من الأطباء، عدد من الممرضات والمساعدات.
إلا أن الفيلم رغم بساطته الظاهرية، عميق في محتواه، مذهل في دقته وتفاصيله وقدرة مخرجه على انتزاع أقصى ما يمكن التعبير عنه من الممثلين وخاصة البطلين/ اللا بطلين، أي الرجل والممرضة التي تصحبه.
في هذا الفيلم ظهرت لغة تعيد الاعتبار إلى سينما التفاصيل الصغيرة التي يمكن أن تلتقطها الكاميرا الثابتة في لقطات طويلة، تحدق فيها عدسة الكاميرا إلى الشخصيات، وإلى المكونات العادية أو الأقل من العادية في المكان: حوض، فرشاة أسنان، مرحاض عتيق، زجاجة خمر فارغة، أرفف تزدحم بالصحف القديمة، أريكة متهالكة..إلخ.
ونادرا ما تتحرك الكاميرا على راحتها في المحيط، بل تبدو مختنقة في الفضاء المحدود الطبيعي للغرف، أو لسيارة الإسعاف، فالأساس أن نرى الإنسان، كيف يعاني ويتألم، ويرقد قليلا ثم يستيقظ لكي يتقيا مثلا، أو يشكو ويئن ويطلب ضرورة العودة إلى المنزل، وكيف يواجهه السادة الأطباء داخل المستشفى بكل ما لا يمكن تخيله من اللامبالاة بل والاستهتار الذي يصل إلى مرحلة سيريالية تماما غير أنه لا يحيد قيد أنملة عن الواقعية المباشرة التي تصل أيضا إلى حد التصوير الوثائقي: حركة الممثلين، الحوار التلقائي المباشر، المكان الطبيعي، الممثلين غير المحترفين، اللقطات والمشاهد الطويلة التي لا تكاد تلحظ أثر المونتاج عليها.
وفي العام التالي، 2006، وعلى نفس المنهج والأسلوب جاء فيلم "4 أشهر 3 أسابيع ويومان" للمخرج كريستيان Cristian Mungiu (مواليد 1968) الذي يصور محاولة فتاة وصديقتها إجراء عملية إجهاض للأولى إبان حكم تشاوشيسكو، أي وقتما كانت عمليات الإجهاض محظورة قانونا في رومانيا. هذا الفيلم الذي يهمس ويصرخ، يواجه برشاقة ورصانة كبيرتين، يقدم صورة إنسانية مفزعة ولكن بدون ضجيج، وببلاغة رفيعة، بلاغة الأسلوب الذي يرصد ويدقق، ويتيح مساحة للتأمل، لا يجنح أبدا إلى الميلودراما رغم الإغراء الكامن في ثنايا الموضوع نفسه، ويعتمد على الصمت أكثر مما يعتمد على الكلام والصراخ والتشنجات، يخفي أكثر مما يعلن، ويظهر أقل مما يمكن ان نرى بسبب الظلال وبقع الظلام التي تمليء الكادر السينمائي لكي توحي بالجو، وتكثف المشاعر بدون حاجة إلى الشرح والتفسير. ولم يكن مفاجئا أن يحصل هذا الفيلم على "السعفة الذهبية" في مهرجان كان السينمائي في ذلك العام.
وعلى نفس المنوال يأتي الفيلم- التحفة "الشرطة: صفة" Police: Adjective عام 2009، للمخرج كورنيلو برومبو، الذي يدور حول شخصية ضابط شرطة شاب يفقد قناعته بعمله في الشرطة ويبدأ في اختراق النظام على طريقته الخاصة، وطرح تشككه فيه عمليا.
وأخيرا يأتي فيلم "أورورا" Aurora (أو الفجر) لكريس بويو أيضا، الذي يعتبره صاحبه الجزء الثاني ضمن سلسلة من ستة أفلام يطلق عليها "ست قصص من ضواحي بوخارست"، كان أولها "موت السيد لازاريسكي"، ويقول إنها كلها أفلام عن الحب: حب الإنسان للإنسان، والرجل للمرأة، والرجل لأبنائه، وحب النجاح، والحب بين الأصدقاء، وحب المعرفة.
وهو يهدي الافلام الستة إلى المخرج الفرنسي الراحل الكبير، إريك رومير، الذي يقول بويو إن سداسيته الشهيرة بعنوان "ست قصص أخلاقية" ألهمته كتابة قصص أفلامه الستة التي أنهى منها اثنين بالفعل.

"أورورا" تلك الكلمة اليونانية القديمة التي تشير إلى الفجر أو إلهة النور، افتتح به قسم "نظرة خاصة" في مهرجان كان السينمائي 2010. والعنوان اختير في إطار الفهم الخاص "السحري" لدى بويو لكلمة "أوروا" التي تعني النور الذي ينبثق من الظلمة، أو اللحظة الفارقة بين ظلام الليل وضوء النهار، وهي لحظة تتغير فيها النظرة إلى الأشياء، غير أنها لحظة يراها بويو "غامضة"، فهو يقول إن "النجمة التي تتألق في الضوء هي فينوس، وفينوس في اللغة الرومانية هي لوسيفارول Luceafarul المشتقة من لوسيفر Lucifer رسول الضوء، الملاك المفضل الذي سرعان ما يصبح الشيطان".
والغموض الناتج من العنوان يشير تحديدا، إلى استحالة الفصل بين الخير والشر، وهو يرى أن "أوروا" بالتالي ليس فيلما عن الخير والشر، لكنه فيلم عن "غموض واستحالة ادراك صلتنا بالعالم، بالآخرين، واستحالة التواصل الحقيقي".بطل الفيلم رجل في الثانية والأربعين من عمره، يدعى فيوريل Viorel وهو رجل عادي تماما، يعمل مهندسا للمعادن، يبدو أنه طلق زوجته حديثا، ويعول طفلتين منها، نراه في شقته الصغيرة العارية تقريبا من الأثاث، والتي يتردد عليها عمال للقيام بأعمال الترميم والطلاء. يجلس وحده، يشاهد التليفزيون، يتجادل مع جيرانه في الطابق الأعلى: رجل وزوجته، يهبطان إليه للاعتذار عن تسرب الماء إلى سقف الحمام بسبب ترك طفلهما الصنبور مفتوحا. ويدور حوار طويل عادي للغاية بينه وبين الزوجين، حوار لا طائل من وراءه على الإطلاق لكنه يجري يوميا.
في المصنع الذي يعمل به يلتقي بزميل له مدين له ببعض المال، ثم يتوجه إلى زميل آخر يحصل منه على رصاصات صنعها خصيصا له، ثم يذهب ويشتري بندقية صيد. وبعد أن يدور بالسيارة في بودابست بدون هدف، يعود إلى شقته ليجرب البندقية، ثم يضع البندقية في حقيبة يحملها على كتفه ويتوجه بالسيارة إلى فندق انتركونتيننتال حيث يقف مترقبا في مرأب السيارات في انتظار أحد لا نتبينه على وجه التحديد بل سرعان ما نرى شبح رجل وامراة يتجادلان يقتربان. يخرج البندقية ويطلق الرصاص عليهما ثم يغادر بالسيارة. يعود يقضي ليلته ثم يتوجه في الصباح إلى حيث يرتكب الجريمة الثانية داخل منزل، يعرف الضحية تماما ويتبادل معها الحديث قبل أن يتحول إلى قتلها.
ونحن لا نشاهد الجريمة الأولى بل نرى مجرد شبحين للضحيتين، ونسمع صوت إطلاق الرصاص، بعد أكثر من ساعة من بدء الفيلم، بشكل مفاجيء، ولا نرى أيضا جريمة القتل الثانية، بل نعرف بحدوثها من الصوت ومن الحركة المسبقة، لأن الكاميرا هنا تتركز على سقف الحجرة، بل ولا نرى الجثث ولا الدماء ولا نعرف مسبقا دوافع ارتكاب الجريمة، ولا ما الذي يعذب بطلنا بالضبط، بل ونراه أيضا وهو يذهب بنفسه في النهاية، إلى مركز الشرطة، لتسليم نفسه وتقديم اعتراف تفصيلي بالجريمتين ويرشد عن مكانهما، بمنتهى الهدوء والعقلانية. لقد قتل والد ووالدة زوجته، وأمه. وعندما يسأله الضابط لماذا؟ تأتي إجابته اكثر غموضا مما نتوقع: أن تتركك زوجتك ليس أمرا سهلا!
فهل يمكن اعتبار الدافع إلى ارتكاب الجريمة عند فيوريل مجرد تخلي زوجته عنه؟ أي وقوع الطلاق؟ ولماذا لم يقتل الزوجة نفسها؟
الواضح من البداية أن الفيلم يكثف حالة إحساس بالقنوط والعبث وانعدام القيمة، بل والوصول إلى طريق مسدود في الحياة باسرها عند هذا البطل/ اللابطل ، على طريقة قريبة من الإحساس العبثي عند بطل رواية "الغريب" لألبير كامي، أي الفرنسي الذي يقتل الرجل الجزائري ويبرر ذلك أمام المحكمة بأن "الشمس كانت في عينه"!
فيلم "أورورا" يقع في ثلاث ساعات ودقيقة واحدة. وهو مثل الأفلام السابق الإشارة إليها، ليس أهم ما فيه الدوافع والحبكة الدرامية التقليدية التي يتم شرحها أو فك طلاسمها قرب النهاية، او البناء الدرامي الواضح للشخصيات: هنا مثلا لا يوجد تفسير سيكولوجي لدوافع البطل، بل إنه يتسم بالبرود التام، والحركات المحسوبة، والعقلية الواعية المدركة لما تفعل تماما. هناك فقط نوع من الشرود في نظراته، ومن التأمل والتفكير، والنظرات الحادة الغاضبة إلى الناس. وهناك مشهد نرى خلاله "فيوريل" يصر على دخول محل ملابس في وسط بودابست لكي يعثر على عاملة فيه ربما تكون هي زوجته نفسها، لكن العاملات بالمحل يؤكدن له أنها ليست موجودة، بل ويدعونه إلى تفتيش المحل، وتفتيش دورة المياه إذا اراد. وترتفع حدة انفعاله في هذا المشهد الطويل كثيرا، لكنه لا يخرج عن نطاق السيطرة.
ورغم القتل والجريمة، فنحن لا نرى الفعل نفسه، لأن المخرج ليس هدفه ان يجعل الجريمة نوعا من "الفرجة" التي يمكن أن تحقق متعة المشاهدة، أو الإثارة، فليس هذا هدفه، بل إنه يرغب اساسا، في تصوير حالة إنسانية، لرجل عادي تماما، لا يبدو مثل أبطال أفلام الجريمة بل على النقيض منهم، لكي يقول لنا إن الجريمة من الممكن أن تأتي من داخل الإحباط والشعور بالقرف واللاجدوى وعبثية المحيط كله، ومن قبل أناس عاديين، لا يخططون ولا يتربصون في الظلام، بل حتى طريقة ارتكاب الجريمة هي طريقة "عادية" تماما لا تقتضي أية مهارة خاصة!
مرة أخرى، هنا اللقطات الطويلة، والمشاهد المكونة من لقطات محدودة، والحوارات التي يمكن أن تمتد أحيانا كثيرا لتصبح نوعا من "ثرثرة الحياة اليومية"، والاعتماد الأساسي على تكوين اللقطات، مما هو متاح داخل منظور الصورة من عاديات الحياة والطريق والمواقع المختلفة الداخلية للتصوير، وليس من خلال الإبهار الشكلي والتلاعب بالضوء، فمصادر الضوء الطبيعية هي الغالبة، والديكورات الطبيعية ايضا، والممثلين يبدون بدون ذلك التكلف المصطنع، بل كأشخاص من الحياة العادية، والشخصية الرئيسية (فيوريل) يؤديها المخرج نفسه بعد أن فشل، كما يقول، في العثور على الممثل المطلوب. لكنه يؤديها بتحكم كبير، ودون أن يفقد الفيلم بعضا من روح السخرية السوداء.
فيلم يشدك إليه ويجعلك مسحورا في مقعدك لأكثر من ثلاث ساعات، فهناك في ذلك الإيقاع البطيء الذي يمضي وتتعاقب معه المشاهد، شيء ما مثل التنويم، فما يجري على الشاشة، وما يجري وراء الشاشة، كلاهما يجعلان من تجربة "أورورا" تجربة للاستنارة، ولمشاهدة إنسان من عالمنا، كما لو كان المرء يشاهد نفسه في مرآة كبيرة، هي مرآة السينما.

الاثنين، 28 يونيو، 2010

شاشات وأحداث: وودي ألين وكوبولا وجودار وديفيد لينش


* على شاشات لندن يعرض حاليا فيلم "مهما حدث" Whatever happened للمخرج الأمريكي وودي ألين، وهو فيلمه التاسع والثلاثون، وقد أخرجه قبل فيلم "ستقابلين غريبا طويلا أسمر" الذي عرض في مهرجان كان هذا العام، وقبل فيلمه الأحدث الذي يستعد للبدء في تصويره وهو بعنوان "منتصف الليل في باريس" Midnight in Paris
وودي ألين في الخامسة والسبعين من عمره حاليا، فإذا عرفنا أنه بدأ الإخراج للسينما منذ 1966، وأنه أخرج أيضا أربعة أفلام للتليفزيون، وفيلما قصيرا أو جزءا ضمن فيلم طويل، يكون فعلا مستمر في إخراج فيلم كل تسعة أشهر تقريبا، وهو إنجاز كبير من حيث الكم بكل تأكيد. والغريب أن وودي ألين لديه دائما ما يقوله، حتى لو لم يوفق تماما في قوله، مثلما حدث في فيلمه الأخير الذي تناولته عند عرضه في مهرجان كان الشهر الماضي. أما الفيلم المعروض حاليا في لندن فيستحق المشاهدة.
* من الأفلام الجديدة التي تشاهدها لندن حاليا فيلم "تيترو" لفرنسيس فورد كوبولا، وهو فيلم شخصي لاشك أن مخرجه يتحرر فيه كثيرا من سطوة شروط شركات الإنتاج في هوليوود، ويعبر عن تجربة خاصة عائلية، إلا أنني لم اجده جديرا بالثناء الكثير، ففيه الكثير جدا من الجمود، الذي يتعلق بطول المشاهد، وطول الحوارات، وانحصار المشاهد في ديكورات داخلية، نادرا ما تتغير، واعتماد التمثيل على الأداء المسرحي المغالى فيه، وهذا، على الرغم من محاولات كوبولا الجمالية في استخداماته للتصوير بالأبيض والأسود. أضف إلى ذلك أن الفيلم لم يتجاوز نطاق الدراما العائلية السيكولوجية الخاصة التي تفتقد إلى ما يعرف بـ"البعد الإنساني الأشمل" أو universal level بحيث تلقى صدى لدى الجمهور خارج نطاق الدائرة المحدودة التي تدور فيها. أقول قولي هذا وأستدرك بالقول إن لكل إنسان بطبيعة الحال، الحق في رؤية الأشياء حسب نظرته الخاصة، وثقافته الشخصية، وتكوينه الفكري. غير أن "البعض" يعيب على "البعض" الآخر، أنه لم يعجب بما أعجبه من أفلام.. أو أنه معجب بما لم يعجبه، وهي قمة الفاشية التي لا أرى لها مثيلا في الثقافات الأجنبية، فهي ظاهرة قاصرة فقط بكل أسف، على النقد العربي والثقافة العربية، فالكثير ممن يكتبون بالعربية يبدأون عادة مقالاتهم بتوجيه انتقادات لاذعة لما كتبه الآخرون عن الفيلم الذي يتناولونه، والتقليل من شان كل ما ظهر من كتابات حوله، ومحاولة إثبات أنهم الأقدر على الفهم، والأكثر إدراكا لمغزى العمل، وأن الآخرين متخلفون، وحمقى، وليسوا على مستوى الكفاءة.. إلخ، كما لو كان التقليل من شأن ما يكتبه الآخرون، يمكن أن يرفع من شأن أي كاتب، أو أي شخص ممن تعلموا الكتابة بالامس القريب فقط، واكتشفوا أمس الأول، وتصوروا أن السينما يمكن أن تكون مسألة بسيطة، لا تحتاج إلى ثقافة ومعرفة وعلم وخبرة ومشاهدات مكثفة حقيقية ضمن سياق فكري وفني محدد، وليس بشكل عشوائي، يميل إلى الانبهار المسبق، بكل ما يصنع من أفلام في العالم، ويعتبرها جميعها تحفا كبيرة، خصوصا لو اتفقت مع مفاهيمه المراهقة عن السينما!
كلمة أخرى هنا: إذا كان أحد يريد أن يكون كاتبا أو ناقدا، فلماذا لا يكتب مباشرة، يقول لنا كيف يرى الأشياء أو الأفلام، وماذا يرى فيها، وكيف يحكم عليها، ويقيمها، ويقومها، دون أن يجعل مما يكتبه مادة متذيلة أو ذيلية، يرد فيها على كتابات آخرين، وينطلق فيها استنادا على مجهود غيره، ورؤية كونها غيره، واجتهادات جاءت من طرف غيره، لكي يستلمها حضرته، ويقوم بتسفيه ما ورد فيها، والتقليل من شأنها، والرد عليها ومقارعتها، متصورا انه بهذا، سيجعل من نفسه شخصا ذا شأن. وسؤالي البسيط هو: من أين سياتي هذا الكاتب بمادته في حالة توقف "الكتاب الذين يلهمونه الكتابة" عن كتابة مقالاتهم التي لا تعجبه حتى من قبل أن يكتبها أصحابها، ومن قبل ان يقرأها هو!
* وقد رأينا أخيرا ظاهرة أخرى، هي الدفاع عن اختيارات مديري المهرجانات الغربية الكبيرة، والهجوم الشرس على كل من يوجه لها انتقادات مشروعة في كل الأعراف والثقافات، أيضا تحت تصور فاشي يقوم على فكرة أن الدفاع عن مدير مهرجان دولي ما، واجب وضرورة مقدسة، تنسجم مع تلك النفسية المنافقة في الاصل والأساس، أو أن "الأجنبي" أي الخواجة، أكثر فهما ومعرفة بالضرورة من "أبناء الثقافة المشتركة"، خصوصا وأن هذا النوع من أنصاف الكتبة، لا يحظى عادة بالاحترام في أوساط المهرجانات الدولية، التي يتزلف وينافق ويقدم الهدايا والعطايا إلى المسؤولين عن مكاتبها الصحفية، من أجل الحصول على "بطاقة" صحفية، توفر له التردد على الأفلام تحت تصور أن مشاهدة أكبر عدد من الأفلام دون القدرة على هضمها، يضفي على مثل هؤلاء الأشخاص قيمة ما، في حين أنهم محتقرون تماما من طرف مديري المهرجانات. وقد استمعت بنفسي أكثر من مرة إلى شكاوى الكثير من مسؤولي بعض المهرجانات الدولية، الذين أخذوا ينتقدون أمامي بقسوة وسخرية، هذا النوع من المتطفلين، وإلى شكاواهم من تحايلاتهم من أجل الحصول على الاعتماد ضمن الصحافة السينمائية، لكن هؤلاء المديرين يقولون إنهم لا يستطيعون أن يفعلوا شيئا لأن هناك "جهات" صحفية عربية، يحصل منها هؤلاء على خطابات تزكية. وإذن العيب وأصل الفساد موجود عندنا، في صحفنا ومؤسساتنا التي تفضل التعامل مع هؤلاء "الأنصاف" (جمع نصف).. لأنهم مثل الأحذية، يكمن خلعها في اي وقت.. وسأكتفي بهذا الآن، لأني أرى ان هؤلاء لا يستحقون أكثر من هذه "القرصة" الصغيرة بحجم ما هو كائن تحت قشرة أدمغتهم الصغيرة!

* نسخة جديدة حديثة مجددة من الكلاسيكية الشهيرة "على آخر نفس" أول أفلام جان لوك جودار من عام 1959 تعرض حاليا للأجيال الجديدة التي لم تشاهدها أو شاهدتها من خلال الأسطوانات الرقمية، أي على شاشة التليفزيون. الاحتفال بهذا الفيلم يجب في رأيي أن يتركز، ليس فقط على دور جودار كمخرج، بل وبالموازاة وعلى نفس القدر والمستوى، إلى مصوره راؤول كوتار، الذي لعب دورا بارزا في تشكيل ملامح سينما الموجة الجديدة الفرنسية في الستينيات.
* مهرجان إدنبره السينمائي اختتم أخيرا الدورة الرابعة والستين، أي أنه أقدم من مهرجان لندن السينمائي، وهو يقام في المدينة الاسكتلندية الجميلة التي تتميز بأجوائها الحميمية الرائعة، في نفس الوقت مع مهرجان ادنبره الدولي للفنون: المسرح والموسيقى والفن التشكيل والرقص. ومثل مهرجان لندن، لا يمنح مهرجان إدنبره السينمائي جوائز ولا ينظم مسابقة دولية، لكنه ابتدع منذ سنوات، مسابقة محدودة قاصرة على الأفلام البريطانية الجديدة فقط، تمنح جائزة كبرى باسم المخرج الراحل مايكل باول. وقد ذهبت هذه الجائزة هذا العام إلى فيلم "هياكل عظمية" Skeletons وهو من نوع الكوميديا ويقوم بطلاه بدوري طاردين للأرواح الشريرة، ويقعان في سلسلة من المآزق. عرض الفيلم في لندن سيبدأ في نهاية الأسبوع الجاري (الجمعية القادم). وهو توقيت سيء لأن الجمهور مشغول حاليا بمتابعة مباريات كأس العالم التي تعرض يوميا في التليفزيون العمومي (بي بي سي وآي تي في) أرضي وفضائي بدون أية قيود، وليس مثلما هو الحال في العالم العربي الذي عرف منذ مدة، حكاية احتكار من يملك المال حق شراء وبيع هذه المباريات لغيره من المحطات، وهي مشكلة تؤذي الجمهور وتسبب الاحباط للجهات المسؤولة، ويبدو لي الأمر اشبه بالابتزاز الذي يحتاج إلى كفاح حقيقي ضده من أجل إسقاطه، وان على ثقة أن الجمهور في بلادنا يعرف كيف يخترق النظام، أي نظام، عندما يشاء!
* أخيرا، نشر المخرج الأمريكي الكبير ديفيد لينش على موقعه على شبكة الانترنت إعلانا يدعو من خلاله، محبيه إلى التبرع، كل منهم بمبلغ خمسين دولارا للمساهمة في إنتاج فيلمه القادم، والمفأجاة أنه سيكون فيلما وثائقيا يروي فيه قصة حياته والمؤثرات التي ساهمت في تشكيل رؤيته وثقافته. وقد أراد تحرير الفيلم بالكامل، من ضغوط الشركات، ولذا لجأ إلى فكرة التمويل العام، أي جعل الجمهور طرفا مباشرا في إنتاج الفيلم، مقابل هدية تشجيعية تتلخص في الحصول على ملصق من الفيلم الذي يحمل رسما للمخرج الكبير وعليه توقيعه، وسيصدر هذا الملصق في طبعة محدودة تقتصر في توزيعها على المتبرعين كما فهمت. وفهمت أيضا أن من الممكن شراء الملصق أو قميص تي شيرت أو حقيبة صغيرة يكون مطبوعا على كل منها صورة الفنان السينمائي. ومن يرغب في الحصول على نسخة، والتبرع لدعم هذا الفيلم، عليه الدخول إلى موقع ديفيد لينش من هنا:
www.lynchthree.com

الجمعة، 25 يونيو، 2010

"الفاعل من الداخل": قوة الوثائقي تفضح وول ستريت


من أهم الأفلام الوثائقية (أو غير الخيالية) التي عرضت في مهرجان كان السينمائي الـ63 فيلم "الفاعل من الداخل" The Inside Job (والعنوان يشير إلى وجود ما يعرف بطرف داخل المؤسسة يساعد أطرافا خارجية على سرقتها).والفيلم يقع في ساعة و48 دقيقة، وهو من إخراج تشارلز فيرجسون، الذي برز اسمه عندما قدم فيلمه الوثائقي الأول "لا نهاية في الأفق" No End in Sight عن الحرب في العراق قبل ثلاث سنوات. ولكن على حين كان هذا الفيلم، الذي رشح لأوسكار أحسن فيلم وثائقي، يوجه انتقادات شديدة للسياسة الخارجية الأمريكية عموما، وللسياسة الأمريكية في العراق بوجه خاص، يأتي الفيلم الجديد لكي يسلط الأضواء، كما لم يحدث من قبل، على الانهيار المالي والاقتصادي في الولايات المتحدة الذي تسبب في الأزمة العالمية الاقتصادية القائمة حاليا.يتجاوز الفيلم الجديد كثيرا ما صوره المخرج الشهير مايكل مور في فيلمه البديع "الرأسمالية: قصة حب"، فعلى حين اكتفى مور بالعرض الساخر، والبحث في "أعراض" الأزمة، يتعمق فيرجسون في هذا الفيلم البديع، لكي يصل إلى أصل الفساد، من خلال التدقيق في تاريخ العلاقة بين وول ستريت، وبين المؤسسة السياسية الأمريكية، ويوجه في النهاية، بوضوح، اتهامات مباشرة بارتكاب جرائم، ليس فقط في حق الشعب الأمريكي، بل في حق شعوب العالم أيضا.

الأربعاء، 23 يونيو، 2010

فاروق عبد القادر: رحيل ناقد فذ وصديق عظيم


نزل خبر مغادرة الناقد الكبير فاروق عبد القادر على رأسي نزول الضاعقة. صمت صاحب القلم الذي لم يهادن ولم يساوم، ولم يعرف الحلول الوسط، ولم يقبل أبدا، كما فعل قلائل أصبحوا يعدون على أصابع اليد الواحدة، الدخول في "الحظيرة" سيئة السمعة.
ناضل فاروق عبد القادر بقلمه، كاشفا العفن الثقافي، فاضحا المواهب الزائفة التي يفرضها علينا الإعلام السائد، في المسرح والرواية والقصة. لم يجامل أحدا، ولم ينافق مسؤولا، ولم يمدح نجما أو مخرجا حسب الطلب، أو حسب ما يمكن أن يحصل عليه من منافع ومكاسب، فقد عاش فاروق ومات، فقيرا معدما، بخلت عليه الدولة بالعلاج الذي أصبح متاحا في الخارج لكبار الوزراء والمسؤولين "عيني عينك" ولا أحد يجرؤ على الكلام، وإذا تكلم، فلا أحد يهتم أو يحاسب.
عرفت فاروق عبد القادر عام 1976 أي منذ 34 عاما، عندما كان محررا للملحق الثقافي في مجلة "الطليعة" الشهرية التي كانت من أكثر المجلات المصرية احتراما وتأثيرا في الأوساط الثقافية والفكرية، سواء في مصر أو في العالم العربي.
ولكن فاروق لم يكن يعمل في براتب شهري ثابت في تلك المطبوعة الشهرية التي تصور الرئيس جمال عبد الناصر عندما سمح بصدورها في 1965، أنه يستطيع أن يشتري مثقفي اليسار المصري ومفكريه، بحفنة من الجنيهات (خمسة آلاف جنيه شهريا كما نقل عنه أحد مثقفي اليسار فيما بعد). فقد كان فاروق يعمل بمكافأة شهرية متواضعة، ولعله ارتضى بذلك حتى لا "يتورط" في الوقوع في شرك نظام كان يعارضه، وقد دفع الثمن باهظا، واضطر في وقت ما إلى الرحيل خارج مصر حيث عمل لسنوات في إحدى الدول العربية مستشارا خاصا. ولكنه منذ أن عاد في أوائل السبعينيات على ما أعتقد، وحتى وفاته بعد فترة طويلة في غيبوبة ما قبل الفراق منذ أشهر، ظل كاتبا مستقلا، يرفض الارتباط بالعمل لحساب أي مؤسسة من مؤسسات الدولة، الصحفية أو الثقافية.
لم تكن تربطني علاقة شخصية مباشرة بفاروق عبد القادر في ذلك الوقت، فقد كنت مازلت طالبا بالجامعة وكنت أنشر مقالات متفرقة هنا وهناك، ولكن فاروق كان يقرأ ويتابع ويهتم، وقد أرسل لي من يخبرني بأنه يريد أن يراني في مكتبه بمجلة الطليعة. وكان مقر المجلة داخل مبنى "الاهرام" الجديد الذي كان قد افتتح قبل سنوات محدودة في 1970 على ما أتذكر، قبل وفاة عبد الناصر، واعتبر إنجازا شخصيا فارقا للصحفي والكاتب الكبير محمد حسنين هيكل.
وقد دخلت مبنى "الأهرام" وانا أشعر بالضآلة، فمن أنا بين كل هؤلاء الكتاب والصحفيين الكبار، وكان منهم توفيق الحكيم ونجيب محفوظ والدكتور حسين مؤنس والدكتور جمال حمدان، وغيرهم كثيرون.
وقد طلب مني فاروق دون أي معرفة سابقة أن أكتب لـ"الطليعة"، وكان يبدي حماسا كبيرا لما أكتبه رغم أنني كنت في بدايات حياتي ككاتب.
وكنت أحيانا أمر عليه في "الطليعة" لكي اسلمه مادة للنشر، أو أستشيره في أمر من الأمور، ونخرج معا ونسير حتى نصل إلى مقهى كان يقع أمام دار سينما مترو بشارع سليمان باشا، ونجلس معا، نتحدث في كل شيء، حتى السابعة مساء، وعندها كان فاروق يعتدل ويطلب فنجانا من القهوة قبل أن يذهب إلى المسرح. وارتبطنا بصداقة دامت طيلة تلك السنوات.
وكنت دائما أحرص على اللقاء بفاروق عندما أكون في القاهرة منذ أن غادرت مصر قبل سنوات بعيدة. وكان هو قد اتخذ من مقهى "سوق الحميدية" في وسط القاهرة مكانا للقاء الأصدقاء مساء الأحد من كل أسبوع. وقد التقينا هناك قبل أقل من عام، وكان معه الأستاذ أحمد الخميسي. ولاحظت أن فاروقا لم يتغير أبدا. صحيح أن علامات الكهولة كانت بادية على شعره ووجهه، لكنه في عقله وذهنه وفكره، كان لايزال شابا متوهجا كعادته، يتحدث، ويسخر، وينقد، ويبدو رافضا للتواءم مع التركيبة السائدة حوله كما عهدناه دوما.
وكان المرء لا يملك سوى أن ينصت عندما يتحدث فاروق، فقد كان ملما بالكثير مما يجري ويحدث في بطن الواقع، كما كان مطلعا على مجريات الأمور حتى الكثير مما هو شخصي منها، يحرص أصحابه عادة على إخفائه بعيدا عن العيون والآذان. وكان حديث فاروق جذابا، تحليليا، يفيض أيضا بالسخرية المحببة التي تجذبني لأنها تعكس ذكاء متوقدا خاصا، وتضفي جاذبية على الحديث. وقد أصبح مكانه المفضل الثابت في ميدان باب اللوق بوسط القاهرة، جزءا لصيقا في ذاكرتي الشخصية. وكنت دائما أشعر بالاطمئنان بأن فاروقا هناك، يمكنني أن القاه في أي يوم أحد أشاء، فلم يكن يمنعه سوى المرض العضال عن الوفاء بوعده لأصدقائه.
وقد حزنت كثيرا عندما علمت بمرضه وتدهور حالته الصحية التي أدخلته في حالة الغيبوبة منذ أشهر. وظللت أتابع حالته مع الأصدقاء، من موقعي البعيد.. في هذا المنفى الاختياري الذي أكتب هذه الكلمات منه الآن، إلى أن تلقيت اليوم خبر وفاته.
ورغم أنه كسب الكثير من الأعداء، بسبب كتاباته التي لم تكن تعرف المحاباة أو النفاق، وهو ما جعلها دائما "خارج السرب"، ورغم تمرده المعلن على "سكان الحظيرة" التي دخلها كثيرون بالعشرات، إلا أنه اكتسب احترام وتقدير الجميع، سواء من اتفق معهم أو من اختلف، رغم ما كان يشنه من حملات عنيفة أحيانا. وكان فاروق قد شهد فترة ازدهار المجلات الثقافية في الستينيات، ثم شهد اختفاءها وتدهور الصفحات الثقافية في معظم الصحف والمطبوعات حتى أصبحت مجرد صفحات إخبارية، شبه إعلانية، وتلاشى منها النقد الجاد، بل وبعد أن أصبحت الكتابة "المشروطة" في النقد الفني والأدبي والمسرحي، متاحة فقط، في جريدة الوزير فاروق حسني، بشروطه وبما يخدم توجهات وزارته بل وطموحاته الشخصية ايضا. فقد بتنا في عصر وزعت فيه الاقطاعيات على المماليك الجدد، وضاقت فيه الأبواب أمام شرفاء الكلمة. غير أن فاروقا كان يتمكن دائما من العثور على منبر يكتب له، وكان مستمرا أيضا في إصدار كتبه التي اثرت الحياة النقدية وأبقت على نوع من الحيوية في داخلها.
أما الآن فقد اصبح بوسع الكاتبين بالتكليف وبالتطوع المدفوع، أن يصولوا ويجولوا دون خوف أو وجل، وأن يستنكروا علانية ما كان في ماضيهم من ملامح "شبه ثورية"، لحساب تلك "العقلانية البراجماتية" التي أدركوها بعد أن وصلوا إلى سن ما قبل الرحيل، وهو اللغز الذي لم يتوقف فاروق عبد القادر أمامه كثيرا، فقد كان يرى إرهاصات السقوط كامنة من البداية.. كما تعلمنا منه.
رحم الله فاروق عبد القادر ألف رحمة. وستظل خسارتي الشخصية فيه ما حييت، فقد كان مثلا أعلى يحتذى، وصديقا حقيقيا في زمن عز فيه الأصدقاء.

فاروق عبد القادر في سطور:
ولد في بني سويف - مصر 1938.
كان عاشقاً للقرآن، يرتله في الفجر وقبل الغروب وكان حسن الصوت سليم النطق.
التحق بقسم الدراسات الاجتماعية والنفسية واختار علم النفس.
تخرج من الجامعة في مايو عام 1958 (ليسانس علوم نفسية) بتقدير جيد.
في 1962 صدر أول كتاب له.
عمل سكرتيراً لتحرير مجلة (المسرح) ثم مجلة (المسرح والسينما) حتى نهاية 1970.
عمل محرراً مسؤولاً عن ملحق الأدب والفن الذي كانت تصدره مجلة (الطليعة).
من كتبه:
ازدهار وسقوط المسرح المصري.
مساحة للضوء، مساحة للظلال.
من أوراق الرفض والفنون.
أوراق من الرماد والحجر.
أوراق أخرى من الرماد والحجر.
رؤى الواقع وهموم الثورة المحاصرة.
نافذة على مسرح الغرب.
مسرحيات ترجمها:
فترة التوافق – تنيسي وليامز.
لعبة البنج بونج – أرتور أداموف.
المساحة الفارقة.
النقطة المتحولة – بيتر بروك.
يو . أس – بيتر بروك.
* منح المجلس الأعلى للثقافة فاروق عبد القادر جائزة التفوق في الادب يوم الإثنين أي قبل وفاته بيوم واحد فقط، وقدرها 100 الف جنيه، بتدخل من الدكتور جابر عصفور حتى يمكن ان تساهم في نفاقت علاجه، ولم يكن فاروق مرشحا للجائزة أصلا، بل ولم يدري بفوزه بها فقد كان يرقد في غيبوبة كاملة ثم توفي في اليوم التالي.

الثلاثاء، 22 يونيو، 2010

صلاح عيسى.. الراديكالي التائب


بقلم" محمد شعير

هل يبرِّر صلاح عيسى للمثقفين المصريين خياناتهم؟ هذا المثقف اليساري البارز الذي قال لنا يوماً إنّه «جاء إلى الدنيا لكي يعترض» بحسب عبارة غوركي الشهيرة المعلَّقة فوق مكتبه. العبارة التي استهلَّ بها كتابه الأشهر «مثقفون وعسكر» (1986)، تغيب روحها عن إصداره الجديد «شخصيات لها العجب» (نهضة مصر)، ليحلّ مكانها اعتذار عمَّا ظنَّه يوماً «خيانة» المثقّفين لمبادئهم... و«لأنّ حماسة الشباب كثيراً ما تعمي البصر»، يعلن الصحافي المصري المعروف أنّه كان مخطئاً في تصوراته السابقة عن شخصيات عامّة كثيرة. هكذا نجده يكتب، بنظرة جديدة، عمن ظنّهم في السابق «مشاغبين متقاعدين»... فهم لم يتقاعدوا بل غيّروا وسائل النضال فقط.أحمد بهاء الدين (1927ـــــ 1996) مثلاً، هذا الصحافي والمفكّر الذي ترأس تحرير مجلّة «صباح الخير» وجريدة «الأهرام»، صار من وجهة نظر صلاح عيسى «منتمياً غير منحاز». يجده لم يعدم الحيل الفنية التي تمكّنه دائماً من إضاءة شموعه بقدر لا يستفز الظلام. لم يكن ذلك سهلاً. الأسهل بحسب عيسى كان أن يقول ما يريده مرة واحدة، ثمّ يحمل حقيبته ويتوجّه إلى أقرب معتقل. كان بهاء يؤمن إيماناً جازماً بأنّ المثقّف في «عصر عرب الحرب الباردة»، لا يستطيع أن يؤثّر بعيداً عن المؤسسة. ليس فقط لأنَّها كانت تحوز من أدوات القهر ما لا يمكن تجاهله، بل لأنَّه ليس هناك تناقض رئيسي بين اقتناعاته وما تمارسه تلك المؤسسة من سياسات وطنية وتقدمية.
«شخصيات لها العجب»، بينها أحمد بهاء الدين، ولطفي الخولي، ونعمان عاشور...
أما لطفي الخولي (1928ـــــ 1999) الكاتب السياسي والمسرحي فحكاية أخرى. «تعلّم جيلنا الثورة والتمرد من الخولي ومن جيله ومن زمنه»، يكتب عيسى. «كنّا ننظر إليه وإلى جيله وزمنه بغضب، لأنّهم ـــــ في ما كنا نعتقد ـــــ كفّوا أن يكونوا ثواراً، وتخلّوا عن قضايا الأمة والوطن والشعب، واستناموا إلى المقاعد الوثيرة التي منحتها لهم السلطة في أحد الجوانب القصية من صالة المسرح. وكما يفعل الأبناء مع الأباء عادةً، اتخذنا منهم شواخص أولى ــــ وأحياناً وحيدة ـــــ لسخطنا. وكان فواراً بمقدار حبنا لهم، وعنيفاً بقدر ما نظن أنّه خديعتنا فيهم. فيما بعد أيقنت أن تلك سنن الله في خلقه وفي كونه». يراجع عيسى مواقفه وسير المثقفين في «شخصيات لها العجب» كشاهد على تحوّلات طاولت جيلاً بأكمله.يخبرنا حين كان مكلَّفاً الاتصال بعدد من المثقفين، يدعوهم للكتابة في جريدة «الأهالي» (يصدرها «حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي» أحد أبرز الأحزاب اليسارية المصرية)، اعتذر كثيرون لأسباب واهية، منها مثلاً أنّ الجريدة «أقلّ يسارية مما يجب». أمّا نعمان عاشور (1918ـــــ 1987) الكاتب المسرحي المصري، فقال ببساطة آسرة «إنّه لا يملك شجاعة الكتابة فيها لأنَّه قد أحيل على المعاش، ويتقاضى الفارق بين مرتّبه وتعويض المعاش، مقابل عمود أسبوعي يكتبه في «أخبار اليوم» ويخشى لو كتب في «الأهالي» أن يتعرّض لاقتطاع جزء مهمّ من دخله».
عاشور وفق ما يكتب عيسى «اكتشف مع تعدّد مرات القبض عليه في النصف الثاني من الأربعينيات، أن مكوّناته الذاتية لا تساعده على أن ينغمس في نضال حركي، وأنّه لا يصلح إلّا للانغماس في نضال ثقافي وفكري». ورغم التاريخ النضالي البارز لمثقف مثل محمد سيد أحمد (1926ـــــ 2006)، إلّا أن عيسى لا يتوقف في كتابه إلا عند جملة قالها الراحل في مدخل لشخصيته: «ليست لدي أوهام حول ما قمت به أو قام به جيلي. لقد أخطأنا لكنّ أخطاءنا كانت موضوعية ولم تكن شخصية».ما يدعو إلى العجب فعلاً في الكتاب هو ما كتبه عيسى عن بطرس غالي. وافق هذا الأخير على مهمات وزارة الخارجية خلال مفاوضات «كامب ديفيد»، بعدما استقال وزيرا خارجية احتجاجاً عليها. يعلّق عيسى: «ليس بالاستقالة وحدها يستطيع الإنسان أن يخدم وطنه، كما أنّ الانضمام للعصابات ليس دائماً ضدّ القانون».
لا أحد يعرف السبب الذي دفع عيسى إلى هذه المراجعة اليوم. هل هو يبرّر «توبته» لنفسه وللآخرين؟ كأنَّه يقول لنا إنّ المثقف لا يمكن أن يؤدّي دوره إلا من داخل السلطة، وأنّه لن يغيرها إلا إذا كان جزءاً منها.أما التعليقات القاسية التي يتضمّنها الكتاب، فكانت من نصيب عدد من المثقفين البارزين. الأوّل هو الراحل محمود أمين العالم (1922ــــ 2009) «الشيوعي الأرثوذوكسي» الذي «يكثر من الاستشهاد بالنصوص الأساسية للماركسية، بينما تتسم مواقفه بالمرونة إلى حد ما بالبراغماتية». والثاني محمد حسنين هيكل الذي يراه عيسى ««كاهناً في معبد الفرعون» يصوغ له الخطب والرسائل ويؤلّف له كتاباً في الفلسفة وميثاقاً في العمل الوطني...».قد تزول الدهشة إذا علمنا أن صاحب «تباريح جريح»، كتب معظم مقالات الكتاب في الجريدة التي يرأس تحريرها «القاهرة»، وهي لسان حال «وزارة الثقافة». لهذا ربما اختلفت اللهجة التي يستخدمها في هذا الكتاب، عن مؤلفاته ومقالاته السابقة. هكذا يبدو الفرق شاسعاً بين صلاح عيسى في السبعينيات والثمانينيات وصلاح عيسى اليوم. هو نفسه الفرق بين كتابيه «مثقفون وعسكر» و... «شخصيات لها العجب». إنّها تلك المسافة بين إلقاء القبض عليه بتهمة مناهضة «وزارة الثقافة» والنوم في أحضان الوزارة نفسها بعد ثلاثين عاماً!
((عن جريدة الأخبار اللبنانية))

السبت، 19 يونيو، 2010

كتاب أمير العمري "حياة في السينما": الناقد السينمائي شاهدا على عصره

(هذا المقال نشر بصحيفة "القدس العربي" في 17 مايو 2010 وقت أن كنا كلنا مشغولون بمتابعة مهرجان كان السينمائي.. أنشره هنا في إطار التوثيق لاصداء كتابي "حياة في السينما"- أمير العمري)

القاهرة- "القدس العربي"
"حياة في السينما" هو إسم الكتاب الجديد للكاتب والناقد السينمائي المصري أمير العمري المقيم في لندن، وقد صدر مؤخرا عن مكتبة مدبولي بالقاهرة، في 280 صفحة من القطع الكبير. وهو كتاب يبدو مختلفا، سواء في مادته، أم أسلوبه، أم طريقة عرضه لما يتضمنه من رؤى وشهادات على الكثير من الوقائع والأحداث التي شابت العمل الثقافي في مصر خلال السبعينيات من القرن الماضي، وكان المؤلف شاهدا عليها أو طرفا مباشرا فيها.
والكتاب بهذا المعنى أيضا، يختلف عن سائر ما صدر للمؤلف نفسه من كتب في النقد السينمائي من قبل (9 كتب)، كما يختلف عما يصدر عادة من كتب في مجال النقد السينمائي عموما. فهو لا يهتم بنقد وتحليل الأفلام رغم إشاراته وتوقفه كثيرا أمام عدد من الافلام التي يراها ساهمت في تكوينه الشخصي وتكوين أبناء جيله، بل يقدم فيه العمري سردا يستخدم فيه ضمير المتكلم، كشاهد، يروي ويحلل ويتوقف أمام عشرات الأحداث والشخصيات، التي تمتد متابعة المؤلف لها، إلى زمننا الحالي.
في القسم الأول من الكتاب يتناول العمري بالتفصيل، مدخله إلى الاهتمام بالسينما وعشقه للفن السابع، وكيف يعتبر أن فيلم "الترتيب" لإيليا كازان لعب دورا حاسما في اتجاه انحيازه لنوع معين من السينما التي تحمل نظرة فلسفية ورؤية للعالم تتجاوز حدود القصة وتتعامل مع الفرد ككيان ضمن إطار اجتماعي محدد، كما يعتبر هذا الفيلم نقلة كبرى من حيث الشكل والأسلوب واللغة السينمائية، في مسيرة مخرجه، ومسار السينما الأمريكية عموما في تلك الفترة من أواخر الستينيات حينما كان تأثير السينما الأوروبية الفنية قويا عليها.
وينتقل العمري بعد ذلك لكي يروي للقاريء تجربته في جمعية نقاد السينما المصريين، ونوع المعارك التي كان شاهدا عليها، والتي اصطبغت في تلك الفترة، أي خلال النصف الأول من السبعينيات، بالطابع السياسي. فقد اشتبك السياسي بالثقافي، وفرض نفسه عليه كما يشرح العمري في مقدمة كتابه، خاصة وأن تلك الفترة مثلت مرحلة انتقالية بين نظامين، هما نظام عبد الناصر، ونظام السادات الذي جاء بعده وكانت له رؤية مختلفة في تعامله مع المثقفين والمجلات والجمعيات والكيانات الثقافية. ويتعرض المؤلف في هذا الفصل، وهو مثير وحافل بالكثير من التقلبات، لعدد من الشخصيات العامة من وزير ثقافة السادات يوسف السباعي، إلى الوزير الذي تلاه عبد المنعم الصاوي وطموحاته الشخصية، إلى بعض نقاد السينما والصراعات التي دارت فيما بينهم، والتي كانت أجهزة الدولة تغذيها وتدفعها، وذلك في إطار الصراع السياسي الدائر آنذاك بين خطين: ما يسميه العمري خط الحركة الوطنية الديمقراطية عموما التي كانت تتجه يسارا، وتحالف قوى اليمين مع نظام السادات المدعوم من الإخوان المسلمين في البداية، لضرب التجربة الناصرية.
غير أن الكتاب لا يعد كتابا سياسيا، بل هذا هو الإطار العام الذي تتحدد فيه الأحداث، وتدور الشخصيات العديدة التي يتوقف أمامها العمري، لكن العمري يروي أيضا بعضا من تجاربه الشخصية في العمل الثقافي في محيط ثقافة السينما من خلال محاولاته مع بعض أبناء جيله تأسيس أكثر من جمعية سينمائية، وما تعرضت له تلك التجارب من عمليات إجهاض، أو ربما كانت أكثر طموحا من أن يستوعبها العصر. هنا يتوقف العمري بنوع من الحسرة والأسى وهو يتكلم عن ذلك "المناخ الطارد" الذي أدى بالكثير من المثقفين إلى الخروج من مصر، والهجرة سواء إلى دول عربية أخرى أو إلى أوروبا.
ويروي العمري في فصل ممتع، ذكرياته مع أعضاء ما يعرف بـ"شلة المنيل" ذلك الحي القاهري العريق، وهم مجموعة من الشباب الذين جاء معظمهم إلى القاهرة من مدن أخرى، ولم يدرسوا الفنون، على الاقل في بداية حياتهم بل درسوا الطب والهندسة والحقوق والآداب والصيدلة ودراسات أخرى، لكنهم اختاروا مجال العمل السينمائي فيما بعد، وعلى رأسهم بالطبع المخرج السينمائي الراحل رضوان الكاشف الذي يروي العمري الكثير عن ذكرياته الشخصية معه، دون أن يتوقف عند موهبته وطموحه الفني فقط، بل ويتناول أيضا علاقاته ونوعية شخصيته، مع عدم إغفال المناخ الذي جعله يتصرف كما كان يتصرف.
والحقيقة أن العمري يحاول دائما عبر فصول الجزء الأول من كتابه، على الأقل، أن يضع السلوك الشخصي في إطار الوضع العام. هو مثلا يقول في مجال تناوله للصراعات والتراجعات التي وقعت داخل تجمع النقاد السينمائيين المصريين في السبعينيات: "كان الاتهام بالشيوعية وقتها قد أصبح سائدا، تستخدمه أجهزة الأمن والمتعاونين معها من الجماعات المتشددة في الجامعات، وكلك صحفيو المؤسسات الرسمية الذين أطلق لهم السادات العنان للقيام بحملتهم المنظمة من اجل "تطهير" الساحة من القوى الوطنية بزعم أنها شيوعية تعمل ضد مصلحة مصر".
ثم يمضي قائلا "هذه الضغوط النفسية الشديدة كان لها دون شك، تأثير واضح على عدد من أعضاء جمعية النقاد، فبدا بعضهم يتردد ويتراجع بل وشجعت استقالة السلاموني والبشلاوي من الجمعية آخرين منهم أحمد رافت بهجت، الذي تقدم باستقالة مسببة اتهم فيها الجمعية صراحة بالعمل في اتجاه نشر الشيوعية علما بأن العناصر الاساسية في مجلس الغدارة وقتها لم يكن بينها عنصر واحد من العناصر التي تتبنى الفكر الماركسي..".
في الجزء الثاني من الكتاب يتوقف العمري أمام ثلاث شخصيات متباينة هي المخرج الراحل يوسف شاهين الذي يروي ذكرياته الشخصية معه، والصحفي الراحل عبد الفتاح الجمل الذي كانت تجمعه بالعمري صداقة خاصة وطيدة رغم أن بداية علاقتهما شابها موقف عنيف بل وقطيعة امتدت لفترة طويلة، والمخرج الفلسطيني رشيد مشهرواي الذي كان العمري من أوائل من انتبهوا لظهوره على الساحة في أواخر الثمانينيات، وكتب عنه وعن أفلامه.
والملاحظ أن اللغة التي يستخدمها المؤلف في كتابه هي لغة النثر الأدبي السلس، الذي يتداعى في يسر وجاذبية، مع حبكة تصل في بعض الفصول إلى نوع من الإثارة، خاصة وأنه يستخدم، كما يصف هو في مقدمة الكتاب، "أسلوب التداعيات وتداخل الأزمنة الشهير في السرد السينمائي". ولذا يمكن القول إن كتاب "حياة في السينما" ليس فقط كتابا في السيرة الذاتية، بل جنس أدبي جديد يقوم على التسجيل والسرد الدقيق الممزوج برؤية المؤلف وتجربته الشخصية، وبالتالي فإن الكتاب بأكمله وثيقة مهمة، أو شهادة من ناقد عاصر الكثير من الشخصيات والأحداث، على عصره، وهي شهادة تمتد أيضا إلى تجاربه المثيرة في لجان التحكيم التي يروي منها تجربتين: في مهرجان أوبرهاوزن الألماني، ومهرجان طهران الإيراني. ولا يتوقف خلال سرده المشوق في هذين الفصلين عند ما يدور عادة وراء الكواليس خلال عمل لجان التحكيم، بل يمد التجربة أكثر ليصف لنا تفصيلا الكثير من الجوانب المتعلقة بما يدور في المجتمع، خاصة في حالة تناوله التجربة الإيرانية، ويصف مشاعر عدد من المثقفين الإيرانيين الذين التقى بهم: كيف يفكرون، وكيف يرون التجربة من الداخل، كما يتعرض أيضا للكثير من الجوانب المثيرة للخيال عندما يروي في نوع من أدب الرحلات أيضا، الرحلة التي كان جزءا منها مع أعضاء لجنة التحكيم، إلى مدينة إصفهان.
ويروي الكثير من التفاصيل الداخلية حول ما يحدث في المهرجانات السينمائية الشهيرة، العربية (نموذج مهرجان قرطاج)، والعالمية (نموذج مهرجان البندقية- فينيسيا، ثم نموذج مهرجان فالنسيا الإسباني). لكنه يستخدم أسلوبا جديدا في الكتابة عن هذه المهرجانات هو أسلوب اليوميات التي تحفل بشتى المعلومات، والتأملات الفكرية الشخصية للمؤلف أيضا.
ويختتم العمري كتابه بالعودة إلى بدايات مهرجان القاهرة السينمائي، من خلال توثيقه لموقف نقاد السينما المصريين، وبعض النقاد العرب الذين حضروا ندوة لمناقشة الدورة الأولى من ذلك المهرجان عام 1976، وهي ندوة مثيرة لم تنشر وقائعها من قبل، يضعها المؤلف في ملحق خاص في نهاية الكتاب كوثيقة تذكر بالبداية الخاطئة، وربما أيضا، تصلح دليلا على أن التاريخ يعيد نفسه أحيانا!
والكتاب بوجه عام، ممتع، ومثير للفكر والخيال، وعمل شجاع لأن مؤلفه لا يتردد في ذكر الأسماء الحقيقية للشخصيات التي يتناولها، بما لها، وما عليها أحيانا، وفي أحيان أخرى، يترك الحكم النهائي على الأحداث والشخصيات ومواقفها، للقاريء الفطن الذي يمكنه اكتشاف ما بين السطور.

الأربعاء، 16 يونيو، 2010

"الشبح": فيلم من خارج عالم بولانسكي



فيلم "الشبح The Ghostهو اسم الفيلم الأخير للمخرج الشهير رومان بولانسكي في نسخته البريطانية، أو "الكاتب الشبح The Ghost Writer في النسخة الأمريكية، ومعناها الكاتب الذي يتم استئجاره لكي يكتب لغيره دون أي ذكر لإسمه. بهذا الفيلم يعود بولانسكي (76 عاما) إلى أضواء السينما، بعد أن عاد قبل فترة إلى أضواء الحياة في أعقاب إلقاء القبض عليه في سويسرا بموجب أمر قضائي أمريكي في القضية القديمة المعروفة منذ 1978 والتي تصلح ملابساتها وتفاصيلها في حد ذاتها، موضوعا لفيلم سينمائي مثير يكون بطله هو بولانسكي نفسه.

كان السؤال الذي ورد على خاطري بعد أن شاهدت الفيلم هو: ما الذي أعجب بولانسكي ودفعه إلى تحويل رواية الكاتب البريطاني روبرت هاريس إلى السينما؟ وقلت إن الرواية ربما تكون قد أغوت بولانسكي، كونها تدور في أجواء غامضة تنجلي تدريجيا، تتعلق بالفساد السياسي والمؤامرات التي تدبرها قوى كبرى، وتدور أساسا، حول شخصية رئيس وزراء بريطاني (في إشارات واضحة إلى توني بلير تحديدا لدوره في الحرب على العراق). وبولانسكي يجد نفسه عادة وسط أجواء الترقب والقلق، ويتماثل مع شخصية البطل الفرد، الوحيد، الذي يجد نفسه تدريجيا متورطا في بحث يقوده للوقوع في براثن شبكة معقدة من العلاقات والمصالح الكبيرة التي تتحكم في مقدرات البلاد والعباد. إنها تلك الفكرة الكابوسية "الكافكاوية" (نسبة إلى الكاتب التشيكي فرانز كافكا)، التي تكشف كيف أن الإنسان الفرد، أصغر من أن يمكنه تحدي "المؤسسة"، وأن المؤسسة، أي الدولة، أو الأجهزة المهيمنة ومؤسسات المجتمع السائدة عموما، ومصالح متعددة الجنسيات..إلخ، يمكنها دائما أن توفر الحماية لأبنائها المخلصين، وتقهر أي محاولة للتمرد على سلطتها.
ورؤية بولانسكي "التاريخية" من خلال أفلامه القديمة منذ "طفل روزماري" و "قتلة مصاصي الدماء" و"الحي الصيني" و"المستاجر"، كأمثلة فقط، هي رؤية شديدة التشاؤم للعالم، لكنه ذلك التشاؤم الفلسفي، الذي كان يمتزج بالتأكيد، بنظرة ذاتية، تنبع من التجربة الشخصية الخاصة للمخرج، عندما فقد زوجته شارون تيت، في حادث هجوم همجي قتلت فيه عصابة سفاح من عصر الهيبيز، تشارلز مانسون، الممثلة الحسناء وهي حامل، مع عدد من اصدقائها، في منزل بولانسكي في ضواحي لوس انجليس، وقامت بالتمثيل بجثتها وجثث ضحايا المذبحة بشكل بشع. ولا شك أن تلك التجربة الأليمة تركت تاثيرها على بولانسكي حتى يومنا هذا، بالإضافة بالطبع إلى تجربة الهرب المستمر من الملاحقة القضائية في الولايات المتحدة بتهمة ممارسة الجنس مع فتاة قاصر، منذ عام 1978، وهي القضية التي دفعته لمغادرة الولايات المتحدة واللجوء إلى بريطانيا التي لم تقبله، ثم إلى فرنسا التي عاش فيها إلى حين مواجهة المحنة الجديدة الحالية مع تحليق شبح التسليم للسطات الأمريكية لقضاء عقوبة تصل إلى أكثر من 70 سنة في السجن!

ولعل بولانسكي أراد أيضا أن يصنع فيلما يلقى إقبالا واهتماما من جانب جمهور السينما في بريطانيا وأوروبا عموما، في وقت كنا على أعتاب موسم الانتخابات العامة في بريطانيا. وهو أمر نستطيع أن نرى آثاره بوضوح في الاقبال الكبير على الفيلم في عروضه اللندنية في تلك الفترة، وتربع الفيلم على قائمة الأفلام العشرة الأكثر جماهيرية، رغم أنه ليس من نوع الأفلام الخرافية الشعبية الشائعة، بل ويمكن القول أيضا إنه ليس من نوع الدراما المشوقة التي تجذب عادة المشاهدين من الشباب، فهو فيلم تتضح أجواؤه السياسية من أول لقطة فيه وحتى آخر لقطة، وحديث السياسة وعالمها وما يدور فيها الحديث عادة، لا يبدو مرغوبا فيه من جانب أغلبية الشباب الذين يفضلون الثقافة الهروبية.


والموضوع يدور حول رئيس سابق للحكومة البريطانية اسمه آدم لانج، المعادل الدرامي لشخصية توني بلير، بعد أن أصبح يعيش حاليا معزولا عن العالم، يدون مذكراته، داخل منزل كبير حديث في جزيرة نائية بالقرب من نيويورك، في ضيافة ناشره الذي ينتظر أن يجني الكثير من وراء نشر المذكرات.لكن لانج لا يمكنه كتابة مذكراته بنفسه، لذا يستعين بكاتب محترف لكي يضفي على المذكرات الاحترافية والمصداقية المطلوبتين. وهكذا تدخل شخصية الكتاب- الشبح إلى الفيلم، لكي يعرف أنه سبقه في القيام بالمهمة، كاتب آخر فقد حياته غرقا في ظروف غامضة. ويبدأ الكاتب- الشبح، الذي لا نعرف اسمه أبدا، في السعي لمعرفة كيف قتل سلفه، ويتوصل إلى الكثير من المعلومات التي تؤدي إلى اكتشاف أن لانج الذي أصبح حاليا ملاحقا قضائيا في بلاده بتهمة ارتكاب جرائم حرب في العراق وترحيل أشخاص للتعذيب في السجون السرية الأمريكية، ليس إلا عميلا للمخابرات المركزية الأمريكية منذ أيام الدراسة في كمبردج، بل إن زوجته "روث" التي تعادل شخصية شيري (زوجة بلير) هي التي قامت أساسا، بتجنيده.
هذه الحبكة تأتي بكل أسف، مفتقدة إلى العنصر الأساسي في أي حبكة لفيلم من هذا النوع، أي من خلال الكشف التدريجي الدقيق عن خيط يقود إلى خيط آخر، والابتعاد عن عنصر الصدفة، الأمر الذي لا يتوفر لهذا الفيلم، فالنصف الأول منه، يمضي بطيئا رتيبا، يعرض للشخصية الرئيسية، أي شخصية الكاتب، وكيف أنه متردد، وجل، ولكن دون الكشف عن تضاريس بارزة في شخصيته، تجعله على سبيل المثال، يضاهي في بروزه شخصية المفتش جيتس في "الحي الصيني" Chinatown (1974).
وعندما يبدأ الفيلم في الكشف عن خيوط القصة فإنه يكشفها بالجملة، وفي تداخل مربك للشخصيات والوقائع، بل إنه يعتمد أيضا على سلاح "الانترنت" ومحرك البحث "جوجل" للكشف عن أهم الغاز الفيلم، وهو أن صديقا لآدم لانج من أيام أن كان طالبا في الجامعة، هو عميل قديم للمخابرات الأمريكية، وإنه مقيم في نيويورك، وهو ربما المسؤول عن مقتل الكاتب السابق، بل إنه يهدد الكاتب الجديد بطريقة مكشوفة أيضا، ويطلق خلفه رجلان في سيارة للفتك به. وتبدأ المطاردات، وهي عديدة في الفيلم، في المعدية، وعلى الطرق السريعة بالسيارات، وداخل الغابة، وتحت الأمطار، ولكن لا شيء يحمل الطابع المميز لأفلام بولانسكي. فالمتفرج يفتقد هنا لأهم ما يميزها، أي علاقتها ببولانسكي نفسه، وعلاقة الفيلم بعالمنا فيما لو تجاوزنا موضوع مطابقة شخصياته لبعض الشخصيات الحقيقية القريبة من الذاكرة.


ولعل هذه النقطة الأخيرة هي أضعف نقاط الفيلم، فلو أننا تخيلنا عدم تطابق شخصية آدم مع بلير، وشخصية روث مع شيري، وشخصية ريتشارد ريكارت مع روبن كوك، وزير الخارجية البريطانية السابق الذي أصبح قبيل وفاته معارضا متشددا لسياسة بلير، لما بقي الكثير من أهمية هذا الفيلم ومصدر الاهتمام به.

بالإضافة إلى هذا، لا أظن أن اختيار الممثلين كان مقنعا، وخصوصا إيان ماكريجور في دور الكاتب، الذي بدا مضطربا في مشاعره بطريقة تدعو إلى الحيرة، ومع ذلك، يقدم على ممارسة الجنس مع زوجة آدم، روث، بلا مبالاة، ولا أعرف ما الذي يضيفه هذا المشهد أصلا إلى الفيلم، ولا إلى شخصية روث التي تظهر كضحية لتصرفات زوجها وحماقاته السياسية بل وخياناته لها أيضا، ولكنها لا تزال صامدة، تمده بالنصح فيما يتعين عليه القيام به في مواجهة العاصفة التي انفجرت في وجهه في الوطن، وأصوات المحتجين الذين يطالبون بترحيله من جزيرتهم الهادئة.

ولم يكن بيرس بروسنان موفقا في دور آدم لانج رئيس الوزراء السابق، بل بدا مضطربا في دوره، يمثل بلا حماس، بل أحيانا يخلط بين دور "الولد السيء"، ودوره المعروف في أفلام جيمس بوند!

في الوقت نفسه، ينتابك إحساس وأنت تشاهد الفيلم، بأن هناك ما يقرب من 15 دقيقة على الأقل، زائدة عن الحاجة في هذا الفيلم، مما ساهم في بطء الإيقاع وترهله خاصة في النصف الأول منه، بل ولم أجد أن نهاية الفيلم أيضا تتوافق، مع نهايات أفلام بولانسكي المميزة. وياله من اكتشاف كبير أن تصبح "روث"، زوجة لانج، هي التي قامت بتجنيده أصلا، وأن تتطاير صفحات مخطوطة المذكرات بعد أن نشرت في كتاب بالفعل لتملأ سماء الشارع بعد خروج الكاتب مندفعا من حفل تدشين الكتاب الذي يحضره المسؤول عن تجنيد روث في المخابرات الأمريكية. فهل انتصر الكاتب الشبح على المؤسسة، وتمكن من فضحها، أم أنه قام بمهمة "قذرة" تتمثل في تجميل مذكرات مجرم حرب!

الجمعة، 11 يونيو، 2010

"خارج عن القانون": فيلم يشوه الثورة الجزائرية!

((ملحوظة: هذا المقال نشر أولا في موقع "الجزيرة الوثائقية"- الرابط هنا))

بداية يجب أن أؤكد على نقطتين:
الأول: أنني من المعجبين كثيرا بالموهبة السينمائية الكبيرة للمخرج الجزائري رشيد بوشارب، الذي يقيم ويعمل في فرنسا، فقد أثبت بوشارب عبر أفلامه الستة الروائية الطويلة، مهارة وحنكة، وبرع في التعامل مع الممثلين بوجه خاص، كما أثبت قدرته على التحكم أيضا في المونتاج بحيث يبقي المشاعر الجياشة التي تفيض بها أفلامه، "تحت السيطرة"، أي يحول بينها وبين الانحراف في اتجاه الميلودراما التي تعتمد على المبالغات العاطفية مما يمكن أن يؤدي إلى خروج الفيلم عن مساره "العقلاني".
وقد بلغ بوشارب قمة سيطرته كمخرج على كل جوانب فيلمه، في فيلم "البلديون" (أو أيام المجد) الذي عرض في مسابقة مهرجان كان عام 2006. وقد كتبت عنه في ذلك الوقت، وقلت بالحرف: "جاء عرض فيلم "البلديون" الجزائري، مفاجأة حقيقية لعشاق السينما في مهرجان كان السينمائي. المفاجأة أننا أمام فيلم كبير وعميق وراسخ، سواء في موضوعه أو في طريقة تناول الموضوع".
وكتبت أيضا: "ولعل من أهم ما يميز الفيلم، تركيزه الكبير على موضوع الهوية، أي هوية أبطاله. إننا نراهم هنا دائمي التأكيد على هويتهم، تارة من خلال الملابس التي يرتدونها حتى تحت القبعات الحربية، أو تبرز من تحت قمصانهم.
أما النقطة الثانية التي أود التأكيد عليها فهي أن قراءة الأفلام وفهمها، لا يعتمد على قراءة النوايا، ولا استنادا إلى ما يظهر من "كتابات" رسمية دعائية مصاحبة للأفلام تصدرها جهات "صاحبة مصلحة"، بل على تحليل الصور ودلالاتها، وتحليل الشخصيات وبنائها وكيفية تجسيدها في الفيلم.
"خارج عن القانون"
تكلف إنتاج الفيلم الجديد "خارج عن القانون" لرشيد بوشارب الذي شارك في مسابقة مهرجان كان (ونحن نعتمد هنا اسم الفيلم كما ظهر على الشريط نفسه باللغة العربية) 20 مليون دولار، جاءت أربعة ملايين دولار منها من الجزائر (ساهمت شركة سوناطراك للمحروقات بجزء منها)، وساهم المنتج التونسي طارق بن عمار بثلاثة ملايين دولار، وساهمت جهات الإنتاج الفرنسية بالباقي، أي بثلاثة عشر مليونا من الدولارات.
يطمح بوشارب هنا أيضا، إلى تحقيق فيلم ملحمي epic كبير، يمضي منتقلا عبر فترات زمنية متعددة، يروي بطريقة مجازية، قصة ولادة الثورة، ولكن بتركيز خاص على دور الجزائريين في فرنسا تحديدا.
ويبدأ الفيلم عام 1925، في إحدى قرى ولاية سطيف، حينما تأتي فرقة من العسكر الفرنسيين يتقدمهم رئيس البلدية (ينادونه سي القايد) لمصادرة أرض يملكها مزارع جزائري، ويخرجونه وأسرته من أرضهم لكي يستولي عليها المستوطنون الفرنسيون. ويراقب الإبن الأكبر عبد القادر، في انفعال وألم ما يحدث لأبيه.
ويمضي الزمن إلى 8 مايو عام 1945، وفي أسلوب وثائقي تقدم الأحداث: مباراة ملاكمة تدور في حلبة جهزت في ساحة شعبية في مدينة سطيف، بين ملاكم جزائري وملاكم فرنسي. فجأة مجموعة من المستوطنين يطلقون النار من الشرفات على جموع الجزائريين المارين في الطريق، وتحضر قوات الشرطة لتطلق الرشاشات على الجزائريين الذين يحاولون الدفاع عن أنفسهم. مباراة الملاكمة تتوقف ويتفرق الحشد. آلاف الجثث ترقد في الشوارع.
وننتقل إلى عام 1953، ونرى مسعود، الإبن المتوسط للأسرة، وقد أصبح جنديا في الجيش الفرنسي ضمن قوات المظلات، المتجهة إلى جزر الهند الصينية. وإلى عام 1954، على أحد مقاهي سطيف فرنسيون يجلسون. شاب جزائري يطلق النار عليهم. وعبد القادر يتجه إلى "سي القايد" يغرز سكينا في قلبه، جزاء خيانته لأبناء جلدته.
الإبن الأصغر (سعيد) يقنع والدته بعد ذلك بضرورة التوجه إلى فرنسا، على أساس أن مسعود سيلحق بهما هناك، وفي انتظار خروج عبد القادر من السجن حيث يقضي عقوبة على جريمة القتل.
في باريس 1955، داخل السجن، نرى عبد القادر وسط السجناء الجزائريين السياسيين الذين يرددون الأناشيد الوطنية (لقد بدأت حرب التحرير). ويشهد عبد القادر بعينيه عملية قطع رقبة أحد الثوار بالمقصلة. ويتأثر كثيرا.

وفي إحدى ضواحي باريس (نانتير)، تنتشر أكواخ بدائية جرداء يقطنها المهاجرون الجزائريون وبينهم سعيد ووالدته. أكواخ لا يمكنها أن تقيهم برد الشتاء القارص، بينما الثلوج تغطي المنطقة. تقوم الأم بزيارة ابنها عبد القادر في السجن، وتشد من أزره وتشجعه على الصمود.
سعيد يتعرف على رجل جزائري يعلمه مهنة القوادة في حي بيجال حيث يستغل فتاة جزائرية ويقوم بتشغيلها في الدعارة. يحضر عبد القادر لكي يأخذ منها ما ربحته من مال ويناولها رغيفا تتناوله بشراهة. وبعد مرور ستة أشهر يكون قد أصبح لديه بعض المال، يحاول أن يعطي شيئا منه لامه لكنها ترفض في استنكار وتعنفه على ما يقوم به من عمل.
في السجن، عبد القادر يُجند لحساب العمل في خدمة الثورة بقيادة جبهة التحرير الوطني. رفيقه الذي يتولى تجنيده يقول له إن الحرب شر لابد منه، لكنها تخدم قضيتنا.
يغادر عبد القادر السجن، ويتمكن من الحصول على عمل بمصانع سيارات رينو التي يعمل فيها الكثير من الجزائريين. لكنه يأخذ في تحريض العمال على الانضمام للعمل السري في فرنسا مع جبهة التحرير "لأن المفاوضات لن تحقق شيئا". مجموعة من الجزائريين من حزب الحركة الوطنية الجزائرية (حزب مصالي الحاج) الذي تنافست معه جبهة التحرير وكان ينادي بالاستقلال عن طريق التفاوض مع فرنسا، يعتدون على عبد القادر بالضرب المبرح، ويهدده زعيمهم، بالقتل إذا لم يتوقف عما يقوم به.
في هجوم مضاد، يعود عبد القادر مع شقيقه مسعود الذي عاد أخيرا من الهند الصينية، إلى ذلك القيادي في حزب الحركة الوطنية ويقوم عبد القادر بخنقه بحبل، بعد أن يقرا عليه حكم الإعدام الذي أصدرته الجبهة باعتباره خائنا.
مسعود يتزوج من "زهرة" الفتاة اليتيمة التي ترعاها والدته. سعيد يعطيه بعض المال كهدية لزواجه. ليلة حفل الزفاف والجميع يحتفلون بالرقص والغناء في الأكواخ البدائية، تحضر الشرطة الفرنسية للقبض على عبد القادر ورفاقه. الشرطة تعتقل أعدادا كبيرة من الجزائريين. يستغل عبد القادر الفرصة ويأخذ في تحريض الجزائريين على الانتفاض ضد الفرنسيين، ويتمكن من تجنيد أعداد كبيرة منهم في الجبهة.
الجبهة تفرض ضرائب إجبارية على كل الجزائريين العاملين في فرنسا لتمويل النشاط المسلح، وتحظر عليهم التدخين وتناول الخمر.

عام 1957 تبدأ حملة تبرعات مالية لصالح الجبهة من بين الجزائريين في فرنسا، بمساعدة أعضاء في الحزب الشيوعي الفرنسي من الفرنسيين المتعاطفين.. مسعود يحاول التقريب بين أمه وسعيد. رجل جزائري يدعى عمر، اختلس اشتراكات الجبهة، يقوم مسعود بقتله خنقا بيديه مع عبد القادر.
عبد القادر يحل محل مسؤول الجبهة الذي ينتقل إلى جنيف حيث قيادة الجبهة في المنفى. يأمره الرجل بترك العمل في المصنع. سعيد أصبح الآن صاحب كباريه يطلق عليه "كباريه القصبة" في حي البيجال. مسعود يزوره هناك، ويطلعه سعيد على ما أسسه في مجال تبني شاب جزائري وتدريبه لكي يصبح أول ملاكم جزائري، يعده لكي يصبح بطلا من أبطال الملاكمة يحصل على بطولة فرنسا، يقهر الفرنسيين، وربما يصل أيضا إلى بطولة العالم. سعيد يدفع قسطا من المال تبرعا لتمويل الجبهة لكنه غير مرتاح لهذا "الفرض". مسعود ينبهه غلى أن التدخين محظور بينما سعيد مستمر في تدخين السيجار الضخم مثل أي رجل أعمال.
الشرطة الفرنسية بقيادة الكولونيل فايفر تغرق بعض النشطاء الجزائريين في النهر. ارتفاع وتيرة العنف الفرنسي في مواجهة عمليات المقاومة. عبد القادر ومسعود يهددان جزائريا يعمل ضابطا في الشرطة الفرنسية متزوج من فرنسية، لكي يسلم لهما خريطة بتفاصيل مقر الشرطة. اختطاف الكولونيل فايفر. وتهديده ثم الافراج عنه. عبد القادر يأمر سعيد بالغاء مبارة الملاكمة المنتظرة التي اعد لها طويلا لأنهم يريدون تجنيد كل الجزائريين وراء الإضراب العام الذي دعت إليه الجبهة في فرنسا. سعيد يرفض، وعبد القادر يهدده ويتوعده بالقتل. مسعود يبدو حائرا. يعترض على هذا الجنوح في العنف.
مدير الشرطة يشكل منظمة اليد الحمراء لاغتيال الثوريين الجزائريين والتنكيل بهم. تصفيات عنيفة بالرصاص. انفجارات مروعة في الأكواخ ومقتل العشرات. الثوار يهاجمون قافلة للشرطة، عبد القادر ومسعود يتمكنان من النجاة لكن مسعود يصاب ويموت.
ديجول يتعهد بإحلال السلام ويدعو إلى وقف العنف خلال رحلته إلى الجزائر. سعيد يرضخ علىمضض لتهديدات عبد القادر بإلغاء مباراة الملاكمة رغم وجود الجمهور بكثافة حول الحلبة وغضب الملاكم الجزائري الشاب. تهاجم الشرطة المكان لاعتقال عبد القادر الذي يهرب ومعه سعيد. في المترو سعيد وعبد القادر وسط مجموعة من الجزائريين الذين يهتفون "تحيا الجزائر". عندما ينزل الإثنان من عربة المترو تطلق الشرطة الرصاص فيقتل عبد القادر وينجو سعيد. الكولونيل فايفر يتوقف أمام جثة عبد القادر ويقول له: لقد انتصرت. لقطات تسجيلية لمظاهرات الفرح بالاستقلال في يوليو 1962.
تحليل الفيلم
أراد رشيد بوشارب أن يروي نحو أربعين عاما من تاريخ النضال الجزائري المسلح من خلال متابعة قصة أسرة جزائرية يستعرض من خلالها المراحل المختلفة من نضال نشطاء جبهة التحرير على الأراضي الفرنسية تحديدا، على أساس أن هذا الموضوع لم يتم التطرق إليه من قبل في السينما. والفكرة في حد ذاتها ممتازة، ويمكن أن تجد اهتماما بها في فرنسا، خاصة وأن التوزيع الأساسي للفيلم سيكون في السوق الفرنسية. ولكن كيف عالج بوشارب الفكرة والموضوع؟
أولا: اختار بوشارب ثلاث شخصيات ينتقل فيما بينها لكي يجسد من خلالها دراما النضال الجزائري في فرنسا: المتطرف، والوسطي، والمعتدل، أو بالأحرى: المناضل الأيديولوجي المتشدد (عبد القادر)، والمقاوم ذو النزعة الإنسانية (مسعود)، والقواد صاحب النزعة التي تميل إلى الاندماج مع الآخر والاستفادة من الوضع الراهن، ويرفض النضال المسلح (سعيد).
في أحد المشاهد يقول سعيد لشقيقه مسعود: دعك من الحرب التي لا فائدة منها.. تعالى انضم لي واعمل معي..
وهو يكرر أكثر من مرة لأمه قوله إنه يرفض حياة الضعة والفقر والهوان، كما يرفض منطق عبد القادر في أن الحرب هي وسيلة الحصول على الحرية، لأنه يجد ببساطة أنه "قد تحرر بالفعل" ألم يعد بمقدوره أن يفعل ما يشاء، وأن يحقق أحلامه في الثراء.
عبد القادر في الفيلم، شخصية جافة، متزمتة، عنيفة، فولاؤه الايدويولوجي يجعله لا يمانع حتى من قتل شقيقه سعيد. ونراه يقتل بيديه في مشهد بشع، عن طريق الخنق، كما يبرر القتل الجماعي، وهو ايضا بيوريتاني متشدد، يرفض الحب، ويعزف عن نداء الجسد، تحاول رفيقة فرنسية من رفيقات القضية أن تقيم معه علاقة عاطفية لكنه ينبذها أكثر من مرة بفظاظة. إنه نموذج "غير إنساني" فهو مثل "الروبوت" المبرمج لأداء وظيفة لا يمكنه أن يحيد عنها. وطبيعي أن شخصية بهذا التكوين، ستحدد نظرة الجمهور الأوروبي في الوقت الحالي، المشبع بكل تراث الأفلام التسجيلية والشرائط الإخبارية والإعلام السائد، وينظر إليه كصورة نمطية لـ"إرهابي" يقر بوضوح إن "المفاوضات غير مجدية" والعنف هو الحل، ويقتنع بأن "الحرب تخدم قضيتنا"، بل ويحكم بالإعدام شنقا، على منافسه السياسي في حزب الحركة الوطنية، في إطار الصراع بين الحزبين على جمع الأموال من الجزائريين العاملين في فرنسا في تلك الفترة.
هذا "الاستقبال" لشخصية عبد القادر ليس إسقاطا من عندي، بل هو ما تشي به قراءة تكوين الشخصية دراميا حسبما يعرضها الفيلم: في سلوكياتها وسيكولوجيتها، بغض النظر عن كونه ينتمي إلى حركة تستخدم "العنف الثوري". فالنظرة السائدة اليوم في فرنسا وأوروبا إلى "كارلوس" مثلا (الذي شاهدنا فيلما عنه في مهرجان كان الأخير أيضا) هي أنه "إرهابي" كان يقتل الشرطة ويقاوم الدولة "القمعية"، في حين أن كارلوس يرى نفسه "مناضلا" كان يخدم القضية الفلسطينية العادلة منطلقا من قناعات أيديولوجية. إذن ليس المهم هو ما تقوله عن نفسك، بل المهم كيف يراك الآخرون من خلال ما يعرض عليهم. وهنا، أي في فيلم "خارج عن القانون" يبدو عبد القادر كأنه "خارج عن القانون" أي قانون المجتمع (لاحظ أنه جاء من الجزائر إلى فرنسا، ولم يمارس العنف في الجزائر حيث الاستعمار المباشر) وهي نقطة أخرى ضد الفيلم. بل إن اختيار عنوان كهذا للفيلم يضر بالفيلم نفسه، ويحوله إلى نوع من الإدانة. وهو يموت في نهاية الفيلم، ولا يعيش لكي يرى بلاده تتحرر كما كان يحلم، في إشارة واضحة على أنه نموذج مدان ومرفوض.
إذن الشخصية "الثورية" التي تتعاطى الإرهاب الثوري، وتخلص لقضية الثورة حتى النهاية، وتثير وجدان الجزائريين بالشعارات والهتافات التي تتردد كثيرا في الفيلم، هي شخصية سلبية مقضي عليها بالموت.
أما مسعود، فهو المحارب السابق، الذي يبدو أنه خبر الحروب، وأدرك معاناتها، لكنه يجد نفسه تحت تأثير الدافع الوطني، يوظف خبرته، في خدمة قضية يراها بالتأكيد عادلة. لكنه لا يبدو منسجما مع كل هذا التشدد: إنه يعترض على رفض أمه لسوكيات سعيد شقيقه، بل ولا يمانع من الحصول (هو وعبد القادر) على أموال الدعارة، لتمويل النشاط الثوري، يتقيأ بعد أن يخنق رجلا اتهم بسرقة أموال الجبهة بيديه، وهو أيضا يرغب في العيش الهانيء المستقر، ويتزوج وينجب، لكنه يموت في النهاية ميتة عبثية دون أن يحقق نصرا.
أما الوحيد من الأشقاء الثلاثة، الذي يبدو الأكثر منطقية وقبولا، بل وأكثر "إنسانية"، ضمن السياق العام للفيلم، فهو "سعيد" القواد، صاحب الكباريه، معتنق المنطق المادي النفعي (البراجماتي) وليس الثوري، الرافض للنضال المسلح ولفكرة الثورة، الداعي إلى التحرر عن طريق العمل الحر وكسب المال، الذي يبني ويؤسس في المهجر، كيانا يمكن أن يستمر، والذي يصنع أيضا (وهذا مهم رمزيا) بطلا من ابطال المستقبل "الجزائري" أي بطل الملاكمة (الذي سيكون أول ملاكم يرفع علم الجزائر- كما يقول حرفيا في الفيلم). وسعيد هو الذي يساعد بالمال: الشقيق، والجبهة، وبطل المستقبل. وهو الذي يريد انتشال الأم من وهدة الفقر والفاقة، وهو الوحيد من بين الثلاثة الذي يجعله صانع الفيلم يعيش ويبقى لأنه الوحيد الذي دعا إلى "الاندماج" مع الواقع، والاستفادة من النظام الرأسمالي.
الناحية السينمائية
كان هذا من ناحية البناء وتكوين الشخصيات كما صنعها رشيد بوشارب وزميله في كتابة السيناريو أوليفييه لوريل. ولكن من الناحية السينمائية، كيف تعامل بوشارب مع تلك الشخصيات وما هي الأجواء التي وضعها فيها وكيف أدارها؟
من عنوان الفيلم وملصقه السينمائي يمكن للمشاهد أن يدرك أنه مقبل على مشاهدة فيلم من أفلام الجريمة.
يرتدي الأبطال الثلاثة بل والكثير من شخصيات الجزائريين في الفيلم، القبعات طوال الوقت، حتى في المشاهد الداخلية التي لا يكون معتادا فيها ارتداء القبعات (إلا في أفلام العصابات).
وتدور المعارك والمطاردات على طريقة أفلام "الأكشن" الأمريكية، وباستخدام الرشاشات الطويلة، ويكفي مثالا أن نتأمل في طريقة وأسلوب إخراج مشهد اقتحام مقر الشرطة: تمهيد من زوايا متنوعة، إيقاع سريع، لقطات قريبة، كاميرا مهتزة، إضاءة معتمة، عنف بالغ، بل إن المشهد منفذ بتأثر واضح من بناء مشاهد اتصفيات العنيفة في فيلم "الأب الروحي" The Godfather
إن الفيلم يختصر نضال الثوريين الجزائريين في فرنسا في أنماط من هذا النوع، ويصورهم في أجواء أفلام العصابات، كما لو كانوا يقومون بانتقام شخصي مباشر (لاحظ مثلا كيف يعود عبد القادر ورفيقه مباشرة إلى القيادي في حزب الحركة الشعبية لكي يشنقه في مشهد بشع مقزز مثير للاستنكار). وعندما يبتعد الفيلم عن مشاهد القتل والعنف والاعتداءات والابتزاز والتهديدات، فإنه يكتفي بأن يصور لنا المناضلين وهم يرددون الهتافات والشعارات. إن المجموع هنا، يختصر في شرذمة من الأتباع الذين لا دور لهم سوى ترديد الشعارات كما في مشهد المترو.
وتأكيدا على طابع أفلام العصابات، نرى كيف يهدد عبد القادر رجلا جزائريا يبدو مسالما تماما (ضابط شرطة واضح أنه يعمل في الجانب المدني) يصوره وهو يقضي عطلة نهاية الأسبوع مع زوجته وطفلته في حديقة عامة، زوجته الفرنسية الجميلة الوديعة الوجه تتطلع إليه في حب وثقة، يتبادل نظرات الود والمحبة مع ابنته الطفلة البريئة في الحديقة. هنا لابد أن يتعاطف المتفرج مع تلك الأسرة المسالمة. وفجأة يظهر عبد القادر ومسعود في معطفيهما وقبعاتيهما: يلوحان له بما يمكن أن يصيب تلك الأسرة من ضرر إذا رفض أن يتعاون معهم، فلا يملك الرجل سوى الرضوخ لتفادي القتل. هل مثل هذا المشهد يخدم صورة الثوار الجزائريين؟
ويصور بوشارب كيف يقوم مسعود بخنق "عمر" الذي يختلس بعض أموال تبرعات الجبهة لكي يشتري ثلاجة لأسرته، وذلك بدون شفقة أو رحمة أو محاكمة أو حتى مجرد الاستماع لتبريره، ألا تجعل هذه الصور كلها، جمهور المشاهدين ينفر من تلك الشخصيات، ويتماثل فقط مع شخصية القواد؟ وألا تعد هذه إساءة- من الناحية الفكرية والفنية- للثورة الجزائرية؟
أسلوب الإخراج الذي يستخدمه بوشارب هو تارة أسلوب أفلام العصابات gangsters الأمريكية تحديدا، مع بعض لمسات ما يعرف بـ"الفيلم نوار"، وتارة أخرى أسلوب أفلام الغرب الأمريكي أو الويسترن، مع مزيج من أسلوب الفيلم الوثائقي السياسي الذي يستخدم الوثيقة أحيانا ولكن بدون تحليل وفي سياق يشوهها تماما أو يكتفي بجعلها مجرد خلفية للحدث، غير أن الطابع الغالب على الفيلم هو طابع أفلام العصابات، وهو أسلوب مقصود تماما، وليس من الممكن أن يتبنى مخرج هذا الأسلوب في التعامل مع شخصيات فيلمه وأحداثه إلا إذا أراد أن يدينها، ويشوهها، ويحرفها عن الصورة المستقرة التقليدية عن "البطولة" و"الثوار"، بل ويجعل من "أبطاله" معادلا بصريا ودراميا لرجال المافيا الأمريكية، يتحركون بطريقتهم، ويتصرفون مثلهم.
"خارج عن القانون" ليس نموذجا للفيلم الثوري، فيلم البطولة الجماعية الذي يجسد حركة الناس، ويحلل، بصريا وذهنيا، كيف ينحاز البسطاء مع قضيتهم، لا بدافع الانتقام الفردي، بل من أجل قضية كبيرة.
كان هذا ما رأيناه في فيلم "معركة الجزائر" لبونتيكورفو، الذي يظل أعظم ما ظهر من أفلام عن الثورة الجزائرية حتى يومنا هذا. وكان الفيلم يعتمد على تحليل الصور من خلال مونتاج يعتمد على المختزن في الذاكرة الجماعية، كما يعتمد على إعادة تركيب وبناء وتجسيد الأحداث الكبيرة في الصراع من خلال الإيجاز والتوظيف المقتصد للسرد، بعيدا عن الرغبة المراهقة في "الإبهار" أو ذلك الميل الواضح هنا إلى الاستطرادات والثرثرة ،بل وربما تكون نمطية الشخصيات هي التي أضعفت من أداء مجموعة الممثلين الذين سبق أن تفوقوا كثيرا في فيلم "البلديون".
إن فيلم "خارج عن القانون" في المحصلة الأخيرة، سواء عن وعي أو عن سذاجة في الطرح والمعالجة، يشوه نضال الشعب الجزائري ويجعله مجرد صراع طويل بين عصابتين، أو مجموعتين من الأشرار.

الاثنين، 7 يونيو، 2010

رحلة العمر بين " كواليس" الجمعيات و" كوابيس" المهرجانات




((انشر هنا نص مقال الزميل الناقد السينمائي محمود عبد الشكور الذي نشر في صحيفة "روز اليوسف" اليومية بتاريخ الأحد 6 يونيو حول كتاب "حياة في السينما" في إطار التوثيق في هذه المدونة (التي تحمل العنوان نفسه ومنها ولد هذا الكتاب تحديدا) لكل ما نشر حول الكتاب بقدر المستطاع بالطبع، وفي حدود ما يصلني من هذه الكتابات)).
رابط إلى المقال منشورا في روز اليوسف



بقلم: محمود عبد الشكور



لدىّ مرضان قديمان ممتعان هما: قراءة الأفلام وقراءة الكتب . أحياناً يمتزج المرضان عند قراءة الكتب التى تتحدث عن السينما وصناعها وعشاقها وتاريخها وشهادتها على عصرها وزمنها، من المفيد أيضاً أن اذكر أننى أعتبر الكتب والأفلام كالبشر سواءً بسواء، كل كتاب له من صاحبه نصيب ، وكل فيلم يكشف عن صنّاعه حتى إذا لم يقصدوا ذلك، وكلاً من الكتب والأفلام تأخذ سمات بشرية تماماً كأن تكون ظريفة أو كئيبة ، عميقة أو سطحية ،مهندمة أومعبرة عن الفوضى ، ذكية أو غبية ،مثيرة لليقظة أو دافعة للنعاس والشخير!
وهذا كتاب للناقد أمير العمرى يحمل عنوان "حياة فى السينما" لا تستطيع أبداً أن تتركه إذا بدأت فى القراءة حتى تنتهى منه، ومنذ اللحظة التى اشتريته فيها لم أتركه حتى أثناء ركوب المواصلات العامة والخاصة . بمعيار الكتب التى تحمل صفات البشر أنت أمام رفيق يقظ حاسم قاطع لديه تجربة طويلة يحاول أن يسردها بأسلوب سهل وعذب ولايخلو من السخرية ، والأهم من ذلك أنه يحدثك عن سنوات شديدة الثراء هى فترة السبعينات من القرن العشرين ، كما أنه يحكى عن الكواليس بشكل عام لدرجة أن الكتاب بأكمله يصحّ أن يحمل اسم " كواليس " . يروى العمرى عن "كواليس" الجمعيات السينمائية التى انضم إليها، و"كواليس" الجمعيات التى حاول أن يشارك فى تأسيسها ، و" كواليس" المهرجانات التى قام بتغطية أنشطتها وأفلامها ، و"كواليس" لجان التحكيم التى شارك فيها، والحكايات بأكملها معروضة من وجهة نظر ذاتية تماماً لاتزعم – فيما أظن – امتلاك الحقيقة المطلقة، والسينما حاضرة طوال الوقت والسياسة أيضاً، والإنتقالات فى الزمان والمكان وبين الشخصيات التى غيّبها الموت أوتلك التى مازالت تواصل العطاء، كل ذلك يجعل من الكتاب رحلة ممتعة تستحق الإبحار والإكتشاف ، ربما لم يلتزم العمرى بأن يكون شاهداً كما قال فمارس دور القاضى فى أحيان كثيرة، وكانت أحكامه صريحة أويمكن اكتشافها بين السطور، ولكنه أعلن أيضاً فى المقدمة أنه لايستطيع أن يكون محايداً، ربماتنغص عليك الأخطاء المطبعية صفو القراءة أحياناً، وقد تنزعج لخطأ فى تعليقات الصور كأن يوضع اسم أحمد قاسم تحت صورة للمخرج الفلسطينى رشيد مشهراوى، ولكن الكتاب يظل مع ذلك مختلفاً وباعثاً على المناقشة والجدل وتنشيط الذاكرة والتفاعل معه أوضده .
عرفت الناقد أمير العمرى من خلال كتاباته وخاصة ً كتاب "سينما الهلاك"، كما كنت أقرأ اسمه فى مجلدات نشرة نادى السينما الشهيرة التى حصلت على بعضها من خلا ل التردد على سور الأزبكية أدامه الله لدراويش القراءة ، ولكنى عرفت العمرى شخصياً خلال الفترة القصيرة التى عاد فيها الى مصر بعد سنوات طويلة قضاها فى بريطانيا، وكان وقتها قد انتخب رئيساً لجمعية نقاد السينما المصريين، وأصدر مجلة صغيرة عن الجمعية تحمل اسم "السينما الجديدة "، وأشرف فى تلك الفترة على تنظيم أسبوع لا ينسى لروائع الأفلام التسجيلية على مرّ العصور حيث عُرضت بالمجلس الأعلى للثقافة أعمالٌ تحمل توقيع الكبار مثل " دزيجا فيرتوف " و" لينى ريفنشتال " و" ميخائيل روم "، وفى الندوة التى أعقبت عرض رائعة " لينى ريفنشتال " ( انتصار الإرادة ) تحدث العمري بحدة وعنف تعليقاً على رأى قلته حول مدى دلالة الفيلم على تعاطف المخرجة مع النازية، ولكن – لدهشتى الشديدة – نشر الرأى كاملاً ضمن مقال لى فى مجلة " السينما الجديدة " على مساحة أربع صفحات ، بل إنه كان وراء طلب أن أكتب للمجلة، وتحمّس كثيراً لمقالاتى لدرجة أنه كان ينشر أكثر من مقال فى عدد واحد ، وللأسف توقفت المجلة بعد عشرة أعداد، وعاد العمرى الى لندن، وكان انطباعى عن تجربته القصيرة أنه يمتلك فكراً ومشروعاً وطاقة للتنفيذ، ولكنه لايمتلك صبراً يليق بوطن اخترع الزراعة والبيروقراطية و" الرحرحة " ومواويل " هاتولى حبيبى "!
كتاب "حياة فى السينما "، وهو نفس عنوان مدوّنة يحررها العمرى، فسّر لى أنه تقريباً استنفد الصبر فى سنوات السبعينيات الثرية والعاصفة معاً، أقول ثرية لأنها شهدت العصر الذهبى لنوادى السينما وللمراكزالثقافية الأجنبية، كما أنها سمحت لطالب الطب أمير العمرى أن يؤسس ويدير نادياً للسينما فى كلية الطب جامعة "عين شمس " عام 1971 ، وأن يفتتح عروضه برائعة فيسكونتى "الموت فى فينسيا"، ولو عُرض هذا الفيلم فى قلب الأوبرا هذه الأيام لما توقف الجدل ، ولاتهم عارضوه بكل الموبقات.
شهدت تلك السنوات تأسيس جمعية نقاد السينما المصريين فى يونيو 1972 بمبادرة وجهود سمير فريد الناقد الكبير، ولكن بداية هذه السنوات شهدت أيضا الإستقطاب السياسى الحاد، والتحول من اليسار الى اليمين ، وانعكس ذلك بالضرورة على الحياة الثقافية والسينمائية ، ويصف أمير العمرى فى كتابه وزير الثقافة الأسبق يوسف السباعى بأنه ضابط الأمن الثقافى للنظام الجديد، وفى الجزء الأول من الكتاب يحكى مؤلفه عن بداية اهتمامه الجاد بالسينما ومشاهدة الأفلام بعد مشاهدته لفيلم "الترتيب" بطولة كيرك دوجلاس وفاى دونا واى وإخراج ايليا كازان فى سينما راديو، ويتحدث عن الخلافات بين النقاد فى جمعية النقاد وخروج الناقد الكبير سامى السلامونى منها، كما يتحدث عن دعم وزارة الثقافة لجمعية جديدة منافسة تحمل اسم (جمعية كتاب ونقاد السينما) التى نظمت مهرجان القاهرة السينمائى، ويقدم ملحقا فى الكتاب يناقش فيه النقاد سلبيات الدورة الأولى التى أقيمت برعاية فندق شيراتون (!!) ويشير إلى كتاب أسود عن هذه الدورة كان من المقرر صدوره ، ويتحدث عن تجربة إصدار صحيفة سينمائية أسبوعية تحمل اسم(السينما والفنون) قام بدعمها وزير الثقافة عبد المنعم الصاوى، وصدر العدد الأول منها فى يناير 1977، ورأس تحريرها صاحب الفكرة الناقد سمير فريد، واشترك فى تحريرها أعضاء جمعية النقاد ، ولكنها توقفت بعد ثلاثة وثلاثين عدداً .
يحكى العمرى بحنين واضح عن أحلامه التى لم تتحقق فيما يسمى "السينما الثالثة" استلهاما ًلتجربة مماثلة فى أمريكا اللاتينية ، كما يسرد فشل محاولته العمل مع شباب آخرين ضمن جماعة "سينما الغد " التى أسسها الناقد الكبير مصطفى درويش . كل هذه التفصيلات- وإن قدمت وجهة نظر ذاتية تماما – تسهم فى رسم ملامح سنوات السبعينات الثرية والعاصفة معا . ولكن الكتاب حافل أيضا بالحديث عن شخصيات بعينها، عن رضوان الكاشف وشلة المنيل، عن يوسف شاهين والراحل عبد الفتاح الجمل، عن المخرج التونسى نورى بوزيد، عن المخرج الفلسطينى رشيد مشهراوى وعن المخرج السورى محمد ملص الذى أقام لفترة ليست قصيرة بالقاهرة ، وفى الجزء الثالث من الكتاب يحكى العمرى تجاربه فى لجان تحكيم مهرجانات مثل مهرجان أوبر هاوزن عام 1991 ، ومهرجان طهران عام 2002 ، وينقل يوميات نابضة بالحياة لمهرجان تطوان عام 2005 ، ومهرجان فينيسيا عام 2008 ، ومهرجان قرطاج عام 2008، ومن خلال سرد مركز ومشوق تعيش كواليس هذه التظاهرات السينمائية التى لاتخلو من الشد والجذب، ولعل أهم ما تستنتجه من هذا الجزء أن الإشتراك فى لجنة تحكيم تضم أشتاتا غير متوافقين يمكن أن يحول التجربة الى كابوس، ولعل أهم ما يصل إليك من الكتاب كله أن الحياة الثقافية والسينمائية دفعت ثمنا غاليا بسبب الإستقطاب السياسى الحاد فى سنوات السبعينات، كما أن العلاقات بين المثقفين لم تكن دوماً على ما يرام لأسباب أيدلوجية أوسياسية أو بسبب اختلاف الطبائع البشرية، كما يظهر بوضوح رفض صاحب الكتاب لكل المؤسسات البيروقراطية المصرية .
يمكن أن تختلف مع رؤية أمير العمرى الخاصة لتلك الأحداث أو الشخصيات، بل إن أهمية هذا الكتاب تكمن فى ضرورة أن يستفز فكرة الجدل والإختلاف والشهادة المعاكسة. مازالت تلك الفترة – سنوات السبعينات – لم تُكتب بعد على كل الأصعدة رغم أهميتها وتأثيرها فى حياتنا حتى اليوم ، وآمل أن نستكمل الصورة عن تلك السنوات بشهادات لأسماء كبيرة عن المناخ الثقافى والسينمائى، من هذه الأسماء مثلا: سمير فريد ومصطفى درويش ود. كامل القليوبى وهاشم النحاس، ومهما كانت زاوية الرؤية ومنهج التناول فالفائدة مُحققة .
هذا حق الأجيال التالية قبل أن يكون حق كل هؤلاء فى اجترار "نوستالجيا" أو حنين الى الماضى الذى صنع المستقبل!

السبت، 5 يونيو، 2010

لعبة الصمت والتواطؤ فى التحفة التركية " القرود الثلاثة "


بقلم: محمود عبد الشكور

الأفلام الكبيرة تضع من يكتبون عنها فى مأزق كبير، فالمطلوب فى هذه الحالة أن تنقل الى القارئ إحساسك النادر بالسعادة والدهشة، والمطلوب أيضاً أن تقوم بدور المرشد السياحى الذى يقوم بإبراز الجمال الكامن فى مشهد عملاق وضخم يراه الناس ، وعليك – فى كل الأحوال – أن تبذل جهداً مضاعفاً مثلما بذل صناع الفيلم الكبير ، وأن تجتهد أكثر مثلما اجتهدوا . والفيلم التركى البديع ( القرود الثلاثة ) أو three monkeys للمخرج المتميز نورى بيلجى سيلان من هذه الأعمال الكبيرة الجديرة بدراسة طويلة وليس مجرد مقال ، فمن النادر فعلاً أن نشاهد فيلماً تنصهر فيه الحرفة والموهبة بهذه الطريقة الخلاّقة ، وقد اشتركت فرنسا وايطاليا أيضا فى انتاج هذا العمل الكبير .
المخرج المولود عام 1959 فى اسطنبول بتركيا، والذى درس الإلكترونيات فى جامعة البوسفور، يقدم فى فيلمه مستوى شديد النضج فى توظيف أدوات السينما لخدمة موضوعه ، أو بمعنى أدق الحالة التى وضع فيها أبطاله ، ولذلك لم يكن غريبا أن يفوز ( نورى بيلجى سيلان ) بجائزة أفضل إخراج فى مهرجان كان 2008 ، وأن ينافس الفيلم على جائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبى ، وأظن أنه كان يستحق الفوز بجوائز أخرى فى مهرجان ( كان )بسبب مستواه الرفيع فى كل العناصر تقريباً .
(القرود الثلاثة ) ليس الفليم الأول الذى أشاهده لهذا المخرج المختلف الذى قدم من قبل أفلاما قليلة مثل (ضباب مايو) و( مسافة)، فقد شاهدت له فيلما سابقا لا ينسى هو (أجواء) أو climates الذى أنتج فى عام 2006، وقد حصل هذا الفيلم الذى أخرجه وكتبه وقام ببطولته ( نورى بيلجى سيلان )على جائزة أفضل سيناريو من مهرجان كان، و( أجواء) فليم يحمل الكثير من أسلوب نورىالذى سنجده أيضا فى ( القرود الثلاثة). ليست هناك حدوتة تقليدية لها بداية ووسط ونهاية ، ولكن مخرجنا مهموم طوال الوقت برسم ونقل حالة نفسية أو اجتماعية لبشر قلقين فى مواقف كتبت بعناية .هذه الحالات لاتنقل عن طريق الحوارات الطويلة ولكن من خلال امكانيات الصورة الثرية وتكويناتها المذهلة ، وعن طريق الإيقاع البطئ واللقطات الطويلة المستمرة التى تشعرك بضغط الزمن وسطوته على الشخصيات ، الممثلون أيضا هم محور كل شئ بقدراتهم على التعبير عن أعقد الإنفعالات والعواطف الداخلية، والبيئة المحيطة هى كذلك بطل آخر حاضر بقوة فى تعبيرها عما لايستطيع البشر التعبير عنه . نحن أمام سينما من نوع خاص من الصعب أن تحكى عنها ولكن عليك أن تشاهدها وتعيش تجربتها . ليست هناك حواديت تقليدية ولكن هناك شخصيات ومشاعر وأحاسيس انسانية مركبة . ( أجواء ) مثلا مجرد مشاهد متصلة طويلة تعبر عن أزمة شخصيات متقلبة محاصرة بأجواء الطبيعة الأكثر تقلباً : (عيسى) مهندس معمارى فى أواسط العمر يذهب مع صديقته ( بحر) الى منطقة أثرية قرب البحر ، إنه يبدو شديد الملل والضجر والإنزعاج ، وهى أيضا شديدة القلق والإضطراب ، حتى وسط الأصدقاء يخرج توتر( بحر) فى شكل ضحكات هيستيرية . يطلب منها (عيسى) الإنفصال ويعود الى اسطنبول فى فصل الصيف ، يودعها ويركب القطار .

فى الشتاء ، وحيث الأمطار تحاصر الشوارع ، نتعرف عى( عيسى) مع طلبته . يلتقى مع صديقه وزوجته (سراب )التى كانت عل علاقة به فى الماضى . يتبعها للمنزل ويقيم معها علاقة جسدية عنيفة أقرب للإغتصاب . يلتقى مع أمه وأبيه. الأم تنصحه بأن ينجب أطفالاً . يعرف من (سراب )ان (بحر )فى منطقة نائية لمتا بعة تصوير أحد البرامج . يتحول المشهد الى اللون الأبيض . الأمطار أصبحت جليدا يحيط بكل شئ . عيسى يطارد بحر محاولا العودة اليها .
يهديها صندوقا للموسيقى. فى سيارة التليفزيون تبكى بعنف . تسأله عما إذاكان التقى سراب فى اسطنبول . عندما ينفى تتركه وحيدا وهو يلتقط بعض الصور التذكارية وسط الثلوج . فى آخر مشاهد الفيلم نرى عيسى نائما وبحر بجواره ، فى اللقطة الأخيرة تذهب بحر الى المقابر وتبكى وحيدة .
هذا هو الإطار العام للمواقف ولا أقول للأحداث ، ولكن ما لايمكن وصفه هوالجو النفسى ومعاناة شخصيات ثلاث حائرة تبحث عن شئ مفقود ، الكل يبحث : عيسى وبحر وسراب . تستطيع القول ان عيسى حائر وممزق بين البحر والسراب . ربما يحلم أيضا أن يكون له طفل يؤنس وحدته وسط هذه الحياة الموحشة . مشكلته الأخطر أنه متقلب مثل الطقس ( وما سمى الإنسان إلا لنسيه .. وما سمى القلب إلا لأنه يتقلب ). هناك تناقض واضح جدا يقدمه الفيلم حول عيسى ، عقليته علمية وكل شئ محسوب بأقل هامش من التسامح وإلا انهارت المبانى التى يصممها ، ولكن حياته الخاصة أمر آخر حيث تحركه الغريزة والعاطفة الجياشة والمزاج العنيف مثلما شاهدنا فى علاقته مع سراب . حالة خاصة ولكنها أيضا عن الإنسان عموما فى تناقضاته الداخلية وفى صراعته التى لن يحسمها – فيما يبدو – إلا الموت. كل هذه المعانى يقدمها نورى بيلجى سيلان بأسلوب بصرى مذهل وبراعة فى توظيف عناصر المكان والطقس لخدمة موضوعه وشخوصه المعزولين تقريبا عن الآخرين ، الحر والبحر العاصف يعبران عن الثورة المكبوتة داخل عيسى وبحر . ثبات الكاميرا فى لقائهما مع الأصدقاء فى المطعم يترجم تجمد علاقة الإثنين الى درجة الركود . الطقس الحليدى يزيد الحالة كآبة وجعلها ثقيلة مثل جبل الجليد . النهاية نفسها مفتوحة لأن بحر التي عادت من جديد الى عيسى قدتختفى الى الأبد ، ربما تعود الى عيسى فيقترح عليها الإنفصال ، كل الأمور ممكنة مادام الإنسان يحاكى الطبيعة فى تقلبها ، ويحاول أن يفهم نفسه فلا يستطيع !


نفوس عارية
فيلم القرود الثلاثة يتناول أيضا بإيقاع بطئ متأمل رحلة فى نفوس ثلاثة أشخاص يكونون أسرة صغيرة متماسكة ظاهريا ولكنها ليست كذلك عندما تدخل الى التجربة . المواقف البسيطة والحدث الأكثر بساطة يتحول هنا الى تراجيديا انسانية عن خطورة الصمت والتنازل . الغريب أنه رغم أن الشخوص الثلاثة اتفقوا على تقليد القرود الثلاثة أصحاب الشعار الشهير لا أسمع .. لا أرى .. لا أتكلم ، ورغم أنهم اتفقوا على التواطؤ ضد الحقيقة ، إلا أنك تشعر بالتعاطف مع ضعفهم الإنسانى ، وقد نجح السيناريو الذى اشترك فى كتابته نورى بيلجى سيلان مع ايبرو سيلان وإركان كيسال فى تحقيق هذه الحالة الفريدة ، وفى صياغة هذه الرحلة الممتعة داخل نفوس بشرية جعلها الفيلم عارية ومكشوفة.
الأسرة التى تسللت الكاميرا الى منزلها مكونة من الأب واسمه أيوب، ويعمل سائقا عند رجل أعمال وسياسي معروف يدعى سىرفيت، وهناك الزوجة هاسر ، وهى امرأة فى منتصف العمر تعمل فى أحد المصانع ، والشخصية الثالثة هى الإبن اسماعيل . إنه شاب عاطل تعثر فى دراسته فرسب مرتين ، أما الحدث الصغير الذى سيعرى النفوس فهو قبول الأب السائق أن يدخل السجن بدلا من رجل الأعمال السياسى الذى ارتكب حادثا بسيارته أدى الى قتل أحد الأشخاص . رجل الأعمال سيقدم اغراءه الى الأب السائق أيوب فى صورة صفقة : التهمة ستكون القتل الخطأ وعقوبتها لن تزيد عن شهور تتراوح بين 9 شهور و12 شهرا .. وعند الخروج من السجن سيحصل السائق على مكافأة ضخمة. الفيلم يبدأ بحادثة سيارة رجل الأعمال المسرعةالتى تدخل الى عمق الكادر المظلم ، ولكن قبول أيوب للصفقة هو الذى سيفجر الصراع. لقد جاء قبوله سهلا ميسورا ، ظل سيرفيت مسيطرا ومتحدثا،وكان أيوب صامتا ومستعدا للتنازل مما سيجعل الآخرين مستعدين للتنازل بسرعة وبسهولة!
الحادث وقبول الصفقة هما المقدمة ، بعدها سينقسم بناء الفيلم الى ثلاثة أجزاء متداخلة تعمل على تأزيم الصراع وتعرية النفوس . الجزء الأول بطله الإبن اسماعيل ، والثانى بطلته الأم هاسر، والثالث بطله الأب أيوب بعد خروجه من السجن . لن يفعل اسماعيل شيئا بعد دخول والده الى السجن . ينام طوال اليوم فى المنزل فتلومه الأم . يقفز السور المقابل ، ويعبر شريط القطار لكى يذهب لزيارة والده فى السجن. فى مشهد آخر يقترح على أمه أن تذهب الى رجل الأعمال سيرفيت لكى تسحب جزءا من اموال المكافأة التى يفترض أن يحصل عليها الأب بعد قضاء فترة العقوبة . الإبن يريد المال لشراء سيارة أعجبته، والأم ترفض فى البداية خوفا من غضب الزوج عندما يعرف، ولكنها سرعان ماتوافق على زيارة سيرفيت.
فى مشهد هام كتب بعناية وذكاء يقابلها رجل الأعمال السياسى الذى رسب لتوه فى الإنتخابات . انه يبدو مشغولا بمكالمات خاصة يلعن بعدها السياسة . فجأة يرن تليفونها المحمول لنكتشف أن رنته أغنية عاطفية تقول كلماتها :" ليتك تحب انسانا ولا يحبك ". ستكشف هذه الكلمات للسياسى عن زوجة تعانى من الوحدة وتبحث عن الحب فى غياب زوجها المسجون . تطلب منه سحب مبلغ من المكافأة فيسألها بمكر عما إذا كان الزوج يعرف هذا الأمر ؟ عندما تخرج الى الشارع تنتظر أمام محطة الباص . يراها فيأخذها ف ىسيارته . يقدم نفسه اليها كإنسان له عواطف مرهفة . ينفتح الباب أمام علاقة ستغير كل شئ .
يعود اسماعيل يوما الى المزل بعد أن أخبر أمه أنه سيزور والده فى السجن ، وأخبرته هى أنها ستخرج فى مشوار ، فجأة يسمع صوتها مع رجل لا نراه ولكننا نشعر أنه سيرفيت. لن يقتحم عليهما المكان . سينتظر ويخرج ليعود . يسأل أمه لماذا لم تخرج ؟ لا يقتنع بإجابتها. يتشاجران فيصفعها فى أقسى مشاهد الفيلم فى حين تجلجل على شريط الصوت عبارات الأذان.
فى زيارات اسماعيل للأب أيوب يسأله الأب لماذا لم تحضر زوجته ؟ يرد الإبن ردا غامضا ولكنه سيؤكد أن كل شئ على ما يرام . فى مشهد آخر هام يحلم اسماعيل بأخيه الصغير المتوفى يدخل عليه ووجهه ملئ بالكدمات . لن نعرف الكثير عن الطفل الميت الذى سيزور الأب مقبرته بعد خروجه من السجن . سيظل الطفل والكدمات التى تغطى وجهه لغزا حتى النهاية : هل ضربه الأب مثلا حتى الموت وتواطأ الجميع على إخفاء الحقيقة ؟ فى كل الأحوال سيظل شبح الإبن يؤرق أيوب واسماعيل ، ويذكرهما بمأساة غامضة ، وربما بتواطؤ لا نعرف عنه شيئا . الطفل فى الحقيقة هو حصاد الصمت المر على المدى الطويل .
مع خروج الأب سيتصدر الأحداث . من الواضح أنه يشك فى هاسر زوجته . يثور عندما يعرف أن ابنه حصل على جزء من المكافأة ليشترى سيارة . سيعانى من القلق عندما يدق تليفون زوجته وهى تستحم . يمسك الجهاز فيسمع صوت رجل يتساءل بحدة : " لماذا كنت أمام منزلى ؟! انه بالتأكيد صوت سيرفيت معتقدا أن هاسر تسمعه . فى لقائهما الأول تحاول الزوجة أن تغرى أيوب ليستمتع بجسدها ، ولكنه يعاملها بقسوة . يحاول أن يحصل على اعترافهابوجود علاقة مع رجل . رغم ذلك لن ينسى أيوب أن يذهب الى سيرفيت للحصول على بقية المكافأة . يقول له السياسي ورجل الأعمال فى كلمات موجعة :" لا تشكرنى لأنى حصلت منك على ما يزيد عن النقود التى دفعتها " .


فى مشهد آخر قوى بأداء المشخصاتية الكبار ، تطارد ( هاسر) (سيرفيت) على شاطئ البحر . تركع تحت قدميه وتقول له :" اننى أحبك " بينما يبدو هو ثائرا وخائفا على سمعته. مع تغير زاوية الكاميرا تشعر أن شخصا ما يراقبهما . على صوت طرقات يستيقظ ايوب . الشرطة تقتحم المكان . يُستدعى هو وزوجته للتحقيق فى جريمة مقتل سيرفيت . يقول رجل الشرطة لأيوب ان زوجته كانت تتصل بالقاتل . فى المنزل يعترف اسماعيل لأمه أنه القاتل . يعود الأب منهارا . ينظر الى هاسرويتخيل أنها تلقى بنفسها من الشرفة . يخرج من المنزل يرافقه على شريط الصوت عبارات الأذان تتردد من مسجد قريب . يعود للمنزل ليجد هاسر تحاول الصعود الى سور الشرفة. يقول لها : " لا داعى للسخافة " . فى المشهد الأخير الطويل للفيلم نرى أيوب على سطح المنزل وحيدا ضئيلا . المنزل يظهر كاملا أسود اللون تحت سماء رمادية ملبّدة بالغيوم . يخترق الصمت صوت الرعد وصوت قطار سريع عابر . تهطل الأمطار لتغسل – ربما – النفوس العارية والخطايا المسكوت عنها .. وينتهى الفيلم البديع .

أن تخسر نفسك
نجح نورى بيلجى سيلان أن يقول كل شئ عن أبطاله الثلاثة : الأم المكبوتة والمحرومة ، والإبن الذي يشعر بالعار لأنه أحد اسبابه ، والأب الذى توهم أنه يستطيع ان يشترى اسرته اذا باع نفسه ثم اكتشف أن تنازله هو الذى جعل تنازل الآخرين أكثر سهولة. الغريب حقا أن فكرة الفيلم والإطار العام للأحداث بقيام السائق بعقد صفقة مع الرجل الثري ودخوله السجن بدلا منه أوبدلا من ابنه ثم انهيار اسرة الرجل نتيجة هذا التنازل ستجدها بشكل آخر فى ميلودراما متواضعة فى الفيلم التركى الذى انتج فى السبعينات من القرن العشرين وعنوانه (بابا) بطولة الممثل والمخرج التركى الكبير يلماظ جوناى، وعن هذا الفيلم اقتبسنا الفيلم المصرى( ومضى قطار العمر) للراحل فريد شوقى ، ولكن (القرود الثلاثة) حوّل البكائيات الساذجة الى فرصة نادرة لدراسة النفس البشرية وتعرية تناقضاتها . أيوب واسماعيل وهاسر يعيشون معا ولكن لكل منهما عاله الخاص وسره الدفين . كلهم التزموا الصمت والتآمر الذ ى قادهم الى المزيد من الصمت والتآمر. صمتوا فى البداية على مأساة الطفل الصغير الذى فقد حياته ربما بسبب عنف الأب، ثم صمتوا على صفقة الأب مع رجل الأعمال ، وصمت الأبن على علاقة امه مع سيرفيت، وصمت الأب على نفس العلاقة رغم شعوره القوى بوجودها، وهاهم يصمتون الآن لحماية اسماعيل رغم اعترافه للأم بارتكاب الجريمة . النهاية المفتوحة ترجح أن الصمت والتواطؤ سيستمر، ويلاحظ أن الصمت يلعب دورا لايقل أهمية عن الحوار القليل لدرجة تجعلك تتحدث عن شريط للصوت وآخر للصمت .
(القرود الثلاثة) هو أيضا فيلم مخرج بامتياز ليس فقط لأنه مشارك فى الكتابة ولكن لأن ملامح عالمه الذى شاهدناه فى (أجواء) تبدو واضحة هنا تماما : الفيلم دراسة نفسية واجتماعية والأحداث القليلة ليست سوى ادوات للكشف والتعرية . اللقطات الطويلة التأملية مع الأستغلال الرائع لمفردات المكان حيث المنزل الأسود المنعزل أمام شريط القطارات المزمجرة . صورة (جوكان تيريكاى) التى نقلت أجوء ضبابية تثير الوحشة . شريط الصوت والصمت الثرى الذى يمتزج فيه صوت القطار مع صوت الأذان ورنة تليفون هاسر بأغنيته الرومانسية . كل صوت تم توظيفة ليعبر عن تناقضات الأسرة والصراع العنيف بداخلها كشخصيات تراجيدية بامتياز . أما أداء ابطال الفيلم الرائعين فيستحق الدراسة الخاصة ويستحق تدريسه لطلاب معاهد التمثيل : يافوز بيجول فى دور الأب أيوب ، وهاتيس أصلان فى دورهاسر، و أحمد رفعت سونجار فى دور اسماعيل ،وإركان كيسال فى دور سيرفيت ، وهو من المشاركين فى كتابة السيناريو . لاأعرف بالضبط كيف لم يفز هؤلاء الكبار بجائزة التمثيل فى مهرجان كان ؟! كل واحد منهم امتزج بالشخصية التى لعبها رغم صعوبتها ، وكل واحد لديه مشاهد لاتنسي لا يقل الأداء فيها عن أكبر أساتذة التشخيص فى العام . لاتوجد مبالغات عاطفية من أى نوع رغم أن الأمر يغرى بذلك . كل شئ تحت سيطرة مخرج كبير حقا يعرف ما يريده بالضبط ، ولايرتضى بديلا عن أن تضع نفسك موضع شخصياته ، وأن تشعر مثلهم وتتعاطف وتحس وتفكر وتتأمل فى نفس الوقت !
ليس أمام أيوب سوى الصبر وإكمال لعبة التنازلات حتى النهاية . ليس عليه سوى أن يلوم نفسه لأنه هو الذى بدأ اللعبة لذلك اعتبر محاولة زوجته الإنتحار نوعا من السخف فى ظل تمسكه هو بالحياة . الفيلم الكبير يختبر الإنسان من جديد ، ويكشف لنا كم نحن ضعفاء . سؤال الفيلم الهام قديم وعابر للزمان والمكان : لماذا نبيع أشياء ثمينة مقابل أشاء رخيصة؟ ولماذا يختار الإنسان أحيانا أن يكسب الآخرين فى مقابل أن يخسر نفسه؟ انه سؤال السيد المسيح الذى لم نجد له إجابة من مئات السنين ، ويبدو أننا لن نجد إجابة السؤال الصعب حتى نهاية الحياة !

الثلاثاء، 1 يونيو، 2010

"حرقته الشمس 2".. عودة إلى التاريخ


كل تاريخ المخرج السينمائي نيكيتا ميخالكوف يؤكد لنا بوضوح، من خلال أفلامه البديعة، أنه يتمتع بموهبة رفيعة، وأنه صاحب رؤية وبصيرة، كما أنه ممثل له تأثيره الواضح الملموس على الشاشة.
كان فيلمه "حرقته الشمس" Burnt by the Sun الذي حصل على الجائزة الكبرى للجنة التحكيم في مهرجان كان 1994 ثم على أوسكار أحسن فيلم أجنبي، تحفة حقيقية وعملا يشع بالخيال، كما يمتليء بالنقد السياسي لعصر ستالين في الاتحاد السوفيتي، ويصور كيف انعكست ممارسات الستالينية كأقوى وأعنف ما يكون، على مصائر الأفراد، حتى على أكثر المؤمنين بالتجربة الاشتراكية، وساهمت في تفتيت وحدة أسرة سعيدة: أب وزوجته وابنته الجميلة في عمر الزهور.
كان الفيلم يدور أساسا حول أربعة شخصيات: الجنرال كوتوف (الذي يقوم بدوره ميخالكوف نفسه).. وهو أحد أبطال الحرب العالمية الأولى، حصل على تكريم من ستالين نفسه الذي استقبله وأصبح يعتبره من أخلص حلفائه. وماروسيا زوجته الحسناء، وهي موسيقية تنتمي إلى عائلة أرستقراطية من المهتمين بالموسيقى، وابنتهما نادية الصغيرة التي تهيم حبا بوالدها وترتبط به في علاقة شديدة الخصوصية بين الإبنة والأب.
وذات يوم يهبط "ميتيا" وهو رجل كان يرتبط في الماضي بعلاقة عاطفية مع ماروسيا وكاد الاثنان أن يتزوجا لولا أن ميتيا اختفى فجأة. وهو يعود اليوم، يتودد إلى الأسرة خاصة إلى نادية الصغيرة ويحاول أن يكسب ودها، لكن كوتوف لا يشعر بالارتياح من تلك الزيارة التي تعيد تذكير ماروسيا بما مضى، وتربك الجنرال كوتوف الذي يتمتع بشعبية كبيرة في المنطقة التي يقيم فيها داخل منزل فخم من المنازل التي استولت عليها الدولة من الأرستقراطية الغابرة.
لقد عاد ميتيا لكي ينتقم لنفسه من كوتوف، ونعلم أن كوتوف لعب دورا مباشرا في إبعاده خارج البلاد، إلى باريس حيث عمل هناك في خدمة المخابرات السوفيتية المضادة. وفي مواجهة بين الرجلين يقول له كوتوف لقد اشتريناك بالمال مثل أي عاهرة". ورغم ماضيه الأرستقراطي وولائه لقوات "الثورة المضادة" أي ما عرف بالجيش الأبيض الذي دافع عن النبلاء ضد الثورة البلشفية وخاض حربا أهلية شرسة في العشرينيات بدعم من الغرب قبل أن يتحقق النصر للحمر على البيض، إلا أن "ميتيا" لعب دورا مباشرا في استدراج ثمانية من كبار ضباط الجيش الأبيض، وإعادتهم من باريس إلى موسكو حيث أعدموا طبقا لتعليمات من ستالين. وهو يقول إنه ارغم على ذلك تحت التهديد وبسبب رغبة كوتوف في التخلص منه والحصول على قلب ماروسيا الجميلة.
أما الآن، فقد أصبح ميتيا مسؤولا مهما في المخابرات وقد جاء بصحبة بعض رجال المخابرات الأشداء الذين ينتظرونه في سيارة سوداء في الخارج، لاعتقال كوتوف بتهم ملفقة مثل الخيانة والتآر لاغتيال ستالين. وينتهي الفيلم كما نعلم بانتحار ميتيا بعد أن يذهب كوتوف إلى مصيره، واختفاء نادية وماروسيا في معسكرات العمل الجماعي الشاق بتهمة الانتماء للثورة المضادة، إلا أن ميتيا (الذي يعد أيضا ضحية لنظام سياسي قمعي مستبد) لا يقدر على مواجة ما جنته يداه، فينتحر بقطع شرايين يديه. ونعلم من خلال ما يكتب على الشاشة في نهاية الفيلم أن ماروسيا ماتت، ونجت ابنتها نادية وأنها تعيش في كازاخستان، أما كوتوف فقد أعدم. وأن الثلاثة رد إليهم اعتبارهم في عهد خروشوف الذي قاد بحملة تطهير ضد الستالينية.
مع النجاح الكبير الذي حققه الفيلم الذي أصبح يعد من التحف البديعة في السينما الروسية، الآن يأتي الجزء الثاني من هذا الفيلم تحت عنوان جانبي هو "الخروج" Exodus، لكي نعرف أن كوتوف لم يعدم بل نفذ من الاعدام بتعليمات عليا وتحول من معتقل سياسي إلى مدان بجرائم جنائية غير محددة تماما، وأن نادية أصبحت تعمل ممرضة، وماروسيا في مكان غير محدد، ربما لاتزال في المعتقل، وأما ميتيا فقد أنقذ من الموت على ما يبد (لا نعرفف كيف)، وأصبح مطلوبا منه الآن (من ستالين شخصيا) إعادة جمع شمل الأسرة، تصحيحا لما ارتكب بحقهم. لقد أصبح ستالين الآن كما يصوره الفيلم، كهلا، لكنه لايزال يمسك بخيوط السلطة. ويبدأ الفيلم في عام 1941 قبيل نشوب الحرب بين روسيا وألمانيا النازية مباشرة. ويتابع كيف يقضي كوتوف فترة العقوبة داخل معتقل يعاني من تدني الأحوال بدرجة مخيفة، ومع اندلاع الحرب ينضم للقوات المحاربة، ويصور الفيلم في مشاهد هائلة، كيف تجتاح القوات الألمانية الخطوط السوفيتية، وكيف يقوم الطيران الألماني بارتكاب مذابح جماعية أحدها عندما يلهو الطيارون الألمان بمجموعة كبيرة من الروس الفارين من منطقة الحرب على ظهر سفية ضخمة، ثم يتحول الهزل إلى جد عندما يقصفون ركاب السفينة بلا رحمة، وتكون من بينهم نادية التي تنجو بمعجزة، وتتحول على يدي قس إلى الإيمان بالمسيحية ويتم تعميدها في الماء وهي تسبح متشبثة بلغم بحري ضخم.

مشاهد الانفجارات وتطاير الأشلاء واجتياح الدبابات الألمانية الخطوط مصورة بأسلوب يصل أحيانا إلى السيريالية المخيفة، ولكن مع لمسات مرحة من جانب ميخالكوف، الذي يسخر في مشهد أساسي من إرسال 420 جنديا من جنود الاستعراضات العسكرية في الكرملين إلى الجبهة دون أدنى خبرة قتالية، وتكون النتيجة فناؤهم جميعا.
ويكشف الفيلم أيضا كيف فر القادة السوفيت أمام الموجة الأولى من موجات الغزو الألماني. وربما يكون ما ادى إلى رفض المحاربين السوفيت القدمى للفيلم وإدانته بدعوى أنه "مخالف للتاريخ"!
وفي الوقت نفسه يواصل ميتيا بحثه الميداني عن كوتوف وأسرته، ويلتقي بنادية في مشهد مؤثر، ويخبرها بطريقة ما أن أباها لايزال على قيد الحياة. وينتقل الفيلم بين الماضي والحاضر، من مشاهد تجمع كوتوف ونادية، إلى ما نراه الآن بعد أن أصبحت نادية محاصرة في قرية روسية، وكيف تكاد تتعرض للاغتصاب من جانب الجنود الألمان، ثم كيف يقتل جنديان حاولا اغتصابها على يد امرأة أخرى تعرضت للمحنة نفسها، مما يؤدي إلى محاصرة القرية وإخراج كل سكانها وقتلهم في مذبحة جماعية وحشية وحرق كل منازلهم على نحو يذكرنا بالفيلم الروسي الكبير "تعال وشاهد" Come and See للمخرج إليم كليموف، الذي يعد تجسيدا بصريا مذهلا لـ"الهولوكوست" الأوكراني.
نادية تستمر أيضا في محالة البحث عن أبيها، وكوتوف يشعر بأن ابنته لاتزال على قدي الحياة، لكنه غير متأكد. وماروسيا لا تظهر في الفيلم إلا أن ميتيا يؤكد أنها حية. وينتهي الفيلم دون أن يجتمع شمل الأسرة.
ويعتمد ميخالكوف في هذا الفيلم الجميل الذي استمتعت به أيما استمتاع، على التعبير بالأداء وبالصورة والموسيقى والمزج بين الأزمنة. وهو يبدأ فيلمه بمشهد بديع نرى فيه ستالين في قصر من قصوره الصيفية، مع مجموعة من معاونيه منهم وزير داخليته المرعب بيريا، وبينهم أيضا كوتوف نفسه، الذي يقدم لستالين هدية في عيد ميلاده عبارة عن "تورتة" هائلة من الشيكولاتة التي يفضلها ستالين وقد نقشت عليها صورته. ولكن من الذي سيجرؤ على تقطيع هذه التورتة بالسكين؟ إن مجرد توارد هذا الخاطر يصيب الجمع بالرعب، ولكن ستالين يحسم الأمر، ويتناول السكين، وفي اللحظة الأخيرة يهجم كوتوف عليه ويغمر رأسه داخل التورتة حتى يخنقه، ثم يستيقظ من نومه في المعتقل صارخا: كابوس.. كابوس!
هذا المشهد، مثله مثل كل مشاهد ولقطات التداعيات الذهنية والفلاش باك التي نراها في الفيلم، مصورة بألوان زاهية، وإضاءة باهرة تتناقض تماما مع الأجواء القاتمة في الفيلم خاصة في مشاهد الحرب التي يستخدم فيها ميخالكوف آلاف الممثلين الثانويين. وفي أحد المشاهد نرى عدة آلاف منهم يحاولون عبور جسر، فرارا من الغزو الألماني، إلا أن الضابط المسؤول على الجانب الأخر يغلق الجسر ويحول بينهم وبين عبوره، بل ويحذرهم من أن لديه تعليمات بنسفه خلال دقائق لمنع عبور الدبابات الألمانية. ويقع هرج ومرج، ويشتبك العسكريون معا، وتنثني يد الضابط الذي يحمل إشارة نسف الجسر، العلم الأحمر، فيفهم القائد المكلف بإعطاء التعليمات بنسف الجسر أن هذه هي الإشارة المتفق عليها فيأمر بنسفه مما يؤدي إلى غرق الآلاف في مشهد هائل.
صحيح أن الفيلم ليس بنفس رونق وسحر الفيلم الأول، الذي كان يركز على أجواء أكثر حميمية، أجواء الأسرة من الداخل، والعلاقة بين كوتوف وماروسيا، وبين كوتوف ونادية، ولكنه لايزال يشع بموهبة مخرجه، ويكاد يفوق الكثير من الأفلام التي ظهرت عن الحرب في روسيا، في تصميم مشاهده وإدارة التصوير فيها، والتحكم الهائل سواء في جموع الممثلين الثانويين، أو تجسيد وتنفيذ أكثر المشاهد إغراقا في الجموح الفني.
وتقوم ابنة ميخالكوف نتاليا بدورها "نادية" في الفيلم بعد أن كبرت وأًصبحت في الرابعة والعشرين من عمرها الآن. وهي التي لعبت دور نادية في الفيلم الأول ببراعة استحقت عليها إعجاب المشاهدين.
يقول ميخالكوف إن الجزء الثالث والأخير من الفيلم وهو بعنوان "القلعة" سيعرض في الخريف القادم. ويرد على نقاده الذين يتهموه باستغلال أموال الدولة بسبب علاقته الشخصية مع فلاديمير بوتين الذي يستقبله في الكرملين، بأن الفيلمين الثاني والثالث لم يحصلا سوى على مليونين من الدولارات من الحكومة. ويقول نقاد كثيرون إن الفيلم الذي شاهدناه اليوم بلغت ميزانيته 55 مليون دولار في حين قال ميخالكوف ردا على ذلك إن كلا الفيلمين، الثاني والثالث، لم تتجاوز ميزانيتهما معا 40 مليون دولار. ولكن الصحافة الروسية تؤكد أن الفيلم الأخير لم يحصد سوى سبعة ملايين في سوق السينما في روسيا منذ عرضه قبل أشهر.

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com