الأحد، 23 مايو، 2010

يوميات كان 11: في انتظار إسدال الستار

من فيلم "عام آخر" لمايك لي

انتهت عروض مسابقة مهرجان كان السينمائي الثالث والستين. الختام اليوم الأحد، بفيلم فرنسي بعنوان "الشجرة" ليس له مستوى يذكر (إقرأ تعليقي على الفيلم في العمود الأيمن).
العروض الأخيرة في المسابقة كانت مثيرة للاستياء ومنها الفيلم التايلاندي "العم الذي يمكنه أن يتذكر ماضيه"، والفيلم المجري "مشروع فرانكنشتاين". وجاء فيلم "الحياة قبل كل شيء" من جنوب افريقيا لكي يعوض رداءة أفلام المسابقة بشكل عام، وهو عمل بسيط وبديع، تتألق فيه طفلة في السادسة عشرة من عمرها في الأداء بدرجة مثيرة للإعجاب، كما يعد الفيلم، الذي يروى دراما تدور في قرية انتشر فيها مرض الإيدز، من أكثر الأفلام شجاعة في تناول هذا الموضوع والتحذير من خطورة تفشي المرض اللعين، مع تصويره بروح نقدية ساخرة، كيف يغرض سكان القرية في الخرافة، ويعتبرون أيضا أنه ينبغي التخلص من المصابين بالمرض، بل ويشعرون بالعار من مجرد أن يوجد مصاب به في الأسرة، ومن ثم ينبذونه بل ويستبعدونه من المجتمع تماما. وفي مقابل ذلك تأتي هذه الفتاة الصغيرة المتعلمة المتفتحة ذهنيا، لكي تتحدى تلك القيم والتقاليد والعادات المتخلفة (التي لا تزال ترتبط بالسحر والشعوذة وطرد الثعابين من البيوت بالاستعانة بالحواة..إلخ).
المؤكد أيضا أن ختامها مسك كما يقولون، فقد كان آخر أفلام المسابقة وهو الفيلم الروسي "حرقته الشمس 2" لنيكيتا ميخالكوف، عملا مبدعا يسعى مخرجه إلى استكمال ما بدأه في فيلمه الأول عن الموضوع نفسه قبل 14 عاما بنفس أبطاله بعد أن كبروا وامتدت الأحداث لتنتقل من فترة التصفيات الستالينية المرعبة في الثلاثينيات، إلى بداية الأربعينيات ثم الاجتياح الألماني للاتحاد السوفيتي في إطار توسع نطاق الحرب العالمية الثانية.
فيلم بديع، فيه الكثير من الإبهار والمشاهد الكبيرة التي تستخدم فيها مجاميع هائلة من الممثلين الكومبارس، بما لا يقل عن أي فيلم من هوليوود. وربما يجد فيه كثيرون بعض المبالغات، وربما توجه انتقادات إلى مخرجه بتمتعه بدعم الدولة بسبب قربه من السلطة، لكن هذا كله يظل خارج الفيلم الذي استمتعت به كثيرا واجده أيضا جديرا بإحدى الجوائز المهمة.
ويبقى بالطبع فيلم "عن البشر والآلهة" الفرنسي الذي تدور أحداثه في الجزائر في التسعينيات (يستحق كما أشرت من قبل مقالا خاصا)، ويتناول قصة الرهبان الكاثوليك الفرنسيين الذين اختطفتهم الجماعة الإسلامية المسلحة وقيل إنها قتلتهم، وفيلم البريطاني مايك لي "عام آخر" الذي يعد استمرارا لنوع الأفلام الاجتماعية التي تقدم لنا مجتمع الطبقة الوسطى الانجليزية من الداخل، باحباطاتها وأحزانها التي تختلط بالسعادة والنجاح والتحقق. وقد ينال الفيلم السعفة الذهبية خصوصا وأن من أبرز عناصره التمثيل، ولا ننسى أن هناك 4 من أعضاء لجنة التحكيم من الممثلين والممثلات!

والفيلمان (عام آخر، وعن البشر والآلهة) على رأس الأفلام المرشحة لنيل السعفة الذهبية. وهناك كثير من النقاد أيضا يرشحون الفيلم الكوري "الشعر" الذي رأيته فيلما أدبيا مثيرا للملل، ولم ألمح فيه تلك الأجواء الخاصة الشاعرية التي أثارت إعجاب البعض، ولكن، كما قلت من قبل، هذه مسألة ثقافة وتكوين وأذواق، هي التي تحكم اختيارات وتفضيلات ناقد عن غيره، والاتفاق ليس واردا كشرط لاستقامة عملية النقد كما يتخيل البعض، بل إن الاختلاف مطلوب لكي نرى الأشياء من زواياها وخلفياتها المختلفة. ولعل من ميزات التواجد في كان، ما يدور يوميا من حوارات بين النقاد الحاضرين، من بلدان وثقافات مختلفة، مما يثري المعرفة بشكل عام.

عباس كياروستامي

ويرى البعض هنا أيضا أن فيلم "نسخة موثقة" لعباس كياروستامي قد يستحق الحصول على السعفة الذهبية، أو أنه كما يرى، قد يحصل عليها ليس لأنه يستحقها، بل لأنه تدشين رسمي لتدجين كياروستامي "الأوروبي" أي بداية الطريق لصنعه أفلام "غير إيرانية" ناطقة بالإنجليزية والفرنسية، وإخراجه بالتالي من عالمه الخاص. وإن كان نقاد فرنسا تحديدا، يهيمون حبا بأسلوب ولغة كياروستامي ويبالغون كثيرا في تفسير خواء أفلامه وفراغها، وجنوحها إلى التجريد، وافتقادها المرعب إلى روح السخرية والمرح، وتركيزها على "الريفي" و"البدوي"، وابتعادها المتعمد، عن تناول أي مشاكل اجتماعية قائمة، وتغييبها المرأة على نحو ما، بحيث يمكن أن نقول إن كياروستامي هو المسؤول عن تيار الالتفاف على الرقابة، وصنع تلك "السينما المحجبة" التي يعتبرها نقاد فرنسا والغرب عموما، معادلا لسينما "الآخر" الغريب، الإسلامي، الذي لا يمكن أن نفهمه أبضا بموجب قوانين المجتمع الحديثة بل يجب أن نخترع له قوانين خاصة.. وسأتناول هذه الأسطورة في مقال تفصيلي فيما بعد.

رشيد بوشارب


فيلم "الطريق الأيرلندي" البريطاني لكن لوتش عن العراق وشركات الأمن الخاصة يرشحه البعض هنا أيضا لنيل جائزة لا أرى في الحقيقة أنه يستحقها، بل كما قلت من قبل، أرى أنه أسوأ أفلام مخرجه السياسية حتى الآن. ويعكس تراجعا في الفكر والخيال، بل إن هناك من يرى أيضا أنه يبرر العمليات الإرهابية الانتحارية على نحو ما. لكن حكمي عليه مبني على أسس فنية وسينمائية محض وليس على رؤيته السياسية.
ومن الممكن جدا أن يحصل الفيلم الاسباني "جميل" لمخرج المكسيكي أليخاندرو جونزاليس ايناريتو على السعفة الذهبية التي يرى البعض أنه كان يستحقها قبل 4 سنوات عن فيلمه الشهير "بابل". ولاشك في جمال فيلمه الجديد (الذي أجلت كتابتي عنه) لكنه ليس بمستوى أفلامه البديعة السابقة مثل "أمروس بيروس" و"21 جراما" و"بابل".
أيا كان الأمر، سيتوقف الجدل بعد إعلان الجوائز في حفل يقام مساء اليوم، وبعد أن تعلن لجنة التحكيم أسماء الأفلام الفائزة، وأتوقع مسبقا، حدوث بعض المفاجآت، كما تعودنا في كان كثيرا، فليس كل ما يرشحه الناقد من أفلام، تكون عادة هي الأفلام التي تفوز بالجوائز كما حدث في السنوات الماضية، بل يمكن أن يحصل على السعفة الذهبية أي فيلم من الأفلام لـ19 التي جاهد تييري فريمو، المدير الفني للمهرجان، من أجل الحصول عليها. لا أعرف لماذا هذا الجهاد كله في الحقيقة، رغم توفر أفلام أخرى كثيرة خارج المسابقة، أفضل من كثير مما عرض في المسابقة، منها "أورورا الروماني، و"الحياة قبل كل شيء" من جنوب افريقيا مثلا.
قلت من قبل إن فيلم "الخارجون عن القانون" للمخرج رشيد بوشارب، جاء مخيبا للآمال، وليس معنى وجود رد فعل عنيف من جانب اليمين واليمين الفرنسي المتطرف ضد الفيلم، أن الفيلم صائب، أو أنه عمل جدير بالتأييد، فكما قلت، التقييم والحكم يتم هنا على أسس سينمائية تتعلق بالصياغة والتجسيد وبناء الفيلم وكيفية تقديمه لنا في صور ومشاهد، ومن حيث المضمون، لا مجال أصلا للمقارنة بأي شكل، بين ما يقوله المستعمرون السابقون الذين يبررون ما ارتكبوه من مذابح بحق الشعب الجزائري، وبين موقف الضحايا الذين تعرضوا لاستعمار استيطاني أراد محو الهوبة بالكامل، ولم يكن ممكنا أن يخرج سوى بالعنف. أما تجسيد الموضوع في السينما، فهو موضوع آخر سنتاوله تفصيلا فيما بعد أن تهدأ الضجة.

0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com