الخميس، 29 أبريل، 2010

"حياة في السينما " مذكرات وشهادات تجمع بين الهمّين الثقافي والسينمائي



((أنشر هنا المقال الذي كتبه الزميل الناقد الاستاذ عدنان حسين أحمد ونشر في ملحق جريدة "العرب الأسبوعي" بتاريخ 24 ابريل عن كتاب "حياة في السينما" الذي يستمد اسمه من عنوان هذه المدونة، بل إن بعض فصوله نشرت هنا أولا))

عدنان حسين أحمد



صدرعن دار مدبولي في القاهرة كتاب جديد يحمل عنوان "حياة في السينما" للناقد السينمائي المصري أمير العمري. يقع الكتاب في 280 صفحة من القطع الكبير وقد تضمّن فهرس الكتاب مقدمة وافية، فيما انضوى المتن تحت ثلاث محطات رئيسة سنتوقف عندها تباعا. أما خاتمة الكتاب فهي ملحق يوثق فيه العمري ندوة جمعية النقاد حول مهرجان القاهرة السينمائي الأول عام 1976) إضافة الى ملحق بتسع وعشرين صورة تذكارية، بعضها مع مخرجين ونقاد سينمائيين وصحفيين، عربا وأجانب، وبعضها الآخر ملصقات أو لقطات من بعض الأفلام التي توقف عندها سواء بالتلميح العابر أو بالتحليل المعمّق.
لم يشأ العمري أن"يجنِّس" هذا الكتاب أو يُخضعه الى نوعٍ معيّن من الكتابات أو الأساليب المتعارف عليها فهو مزيج من المذكرّات والشهادات واليوميات والمحاورات التي تجمع بين الهمّين الثقافي والسينمائي في آنٍ معا. وعلى الرغم من أن بعضا من جوانب هذا الكتاب هو سيرة ذاتية إلا أن العمري حاول أن ينأى بنفسه عن هذا التوصيف بحجة أنه "لا يريد أن يكون محورا للوقائع والأحداث، بل شاهدا عليها أو مُساهما فيها".
وحينما قرأت الكتاب قراءة متفحصة واستمتعت به أيما استمتاع وجدت أنه نوع من الكتابة "السيرية" القارّة وغير المتعينة، أي التي لم تتخذ شكلا ما بعد، وإنما ظلت تتأرجح بين الأنواع الأدبية الأربعة المُشار اليها سلفا، ففيها كثير المذكرات التي تمتد من أواخر الستينيات من القرن الماضي وحتى الوقت الحاضر كما أنها تتضمن شهادات محايدة وغير محايدة في آنٍ مع.
تزخر مادة الكتاب أيضا باليوميات التي تمحورت حول مهرجانات عربية وعالمية مهمة. أما المحاورات فأعني بها ذلك السجال الدائم الذي كان دائرا بين العمري وأنداده من المخرجين الذين يصنعون أفلاما جادة تفضي الى تراكم الوعي، وتنشد الى تغيير الذائقة الجمعية للناس. والحوار المعمق الذي كان يستعر بينه وبين النقاد والمثقفين المصريين والعرب على مدى أربعة عقود بالتمام والكمال.
يتألف متن الكتاب مبدئيا من ثلاثة أقسام وهي "تجارب وحكايات شخصية"، "شخصيات" و"في لجان التحكيم والمهرجانات". وسنتعرف في كل قسم من هذه الأقسام الثلاثة على جانب من جوانب شخصية الناقد السينمائي أمير العمري التي تنطوي على مهيمنات بصرية وفكرية وثقافية يمكن تلمّسها منذ بدايات ولوجه الى عالم الأدب والفن بمفهوميهما الواسعين.
فشخصية(أمير) تتجاوز حدود الناقد السينمائي الى شخصية الأديب المبدع والمنظِّر الذي يمكن له أن يشتغل في أي حقل فكري يروق له فعدته النقدية واضحة ولا غبار عليها، ولكن اللافت للنظر أن جملته الأدبية تتجاوز الإطار النقدي، لتقفز الى حدود الاطار الأدبي الابداعي الذي نستمتع بقراءته، وهذا ما أضفى على هذا الكتاب بُعدا جماليا يتلاقح فيه النقد والأدب، وتتماهى فيه المذكرات مع الشهادات.
تشكلات الوعي البصري
يكشف القسم الأول من الكتاب عن المراحل الجنينية التي شكلّت الأس البصري لثقافة العمري فثمة إشارة الى مرحلة الطفولة والصبا التي كان فيها العمري يشاهد بعض أفلام الحروب والمغامرات التي كانت شائعة ومألوفة آنذاك مثل "ريو برافو" لهاوارد هوكس و"ثورة على السفينة باونتي" لفرانك لويد وسواها من الأفلام التي قُدِّر له أن يراها قبل مرحلة النضج الفكري والفني على حد سواء والتي تبدأ عند العمري بفيلم
"الترتيب" الذي أُنجز عام ١٩٦٩ للمخرج الأميركي، من أصل يوناني، إيليا كازان. وقد عُرض هذا الفيلم في القاهرة عام ١٩٧٠ .
ومن هنا يمكن أن نعّد هذا العام هو البداية الحقيقية للعمري مع الفن السابع الذي أخذ بتلابيب هذا الطالب الجامعي وخطفهُ من أروقة كلية الطب الى فضاء الخطاب البصري اللامحدود. وجدير ذكره أن العمري ينتمي مع أقرانه من الأدباء والنقاد والفنانين الى ما يمكن تسميته بتيار الجيل الغاضب، ذلك الجيل الذي تململ وتمرد وثار على كل أشكال الجمود والانتهازية والتخلف بغية تغيير وجه العالم سواء بواسطة السينما أو بغيرها من الأجناس الفنية والابداعية، وربما كان فيلم "العصفور" ١٩٧٢ ليوسف شاهين هو خير أنموذج لما نذهب اليه.
لابد من الاشارة الى أن كتاب العمري سيضعنا في مأزق سردي لأنه يعتمد في بنيته التأليفية على"تداخل الأزمنة" فليس غريبا أن ينتهي الكتاب بالندوة النقدية التي غطت أسباب فشل مهرجان القاهرة السينمائي الأول عام ١٩٧٦ في حين أن بعض موضوعات الكتاب وثيماته تمتد الى أواخر عام ٢٠٠٨ في أقل تقدير. ومع ذلك يجب أن نقفز الى ما قبل السنة التي أنجز فيها فيلم "العصفور" أي عام ١٩٧١ ، وهو العام الذي أسس فيه العمري "نادي السينما "في كلية الطب بجامعة عين شمس، وبدأ يعرض فيه أفلاما (نوعية) كان مصدر أغلبها من بلدان أوروبا الشرقية التي كانت، ولا تزال، تصنع أفلاما جادة تحترم عقلية المتلقي، وتسهم في تثقيفه بصريا وفكريا. تعززت أهمية"نادي السينما" بفضل الندوات الأسبوعية المنتظمة التي كان يعقِدها العمري مستضيفا فيها أسماء سينمائية ونقدية مهمة في الوسط الثقافي المصري، إضافة الى الحضور النوعي الذي يمثله كل من سمير فريد، سامي السلاموني، محمد كامل القليوبي وغيرهم من النقاد والسينمائيين الذين كرسوا حياتهم للفن السابع وانقطعوا اليه.
يمكن الاشارة في هذا الفصل من الكتاب الى أهمية انتماء العمري عام ١٩٧٤ الى جمعية نقاد السينما المصريين) التي أُسست بمبادرة من سمير فريد عام ١٩٧٢ وكان يرأسها المخرج والناقد المخضرم أحمد كامل مرسي، ونائبه مصطفى درويش وعضوية كل من فتحي فرج، أحمد رأفت، سمير فريد، يونس شريف رزق الله وأحمد الحضري وغيرهم) ويبدو أن العمري ليس متأكدا من المناصب الادارية التي كان يتبوأها بعض أعضاء الجمعية لأنه يعتمد على ذاكرته فقط، وليس على وثائق رسمية سنعرف لاحقا أنه ضيّع بعضها في أثناء انتقاله من شقة الى أخرى في أوقات متعددة. أما يهمنا هنا، أن العمري يتذكر أبرز الأسماء في جمعية النقاد وهم سامي السلاموني، خيرية البشلاوي، رفيق الصبان، أنور خورشيد، هاشم النحاس وصبحي شفيق.
كما أنه يتذكر جيدا أن الشخص الذي ضمّه الى الجمعية هو فتحي فرج وبتشجيع والحاح من الناقد سمير فريد. ولا شك في أن انتماء العمري الى هذه الجمعية سوف يفتح له آفاقا جديدة لأنها وضعته في تماسٍ مباشر مع الأجيال السابقة من النقاد والسينمائيين المصريين، هذا إضافة الى حراكه النقدي مع أقرانه من النقاد والسينمائيين من جيل السبعينات. يبيّن هذا الفصل من الكتاب أن شهرة العمري لم تأتِ من فراغ، فقد بذل جهودا كبيرة كي يؤسس لنفسه موطئ قدم وسط الأسماء النقدية المكرّسة واللامعة آنذاك.
وكان لا يتورع عن خوض المعارك والسجالات النقدية مع بعض الأسماء التي كان يراها مهيمنة أو متزمتة بعض الشيء، ولا تفسح المجال للأسماء النقدية الشابة آنذاك لكي تلعب دورها في المشهد النقدي. وربما يكون من المفيد أن نشير هنا الى (النشرة) التي كان يصدرها النادي السينمائي ويعمل في مجلس إدارتها سامي السلاموني، سمير فريد وأحمد الحضري.
وكان السلاموني متهما في إعاقة نشر المواد التي يكتبها النقاد السينمائيون الشباب آنذاك أمثال فايز غالي، الفاروق عبد العزيز، محمد زهدي، أحمد عبد العال وأمير العمري. وعلى وفق هذا التصور إندلع السجال بين العمري والسلاموني، غير أن هذا الأخير لم يُستثر أو يسقط في دائرة الانفعال على الرغم مما وُصف به من"ذاتية وصلف".
لم يستطع العمري في كتابه أن يتفادى الخوض في الجانب السياسي لأن حقبة السبعينات وما تلاها من تداعيات جوهرية كانت جديرة بأن تضع جزءا كبيرا من المثقفين المصريين في مواجهة مع أجهزة السلطة فلا غرابة أن تتحول كلية الطب في جامعة عين شمس الى بؤرة للنشاط السياسي المحموم الذي يريد أن يعيد الأمور الى نصابها الصحيح. فقد بدأت مظاهر القمع الثقافي تتمثل في منع بعضالنقاد من الكتابة في نشرة نادي السينما في صيف ١٩٧٣ لعل أبرزهم سامي السلاموني، سمير فريد ورفيق الصبّان.
وعلى الرغم من مضايقات أجهزة السلطة إلا أن عزيمة النقاد السينمائيين لم تفتر. ففي عام ١٩٧٥ أقيم أسبوع الفيلم البرازيلي حيث عُرض فيه ١٤ فيلما، كما أعدّ سمير فريد كتابا عن السينما البرازيلية شارك فيه نخبة من النقاد السينمائيين من بينهم رأفت الميهي والفاروق عبد العزيز وفوزي سليمان.
وفي ١٩٧٦ نظمت جمعية نقاد السينما أسبوعا للسينما الجزائرية عُرض فيه ١٤ فيلما جزائريا، كما أصدروا كتابا جماعيا عن السينما الجزائرية شارك فيه محمد كامل القليوبي، سمير فريد، يسري نصرالله، يوسف شريف رزق الله والجزائري محمد أمغار. كان العمري يشارك أقرانه في اهتمامهم بالسينما النضالية أو ما كان يُطلق عليها بـ "سينما العالم الثالث". إن تعيين يوسف السباعي بعد حرب أكتوبر عام ١٩٧٣ قد زاد الطين بلّة ففضلا عن قمع الأجهزة الأمنية الساداتية للثقافة اليسارية والناصرية وإطلاق العنان للمتأسلمين الظلاميين، فقد أسس السباعي (جمعية كتاب ونقاد السينما) التي ضمّت عددا من كتاب السيناريو ومحرري الأخبار الفنية والسينمائية ثم أتاح لها أن تشنَّ حملة شعواء على جمعية نقاد السينما وتتهمهم بالشيوعية والعمالة وتشويه صورة مصر. كما إتهم السباعي نفسه بعض المخرجين بالترويج لثقافة الاستسلام والهزيمة.
والملاحظ أن أغلب أعضاء جمعية نقاد السينما لم يتبنوا الفكر الماركسي، ولم ينتموا الى حلقاته السرّية، بل أن بعضهم رفض الماركسية، مثل سمير فريد، وتبنى الاشتراكية الناصرية، ثم تبرأ منها ليعتنق الفكر الليبرالي الذي يكاد ينسجم مع ذهنية شريحة واسعة من المثقفين المصريين لعل العمري أحدهم.
بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد(عام ١٩٧٩) كوّنت جمعية نقاد السينما لجنة مقاومة السينما الصهيونية ومن بين أعضاء هذه اللجنة سمير فريد، علي أبو شادي، كمال رمزي ومحمد كامل القليوبي التي رفضت التطبيع في الجانبين الثقافي والسينمائي. ثم أصدر سمير فريد في الأول من يناير عام ١٩٧٧ صحيفة (السينما والفنون) وهي أسبوعية سينمائية ضمت في عضويتها عددا من النقاد بينهم أمير العمري. غير أن هذه الصحيفة توفقت بعد عددها الثالث والثلاثين بناء على تعليمات محسن محمد.
ازداد الوضع تأزما فغادر الفاروق عبد العزيز للعمل في التلفزيون الكويتي، واتجه يسري نصر الله للعمل في الصحافة اللبنانية، وذهب صبحي شفيق للعمل في مجلة جون أفريك في فرنسا، وسافر القليوبي لدراسة الدكتوراه في موسكو، وانتقل فتحي فرج للعمل في السعودية فيما رحل أمير العمري الى الجزائر ومنها الى لندن.
يا ترى، ما الذي حققه العمري خلال انضمامه الى جمعية نقاد السينما عام ١٩٧٤ وحتى رحيله الى الجزائر، فهو من المخلصين للفن السابع، والأوفياء لتجربته النقدية التي كانت تنضج على نار هادئة. ففي عام ١٩٧٨ أُنتخب العمري عضوا لمجلس إدارة جمعية النقاد، وفي العام الذي يليه أصبح سكرتيرا للجمعية بعد سفر فتحي فرج الى السعودية، لكنه لم يمكث طويلا، إذ قدّم استقالته قبيل سفره الى الجزائر في مارس .


ثم تتسارع نبرة (الكائن السيري) لنكتشف أنه أمضى ثلاث سنوات ونصف السنة في الجزائر، ثم توجه الى لندن ليعمل محررا لصفحة سينما وفنون) في صحيفة (القدس العربي لينتقل بعدها للعمل في الاذاعة والتلفزيون والنشر الأليكتروني في القسم العربي في البي بي سيفي لندن. وعلى الرغم من نجاحاته المتواصلة وحياته المستقرة في لندن إلا أنه قرر العودة الى مصر في أواخر عام ٢٠٠٠ ، حيث أُنتخب عضوا في إدارة مجلس جمعية النقاد، ثم أُنتخب بالاجماع ليكون رئيسا لأكبر جمعية نقدية متخصصة بالنقد السينمائي على وجه التحديد، وحقق في أثناء رئاسته لهذه الجمعية عددا من المنجزات الكبيرة من بينها إصدار عشرة أعداد من مجلة (السينما الجديدة)، ونظّم عددا من الأسابيع السينمائية، وأصدر كتابا عن الرقابة على السينما في مصر، وأنشأ موقعا على الانترنيت، ودعم علاقة الجمعية باتحاد النقاد الفيبريسي، وما الى ذلك من منجزات فعلية ملموسة، لكنه مع ذلك قدّم استقالته عام 2003 لأن مناخ العمل أصبح مغلقا كما هو شأن المناخات في بعض الدول المغلقة التي سوف يزورها العمري ويشعر بالخوف والحيطة والحذر، بالاضافة الى تسلم العمري لمنصب رئاسة جمعية النقاد السينمائيين، فقد أنيطت له مسؤولية إدارة مهرجان الاسماعيلية عام ٢٠٠١ ، لكنه انسحب بهدوء عن صخب المهرجان لعله يجد فضاء هادئا للكتابة والابداع.
كنا قد ألمحنا سابقا الى أن هذا الفصل، على وجه التحديد، يضع القارئ أمام كمٍ كبير من المعلومات التي تؤرخ للنوادي والجمعيات السينمائية المهمة، كما يشير من طرف غير خفي الى العدد الكبير من نقاد السينما والمعنيين بالشأن السينمائي عموما.
ولعل من المفيد هنا أن نتوقف عند الافتتاحية التي كتبها العمري لنشرة (جمعية سينما الغد) والتي تضمنت الاشارة الى الذكرى الخمسين على ظهور الفيلم السوفييتي الصامت (البارجة بوتمْكين) للمخرج سيرغي إيزنشتاين غير أن مصطفى درويش كان يرى في هذا الفيلم (استفزازا للأمن والسلطات) وهذا ما دعاه لأن يهاجم العمري متهما إياه والسائرين في فكله بأنهم (شلة من المراهقين اليساريين الذين يرغبون في تحقيق
الثورة الشاملة دفعة واحدة). وعلى الرغم من حدة السجال الذي دار بين الطرفين إلا أن العمري تجاوز الخلاف ورأبَ الصدع حينما اقترح على مصطفى درويش أن يوفدوه الى ايطاليا ممثلا لجمعية نقاد السينما لحضور الاجتماع السنوي للاتحاد الدولي لنقاد السينما الفبريسي.
على الرغم من المعوقات والعراقيل التي واجهت جماعة (سينما الغد) إلا أن العمري لم ييأس فقد اشترك ثلاثة من أصدقائه في تأسيس جماعة (السينما الثالثة) وخلاصة فحوى هذه الجماعة تشي بالضرورة بأن هناك سينما أولى وثانية.
فالسينما الأولى، وهي الأميركية التي لا تُعلي من شأن المخرج، وإنما تعتبره مجرد محرّك لمجموعات من المنفذين، أما السينما الثانية وهي الأوروبية التي تضع المخرج في الاعتبار، فهو عقل الفيلم وروحه. أما السينما الثالثة فقد رفضت النموذجين أعلاه وطرحت أنموذجا جديدا يقوم على تصوير تجارب الوعي الجمعي المشترك ويسعى الى تغيير الواقع بواسطة التعرية والتحريض. ويبدو أن تجربة السينما الثالثة قد فشلت في مصر لأنها حاولت أن تنمو في مناخ مختلف تماما عن المناخ الذي تألقت فيه في بعض بلدان أميركا اللاتينية.
يختتم العمري هذا الفصل الشيّق بمجموعة من الذكريات المهمة التي جمعته بـ"شلّة المنيل". فبواسطة (نادي السينما) الذي أسسه العمري في كلية الطب بجامعة عين شمس والذي أصبح محط اهتمام الكثير من المثقفين والفنانين المصريين تعززت علاقة العمري بالعديد من المخرجين السينمائيين لعل أبرزهم المخرج الراحل رضوان الكاشف، والمخرج مجدي أحمد علي الذي ستتعمق معه العلاقة في الجزائر لاحقا.
تنطوي هذه الذكريات على عدد من المواقف الطريفة التي تكشف عن رؤية المخرجين (رضوان ومجدي) وطريقة ترويجهما لفيلميهما الروائيين (ليه يا بنفسج) و (يا دنيا يا غرامي) كما يتوقف العمري عند الخلاف الذي كان دائرا بين مجدي أحمد علي والمخرج السوري محمد ملص الذي كان مقيما في القاهرة آنذاك. ولأن علاقة الموهوبين مع بعضهم البعض هي أكبر من الخلافات العابرة فسرعان ما يصطف مجدي أحمد علي الى جانب محمد ملص ويبدي استعداده لحل مشكلة (ملص) مع (الشركة العربية) التي كان متعاقدا معها في القاهرة. حري بنا أن نشير هنا الى الحكم الذي أطلقه العمري على فيلم (الساحر) الذي لا يرقى الى مستوى فيلميه السابقين (ليه يا بنفسج) و(عرق البلح) اللذين ينطويان على نجاح فني واضح ويؤسسان لرؤية اخراجية جديرة بالرصد والاهتمام.
علامات فارقة
يقتصر الفصل الثاني من الكتاب على ثلاث شخصيات مهمة وفاعلة في المشهدين السينمائي والنقدي في آنٍ معا. وهذه الشخصيات هي المخرج يوسف شاهين الذي (ملأ الدنيا وشَغَل الناس) طوال ستة عقود تقريبا، أي مذ أخرج فيلمه الأول (بابا أمين) عام ١٩٥٠ وحتى فيلم (هي فوضى) الذي أخرجه بالاشتراك مع تلميذه خالد يوسف عام ٢٠٠٧ . ويبدو أن أفلام شاهين سوف تشكّل منعطفا مهما في حياة العمري وأقرانه من النقاد الذين بدأوا يرون في السينما (فنا وثقافة إضافة إلى عنصري التسلية والامتاع. كما أن تجربة شاهين السينمائية سوف تثير شهية النقاد الجادين وتحفزهم على الكتابة النقدية الرصينة إذ يسوق العمري في هذا الصدد فيلم (اسكندرية ليه) الذي حفّز النقاد على كتابة كم هائل من الدراسات النقدية الجادة في حينه. لم يُخفِ العمري اعجابه بأفلام شاهين الكلاسيكية مثل (باب الحديد) (الناصر صلاح الدين( و(الأرض)، لكن الأفلام اللاحقة التي انطوت على عناصر الحداثة والتجديد كانت الأكثر قربا وإثارة للعمري ولغيره من نقاد السينما الجادين في مصر والعالم العربي. فلا غرابة أن يعرض العمري فيلم (الاختيار) في (نادي السينما) ويناقشه مناقشة مستفيضة. ثم تتوالى متابعاته لأفلام شاهين الأخرى التي شكلّت علامات فارقة في السينما المصرية مثل (الأرض) و (عودة الابن الضال). كان العمري سعيدا جدا بلقاء يوسف شاهين في مكتبه بشارع شامبليون إثر المقال التحليلي المهم الذي نشره في مجلة (الطليعة) اليسارية ذائعة الصيت. ثم يتكرر اللقاء بشاهين في مهرجان لندن السينمائي عام ١٩٩٠ .
ولعل أجمل ما في هذا اللقاء هو ذكاء العمري ودقة ملاحظته التي تسبر أعماق شاهين وتعري طوّيته حيث يقول "كان شاهين يتظاهر في البداية بأنه لا يتذكرك جيدا، ثم يستخدم حركة يده الشهيرة، يقرّبها من أذنه، مُدعيا أنه لا يسمعك أيضا جيدا، ثم سرعان ما تكتشف أنه يتذكر جيدا ويعرف ويسمع ويهتم" (ص ١١٠ ). ولأن العمري مواظب على
حضور المهرجانات السينمائية العربية والدولية فقد التقى شاهين مرة ثالثة في مهرجان فالنسيا وكتب عنه دراسة موسعة شاملة نشرت في مجلة ميتيماس الأسبانية. أما المقابلة الوحيدة التي أجراها العمري مع شاهين فقد كانت على هامش مهرجان تطوان السينمائي ويبدو أن شاهين كان متفننا في المراوغة، وقادرا على التلاعب بدفة الحديث الى الجهة التي يراها مناسبة.
أما الشخصية الثانية التي توقف عندها العمري فهي شخصية الناقد عبد الفتاح الجمل الذي ترك بصمة واضحة على الحياة الثقافية في مصر. وربما يكون اللقاء الذي جمَعهُ بالجَمل إضافة الى صديقه محمد كامل القليوبي هو من أطرف اللقاءات التي لا تسلّط الضوء على طبيعة الجَمل وسلوكه الشخصي حسب، وإنما تكشف حجم المشاعر الملتبسة التي إنتابت العمري وهو يواجه نوبات الضحك الهستيرية التي تدفق بها الجَمل بينما هو يستمع الى دفاع العمري عن واحدة من مقالاته النقدية. وعلى الرغم من الحرج الشديد الذي سقط فيه العمري، إلا أنه سيتقبل الجمل على علاته بعد أن يتعرف على طبيعته وسلوكه الشخصي الفكِه من خلال عدد كبير من الأصدقاء. وربما يعود الفضل الأكبر الى الأديب عبده جبير الذي اصطحبه الى مكتب الجمل لينتهي توتر العمري من أساسه بعد أن يوقن تماما بأن هذا الرجل لا يكّن له إلا المودة والاحترام، واكثر من ذلك فإنه يدعوه بمحبة كبيرة للكتابة في صحيفة (المساء). أما الشخصية الثالثة والأخيرة فهو المخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي، صاحب فيلم (الملجأ) الذي يعِّده العمري واحدا من أهم الأفلام الروائية القصيرة في السينما العربية. يغيب مشهراوي (ذو الشعر الأسود الكثيف) لبضع سنوات، ثم يقابله بعد أربع سنوات في مهرجان القاهرة
السينمائي ليراه حليق الرأس على وفق صرعة تيلي سافالاس!
ينجز مشهراوي عدة أفلام من بينها (انتظار) و (عيد ميلاد ليلى). وعلى الرغم من اعجاب العمري بتجربة مشهراوي السينمائية إلا أن ذلك لا يمنع من وجود بعض الملاحظات التي تتعلق بطريقة البناء الفني، وأسلوب السيناريو، وضرورة تحرير المخيلة من بعض الأنماط التقليدية التي تهيمن على جوانب محددة من أفلام مشهراوي الوثائقية والروائية على حد سواء. إذا كان الفصل الأول ينطوي على مفارقات كثيرة فإن هذا الفصل الثاني لا يخلو من عناصر الشدّ والترقّب والتشويق. ففي أثناء لقائه بالسيدة ليا فان لير، المشرفة على السينماتيك الاسرائيلي، التي قدّمت فيلم (الملجأ) لمشهراوي، وفيلم اسرائيلي يحمل عنوان (كلا يا ماتياس لا تتورط)، كان ثمة رجل طاعن في السن تصوره العمري متطفلا حينما سأله عن أسباب منع فيلم (البريء) لعاطف الطيب في مصر. وبعد مناقشة حادة كشفت عن تبرّم العمري وضيقه من حضور هذا الرجل الطارئ الذي تبين لاحقا أنه زوج السيدة ليا فان ليرا وأنه يدافع عن ديمقراطية اسرائيل التي تعرض كل الأفلام من دون رقابة! ومثل الضربة الخاطفة التي تتوفر في بعض القصائد القصيرة يفاجئنا هذا الرجل بالقول (إنه طيار في سلاح الجو الاسرائيلي، وأنه هو الذي قاد طائرة الرئيس السادات في رحلته الشهيرة الى القدس!) عن هذه المواقف المفاجئة والمواقف الطريفة التي لا يكتبها بهذه التقنية الرفيعة إلا كاتب مبدع تتجاوز قدرته حدود الكتابة النقدية الى فضاء النص الابداعي اللامحدود.

تجارب ويوميات
كنت قد أشرت آنفا الى أهمية المذكرات والمحاورات التي وردت في كتاب (حياة في السينما) ولكني لا أجد مفرّا من الاعتراف باللغة الجميلة والمعبّرة التي كتب فيها العمري عن مشاركته في لجنتي تحكيم مهرجاني أوبرهاوزن وطهران.
ووجه الطرافة في مهرجان أوبرهاوزن، وهو للمناسبة مهرجان عريق للأفلام الوثائقية والقصيرة، إن بعض أعضاء لجنة التحكيم وغالبيتهم من النساء (المؤدْلجات) قد سحبن اللجنة الى ما لا تُحمد عقباه. وأن هذا البعض يتمثل باثنتين وهما الكندية كاثلين كارتر والأميركية من أصل كوبي إيلا ترويانو قد خطفنَ المهرجان برمته، وسيحرفنَ مسار القرارات التي يجب أن يتوصل اليها المحكمون باتجاه التحيّز النسوي على حساب القيمة الفنية للأفلام المتنافسة. وحينما بلغت المعركة ذروتها قررن، بسبب الهيمنة العددية (وهنَ ست محكمات نساء ضد ثلاثة محكمين رجال) حجب الجائزة الكبرى، كما منحنَ الجائزة الخاصة الى فيلم (كئيب) يتعارض مع الشرط الذي فرضته صاحبة الجائزة وهو ألا يكون الفيلم الفائز (متشائما أو كئيبا). وعلى الرغم من الجهود الجهيدة التي بذلها العمري لتصحيح مسار اللجنة، إلا إنه لم يفلح في تفتيت صلافة المحكمات المتعصبات لجنسهن النسوي، فلا غرابة أن يقاطع حفل الختام، ولا يحضر توزيع الجوائز، وإنما قرر القيام بجولة حرة في المدينة متنقلا في باراتها الى وقت متأخر بعد منتصف الليل. وفي صبيحة اليوم الثاني كان على العمري أن يذهب معهن في السيارة الى المطار، وقد فعل، لكنه لزم الصمت، ولم يكلم أيا منهما طوال الطريق. ولعل الجملة الآسرة التي أنهى بها العمري شهادته القيّمة وهي (ما أن وصلن الى المطار حتى تركتهن واختفيت) احتجاجا على تعصبهن الأعمى الذي أفقد المهرجان جزءا من مصداقيته المعروفة.
أما تجربة لجنة التحكيم في مهرجان طهران فهي أنضج بكثير من سابقتها، وأكثر مهنية. ويبدو أن العمري مقتنع بمجمل الأفلام الفائزة لو استثنينا فقط أنه حاول أن يمنح فيلم (سايبر فلسطين) لإيليا سليمان جائزة ما، لكنه لم ينجح في مسعاه.
أما الجوائز الأساسية في المهرجان فقد ذهبت لمستحقيها. إذ أسندت الجائزة الكبرى لفيلم (امرأتان) للمخرج أمير رضا زادة، فيما ذهبت جائزة أفضل فيلم روائي قصير الى فيلم ( ليوناردو) أما جائزة أفضل فيلم تسجيلي فقد حصل عليها فيلم (نحن نعيش على الحافة) لفيكتور أسيلوك، بينما نال فيلم (متعة النار) لعلي محمد قاسمي جائزة لجنة التحكيم الخاصة.
لا شك في أن منْ يقرأ هذه التجربة التي وصفها العمري بلغة شديدة الدلالة والتعبير سيكتشف كيف تسللت الرؤية السياسية الى هذه المادة الفنية التي قد تنتمي الى جنس التحقيقات تارة، وجنس أدب الرحلات تارة أخرى، وربما هي خليط من نمط النصوص المفتوحة التي تعطيك انطباعا صادقا عن بلد ما أو نظام حكم معين في هذا الطرف أو ذاك من الكرة الأرضية. ثمة شخصيات عديدة نصادفها في هذة المادة مثل شيرين نادري، الفتاة المحجبة المسؤولة عن الاتصالات الخارجية التي ترفض أن تصافح أحدا بسبب خلفيتها الدينية المتشددة، و(حسن) المكلف بالاتصالات الخارجية الذي ينتمي الى (أهل الخبرة) وليس الى (أهل الثقة) يتحدث ثلاث لغات ولا يمكن الاستغناء عن خدماته. و(رائد) الشاب الناضج ابن مستشار الرئيس الذي يعرّي النظام الثيولوجي ويكشف عيوبه أمام الزوار الأجانب، و(المرافق الأمني) الذي يتابع أعضاء لجنة التحكيم مثل ظلالهم، لكنه ينفجر في خاتمة المطاف ويتهجم على النظام الديني المتشدد الذي خنق الحريات الشخصية والعامة. إن مجرد التوقف عند الشخصيات الرئيسة المشار اليها سلفا يعطي القارئ صورة واضحة عمّا يجري في ايران. كما سلطت المُحاضَرة التي قدمها العمري عن السينما المصرية وما انطوت عليه من انتقادات حادة لم ترُقْ للمنظمين طبعا حيث تفرض حكومتهم نوعا واحدا من الفكر السينمائي على السينمائيين الايرانيين، فيما تضطرهم لأن يتجنبوا الخوض في أنماط سينمائية أخرى مثل الأفلام الموسيقية والعاطفية والبوليسية وما الى ذلك.

تجدر الاشارة الى الرحلة التي قام بها العمري مع أعضاء لجنة التحكيم الى أصفهان وما تضمنته من كشوفات جديدة لمدينة ايرانية موغلة في القدم، كما ألفتْ عناية القارئ الكريم الى الرحلة الجميلة التي قام بها أعضاء لجنة التحكيم الى مدرسة تابعة للسفارة الايطالية تقع على مسافة بعيدة من طهران، لكنها تمثل الوجه الآخر لإيران حيث تقلع النساء أغطية والملابس الثقيلة السوداء ويتحررن منها تماما ليظهرن في ملابس أوروبية، يدخنَّ السجائر، ويخالطنَ الشاب بعيدا عن أعين الرقباء. وكعادة العمري في كل مقال أو فصل لا بد أن يسرّب لنا طرفة ما فأحد أعضاء لجنة التحكيم هو رجل يوناني كان متضايقا جدا من محاولات زوجته السويدية (ليندا المصابة بمرض عصبي) في اللحاق به الى طهران لأنها واجهت صعوبة شديدة في الحصول على تأشيرة الدخول.
وحينما وصلت الى طهران أخذت تتشاجر مع زوجها (الذي لم يكن سعيدا بوجودها في أروقة المهرجان) كما يدعي العمري، وهذه لفتة فنية جميلة تضع القارئ في مزاج آخر. ثم تأخذنا ملاحظة العمري الى جوٍ سري آخر حينما نكتشف أنه سمع الاتهام الذي وجهته الى زوجها (بأنه السبب في إصابتها بمرض عصبي) لكنه، أي زوجها اليوناني، فضّل الصمت لكي لا تتفاقم الأمور وتذهب أبعد من حدود المرض العصبي ونوباته العنيفة.
وفي خاتمة المقال لابد أن ألفت عناية القارئ الكريم الى الجزء المتبقي من الفصل الثالث والأخير لأنه يضم بين دفتيه نماذج مهمة لليوميات التي دوّنها العمري عن بعض المهرجانات العربية والعالمية مثل مهرجان (تطوان وفينيسيا وقرطاج حيث يقدم العمري صورة أمينة عن المهرجانات التي يشارك فيها بما لها وما عليها. فإماطة اللثام وإزاحة الأقنعة عن الوجوه هي التقنية المحببة التي يستعملها العمري في تغطياته أو كتاباته النقدية عن المهرجانات السينمائية التي تتشرف بدعوته بوصفه ناقدا جادا ودؤوبا لا يتسرّب الملل الى ذهنيته المتقدة على الدوام.

الاثنين، 26 أبريل، 2010

عن النائمين فى الأفلام!

((تعرفت على الناقد والصحفي الأستاذ محمود عبد الشكور عندما كنت رئيسا لجمعية نقاد السينما المصريين، وكنت أقدم وأناقش مجموعة من الأفلام الوثائقية البارزة في تاريخ السينما ضمن حلقة خاصة نظمها المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة في ربيع 2002. وقد لفت نظري ذلك الشاب الذي كان يقف بين الحين والآخر، ليبدي رأيه في الأفلام بحصافة شديدة ومعرفة ودراية بتاريخ السينما وأدبياتها. ولم يكن كثيرون من أعضاء جمعية النقاد يعرفون من هو، وأين يكتب. وبعد أن تعرفت عليه دعوته للكتابة في المجلة المتواضعة الشهرية التي كنا نصدرها وقتذاك عن الجمعية باسم "السينما الجديدة". وكتب محمود بالفعل سلسلة من المقالات النقدية التي كنت أعجب بها كثير،ا بل وأعتبر ان "السينما الجديدة" لو استطاعت فقط أن تكتشف أو تعيد اكتشاف قلم واعد مثل قلم محمود لكفاها هذا فخرا. لقد اكتشفت فيه قلما مثقفا موهوبا، يملك المعرفة والأسلوب السلس الجميل. وكنت دائما أسال عنه عندما ازور القاهرة، لكن محمود لم يكن من النوع الذي يغشى كثيرا المنتديات والجلسات الثقافية، وكان مشغولا معظم الوقت، في عمله بمجلة "أكتوبر" الأسبوعية، إلى أن فوجئت أخيرا رسالة منه بعد أن عرف طريقه إلى مدونتي هذه، وقال وإنه ينشر مقالاته في النقد السينمائي بانتظام في صحيفة "روز اليوسف". ولولا أن الوسط الصحفي في مصر تسيطر عليه عصابات فكر، وتتحكم فيه الشللية ودوائر العلاقات العامة، لكان محمود عبد الشكور قد أصبح أحد نقاد السينما البارزين، ولدعي إلى لجان التحكيم التي تقام في الداخل والخارج. و سوف أتشرف هنا بنشر عدد من مقالاته استهلها بهذا المقال الطريف الذي يكشف لنا عن اسلوبه وما يتمتع به من روح مرح ودعابة- أمير العمري))

بقلم: محمود عبد الشكور

لم يحدث أبداً – حتى الآن – أن سقطت صريع النوم فى أحد الأفلام رغم أن كثيراً من الأفلام التى شاهدتها وأشاهدها يمكن – بلا مبالغة – أن توصف كعلاج رائع للأرق . ولكنى كنت فى مناسبات كثيرة شاهداً عما تفعله الأفلام فى بنى البشر المسالمين . للأمانة لم تكن كل حالات النوم أثناء المشاهدة فى أفلام رديئة ، الأمر يعتمد فيما أعتقد على ظروف المتفرج ، وعلى حالته المزاجية وليس على مستوى الفيلم فى كل الأحوال والظروف.
كنت فى قصر السينما أشاهد للمرة الأولى تحفة المخرج الأمريكى " ستانلى كوبريك " ( أوديسا الفضاء 2001 )، وكان بجوارى شاب عائد لتوّه من الجيش فى إجازة قصيرة ، ولأنه " غاوى " مشاهدة أفلام اختار أن يشغل وقته بالذهاب الى نادى السينما . لم يمر الكثير من زمن الفيلم البديع إلا وسمعت صوت شخير عميق صادر من المقعد المجاور . كان ذلك تحديداً فى مشهد سفينة الفضاء المذهلة وهى تغوص وسط فضاء أزرق لانهائى وعلى شريط الصوت " فالس " ( الدانوب الأزرق ) البديع . أما العجيب حقاً فهو ضبط إيقاع " الفالس" على إيقاع شخير صاحبنا ، وكأن ّ ( شتراوس ) كتب مقطوعته الخالدة لينام عليها شاب مصرى مجهد جاء ليتسلّى فقهره النوم الذى نصفه دائما بأنه" سلطان".
فى مواقف مباغته مثل الموقف سالف الذكر تهاجمنى نوبة من الضحك لاسبيل لدفعها ، ربما لأن الشخير يقطع الجدية التى أشاهد بها الأفلام ، وربما لأن التشويش الذى يحدث يدمر أى محاولة للفرجة، ولكنى كنت أشعر أحياناً بالرثاء لحال النائمين، بل وربما شعرت فى بعض الحالات بتأنيب الضمير مثل هذه الحالة التى لم أنسها أبداً رغم مرور السنين: كنتُ أقف أمام سينما مترو) مُتردداً فى حسم قرارى بدخول فيلم " اسكندرية كمان وكمان " للمرة الخامسة أو السادسة. بالطبع كنت أريد قطع تذكرة دخول ولكنى كنت أفكر فى "توابع" هذا القرار المتهوّر على ميزانيتى الضئيلة . أمام " فاترينة " الصور لمحته يصارع تردده لأسباب مختلفة . كان رجلاً فى العقد الرابع من عمره يحمل كيساً ضخماً من " البوب كورن" أو الفيشار ، ويمتد أمامه كرش صغير . رحت أراقب حيرته بفضول إذ كان يتنقل بين صورة لمشهد عصرى جداً من الفيلم ومشهد آخر يعود الى زمن الإسكندر . بدا المسكين يسأل نفسه :" هل هذا فيلم تاريخى أم معاصر ؟! هل هذا فيلم واحد أم عدة أفلام " فى بعض "؟! ولأننى كنت وقتها قريباً منه وجد أنه من المناسب أن يسألنى دون أن يتوقف عن التهام "الفيشار" : " هوة الفيلم ده تا ريخى ياكابتن؟" . دون تفكير، ومدفوعاً بحماسي للفيلم ، ورغبتي فى أن يشاهده أكبر عدد من الجمهور حسمت لصاحبنا الأمر مؤكداً وجود مشاهد تاريخية ، وزدتُ فى الحماس بأن قطعت تذكرة لنفسي ، وهكذا دخلنا معاً الى صالة العرض. اختار الرجل أن يجلس فى الصفوف الأولى ومعه الكيس العملاق. بعد ربع الساعة تقريباً حانت منى التفاتة فوجدت صاحبنا غارقاً فى النعاس ، وكيس "الفيشار" فى يده مثل طفل صغير . وظل على هذا الوضع حتى ما قبل النهاية بخمس دقائق . شعرت بالإشفاق عليه ، وانتظرت خروجه أولاً تحسباً لغضبه المتوقع رغم مظهره المسالم ، وكان عزائى الوحيد أننى أردت أن يتذوّق سينما مختلفة ، ولكن يبدو أنها كانت خطوة سابقة كثيراً لأوانها !
في حالة أخرى أكثر غرابة ، تمنيت أن ينام المتفرج حتى يتخلص مما يعانيه أثناء المشاهدة. كنا فى أحد أيام الصيف القائظة . الصالة خاوية تقريباً إلا منّى ومعى اثنان من المتفرجين : أنا بحكم الشديد القوى ، أى بحكم اضطرارى لمشاهدة الأفلام والكتابة عنها ، والآخران جلسا على مسافات متباعدة يتفرجان بصبر وصمود مشهود على أحد أفلام المقاولات التى تستخدم – فيما أظن – فى عمليات التأديب والتهذيب والإصلاح فى السجون . بعد ما لا يزيد عن ثلث الساعة كان أحد المشاهدين ينتفض من مكانه لاعنا ً مايشاهده من (......) ، واتجه ( لايلوى على شئ ) كما يقولون ناحية باب الخروج . أدهشنى هذا التمرد المفاجئ ، وسعدت لمتابعة شئ آخر بخلاف الأشياء التى تتراقص على الشاشة ، وكانت أفلام المقاولات لاصوت ولاصورة ولاأى شئ . لم يستغرق الرجل وقتاً ليهنأ بهروبه ، فقد عاد من جديد مخفوراً برجلين من الأمن لم يكن يعنيهم مستوى الأفلام المعروضة بقدر ما كان يعنيهم تطبيق التعليمات التى تمنع الخروج من دار العرض أثناء المشاهدة وقبل انتهاء الفيلم لأسباب أمنية ، وكانت الأحداث الإرهابية وقتها فى ذروتها . ولكن المتفرج الهارب الممسوك لم يستسلم، ولم يتوقف عن الاحتجاج والمطالبة بحق بسيط من حقوق الإنسان وهو حقه فى الهرب من فيلم ردئ يعذّب مشاهده ، ولم يتوقف أيضاً عن كيل الشتائم لصناع هذا الـ(.....) والأهم من ذلك أنه لم يتوقف عن إعادة محاولة الهرب كل عدة دقائق ليعود فى كل مرة مخفوراً برجال الأمن ! فى نهاية الفيلم / العلقة، حصلنا جميعا علي الإفراج ، ولكنى تمنيت أكثر من مرة أثناء هذا الشد والجذب أن ينام المتفرج المسكين كحل مثالى للمأساة : لقد كان مستحيلاً أن يصمد لمشاهدة هذا ال(.....) ، وكان مستحيلاً أيضاً أن يسمح له أمن السينما بالخروج لأن أمن الوطن أهم من عذاب الجمهور أثناء مشاهدة الافلام الرديئة ، أو لعلهم اعتبروها ضريبة هيّنة يمكن دفعها بهدوء ودون ضجيج "علشان مصر "!
على الباب قلت للرجل : "طب انا ظروفى بتخلّينى أشوف الأفلام دي .. إنت أيه اللى رماك ع المر ؟! "قال الرجل بتلقائية أولاد البلد : " اللى أمرّ منه .. الجو زيّ النار برة .. وعندى معاد بعد ساعتين .. قلت أضيّع وقت واشوف فيلم فى التكييف .. كنت عايز أضيّع وقت كنت حاضيع وح ارتكب جريمة !"رددت على الرجل الحكيم الظريف وسط الضحك الممتزج بالدموع :" كفّارة يا راجل .. بس اوعي تعمل كدة تانى ف نفسك ". من يومها تأكدت أن العبارة التى تقال عن أن بعض الأفلام تذكرة دخولها بعشرة جنيهات والخروج منها بعشرين ليست نكتة على الإطلاق ، لقد كان المسكين مستعداً أن يفتدى نفسه بأىّ مبلغ من المال لكى يطلقوا سراحه ، وأظنه تعلّم درساّ لن ينساه بأن نار الفيلم الردئ أقوى من صهد الشوارع فى عز الصيف، وأن دخول الأفلام مش زي الخروج منها."
على أن أعجب ما شاهدت من طرائف النائمين فى الأفلام ذلك الصديق الذى يدخل مسرعاً ومهرولاً ليلحق بالفيلم بعد بدايته ، وبعد دقائق معدودة نتراهن على أنه الآن فى سابع نومة ، ولم يحدث أبداً أن خيّب رهاننا . المُذهل أنه من عشاق مشاهدة الأفلام كما يؤكد فى كل مناسبة ، وله أيضاً محاولات فى النقد تعادل – ربما – محاولاته فى النوم ،الأرجح أنه اكتشف أن أحسن منوّم هو مشاهدة الأفلام مثلما اكتشف عم " حسنين " بتاع الكشرى أن أحسن معلّم هو الزمن فكتب حكمته الخالدة على عربته الصغيرة ليلخّص تجربة الحياة فى طبق واحد مركّز !

السبت، 24 أبريل، 2010

"كلمني شكرا": كوميديا اجتماعية بعيدة عن الادعاءات

لا أعرف لماذا يصر "البعض"، أي بعض من يكتبون عن الأفلام ويمارسون "الانتقاد" السياسي، ويفتشون دائما عن قيمة سياسية كبرى في هذا الفيلم أو ذاك، على فرض رأيهم المسبق العقائدي الجاهز على مخرج موهوب مثل خالد يوسف، يريدونه أن يصبح بطلهم المنشود في السينما؟ يخوض لهم معاركهم، ويصنع لهم بطولاتهم، على الشاشة، فهم يمجدون كل "انتقاد" يوجهه في أفلامه للسطة، كما لو كان انتقاد السلطة في حد ذاته يكفل تحقيق عمل فني خارق، في حين انه أصبح مهمة كل من يكتبون في الصحف المصرية، الحكومية والموازية للحكومية.
إن آفة فيلم خالد يوسف السابق "دكان شحاتة" كانت تكمن تحديدا في هذا "الهاجس" الملح بتسييس ما لا يمكن تسييه بالضرورة، أي الانتقال من دراما تشيكوفية بكل ما يمكن أن تعكسه من دلالات كبيرة (نفسية واجتماعية، وسياسية أيضا بلاشك) إلى جعل فيلمه حقيبة ضخمة منتفخة بكل ما يمكن وما لا يمكن تصوره من مواضيع و"مانشيتات" سياسية، عن الانفتاح الاقتصادي وما جلبه من فقر وتناقضات طبقية واسعة، ومشكلة القهر الذي تمارسه السلطة، وأزمة المياه والرغيف والتلوث والعشوائية وانتشار العنف.. وغير ذلك، عشرات الأشياء التي أضرت بالدراما الأصلية التي كان يمكن أن تكون كافية بدلالاتها الداخلية الخاصة، دون حاجة إلى الإحالة إلى كل هذه الأشياء.
ولاشك أن خالد يوسف تعلم أن يتجنب هذا الحشو والخلط والادعاء في فيلمه الأحدث "كلمني شكرا" الذي يعتمد على سيناريو كتبه باقتدار وتركيز، سيد فؤاد، مستمدا عناصره من الواقع دون أن يكون بالضرورة فيلما "واقعيا"، ففيه بالتأكيد من المبالغات كل ما يلزم لتوليفة كوميدية (لا أراها أبدا هزلية) بل فيها الكثير من الجوانب الإنسانية التي تتعلق بشخصية الإنسان البسيط الذي يسعى بشتى الطرق، وحتى أكثرها تدنيا، ربما من وجهة نظرنا، إلى التواجد والاستمرار في الحياة، والقدرة على تحقيق الذات وسط واقع شديد القسوة والتوحش.
ويمكنني أن أؤكد هنا، دون أن أخشى بالاتهام بالوقوع في غرام المشاهدة في حد ذاتها (أي الفُرجة المجردة) أنني استمتعت كثيرا بالفيلم، وضحكت كثيرا وأنا أشاهد تلك الشخصيات المكتوبة جيدا وهي تتحرك في بيئة مرسومة ومجسدة بشكل أكثر من ممتاز، ليس فقط من خلال الديكورات التي تنبض بالحياة بكل تفاصيلها، بل وأيضا بسلوكياتها وأنماطها وتناقضاتها واستخداماتها الخاصة للغة الشائعة، وصراعاتها الصغيرة التي يمكن أن تكبر، وارتداداتها إلى الخير رغم امكانية انحرافها في اتجاه الشر، وقبل هذا كله، وجودها المحسوس في قلب عصر الاتصالات الحديثة: الهاتف المحمول (الموبيل)- الذي يستمد منه عنوان الفيلم نفسه، والأطباق اللاقطة، والتليفزيون الفضائي، وشبكة الانترنت.
هذه العناصر كلها موجودة في الفيلم، ليس كديكورات خلفية أو كأدوات تعبر سريعا في فضاء الفيلم، بل في أساس وقلب الكوميديا، التي فيها الكثير بلاشك، كما ذكرت، من المبالغات بل والمواقف الميلودرامية التي تتصف أيضا بالمبالغات كما هو معروف، وهذا ليس عيبا كما قد يتصور البعض، بل مقبول تماما في فيلم يلمس الواقع بطريقته الخاصة التي تميل إلى السخرية منه، دون "تحليله" تحليلا سياسيا، وتوجيه الإدانات المباشرة كما يطالب البعض.
بطل الفيلم "ابراهيم توشكى" (الذي يقوم بدوره عمرو عبد الجليل) يعتبر في حد ذاته نموذجا يجمع كل صفات الإنسان الحائر، الذي يحاول باستماتة الاستفادة من التغيرات العشوائية التي طغت على مجتمع الحارة الشعبية التي يعيش فيها مع أمه التي كافحت من أجل تربيته (تقوم بالدور شويكار)، يريد أن يتزوج من "عبلة"، لكنه مرتبط بشكل ما، بـ"أشجان". والنموذجان مختلفان تمام الاختلاف، ما بين الفتاة التي تصلح كزوجة تقليدية، والمرأة المقتحمة المغوية اللعوب التي فرضت عليها ظروفها الشخصية أيضا استغلال امكانياتها الممكنة من أجل البقاء.
و"توشكى" نموذج كوميدي فذ للبطل المضاد المهزوم باستمرار الذي يفشل في التمثيل فيتحول إلى مجرد "كومبارس"، ويفشل في التجارة، فيلجأ إلى الاحتيال على شركات الهاتف المحمول لكي يبيع خدمة تناسب زبائنه العاجزين عن الاستخدام الحقيقي لهذه السلعة الحديثة لأنهم بساطة، لا يمتلكون ثمن المكالمات، فيكتفون عادة بإرسال رسائل قصيرة للطرف الآخر تقول له "كلمني.. شكرا".
واسم ابراهيم توشكى يحيلنا مباشرة إلى المشروع العملاق المعروف الذي انتهى إلى الفشل، في تعليق ساخر على فكرة الطموح الذي هو في الحقيقة، أكبر كثيرا من الواقع.
هناك بالطبع شخصيات أخرى تدور في فلك الفكرة الأصلية للفيلم، أي التحايل من أجل الاستمرار في الحياة في مجتمع مأزوم، أصبح الكثيرون فيه مهمشين، رغم علاقتهم بوسائل الاتصال الحديثة: شقيقة أشجان مثلا تتحايل من أجل استخدام شبكة المعلومات الدولية (الانترنت) للحصول على ثمن مكالمات اضافية تقوم ببيعها لصاحب دكان تأجير الهواتف المحمولة، فهي أيضا تبيع نوعا من "الوهم" المثير أو الخيال، بطريقتها الخاصة، لكنها تنجرف وراء عالمها الالكتروني الذي يصبح بديلا عن العالم الحقيقي، فتجري وراء سراب الهجرة إلى الخارج والزواج من رجل ثري، وسرعان ما تعود مهزومة مرتين بعد أن اتضح ان الأمر كله لم يكن سوى نوع من الاحتيال!
وهناك صاحب المخبز الذي يطلق لحيته ويدعي التقوى لكي يستغل الناس، ويبيع الدقيق المدعوم في السوق السوداء، لكنه أيضا جزء من الشلة القديمة التي تجمعه مع ابراهيم منذ أيام الطفولة، ويتمتع بالتالي بالقدرة على مواجهة الذات، وعندما تواجهه كارثة شخصية بوفاة ابنه، يثوب إلى رشده ويقرر العودة عن أفعاله السيئة، تأكيدا لفكرة الشر الطاريء الذي يفرضه الواقع الصعب، على أناس طيبين في قرارة قلوبهم.
وهناك ضابط الشرطة الذي يتصور أنه يطبق القانون بينما هو في الحقيقة يقمع محاولات البسطاء في الحصول على القليل من التسلية حتى من خلال اختراقهم لمباريات البطولة الدولية لكرة القدم التي بيعت حقوقها لمحطة فضائية.
هناك إذن نوع من "الكوكتيل" الذي يلمس الكثير مما يدور في واقع هذه الفئة من الهامشيين في المناطق العشوائية المصرية، ولكن دون اقحام للسياسي على حساب الإنساني، ودون أن يصبح الفيلم محاضرة مملة عن سلبيات الانفتاح الاقتصادي العشوائي وسياسات الدولة.
هناك براعة في الأداء من جانب كل الممثلين الذين شاركوا في الفيلم، وتمكن خالد يوسف كعادته، من السيطرة عليهم وتوظيفهم، وهو ما يجب أن يحسب له بينما ينكره عليه دائما المناهضون لأفلامه، فقط لأنها لا تحقق لهم من يطلبونه مسبقا من تغلييب الأيديولوجي على الفني. ويجب ألا ننسى أن في هذا الفيلم وجوها جديدة سيكون لها شأن في السينما المصرية مثل حورية وصبري فواز. وهناك براعة في نسج الأحداث، والانتقال فيما بينها، والقدرة على تحقيق إيقاع سريع متدفق ملائم تماما لفيلم كوميدي، واستخدام جيد لشريط الصوت بأغانيه الشائعة، وموسيقاه، وفي قلب ذلك، الاعتماد الأساسي البارز على بطل- لابطل (يقوم بدوره ببراعة الممثل الذي ولد مجددا عمرو عبد الجليل) يربط بين الشخصيات والأحداث، ويتداخل في كل مشهد، ويبدو عفويا في استخدامه للغة واشتباكه التلقائي مع غيره من الشخصيات، وفي قدرته على إشاعة جو من البهجة حتى في أحلك اللحظات. ويستخدم خالد يوسف ببراعة كل تفاصل الديكورات الجيدة الخارجية للحي الشعبي، مثل المواسير الضخمة التي يجتمع عندها أفراد الشلة، والبيوت المتجاورة والدكاكين والأسطح، كما يجيد تحريك واستخدام الأطفال والمجاميع الكبيرة من الممثلين الثانويين.
ربما يكون هناك بعض المغالاة في استخدام تعبيرات ذات مغزى خاص في سياق الحوار، أو بعض الإفراط في استخدام التعليقات اللفظية. لكن من المؤكد أن هذه التعليقات تبدو ملائمة تماما لهذه الشخصيات القريبة - الغريبة التي تتحرك أمامنا والتي لا نملك سوى التعاطف معها جميعها، وحبها وفهم ظروفها، والاشتراك معها في محاولاتها الحصول على بعض لحظات السعادة الضائعة.
"كلمني شكرا" فيلم بسيط لا يتحذلق ولا يدعي كثيرا، يصور ويعرض، يسخر ويعلق على ما يجري في الواقع اليوم، ولكنه أيضا يُمتع ويُضحك ويُصبح تجربة مثيرة في المشاهدة تحقق التفاعل بين المتفرج والشاشة، وهذا هو أساس السينما. وليس مطلوبا منه أكثر من ذلك.

الثلاثاء، 20 أبريل، 2010

فيلم "بالألوان الطبيعية": عين على الفن وأخرى على شباك التذاكر!

لاشك أن أسامة فوزي أحد أهم السينمائيين العاملين في السينما المصرية اليوم. ولعل أفلامه الثلاثة السابقة تكفيه لأن ينضم بجدارة، إلى نادي كبار السينمائيين أصحاب الرؤية السينمائية المتميزة، ذات الدلالات والأفكار الكبيرة، دون أن يعني هذا أنه كان يحشو أفلامه تلك، بالكلمات الكبيرة، أو يقحم عليها إقحاما، المعاني الاجتماعية والسياسية ويفرضها فرضا على المشاهدين.
إن تأمل أفلام أسامة فوزي السابقة "جنة الشياطين"، و"عفاريت الأسفلت"، و"بحب السيما"، لا تجعلنا نتوقف فقط أمام "الجرأة" في المعالجة، بل وطرق أبواب الكثير من "المحرمات" والقضايا "المسكوت عنها" في السينما المصرية عموما، بل وأمام أسلوب فني واثق ومتميز، يمزج بين الخاص والعام، الذاتي والموضوعي، وبين حدود الموضوع كعالم في حد ذاته، وبينه كنموذج مجازي لعالمنا الكبير. وقد بلغ أسامة فوزي ذروة النجاح في التعبير عن عالمه السينمائي، من خلال لغته الخاصة في التعبير، واستنادا إلى الأفكار التي ساهم في صياغتها سينمائيا رفيقه كاتب السيناريو هاني فوزي، في فيلم "بحب السيما" وهو الفيلم الذي يتجاوز فيه الإثنان معا، ما قدمه بعض كبار السينمائيين في تاريخ السينما المصرية طوال مسارهم الفني.
غير أن إغواء الدخول إلى المناطق "المحرمة"، أو الاجتراء على طرق دروب المسكوت عنه، قاد الثنائي هاني- أسامة، أخيرا إلى صنع فيلم "بالألوان الطبيعية"، فانزلقا فيما تمكنا من تجنبه ببراعة في فيلمهما السابق، أي في "المباشر" و"الخطابي"، وإقحام الكلمات الكبيرة، ومحاولة فرضها فرضا في سياق قسري يسير في اتجاه الوعظ، وينتهي بشكل مفروض من الخارج، مهووس بـ "الرسالة" المحددة، وهو ما يجعلنا نأسف كثيرا، لضياع كل ما بذل من جهد في هذا الفيلم الذي يفتقد كثيرا إلى الإقناع، ويميل إلى المبالغة الكاريكاتورية، والتكرار، والضغط طوال الوقت، على الفكرة الواحدة، والاعتماد على الحوارات الطويلة المرهقة، التي يحاول المخرج التخفيف منها، فيلجأ إلى الاستعانة بالأغاني والموسيقى الراقصة المفروضة فرضا، والتي تبدو في كثير من الأحيان، اقرب إلى ما يعرف بـ"الفيديو كليب"، أي تلك الأغاني الشائعة المصورة، ربما رغبة في مخاطبة قطاع الشباب تحت تصور وهمي أن هذه هي "السينما الشبابية" على غرار "الأغاني الشبابية" الشائعة.
الدين والدنيا
من ناحية، يريد أسامة فوزي أن يطرق مجددا موضوع العلاقة بين الدين والدنيا، وبين الفن والدين، وبين الإنسان والله، لكن سيناريو هاني فوزي (والعيب لاشك كامن في الأصل والأساس، أي في السيناريو السطحي) لا يمنح تلك الفكرة ما تحتاجه من جدية، ولا يعالجها على المستوى الوجودي أو الفلسفي أو الذهني مثلا، بل يميل إلى الاستخفاف بها ولمسها من الخارج بطريقة تبدو أحيانا كما لو كانت "هزلية" أو طفولية تفتقد إلى الإقناع.
ليس مهما أن توجد فكرة جيدة يسعى اي فيلم من بدايته إلى سبر أغوارها، ولكن المهم في كيفية معالجتها وتطويرها وتحويلها إلى بناء وسرد وشكل مقنع فنيا. وليس مهما أن يكون الفيلم معتمد على ما يدور في الواقع من تناقضات، بل المهم في تناوله لهذه التناقضات والتعبير عنها بلغة السينما الفنية، وليس بلغة الاسكتشات المسرحية الهزلية، أو المونولوجات الطويلة التي لا تكشف بقدر ما تنمط (هناك دليلا على ذلك شخصية زميل يوسف في كلية الفنون ويدعى "علي" الانتهازي عن وعي الذي يقيم علاقة جسدية مع "ليلى" تكون نتيجتها الانجاب).

مشكلة فيلم "بالألوان الطبيعية" أن العلاقات بين الشخصيات داخل فيلمه هي علاقات "شبه آلية".. شبه نمطية:

هناك أولا الشاب "يوسف" (كان العنوان الأصلي للسيناريو "يوسف والأشباح")، الباحث عن تحقيق ذاته من خلال الرسم، والذي يتمرد على رغبات والدته التي قامت بتربيته وحدها، فيلتحق بكلية الفنون الجميلة، بدلا من كلية الطب كما أرادت له والدته، لكنه يلتحق بقسم الديكور في حين أن موهبته الحقيقية هي في الرسم. وهو حائر بين مفهوم التعبير الحر عن الخيال من خلال الرسم حتى لو تمثل هذا في رسم الجسد البشري العاري، وبين مفهوم "الحرام" الذي امتد ليشمل كل ما له صلة بالفنون الحديثة وغيرها في المجتمع المصري اليوم، وبروز فكر "التحريم" الذي يجعل بطلنا يرى أشباحا تجسد هذه الفكرة طيلة الوقت: فكرة الخوف من الحرام والوقوع في الخطيئة. هذه المعاناة (الهاملتية) الواقعة داخل منطقة الصراع بين التعبير الفني الحر، والخوف في الوقوع في ارتكاب الحرام، نراها في الفيلم، ليس من خلال علاقات اجتماعية متشابكة ومتداخلة بين شخصيات من لحم ودم، تتصارع وتتجادل، تعيش في محيطها الطبيعي، حتى لو كانت تستعين على الواقع بالخيال، بل من خلال بناء هش سطحي لشخصيات من ورق، وسليتنا الوحيدة لمعرفة اي شيء عنها، الثرثرة والأعمال الطفولية.
طلاب الكلية مثلا يرغبون في الانتقام من أحد أساتذتهم بسبب تعاليه عليهم وإهماله لهم، فماذا يفعلون؟ يقدمون له هدية داخل علبة ملفوفة بشريط يفتحها فيجد داخلها كمية لا بأس بها من "البراز".. هل تصدقون أن هذا الذوق الغليظ الذي يمثل اعتداء فظا على البصر، هو ما تجود به قريحة مخرج مرهف الحس مثل أسامة فوزي؟ وهل كان هذا المشهد الذي مهد له بمشهد آخر، تجلس فيه إحدى الطالبات داخل دورة المياه، وباقي الطالبات والطلاب يصطفون في الخارج امام الحمام، يسألونها: هل انتهيت؟ فتجيبهم: ليس بعد، هل كان هذا المشهد هو التعبير الوحيد المتاح أمام أسامة فوزي وكاتبه الموهوب، للتعبير عن القبح والتطرف، وهل المباشرة الفجة هي الوسيلة الفنية الأفضل للتعبير عن الانتقام في أقبح صوره!
"يوسف" يسقط في "الخطيئة" مع إلهام- يسرا للوزي، الفتاة البريئة الخاضعة للقيم السائدة، التي لا يمكنها أن تقاتل من أجل الارتباط بمن تحب، وتنتهي إلهام تحت وطأة الشعور بالذنب إلى التحجب ثم ارتداء النقاب، والاحتجاب وراء أسوار سميكة من العزلة، فمفهومها للدين وقناعتها بضرورة الابتعاد عن "الحرام" تجعلها تنتهي هذه النهاية.

أما "ليلى"(فريال يوسف) فهي نموذج الشيطان، تحرض وتوسوس وتدفع إلى الانحراف في طريق الانتهازية، وتغوي بالجسد والمال والوظيفة، لكن يوسف بقناعاته التي يصل إليها وحده، يعود إلى رشده في النهاية، رافضا الانصياع لها أو للفساد المستشري في الكلية (كل الأساتذة تقريبا ضالعون في الفساد حتى النخاع، يستغلون مناصبهم لتحقيق المكاسب الشخصية على حساب أي قيمة) وهو يصل إلى ذلك "الحل الوسط" السحري الذي يتمثل في تحقيق التوازن بين الدين والفن، بين إرضاء الذات، وإرضاء الخالق، دون أن نعرف لماذا ينجح هو فيما فشل فيه الآخرون.

عن الأسلوب
أسلوب السرد في الفيلم يسير في اتجاه تقليدي، صاعدا إلى الأمام، لكن هذا المسار تقطعه الكثير من الخيالات والهواجس والكوابيس، التي لا تفلح كثيرا في تطوير الموضوع وتعميقه، بل تتلخص مهمتها في تقديم التأكيد على الفكرة التي كان من الممكن أن تصنع فيلما في نصف ساعة على الأكثر، ولم تكن تحتاج إلى كل هذا الحشو والتكرار والخطب الرنانة والمونولوجات والحوارات العقيمة والشخصيات النمطية التي تفتقر حتى لخفة الظل.
والمشكلة أن أسلوب الإخراج يفتقد إلى الوحدة، فهو يتراوح بين أسلوب الفيلم الذي يسعى لمحاكاة الواقع (ولا نقول الواقعي)، وأسلوب الفيلم الخيالي الذي يدور خارج الواقع، مع رغبة واضحة في التخفيف من وطأة الفكرة بالميل في اتجاه أفلام "التهريج" (التي يطلق عليها البعض الكوميديا الجديدة) من خلال تلك المبالغات اللفظية، والانماط الكاريكاتورية المبالغ فيها التي يقدمها مثلا لأساتذة الكلية، بأشكالهم الغريبة، وطريقتهم في الملبس والحركة والكلام. ونموذجا على الانسياق وراء "التهريج" المجاني، يختلق الفيلم شخصية "موديل" رجل، يقوم بها الممثل سعيد صالح، ربما توجد بين الواقع والخيال، ويجعله يسقط فجأة ميتا، ثم يجعل أحد الأساتذة (الفاسدين) يقوم بمساعدته على العودة مجددا إلى الحياة، في مشهد طويل لا يضيف أي جديد إلى الفيلم، تماما مثل ذلك المشهد الآخر الذي أغوى اسامة فوزي بتنفيذه وبدا مقحما على الفيلم، وهو مشهد الحفل التنكري الذي يدور داخل أركان الكلية، يريد أن يؤكد لنا من خلاله على فكرة "التدهور" والشهوة التي لا تعرف العاطفة. وكان من الممكن قبول كل ما يقدمه أسامة فوزي في فيلمه هذا الذي يحمل عنوانا رديئا على أي حال، لولا المشكلة الخطيرة التي تفسد الفيلم وتجعلنا نعجز عن متابعته، وهي تنتج عن ذلك الفقدان الملحوظ للقدرة على التحكم في الإيقاع الخاص بكل مشهد على حدة، وبالتالي في الإيقاع العام للفيلم.إن معظم مشاهد الفيلم تعاني من الترهل، أي الانسياق طويلا وراء الحدث المحدود الذي يدور داخل المشهد، والإطالة المذهلة التي تجعل المشهد يخرج عن كل ما يمكن احتماله، فالمخرج لا يعرف أين يقطع تحديدا لينهي المشهد وينتقل إلى ما بعده، حتى لو كانت النتيجة الاستغناء عن الكثير من الحوارات أو تقصيرها، والتخفيف من مشاهد مناجاة البطل للخالق، وهي مشاهد أصبحت عبئا على الفيلم بسبب مباشرتها ورداءة الحوار المكتوب لها، ودورانها حول الفكرة نفسها.
من المؤسف أن يسقط مخرج موهوب مثل أسامة فوزي، في هذا العمل المرتبك، الذي يفشل في التعبير عن الفكرة كما ينبغي، أي باقتصاد، وسلاسة، ولمسات فنية مبتكرة، ولغة سينمائية رفيعة، كما كان منتظرا. والسبب الأساسي في كل هذا الاضطراب يكمن في التردد الشائع، بين السينما الفنية، وسينما الشباك. أي بين الإخلاص للذات المبدعة وإحكام السيطرة على الفيلم بكل قوة، وبين الرغبة في مغازلة جمهور لن يبقى في ذاكرته، بعد كل هذه الخطب العصماء، سوى بعض مشاهد الإيحاء بالجنس.. وهو أمر مثير للحسرة بكل تأكيد!
عن التمثيل في هذا الفيلم أقول إن فريال يوسف في دور المعيدة الانتهازية، تبدو صاحبة موهبة لاشك فيها، بل إنها هي التي تحمل معظم الفيلم على كتفها، لكنها في حاجة إلى صقل هذه الموهبة بمزيد من التدريب على أداء أمام الكاميرا.
أما كريم قاسم في دور يوسف، فقد بدا ضئيلا في أدائه للشخصية، بل إن ترهل الشخصية وتكرار الفكرة التي تدور حولها، جعله يكرر أداءه بطريقة آلية، وعندما يريد أن يجعل أداءه اكثر إقناعا، نراه يبالغ ويغالي ويصرخ بصوته الذي لاشك انه في حاج إلى تدريبات مكثفة على استخدامه في الأداء. لايزال أمامه في الحقيقة، طريق طويل.
يسرا اللوزي: الفتاة الرقيقة الجميلة التي تحاول إقناعنا بوجودها فتبالغ في البكاء والانفعالات قبل أن تخرج من الفيلم مبكرا.
فرح يوسف (في دور ليلى) هي الاكثر رسوخا وقوة في التعبير والأداء، وثقة في استخدام تعبيرات الوجه وتبدو وهي تسيطر على الشخصية وليس العكس، وربما يرجع الفضل في ذلك إلى المسرح.

الجمعة، 16 أبريل، 2010

"5 دقائق عن بيتي": البحث عن الحرية

يؤكد فيلم "5 دقائق عن بيتي" للمخرجة الفلسطينية ناهد عواد أن الفيلم التسجيلي ليس مجرد "تسجيل" لوقائع، بصورة جامدة، تدعي الإخلاص الحرفي للواقع كما هو، بل إنه فضلا عن التسجيل الأمين للواقع وللأحداث التاريخية، فإنه يمكن أن يكون أيضا "رؤية فنية" مثله في ذلك مثل الفيلم الروائي، وأن يكتسب جماله من ذلك النسيج الدقيق الذي يصنع رؤيته، وهو نسيج من الشخصيات والقصص والأحداث التي تصنع لها "دراماها" الخاصة، ومفارقاتها الشعرية المكثفة التي تبوح من بين الصور، بالكثير.
كان المكان دائما مولدا للكثير من الأفكار الكبيرة، سواء في الفيلم التسجيلي، الوثائقي، أم الفيلم الروائي.
وقد التقطت ناهد عواد بذكاء، قصة كاملة يمكن القول إنها قصة البحث الشاق عن الحرية، من خلال صورة فوتوغرافية لمطار القدس القديم الذي أغلقته سلطات الاحتلال الإسرائيلي بعد احتلالها للضفة الغربية في 1967، وأصبح اليوم مجرد أطلال، أو منطقة عسكرية إسرائيلية تجول فيها الدوريات العسكرية، وامتلأت المنطقة المحيطة به بالمباني السكنية.
لكن الذكريات بقيت راسخة ومحفورة في عقول وأذهان وقلوب الكثيرين، الذين ارتبطوا بالمكان، كمكان للعمل، وكرمز للحرية، للقدرة على السفر، والتواصل مع العالم. واليوم انتهى زمن مطار القدس، وأصبحت السلطات الاسرائيلية تحظر على فلسطينيي الضفة اسخدام مطار بن جوريون في القدس، القريب منهم، وترغمهم على اللجوء إلى مطار عمان بكل ما يقتضيه هذا من تصاريح للعبور والسفر وغير ذلك.
لكن لعل أهمية فيلم ناهد عواد، تكمن أيضا في الشكل الفني الذي تصوغ من خلاله موضوعها، أي تلك "الرؤية" التي نضجت ونمت تدريجيا حتى بلغت مرحلة الاكتمال.
يتكون نسيج الفيلم من عشرات الذكريات التي يروها الكثير من الأشخاص، من الطبقة الوسطى، ومن البسطاء، من النساء ومن الرجال، من الذين ارتبطت ذاكرتهم بالمطار في مرحلة زمنية سابقة تبدو الآن كحلم بعيد زائل، كما ارتبطت بتاريخ طاغ بقسوته، تاريخ احتلال غاشم، لكن هذه الذكريات تنتقل أيضا وتنقلنا معها، عبر الصور الفوتوغرافية العديدة التي تستخدمها المخرجة، وشهادات الشهود الذين عاصروا الماضي، إلى تأمل ما وقع من تغير أيضا على صعيد البنية الاجتماعية الفلسطينية نفسها: كيف كانت صورة المرأة وكيف أصبحت، كيف تراجعت الحداثة، وكيف أصبح الناس اكثر تشككا، وأكثر انغلاقا وانعداما للثقة فيما يجري حولهم.
هذا الفيلم البديع يعيدنا إلى منطقة ظلت طويلا مهمشة أو متغاضى عنها، إلى جوهر الحياة الاجتماعية الفلسطينية: كيف كانت وكيف أصبحت، إلى علاقة الإنسان بالإنسان، وعلاقته بالمكان ومدى إدراكه لمغزاه ومعناه وافتقاده له، وإلى الماضي في علاقته الوثيقة بالحاضر مهما كان قاسيا.
في هذا الفيلم عشرات الصور والمقابلات، اللقاءات والافتراقات، منها ما هو عفوي، التقطته كاميرا ناهد عواد لحظة وقوعه، كما التقطت الكثير من وثائق الفترة المصورة وشهادات الشهود عليها، وهذا هو العنصر الوثائقي. ومنها ما أعيد تجسيده وتوليفه باستخدام مفردات شعرية: النسيج الذي تحمل لقطاته الكثير من الدلالات: الطيور التي تحلق في السماء، وهي "موتيفة" متكررة عبر الفيلم، اللقطات المصورة من مسافة، للمطار حاليا والأسلاك الشائكة تحيط بها، بما يشي بفكرة "المحظور"، وبفكرة غياب الحرية.. القدرة على المحافظة على الذكريات من خلال الاحتفاظ بصور وأغاني الفترة، من الخمسينيات والستينيات عندما كان الوضع مختلفا.
وتربط ناهد عواد ببراعة في فيلمها، بين الخاص والعام، أي بين القصص الشخصية لأبطال فيلمها الذين يتذكرون، ومنهم من كانوا يعملون كطيارين أو كمضيفات، أو موظفين أرضيين أو في وكالات للسفر، بما في ذلك استعادة لحظات السعادة الشخصية، في الحب والزواج وقضاء شهر العسل في الخارج (عبر مطار القدس الذي كان)، وبين المغزى العام للوضع الحالي بعد إغلاق المطار (وتدمير إسرائيل مطار غزة في 2002) اي زوال فكرة التنفس، أو القدرة على النفاذ إلى العالم الخارجي بسبب غياب أبسط شكل من أشكال التواصل مع العالم أي المطار، الذي يتوفر في كل بلدان العالم فيما عدا الأراضي الفلسطينية التي يقولون إنها تتمتع بالحكم الذاتي الفلسطيني!
ورغم أننا في فيلم كهذا لا يمكننا إغفال البعد السياسي الواضح بطبيعة الموضوع نفسه، إلا أن الفيلم يبتعد عن النمطية، وعن الكليشيهات السياسية، وعن الشعارات، وعن فكرة الإدانة المباشرة بالكلمات، فمخرجته بحساسيتها الخاصة، تفضل التركيز على الجانب الإنساني، وتتعامل مع الشخصية الإنسانية الفلسطينية، من مختلف الفئات والطبقات والأديان، لكي تجعل البعد الإنساني هو البعد الأكثر برزوا، الذي يروي لنا، دون شعارات، كيف كان الحال وكيف أصبح، كيف كان السائقون يشقون طريق المطار بحرية، وكيف أصبحوا يخشون الاقتراب منه بسبب التوقيف والتفتيش وضرورة استخراج التصاريح، بل إن هناك تفكيرا من جانب السلطات الإسرائيلية حاليا في وضع بوابات على الطريق تعمل ببطاقات ممغنطة، كما تفكر في بناء مستوطنة إسرائيلية محل المطار.
وتعتمد المخرجة في بناء رؤيتها أيضا على شريط صوت يتمتع بالحيوية والجاذبية ويعيدنا إلى الماضي الذي تروي عنه شخصيات الفيلم، إلى زمن فريد الأطرش وعمرالشريف وفاتن حمامة، وسميرة توفيق ونجوى فؤاد، وكل هذه الشخصيات كما نعرف من الفيلم، كانت تأتي إلى مطار القدس، وكان عمرالشريف يشارك وقتها، بالتمثيل في فيلم "لورنس العرب" أول أفلامه خارج مصر، وكان لايزال متزوجا من فاتن حمامة. وكان الملك حسين ملك الأردن، يستخدم المطار أيضا "وكان شابا يرتدي الملابس العسكرية". وهناك الكثير من الصور لهذه الشخصيات يستعرضها الفيلم من خلال استعراض أرشيف "يوسف جحار" الذي كان يعمل ضابطا من ضباط المراقبة في المطار (كان يتأكد من المسافرين ومن توفر الوقود للطائرة ومن كل ما يتعلق بالشحن الجوي ومن سلامة الطائرة وغير ذلك.
وكانت "هانية ياسمينة" مضيفة بشركة عالية الأردنية (حينما كانت الضفة تابعة للأردن)، وقد تركت العمل بالمطار عام 1964. ومن خلال مثل هذه الشخصيات المتعددة التي تظهر في الفيلم، نعود إلى ذكريات الماضي، من خلال حكاياتها أو صورها الشخصية، دون أن يخرج الفيلم عن مساره، أي عن موضوعه الأساسي، أي بعيدا عن الوضع العام، أي المشكلة الإنسانية العامة القائمة.
"5 دقائق عن بيتي".. كان هذا الاكتشاف هو الذي دفع المخرجة إلى صنع الفيلم، فكرة كيف كان السفر للخارج بمثل هذه البساطة، مسافة 5 دقائق من حيث تقطن إلى المطار، ومنه إلى العالم.
الصور في الفيلم ليست مجرد طرق وبيوت وشخصيات تروح وتجيء، وشخصيات تروي للمخرجة التي تقف وراء الكاميرا توجه الأسئلة أحيانا، بل نسيج متكامل من الصور والأصوات والموسيقى والأغاني التي تعيدنا إلى أجواء الماضي: أغاني فريد الاطرش وفيروز، ثم نقفز إلى الحاضر القريب، كيف أقام الكويتيون مسجدا في المنطقة أصبح يعرف بمسجد المطار، ثم نصل إلى الجدار الفاصل الذي أقامته إسرائيل في الضفة الغربية، والذي أصبح يغطي اليوم على منظر المطار.
وتختتم المخرجة فيلمها فتقول إنها لا تريد أن تراه، لأن من الأفضل أن تظل صورة المطار في ذهنها رغم أنها لا تستطيع أن تسافر منه!
والفيلم الذي تبلغ مدة عرضه 52 دقيقة، يتجاوز طابع الريبورتاج التليفزيوني المعروف، الذي يعرض ويقارن، إلى الفيلم التسجيلي الحديث الذي يحلل، ويناقش وينقب ويبحث ويعرض ويتوقف أمام الكثير من النقاط والشخصيات، يمزج بين الشخصي وغير الشخصي، وبين التاريخ والحاضر، ويعبر أيضا عن الرؤية الذاتية لمخرجته، همومها وأحلامها وتطلعاتها الخاصة، في الحرية، كمعادل لتطلعات شعبها كله. وهو ما يجعل الفيلم يصل برسالته إلى مشاهديه، دون أن تكون الرسالة مقحمة.

الخميس، 15 أبريل، 2010

عودة إلى الملف القذر لمهرجان وهران السينمائي


كنت قد أغلقت باب مهرجان وهران السينمائي المزيف الذي اتضح أنه يستخدم في تجميل وجه نظام سياسي قبيح شأنه في هذا شأن كل الأنظمة العربية (لا أستثني منها نظاما) لولا أنني تلقيت عددا من الرسائل التي تتفق أو تختلف أو تتساءل، لذا تعين علي العودة مرة أخرى، لعلها تكون الأخيرة، إلى هذا الملف القذر. ولن أنشر هنا الرسائل التي تمتدح إقدامي على إصدار البيان الذي أصدرته أثناء حضوري مهرجان تطوان السينمائي في المغرب، ومنها ما أشاد بموقفي واعتبره شجاعة وموقفا يجب أن يحتذيه النقاد العرب، وغير ذلك من إطراء أعتز به، بل سأكتفي ببعض الرسائل التي تتساءل أو تشكك أو تعترض.
أمير العمري
* سؤال من حاتم الشرقاوي من القاهرة: لماذا اخترت فتح هذا الموضوع في هذا الوقت بالذات، وبهذه الطريقة ولم تفتحه من قبل رغم مضي فترة طويلة على المهرجان؟ الإجابة أنني آثرت طوال الأشهر الماضية التريث حتى تنتهي عمليات التراشق الإعلامي المتخلف، التي أدنتها بشدة في بياني، بسبب التنافس حول مباريات كرة القدم، حتى لا أُتهم بأنني ألعب دورا من أي نوع في هذا النزاع السخيف الذي شاركت فيه مجموعات من الغوغاء من كلا البلدين، وإن كنت على يقين بأن الحكومة الجزائرية بتكوينها الذي أعرفه جيدا بحكم إقامتي في هذا البلد خلال الثمانينيات، ومعرفتي أيضا بالعقلية السائدة عموما وبمزاجها العام وبتكوينها النفسي، تتحمل وزرا أكبر في تصعيد الأمور وتأزيمها واستفزاز الطرف الآخر الذي لا أبرؤه بالمناسبة، بعد أن استخدمت السلطات الجزائرية، كما هو ثابت بالصوت والصورة، طائرات نقل عسكرية لنقل الآلاف من عتاة الإجرام المدججين بالأسلحة البيضاء، واستخدمت الحشد الهائج لإحاطة المباراة الفاصلة بين المنتخبين في استاد أم درمان بالسودان بجو من الرعب والإرهاب والعنف.
المهم أنني آثرت الابتعاد عن هذه الأجواء حتى تنحصر قضية مهرجان وهران في الشأن الثقافي فقط، إلا أن الأمر رغم ذلك، لم يخلو من تعليقات عدد من الغوغاء الذين تفرغوا للهجوم البشع بأحط الأساليب، من خلال تعليقاتهم على مواقع الانترنت، والرد بأسلوب متدن على كل انتقاد يوجه لسلوك متخلف يأتي من الجزائر، ووصل الأمر أن اتهمني بعضهم بالضلوع في المؤامرة إياها، على الجزائر في حين انني أبريء الشعب الجزائري تماما من تصرفات حكومته، بالضبط كما أبريء الشعب المصري من تصرفات السلطة الاستبدادية الحاكمة.
أما السبب الرئيسي لصدور البيان في هذا التوقيت فهو ما نشر في الصحف الجزائرية من فترة قريبة، تحت عنوان "المصريون يكذبون من أجل الاحتفاظ بالمال" ويقول إن الفائزين بالجوائز المالية في مهرجان وهران (يعدد الخبر الأسماء) حصلوا على القيمة المالية بالكامل، و"دخلت الأموال إلى حساباتهم المصرفية بالفعل طبقا لما صرح به مسؤولون في مهرجان وهران". وقد أوضحت في بياني أنني لم أكن لأكترث لهذه الترهات لو لم يكن اسمي قد ورد ضمن طيات هذا الخبر، باعتباري واحدا من أولئك الذين "يكذبون" بينما دخل المال حساباتهم. وقد أرسلت بطريقة ما إلى المسؤولين في مهرجان وهران، أطلب تفسيرا لهذا التصريح، فلم أتلق ردا رسميا من طرفهم كالعادة، بل إنني لم أتلق منهم بشكل رسمي أي شيء يفيد أصلا بوجود جائزة وطريقة تسليمها.. فهل السكوت على هذا أمر يتفق مع الحفاظ على الكرامة؟ أرجو أن أتلقى إجابة من دعاة الشرف والكرامة في الجزائر.

* رسالة من قارئة تدعى ماجدة تقول إنها صحفية جزائرية، كتبتها بلغة انجليزية مهشمة مكسرة، لا أعلم لماذا، رغم علمها أنني أقرأ وأكتب العربية ولا أعاني من خلط العربية بالإنجليزية، لا في حديثي ولا في كتاباتي.
المهم أنني تمكنت بصعوبة من فهم ما تريد قوله وهو أنها صدمت من بياني، ومن أنهم يتمتعون بحرية أكبر بكثير في الجزائر مما هو متاح في "منطقتي"، وتتهمني بأنني رغم إقامتي في بريطانيا منذ 30 عاما (25 فقط في الحقيقة!) إلا أنني رجل "قبلي" في تفكيري، تقصد بالطبع القول إن انتقادي الشديد لمهرجان يقام في الجزائر، ينطلق من منطلقات شوفينية مصرية معادية للجزائر بسبب الحرب الكروية المتخلفة التي سادت بين أجهزة الإعلام، وانغمس فيها عدد من الشباب "الضائع المضلل" في البلدين عبر الانترنت والتعليقات التي تنشر في مواقع بعض الصحف.
وطبعا ماجدة هذه، مثلها مثل غيرها، من الذين ولدوا بالأمس فقط، جاءوا إلى ساحة القراءة أخيرا، ولذلك فهم لا يعرفون ماذا أكتب ولا كيف أفكر لأنهم لم يقرأوا لي شيئا من قبل، فلو كانوا يقرأون لكانوا قد عرفوا أنني من أشد المنتقدين لمهرجان القاهرة السينمائي منذ 30 عاما، وأنني من أكثر النقاد تصديا لنقد المؤسسات الثقافية المصرية، ومن أكثر النقاد (المصريين) اهتماما بالسينما العربية وبالأفلام التي تنتج في بلدان عربية غير مصر، في سورية وتونس والجزائر والمغرب وفلسطين ولبنان، أو تلك التي يخرجها سينمائيون عرب في أوروبا، وغيرها، ولي في هذا المجال مقالات ودراسات موسعة منشورة منذ الثمانينيات، عن السينما الجزائرية، وتربطني علاقات صداقة شخصية مع عشرات من المثقفين والسينمائيين والنقاد العرب، الذين يعرفون جيدا أنني متحرر من الإطار الضيق للجنس وللعرق وللدين، بل أعتبر نفسي انتمي للإنسانية كلها بأفق وعقل مفتوحين على اتساعهما، لكني لست بالتأكيد ممن يعتقدون في تميز العرب عن غيرهم من الشعوب أي أنني لست من القوميين العرب أو من دعاة أن كل العرب "كيف.. كيف".
ومن ينقد السلبيات في بلده لا يعد عدوا لبلده بل محبا حقيقيا له، لأنه يريد أن يراه أفضل مما هو عليه، ومن ينقد مهرجان وهران لا يقصد إهالة التراب على الشعب الجزائري وإبداعاته الثقافية التي لاشك فيها، بل يريد أن يرى مهرجانا حقيقيا يقام في الجزائر لا يستخدم فيه المثقفون، ولا يتم الضحك على ذقونهم بادعاءات كاذبة. وهذا من باب الإخلاص للسينما والإيمان بقضية النقد، وليس انحيازا لدولة عربية لأنها عربية، فقد قلت إنني لا أعير الأصول العرقية أي اهتمام، ولست من أنصار فكر حزب البعث، ولا أي حزب من الأحزاب اليسارية القومية أو الوطنية الضيقة الأفق، بل اعتبر نفسي كما قلت، من أصحاب الفكر الإنساني المفتوح.

الرئيس السابق للمهرجان الذي أبعد إلى منصب دبلوماسي

* رسالة من الصديق صالح الجارودي من البحرين، وهو بالمناسبة من عشاق السينما الحقيقيين النادرين، ومثقف من الطراز الرفيع، فهو يجوب، منذ سنوات بعيدة، مهرجانات السينما العربية على نفقته الخاصة كهاو عظيم للسينما، ولا يطلب لنفسه أي شيء. وكنت قد التقيت به للمرة الأولى في أواخر الثمانينيات في مهرجان فالنسيا في أسبانيا، ثم في مهرجان قرطاج بتونس، ثم التقيته أخيرا في دبي. وهو يقول لي في رسالته إن ما أثرته في بياني حول مهرجان وهران طرح نقطة قوية، وإنه يفهم أن الموضوع لا علاقة له بالمال بل بالمباديء. وأقول للصديق صالح: نعم، الأمر لا يتعلق بالمال الذي أعلنت استعدادي للتبرع به بالفعل لفقراء الجزائر، ومرة أخرى أراد الغوغاء تحوير كلامي لجعله يبدو وكأنه إهانة موجهة للجزائريين، بينما هي صفعة لنظام يقمع الجزائريين، فهل تخلو الجزائر من الفقراء.. وهل وجود فقراء في بلد ما أمر مشين لهذا البلد أم هو سبة في جبين أي حكومة تدعي تمثيل الشعب؟ أضف إلى ذلك أن هناك فقراء في بريطانيا حيث أقيم، وفقراء في أمريكا، وفي مصر طبعا (وهذا ليس عيبا في حق الفقراء الشرفاء) بل العيب كله في حق الحكومات الظالمة والطبقات المستغلة كما أوضحت.
ولو كنت أنشد الحصول على المال لما أصدرت بيانا بهذا الوضوح والقوة والقطع ولانتظرت أن يتفضل علي مهرجان وهران بدفع قيمة الجائزة، لكني أردت وضع خط في الرمال لمثل هذه المهرجانات والتظاهرات الوهمية الكاذبة التي تستغل وجود النقاد لتحقيق أغراضها دون أن تقيم وزنا حقيقا لهم.
وكان ما أثار رغبتي في إصدار البيان أساسا، وكما أوضحت في صلب البيان نفسه، ما نشر في صحف جزائرية، وورود اسمي فيه ، من أن الفائزين (المصريين) بجوائز مهرجان وهران قد حصلوا على المال لكنهم يكذبون ويقولون إنهم أعادوا الجوائز من أجل الاحتفاظ بالمال، كما سبق أن أوضحت.
* رسالة من الأخ زهير من اسبانيا يعلق فيها على ما ذكرته حول موظفة في المهرجان وصفتها في تعليق لي بأنها "من الدرجة العاشرة". يقول زهير إنه ليس أمرا معيبا أن يكون أي شخص موظفا من الدرجة العاشرة في أي مهرجان طالما أنه يؤدي عمله. وأنا أتفق تماما مع الأخ زهير، شريطة أن تتمتع الموظفة أو الموظف في هذه الحالة، بالأخلاق والأدب ومعرفة الحدود واحترام الآخر، وقد أوضحت في تعليقي أن هذه الموظفة معروفة أصلا بقلة الأدب والوقاحة، وأنها كانت تتردد على بيوت السينمائيين والنقاد في مصر لاستجداء حضورهم للمهرجان بأفلامهم، وأصبحت اليوم تتصدى بطريقة غير أخلاقية، للهجوم عليهم بالقول (في رسالة مباشرة موجودة تحت يدي) إنه لم يعد هناك أحد يثق فيهم بعد ما حدث في موضوع كرة القدم. وإن الغيرة تأكل قلوبهم من هزيمتهم في السودان (أترون مقدار الوضاعة والتدني!).
وأود أن أقول للأخ زهير (وهو موظف قديم في مهرجان فالنسيا) إن كلامي عن هذه الموظفة ورد أساسا، في معرض التدليل على تقاعس المسؤولين الكبار في مهرجان وهران عن الرد على بياني أو تقديم أي تفسير لما حدث، في حين تصدت هذه الموظفة الصغيرة للدفاع عنه، ومحاولة تأليب مدير مهرجان تطوان المغربي ضدي، عندما ذهبت تشكو له من أنني استخدمت مهرجانه لتوزيع بياني، رغم أنني سبق ان أعلمت مهر جان وهران بأنني سأفعل ذلك بالضبط، في رسالة أعلم أنها وصلت إلى من يهمه الأمر. وقد أشارت الصحف الجزائرية المستقلة نفسها إلى تقاعس المسؤولين عن الرد على ما وجهته إليهم من اتهامات، واستهجنت سلوكهم، بل ووجهت هذه الصحف انتقادات شديدة للمهرجان ولوزارة الثقافة الجزائرية وتنبأ بعضها باحتمال إغلاق المهرجان. وقد نشرت ووثقت لمعظم ما نشرته الصحف الجزائرية حول الموضوع، ويستطيع من يرغب، العودة إلى ما نشر في هذا الموقع للاطلاع والمراجعة.
* رسالة من صديق طلب عدم ذكر اسمه، يتساءل بعد أن يعلق بشكل سلبي وبلغة حادة كثيرا، على المهرجانات السينمائية العربية ويدينها إدانة كاملة: لماذا رفضت مهرجانا وصفته بأنه من أعمال الهواة، في حين شاركت في مسابقة النقد التي ينظمها نفس المهرجان؟ سؤال جيد تردد أيضا في بعض التعليقات ولكن بأسلوب ولغة بذيئة لم تكن تستحق الرد، كما ورد في طيات رسالة الأخت ماجدة من الجزائر التي تكتب بلغة إنجليزية لا تعرف قواعدها.
الرد على هذا السؤال الذي يبدو للبعض لغزا، أمر بسيط للغاية: نعم اكتشفت وأنا في طور إجراء الاتصالات مع مهرجان وهران أنه مهرجان يدار بطريقة الهواة وبشكل عشوائي مضطرب، وليس على أسس علمية، فهو مثلا يخصص موقعا له على شبكة الانترنت، لكنه لا يعلن عن انعقاد الدورة القادمة إلا قبل ثلاثين يوما من افتتاحها، بالتالي فالموقع ليس للمهرجان ككل بل للدورة، أي على طريقة سياسية الدورة.. دورة، على نمط الخطوة.. خطوة!
وإذا أردت معرفة أي شيء عن المهرجان من خلال هذا الموقع فلن تتمكن من ذلك إلا بعد أن يعقد رئيس المهرجان مؤتمرا صحفيا يعلن فيه التفاصيل أي قبل أيام من اقامة الدورة الجديدة. واذا أردت المشاركة بفيلم أو بمقال أو التسجيل للتغطية الإعلامية لن تتمكن من خلال البريد الالكتروني الموجود على الموقع بكل عنواينه، لأنه ببساطة، لا يعمل، بل يجب أن تكون لديك القدرة على الاتصال الشخصي المباشر، بأرقام هواتف لا يرد معظمها. والمسؤول الصحفي للمهرجان لا يعرف كيف يكتب رسالة في الرد عليك، ربما لأنه لا يستطيع الكتابة بالعربية، بل ولا تعرف له أي علاقة بالصحافة من قبل، وهو لا يرد بالتالي، على رسائل الصحفيين والنقاد. وقد اعتذرت بشكل قاطع ومختصر عن الذهاب إلى المهرجان بعد أن تعرضت للتعامل الغليظ من قبل تلك الموظفة الصغيرة التي تفتقر إلى الأدب والكياسة، بعد أن ظلت تتجاهل محاولاتي ترتيب تغطية تليفزيونية يومية من هناك، رغم أنه أمر يسيل له عادة لعاب أي مهرجان، وطبعا السبب هو الاضطراب والفوضى وانعدام الخبرة وسيطرة اجهزة الأمن المخابرات في دول فاشية بطابعها، على مهرجانات رسمية من هذا النوع، علما بأننا لم نكن نرغب في تلقي أي دعوة لطاقم التليفزيون، بل كنا سنستخدم طاقما محليا من مكتبنا في الجزائر، وكنا سنتحمل الإقامة الكاملة.
وقد اعتذرت ايضا عن عدم كتابة ورقة بحث أشارك بها في الندوة التي كانت مقررة والتي دعيت للمشاركة فيها في المهرجان بعد أن رفضوا تخصيص مكافآت مالية للنقاد المشاركين فيها، على أساس أن سأكتفي بالحديث فقط. وقد وجدت أن تصرف المهرجان مع النقاد تصرفا غريبا من قبل مهرجان يعلن أن ميزانيته 2 مليون دولار، فماذا يضيره إذا ما خصص 15 ألف دولار مثلا للإنفاق على حلقة النقد السينمائي، ولماذا يظل يطلب من النقاد العمل التطوعي، وهو ما أراه امرا شائنا لأنه يفترض انني واقع في غرامك لكي أقبل العمل لك بالمجان، أو انني في حاجة إلى الطعام والشراب، في حين أن تحمل الجهد والوقت ومتاعب السفر يكفي وأكثر. وقد كان يقيني دوما، أن المهرجانات تحتاج إلى النقاد وليس العكس، ولكن النقاد دائما مهمشون في المهرجانات العربية بشكل عام، مطلوب منهم التواجد، لإضفاء جو ثقافي على مهرجانات هي أقرب إلى حفلات الكباريه. إن من يكلف شخصا محترفا بعمل ما لابد أن يكون مستعدا لتحمل تكاليفه. واما مشاركتي الأخيرة في ندوة النقد في مهرجان تطوان بالمغرب فهي تختلف، أولا بحكم علاقة الصداقة الطويلة (20 سنة) التي تربطني بالمجموعة التي تنظمه،وهي مجموعة من هواة السينما، وثانيا لأنني لم أسلم لهم الدراسة التي أعددتها بل اتفقت مع جهة أخرى على نشرها. وقد كان النقاد الفرنسيون الذين شاركوا في الندوة نفسها، أكثر حصافة من معظم النقاد العرب الذين كتبوا مجانا، فلم يكتب أي فرنسي أي ورقة او دراسة، بل اكتفى بالحديث المرسل عن تجربته الشخصية، فالكتابة عمل، والعمل يجب أن يكون له مقابل، أما من يهين نفسه بالعمل التطوعي لمهرجان ينفق عن بذخ على الحفلات فأمر لا أفهمه.
وقد عادت الموظفة نفسها قبل عشرة أيام من انعقاد مهرجان وهران، لتسألني عن ملخص الورقة التي سأشارك بها في الندوة، فاعتذرت عن حضور الندوة وحضور المهرجان كله في رسالة مقتضبة، لكني أبقيت مشاركتي بالمقال النقدي في أول مسابقة من نوعها ينظمها مهرجان عربي سينمائي. وكنت أعتبر ان هذا الجانب وحده أمر إيجابي ينبغي تشجيعه، لأنه اعتراف، ولو كان ناقصا، بالنقاد وبقيمة ما يفعله النقاد، وقد صرحت بهذا الرأي لأكثر من موقع ومطبوعة داخل وخارج الجزائر.
وقد شكل المهرجان لجنة تحكيم مستقلة لم تعلن أسماء أعضائها سوى بعد إعلان جائزة القلم الذهبي، أي أنني لم أكن أعلم بأسماء الأعضاء مسبقا، واعتبرت فوزي بالجائزة كما صرحت في مقابلة منشورة مع صحيفة جزائرية، لا يضيف شيئا إلى رصيدي، فرصيدي الحقيقي يتحقق عبر تواصلي اليومي مع القراء وما أتلقاه منهم من تعليقات وآراء إيجابية للغاية، ولكن الجائزة لاشك أنها تضفي قيمة على النقد السينمائي نفسه، وتجعله لا يقل أهمية عن المنجز السينمائي أي الفيلم، وهذا ما كنت أسعى إلى تحقيقه منذ أن انتخبت رئيسا لجمعية نقاد السينما المصريين في 2001 وحتى يومنا هذا، أي جعل النقد لا يقل أهمية عن الإبداع السينمائي، فهل يعد هذا موقفا سلبيا!
أريد أيضا القول إن القيمة المادية للجائزة لا تعني لي شيئا. والطريف أن الكثير من وكالات الأنباء التي نقلت خبر فوزي بجائزة القلم الذهبي ذكرت أن قيمتها 10 آلاف دولار في حين انها 5 آلاف دولار، لم تدفع ولم تكن هناك من البداية نية لدفعها كما اتضح لي مع مسار الأحداث.
نعم انسحبت من المهرجان لتفاهته ولإدراكي بأنه تظاهرة شكلية تستفيد من وجودي ووجود غيري، ولا تضيف لي شيئا، وأبقيت على مشاركتي في مسابقة النقد التي كنت اعتبرها أمرا جديدا يدعم، ولو على استحياء، من قيمة ما نقوم به نحن النقاد، وأقصد كل النقاد الشرفاء، ولم يكن المهم أن أفوز أنا بها، فقد أغنانا الله عن أموال وهران وغير وهران، بالعقل والفكر، ولكني كنت مهتما بفكرة تقدير النقاد نفسها التي يمكن أن تعمم فيما بعد.. فهل كان الخطأ خطأي أنني شاركت؟ وكيف يمكن أن تنقلب الأمور على هذا النحو، فبدلا من توجيه السؤال إلى الجهة التي تدعي كذبا أننا "قبضنا" الأموال، وتجعل الغوغاء يكتبون التعليقات البذيئة التي تعكس تخلفهم العقلي، ويتساءلون في فزع: لماذا تخصصون أموالنا لأشياء التي لا قيمة لها.. أي السينما والقائمين عليها.. وللمصريين الذين يطمعون في أموالنا ثم يهاجمونا، بدلا من توجيه اللوم إلى هؤلاء، نوجه السؤال إلى الضحية الذي استخدم اسمه في الحالتين بشكل مضلل: أولا في الإعلان عن جائزة، وثانيا في الإعلان كذبا، عن قبضه قيمة الجائزة، واتهامه، ضمن آخرين، بالكذب! أقول لكل هؤلاء: وفروا أموالكم وانفقوها على الفقراء في بلادكم، واغلقوا مهرجان وهران السينمائي الذي أصبحت سمعته تزكم الأنوف على أي حال!
أود ان أختم بالتالي:
* لا نريد مهرجانات سينمائية وهمية.
* النقاد المحترمون لا يحتاجون للمهرجانات بل المهرجانات تحتاج إليهم.
* النقاد الذين لا يحترمون تاريخهم ولا أنفسهم يستحقون أن يعاملوا بازدراء من بعض الجهلة والأدعياء والموظفين الذين يعملون في خدمة أجهزة المباحث وأمن الدولة اي الحكم، والإعلام الرسمي الحكومي الخاضع لأجهزة تعذيب الممواطنين.
* الذين يركعون من أجل دعوة لمهرجان للأكل والشراب مجانا لا يستحقون ان يوصفوا بأنهم نقاد بل من مرتزقة الصحافة الحقيرة التي تربت في حضن أجهزة الأمن والقمع الثقافي والفكري والجسدي.. في مصر كما في سورية كما في الجزائر.
واعتبر البيان الذي أصدرته درسا لكل هؤلاء وتحديا لهم.

الثلاثاء، 13 أبريل، 2010

فيلم "الحدود": كتابة التاريخ بالسينما

من أهم الأفلام التسجيلية التي عرضت في مهرجان روتردام السينمائي 2010، فيلم "الحدود" Border القادم من سلوفاكيا للمخرج الموهوب ياروسلاف فويتشك.
هذا الفيلم استغرق تصويره سبع سنوات. وهو يتابع بشكل دءوب وشبه يومي، ما يحدث في حياة سكان قرية سليمنشي، وهي قرية تقع أساسا، في أراضي سلوفاكيا، ولكن بعد دخول القوات السوفيتية عند نهاية الحرب لعالمية الثانية، ثم القيام برسم الحدود بين تشيكوسلوفاكيا وجمهورية أوكرانيا (السوفيتية)، قرروا أن يمر خط الحدود بهذه القرية فيقسمها إلى قسمين، يتبع كل قسم منهما دولة من الدولتين، دون أدنى مراعاة لأوضاع سكان القرية الواحدة، ولا معاناتهم وتمزقهم بين الدولتين عبر الحدود.
والطريف أيضا أن معظم سكان القرية من أصول مجرية، وكان منهم من أصبح تابعا لسوفاكيا حاليا ومنهم من ظل تابعا لأوكرانيا حتى بعد انفراط عقد الاتحاد السوفيتي في أوائل التسعينيات.
ويتابع الفيلم مصاعب الحياة اليومية للسكان الذين انقسمت عائلاتهم فيما بين الجهتين، بل إن أفراد من أسرة واحدة تصادف أنهم كانوا يقومون بزيارة أقاربهم في الشق الشرقي من المدينة استيقظوا صباح يوم التقسيم لكي يجدوا أنفسهم وقد أصبحوا تابعين لأوكرانيا، عاجزين عن الالتحاق بذويهم علىالجانب الآخر بعد ان رفضت السلطات السماح لهم بالعبور إلى الجانب الآخر، بل قام المسؤولون أيضا بتقسيم منطقة مقابر القرية، وحرموا بالتالي الكثيرين من زيارة أقاربهم الأموات ووضع أكاليل الزهور على مقابرهم في المناسبات الدينية المختلفة بعد أن حالت الاسلاك الشائكة على الحدود عبورهم إلى الجانب الآخر. الكنيسة أيضا أصبحت في الجانب الآخر وتعذر وصول سكان المنطقة الغربية إليها!
هذا الوضع الغريب قائم منذ أكثر من ستين عاما في قلب أوروبا، دون أن يعرف العالم شيئا عنه، إلى أن ظهر هذا الفيلم التسجيلي الشجاع.
يعتمد الفيلم على المقابلات المصورة، وعلى التصوير عند نقطة الحدود بين شقي القرية، من الجانب السلوفاكي أولا ويصور كيف أنه لكي يعبر شخص ما من شق إلى آخر، يتعين عليه الحصول على تأشيرة من أقرب مدينة توجد فيها قنصلية وتقع على مسافة 150 كيلومترا ثم يعود إلى القرية ويسمح له بعبور الحاجز القائم بين الشقين أو بالأحرى، بين الدولتين. وحتى بعد انضمام سلوفاكيا للاتحاد الأوروبي أصبح العبور من شق إلى آخر أكثر مشقة عما كان.
ويتابع المخرج بكاميرا المصور العظيم توماس شتانيك، كيف يتجمع بعض سكان الشق الغربي يوميا لتحية أقاربهم على الشق الشرقي، وسؤالهم عن أحوالهم بينما يراقب حراس الحدود الموقف، وأحيانا يأتي أحد الجنود لكي يطلب من المصور وقف التصوير.
ويبدأ الفيلم من تصوير يوم إحياء ذكرى مرور 55 عاما على تقسيم القرية، في عام 2001، حيث يتجمع سكان القرية على كلا الجانبين من الحدود لتذكر تلك اللحظة الفارقة في حياتهم.
وينتقل المخرج إلى الجانب الأوكراني لكي يجري المقابلات المصورة مع الكثير من سكان الشق الأوكراني بعد انضمام سلوفاكيا للاتحاد الأوروبي، لكي يرصد كيف تحولت منطقة الحدود إلى منطقة للتهريب، فسكان القسم السلوفاكي الذي ارتفعت فيه الأسعار ارتفاعا كبيرا، يمارسون التسلل عبر الحدود من منطقة معينة يصورها المخرج بمصاحبة أحد السكان الذي يشرح له الأمر بقوله إن المسألة لم تعد الرغبة في الالتقاء بالأهل وتوحيد أبناء القرية معا، بل أصبحت هذه مجرد ذريعة الآن للحصول على حرية العبور بين الناحيتين بعد ان أصبح الوضع المأساوي القائم يخدم أهداف المهربين على الجانب السلوفاكي الذين يشترون بضائع رخيصة للغاية من الشق الأوكراني لبيعها بعشرة أضعاف أسعارها في الجانب الآخر. وتتابع الكاميرا بعض المهربين وبينهم حتى عدد من النساء تقمن بعملية الاحتيال لتهريب البضائع.
ويصل الفيلم إلى عام 2008 حيث أقيمت نقطة تفتيش أكثر قوة تحصينا وتجهيزا بالأجهزة الالكترونية الحديثة بين شقي قرية سليمنشي، ويصور كيف لايزال سكانها يكافحون من أجل إسقاط الحدود، أو على الاقل توفير حرية الانتقال بين الشقين دون حاجة للحصول على تأشيرة، ولكن كيف وقد أصبح العبور من أوكرانيا إلى سلوفاكيا يعني الانتقال إلى دولة من دول الاتحاد الأوروبي الذي يتشدد كثيرا تجاه بلدان الاتحاد السوفيتي السابق التي لم تنضم بعد للاتحاد.
يتميز هذا الفيلم البديع (72 دقيقة) بالإيقاع السريع اللاهث، وبالدقة الشديدة في تقديم المعلومات، واستعراض التاريخ، سواء باستخدام الجرافيك أي الرسوم البيانية، أو بتوثيق المعلومات من خلال مضاهاة الشهادات الحية لمن بقى على قيد الحياة من سكان القرية الذين عايشوا فترة التقسيم الأولى في عام 1946، بالواقع القائم وتدرجه عبر سبع سنوات، بل غن المخرج يعود غلى نفس الشخصيات التي سبق أن التقاها واجرى معها المقابلات المصورة قبل سبع سنوات، لكي يعرف من خلالها صورة الوضع الحالي.
وعلى الرغم من ثقل موضوع الفيلم إلا أن المخرج بمساعدة المصور، ينجح في كسر الرتابة والتغلب على وطأة الموضوع عن طريق المشاهد المبتكرة الصامتة واستخداماته للموسيقى المصاحبة بحيث يخلق قصيدة بصرية تشع بالرقة والجمال.
ويتميز الإيقاع بالسرعة، ويلعب المونتاج دورا في الربط بين التصوير الحي المباشر الذي يمثل نوعا من المغامرة أحيانا، نظرا للتصوير في عمق المنطقة الحدودية في الليل، وبين تصوير المشاهد التلقائية لسكان القرية وهم يتخاطبون معا عبرالحدود، أو عندما نرى إحدى النساء تحاول التحرك فقط لمسافة عدة أمتار داخل المنطقة الحدودية لكي تخاطب شقيقتها فيمنعها الجندي على الجانب الآخر بإصرار.
ويتميز الفيلم أيضا بالربط بين الخاص والعام، أي بين القصص الشخصية العديدة التي ترويها الشخصيات التي تظهر في الفيلم من الجانبين، وبين المسؤولون الذين يبدون عاجزين عن القيام بأي فعل من شأنه تغيير الوضع العبثي القائم بحيث يبدو مصيريا كالقدر.
ويصور الفيلم أيضا كيف أصبح موضوع تقسيم البلدات والقرى ممارسة مستمرة بعد أن تم تقسيم تشيكوسلوفاكيا، فقد اقيمت الحدود بين جمهورية التشيك وسلوفاكيا وهو ما أدى إلى تقسيم العديد من المناطق المأهولة بالسكان، وبالتالي تقسيم الأسر والعائلات وحرمانهم من التواصل معا، دون أن يهتم أحد بالأمر، بل ونرى أيضا كيف أصبح المسؤولون على الجانب التشيكي يحركون الحدود تدريجيا ناحية الشرق، لابتلاع مساحات من الأراضي السلوفاكية، ولكي يتخلصوا من المباني القديمة الآيلة للسقوط على الجانب الآخر، دون أدنى مراعاة لمشاعر الناس وللحقائق الديموغرافية القائمة على الأرض.
يقول المخرج: "بعد أن شاهدت الاحتفالات بالذكرى العشرين على سقوط جدار برلين في نوفمبر عام 2009 ، وبعد أن استمعت لكلمات الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي التي يقول فيها إنه يشعر بالسعادة بأننا أصبحنا نعيش في أوروبا ببعد زوال الحدود والجدران، أصبحت لدي رغبة شديدة في أن أرسل إليه شريطا من هذا الفيلم لكي يرى بنفسه حقيقة أوروبا المعاصرة، والمآسي الشخصية المستمرة التي يعيشها الناس".
إن "الحدود" ليس فقط مغامرة في تصوير الفيلم التسجيلي ونموذجا على قوة السينما التسجيلية، بل هو كتابة للتاريخ بالكاميرا، وهي كتابة تستحق أن تبقى شاهدة على عبث التاريخ.

الأربعاء، 7 أبريل، 2010

"نصف ملليجرام نيكوتين": نموذج لسينما الفن والتجريب

أعجبني كثيرا جدا الفيلم السوري "نصف ميللجرام نيكوتين" للمخرج الشاب محمد عبد العزيز، واعتبرت عرضه في مهرجان دبي السينمائي السادس (2009) مفاجأة سارة لكل عشاق السينما الفنية، تلك السينما التي تعبر بمفردات الصورة، والكلمة، والإيماءة، والنظرة، والإشارة، أي التي تستخدم مفردات الشعر، ولكن ليس من خلال ترجمة الشعر إلى صورة، بل من خلال البناء، والعلاقة بين اللقطات، والطريقة التي يتعامل بها فنان الفيلم، مع النص، ومع الكاميرا، ومع الشخصيات التي تقف أمامها تؤدي بحساب، ما يطلبه منها، يبتكر من المشاهد ما يحرض على التفكير، ويصوغ من اللقطات، ما يتطلب منا جهدا للإلمام بأبعاده التشكيلية والاستمتاع بها.

هذا فيلم يتجاوز كل ما ظهر في السينما السورية من أفلام خلال العقد الأخير على الاقل، فهو يبتعد عن "الرسالة"، و"النقد السياسي المستتر"، و"الدراما الأدبية"، مقتربا من التعبير البصري الذي يتحرر من كل القيود والحدود السابقة، محلقا في سماء السينما الخالصة، كنموذج فذ على الفيلم التجريبي.أعجبني أيضا في هذا الفيلم البديع، الجرأة على تجسيد الخيال، ونسج الرؤية الشخصية، المشغولة بالبعد الفلسفي في علاقته بالاجتماعي، والابتعاد عن التعبير المباشر، حيث يتلاعب السينمائي هنا بالأسلوب ويطوعه لرؤيته الجامحة، مهما بلغت، ودون حسابات للسوق أو حتى للذوق السائد الذي يرغب في مشاهدة قصة درامية تدور داخل ديكورات نمطية لشخصيات تتصارع ثم تتصالح.
المأزق الحالي

لا يروي الفيلم قصة تتصاعد في خط درامي واضح حتى تصل إلى الذروة ومنها إلى ما يعرف بـ"التطهير". ليست هناك قصة واحدة بل مزيد من القصص القصيرة، والشخصيات الكبيرة، بحجم الحياة نفسها ومن قلبها: ربما تنتمي بعض هذه الشخصيات إلى الواقع العربي، وربما أيضا تنتمي للواقع الإنساني عموما، وهي تلخص لنا المأزق الحالي في ثقافتنا الذي ينبع من الاعتداء على البراءة.. براءتنا التي يعبر عنها الفيلم من خلال شخصية الطفل "زين" وهو صبي في الثانية عشرة من عمره، أحلامه بارتفاع السماء: أن يطير، وأن يصبح طيارا، لكنه في الواقع، ملتصق بالأسفل، فهو نازح من الريف إلى المدينة، يقوم بمسح وتلميع الأحذية.. كل الأحذية، لكنه لا يكف عن أحلامه بصحبة صديقته الصغيرة التي تتبعه أينما يذهب، يقص عليها عما يقابله في حياته اليومية من شخصيات، بما في ذلك من أساطير تحيط ببعض هذه الشخصيات مثل الشيخ الذي يقال إنه يطير بين المساجد لكي يؤم المصلين.

وهناك "زكريا" سائق التاكسي الذي كان يشك في زوجته بعد أن أنجبت ابنة لكونه يعتقد أنه عاجز جنسيا، وهو ما يدفعه إلى قتل الإبنة ثم محاولة الانتحار باستمرار دون أن يتمكن من تحقيق ذلك إلى ان يموت في حادث قدري.أما الزوجة (الممثلة الكبيرة مي سكاف) فقد تحولت بعد افتراقها عن الزوج الذي فقد رشده، إلى عاهرة، لكنها تشعر بالفراغ والعذاب والوحدة القاتلة، تعيش وقد امتلأت نفسها بالمرارة، طيبة ولكنها أيضا تقوم بإغواء الطفل، ويصبح التفاح الأحمر الذي تلقي به في كل مكان من حولها، رمزا لهذا الإغواء .وإمام المسجد الشيخ رازي، هو الزبون الأول عند زين، وهو أعمى، يعيش لكي يكفر عن خطيئته، فقد أراد أن يرسم الله، فأصيب بالعمى، وفي عالم الظلمة أدرك، كما يقول، ان اللون الأساسي للرؤية ليس الأبيض، بل الأسود، لون الظلام الذي يعيش داخله لكي يرى ما لم يره وهو صحيح البصر.
وللشيخ رازي ابنة منقبة، هي "أروى" التي ترتبط بعلاقة حب عذري مع شاب مسيحي هو "كمال"، وتحرم عليه رؤية وجهها أو لمسها. وهو رسام أقرب إلى الشاعر الملهم الذي يستوحي من غموض صورة "أروى" النقية رسومات تشبه العذراء مريم. ورغم اختلاف الأديان، يقوم كمال باصطحاب الشيخ رازي يوميا لكي يلحق بالمصلين، ويتخاطب خفية مع أروى. وتتفجر المشاعر بينهما ذات يوم، عندما يقودها إلى مرسمه بعد أن فرش الطريق كله بالورود الحمراء.. رمز الحب.
تداخل القصص
هذه القصص الثلاث تتداخل وتتقاطع معا في خطوط تثري السرد السينمائي وتستدرج المتفرج لكي يشارك في تلك "الرؤية" الجريئة الجامحة: هذه المرأة- العاهرة – الضحية، وهي تقوم بإغواء الصبي "زين"، يجمعهما معا في الفراش دخان النيكوتين- أي السجائر التي تحترق في الفيلم بدون توقف، ويتصاعد دخانها دلالة على اضطراب الحياة، واشتعال الرغبة في الانتقام لدى المرأة- الزوجة- الأم التي فقدت ابنتها، والزوج الذي يشك في نفسه وفي زوجته والعاجز عن مواجهة الحياة، أو الغياب عنها بالانتحار.زين .. المتشرد الهارب إلى المدينة الفسيحة من بلدته، ثم يواصل الهرب من واقعه المزري في المدينة عن طريق التمسك بأحلامه في التحليق، يصر باستمرار على رسم سمكة كبيرة يعتبرها رمزا لنجاته، وهو يدمن التدخين كوسيلة للتغلب – دون جدوى- على الشعور بالنقص في مواجهة الكبار- ثم ينتهي بالموت في حادث مأساوي علىالطريق، في اللحظة التي يكمل فيها رسم السمكة على أرض الطريق قرب نهاية الفيلم. آروى التي ترغب بمشاعرها، في الامتزاج مع كمال في علاقة شرعية حقيقية كاملة، لكنها تكتفي بالوقوف على العتبات، توحي كل حركات جسدها بالرغبة في الاكتمال بالآخر، لكن الدين يحظر، واختلاف الدين يعوق التوافق بين الإثنين، بل إن مجرد التعبير عن الحب هنا، محرم، ومحظور في هذا السياق.
كمال يعجز عن إقناع الشيخ رازي برغبته في الاقتران بابنته أروى حتى بعد أن يبدي استعداده لاعتناق الإسلام، فالشيخ يريده أن يتخذ قراره، ليس تحت أي ضغط، بل استجابة لضميره ولرغبته ولشعوره الحقيقي، فينصحه بأن يعود إلى المسيح، ويفكر، ويتأمل قبل أن يتخذ قراره، في تسامح ديني يعكس "رؤية" فنان الفيلم لعلاقة الدين بالبشر.
لكن أمنية "كمال" أن يرسم أروى. وتشترط هي عليه قبل أن تكشف له عن وجهها لكي يرسمها، أن تكون تلك المرة الأخيرة التي
يراها، بعدها يفترقان، وتتحرر أروى من النقاب، ربما بعد أن تدرك أنه ستار كبير لحجب النور، نورالحياة، ويعتزل كمال الحياة الدنيا ويغرق في الرسم والتأمل، وكأنما يتبادل الإثنان الأدوار!
دلالات شعرية

ولاشك أن الفيلم يمتليء بالدلالات الشعرية التي لا يصلح إيجازها أو تقديم تفسير مباشر مختصر لها، بل تأتي على شكل إشارات كامنة تحت جلد الصورة، التي تخفي أكثر مما تبوح، وتلمح اكثر مما تفضح.غير أن المتفرج يمكنه أن يرى بوضوح، كيف يعرض الفيلم لتعقد العلاقات في المجتمعات العربية اليوم: النظرة إلى الدين، والعلاقة بين الصغار والكبار، وكيف أن الصغار ليسوا على هذا النحو من البساطة التي يتصورها الكبار: هناك مشهد ساخر في الفيلم نرى فيه مجموعة من الصبية يصطفون، يدخنون السجائر، ويشاهدون أحد أفلام الجنس بينما يمسكون في أيديهم بكتب ومجلات، كلها تتناول موضوع الجنس!
وهناك مشهد آخر- يدور على صعيد الخيال- لزين وهو يحتضن فتاته الصغيرة داخل سيارة، تأثرا بأفلام "الكبار" التي يشاهدها. وهناك بالطبع ذلك المشهد ذو الدلالة الخاصة، الذي يجمع المرأة- العاهرة، مع زين في الفراش، قبل ثم بعد اللقاء الجسدي وهما يدخنان. ولاشك أن هناك جرأة كبيرة في التعبير عن العلاقة بين الحب والدين والجنس، واستخدام "موتيفة" الإدمان.. أي إدمان التدخين وحرق السجائر، ربما دلالة على الرغبة في الارتكان على عامل "وهمي" لا يزيد الأمور إلا اشتعالا. و"نصف ميللجرام نيكوتين"- عنوان الفيلم، يشير إلى ما تحتويه السيجارة الواحدة من تلك المادة.
ويمضي الزمن في الفيلم إلى أن نرى العاهرة، الطيبة، الضحية، التي تحيط نفسها بالتفاح الأحمر في كل مكان، دلالة على رغبتها في الاحتفاظ بالقدرة على الإغواء على الدوام، بعد أن يتقدم بها العمر، دون ان تكف لحظة عن التدخين، فهو فعل مواز للرغبة في الانتحار أيضا.في الفيلم سيطرة مدهشة على الحركة، والإيقاع داخل المشهد: التحكم في زمن المشاهد واللقطات بمقياس دقيق، كما يمتلك المخرج القدرة على التحكم في أداء الممثلين وتطويعهم، واستخدام التنويع في الزوايا والاستفادة من الديكورات التي تشكل رؤيته الخاصة للعالم الداخلي للشخصيات، في سياق سينمائي يبدع فيه جميع الممثلين ويتميزون.

ولاشك أن المخرج محمد عبد العزيز، في أولى تجاربه السينمائية، يكشف عن حس تشكيلي رفيع، وعن قدرة كبيرة على استخدم التكوين وحركة الكاميرا والتلاعب بالزمن، واستخدام الديكورات المبتكرة التي تعبر عن رؤيته الجامحة، واستخداماته للورد الأحمر والتفاح الأحمر، والألوان القانية القوية التي تعكس حسه السيريالي المتفجر، بالدنيا وبالعالم. ورغم أي ملاحظات سلبية قد تبدو على هذا الفيلم من حيث الجنوح إلى المبالغة في بعض الأحيان خاصة في شخصية "زكريا"، إلا أن من المهم النظر إلى هذا الفيلم باعتباره نموذجا فذا على تلك الروح التي تميل إلى التجريب، وإلى اختبار لغة خاصة جديدة، والبحث عن أسلوب بصري في معالجة موضوع مهم، بجرأة، ومن خلال شكل جديد يحطم الشكل التقليدي.

و"نصف ميللجرام نيكوتين" في هذا السياق، فيلم تجريبي بلا شك، يلعب مخرجه الفنان، في المساحة بين الوعي واللاوعي، وبين الاجتماعي والنفسي، والديني والدنيوي، وأخيرا.. بين الجنة والنار. ولاشك أنه سيصبح أكثر نضجا وأكثر انشغالا بمحتوى الصورة في أفلامه القادمة.

وأن يأتي هذا الفيلم من إنتاج شركة تنتمي للقطاع الخاص في سورية، لهو أمر يستوجب التحية والتقدير.وتحية أيضا إلى الممثلين خالد تاجا ، مي سكاف ، رهام عزيز ، زين حمدان ، عبد والفتاح مزين، وإلى مدير التصوير الكبير غازي واكيم، صاحب الحس التشكيلي العالي.

الاثنين، 5 أبريل، 2010

فضيحة مهرجان وهران السينمائي تتردد أصداؤها


البيان الذي فضحنا فيه مهرجان وهران السينمائي المزيف الذي نشك في أن يعاود الانعقاد مرة أخرى بعد أن أعلن عدد كبير من النقاد والسينمائيين المصريين والعرب مقاطعتهم له بسبب (سوء سلوكه وسوء سمعته وسمعة القائمين عليه استنادا إلى ما نشر في الصحف الجزائرية ونقدم هنا نماذج له) أثار، لايزال يثير، الكثير من الأصداء وردود الفعل.
وقد نشر البيان كاملا في موقع سينماتيك للزميل الناقد حسن حداد، وموقع سينما ايزيس للزميل الناقد صلاح هاشم، وموقع المخرج الكبير محمد خان والزميل العزيز محمد رضا، كما نشرت تفاصيله في موقع صحيفة "اليوم السابع" المصرية المستقلة، وموقع "ليبيا المستقبل" المعارض، ووزع على أعضاء جمعية نقاد السينما المصريين، وأرسل إلى 250 شخصية وجهة إعلامية وسينمائية في العالم العربي.
ونشرت صحيفة "الفجر" وصحيفة "الخبر" وصحيفة "الشروق" الجزائرية تفاصيل البيان، وحملت على المهر جان المشبوه المحاصر بالتحقيقات حاليا بسبب ما يتردد عن تسرب أمواله إلى أيد غير أمينة، في حين لم يصدر عن هذا المهرجان الوهمي أي تعليق على ما نشر.
أنشر هنا تطور الأحداث منذ صدور البيان ثم أصداؤه بعض ردود الفعل الأخيرة على البيان (من أسفل إلى أعلى):


صحيفة الشروق الجزائرية تنضم إلى حملة اتهام مهرجان وهران بالعبث في حق النقاد
ناقد مصري يتهم مهرجان وهران السينمائي واوريف يتنصل من مسؤوليته
نشرت جريدة الشروق الجزائرية الموضوع التالي بتاريخ 5 ابريل:
((هاجم الكاتب والناقد السينمائي المصري أمير العمري مهرجان وهران السينمائي معلنا اعتزامه رفع دعوى قضائية ضد مسؤوليه الذين اتهمهم بالسطو على القيمة المادية لجائزة "القلم الذهبي" التي حصل عليها في المهرجان في دورته الأخيرة والتي تقدرب 5 آلاف دولار.
وقال العمري في بيان نشرته صحيفة مصرية: " علمت بفوزي بالجائزة المسماة "الأهقار الذهبية" عن فيلم "الزمن الباقي" لإليا سليمان من الصحف ووكالات الأنباء, لأنني كنت قد اعتذرت عن حضور المهرجان بعد أن اكتشفت أن إدارة المهرجان والمسئولين عنه يعملون بطريقة أقرب إلى الهواة, وهي طريقة يشوبها الإهمال والعشوائية والفوضى وعدم الاحترام ».
واستهزأ الناقد المصري بالقائمين على التظاهرة ومعهم وزارة الثقافة بالقول "سأتبرع بقيمة الجائزة لفقراءالجزائر..ولا أعتقد أن مهرجان وهران سيحترم تعهداته ويدفع هذه القيمة بعد أن مضت الآن ثمانية أشهرعلى استلامها ".
وكان مهرجان وهران في طبعته الأخيرة قد اختار الناقد المصري أمير العمري لنيل جائزة "القلم الذهبي", ورفض هذا الأخير تلبية الدعوة واصفا إياه ب "مهرجان الهواة".
وتوعد العامري برفع دعوى قضائية ضد إدارة المهرجان ونعته ب "السجاد المتدني" , وهاجم وزارة الثقافة ودعا إلى مقاطعة كل تظاهراتها.
وتهرب المحافظ الحالي للمهرجان السيد اوريف, في اتصال مع الشروق من الرد على هذه الاتهامات وقال: "سأتحرى في الموضوع واتصل بكم لاحقا", غير انه حاول التنصل من المسؤولية في هذه القضية.))
صحيفة "اليوم السابع" المصرية (2 أبريل)
العمرى: أتبرع بجائزة مهرجان وهران إلى فقراء الجزائر
((قال الناقد والكاتب السينمائى أمير العمرى إن البعض أساء فهم البيان الذى أصدره من قبل بخصوص عدم استلامه القيمة المادية لجائزة أفضل مقال نقدى بمهرجان وهران السينمائى الجزائرى.وأكد فى بيان له معرفته بالأسباب التى جعلت إدارة المهرجان لا ترسل القيمة المادية للجائزة وهى تتعلق بعجز الإدارة الحكومية عن التعامل مع الأموال وهو ما كان يجب أن يعرفه القائمين على المهرجان من البداية فيجنبون أنفسهم أى متاعب بإلغاء القيمة المالية للجوائز التى لا يستطيعون الوفاء بها.وأوضح العمرى أن الدافع لإصدار بيانه الذى يدين مهرجان وهران ويدعو لمقاطعته لم يكن بسبب الرغبة فى الحصول على المال بل بسبب الكذب والتسويف وعدم الرد والتجاهل بل ونشر أخبار كاذبة والتقاعس عن نفيها بشكل رسمى أو الرد على رسالته بهذا الخصوص ما يعكس عدم الاكتراث بالثقافة والمثقفين والنقاد، ورغبة مبيتة فى عدم الوفاء بالتعهدات المعلنة أمام العالم، وهو أمر فى حد ذاته معيب بالنسبة لأى مهرجان سينمائى أو غيره.وأشار إلى أنه تعمد توضيح جنسيته البريطانية لكى يدلل على أنه خارج العالم العربى بكل صراعاته المتدنية ومشاكله الكامنة والقابلة للانفجار فى مباريات للكرة أو غيرها، وأعلن العمرى تبرعه بقيمة الجائزة، وقدرها خمسة آلاف دولار، للجمعيات الخيرية التى تقدم العون لفقراء الشعب الجزائرى، شريطة أن يعلن المهرجان بوضوح إلى أى جمعية خيرية أرسل قيمة الجائزة.))
فضائحه لم تتوقف
مهرجان وهران بين التأخير أو الإلغاء

((يبدو أن مهرجان الفيلم العربي بوهران ما زالت تلاحقه المشاكل وحتى الفضائح، التي لم يرد عليها أحد إلى اليوم، فبعد أن بقي المهرجان بدون محافظ بعد مغادرة حمراوي حبيب شوقي إثـر تعيينه سفيرا في رومانيا، وإلحاق المهرجان بوزارة الثقافة والتي أخّرت إطلاقه إلى أكتوبر، بينما كان من المعتاد تنظيمه في جويلية، علمت ''الخبر'' من مصادر مطّلعة بأن قرار وزيرة الثقافة خليدة تومي، بتعيين مصطفى أوريف مؤخرا محافظا للمهرجان، جاء دون علم المحافظ السابق حمراوي حبيب شوقي.
لم يتلق حمراوي أي إخطار بتعيين محافظ جديد للمهرجان، كما لم تعقد جمعية عامة للّجنة المكلّفة بإدارة وتنظيم مهرجان الفيلم العربي، فحتى عملية تسليم المهام لم تتم كما هو متعارف عليه في مثل هذه الحالات، ويرى بعض العارفين بخبايا قصر الثّقافة أن هناك نية مبيتة لإلغاء المهرجان، والسبب هو عدم قدرة الوزارة على تغطية تكاليف المهرجان العالية.
في هذا الإطار وفي خرجة جديدة، أوضح الناقد السينمائي أمير العمرى، في بيان له ملابسات ما حدث من إدارة مهرجان وهران السينمائي، والذي فاز به بجائزة أحسن مقال سينمائي، عن فيلم ''الزمن الباقى'' للمخرج الفلسطيني إيليا سليمان، حيث أكد أنه لم يتلق إلى حد الآن قيمة الجائزة والمقدرة حسب بيانه بـ5 آلاف دولار، كما أكد في نفس البيان أن الأسباب التي جعلت إدارة المهرجان لا ترسل القيمة المادية للجائزة تتعلق خاصة بعجز الإدارة في التعامل مع الأموال، مطالبا كل النّقاد والصحفيين العرب بمقاطعة المهرجان الذي كما قال: ''يسيء إلى النقد والنقاد، بل وإلى الثقافة السينمائية والفن السينمائي، ويضرب مثالاً سيئاً ورديئاً في التعامل مع السينمائيين والنقاد''، داعيا إلى مقاطعة وزارة الثقافة الجزائرية وكل تظاهراتها ومهرجاناتها، بوصفها الجهة الملزمة باحترام تعهداتها الدولية المعلنة، وإن كان البيان فيه الكثير من المبالغة، باعتبار أن الناقد ذو أصول مصرية، وإن كان حاملا الجنسية البريطانية وجاء بصفة شخصية للمهرجان، إلا أن السؤال الذي يطرح لماذا لم ترد الوزارة إلى حد الآن على البيان ولم تكذب ما جاء فيه؟ بل إنها لم ترد حتى على صاحب البيان الذي طالب في وقت سابق بالقيمة المالية لجائزته، وهذا ما يدفع إلى الاعتقاد بأن المهرجان يمر بمنعطف خطير، قد يؤدي إلى إلغائه، رغم أن محافظه السابق حمراوي حبيب شوقي سبق له أن صرح لإحدى المواقع العربية أواخر 2009 بأن المهرجان سيتواصل، لكنه لم يشر إلى ذهابه أو بقائه محافظا للمهرجان، قائلا ''أنا أطمئن مُحبّيه بأنه سيستمر في الزمان والمكان، وستبدأ التحضيرات بعد أيام للدورة المقبلة، لذلك يضاف هذا الفضاء إلى الفضاءات السينمائية العربية الأخرى، وبهذه الإرادة فإن المهرجان سيبقى''.
لكن المهرجان سينظم حسب بيان لوزارة الثقافة، لكن ليس في موعده المعهود، إذ أجل إلى غاية شهر أكتوبر وهو يتزامن مع مهرجان دبي. وينتقد العديد من المتتبعين هذا التوقيت معتبرين ذلك قرارا من أجل تكسير المهرجان.))


طرق الناقد السينمائي المصري الحامل للجنسية البريطانية، أمير العمري، صاحب جائزة “القلم الذهبي” بمهرجان وهران للفيلم العربي، في طبعته السابقة، طرق مسمارا آخر في نعش المهرجان الذي تسير أموره إلى التعقيد كلما ظننّا أنها انفرجت
قال أمير العمري المقيم في بريطانيا، إنه قرر رفع دعوى قضائية ضدّ، إدارة مهرجان الفيلم العربي بوهران، (ممثلة في المدير حبيب شوقي حمراوي سابقا ووزارة الثقافة حاليا) بسبب غياب سبل التواصل بينه وبين الجهة التي من المفترض أن تسلمه جائزته المالية المقدرة بـخمسة آلاف دولار، نظير فوزه بجائزة “الأهقار الذهبي” لأحسن مقال نقدي سينمائي، في طبعة المهرجان لسنة 2009، وهي الجائزة التي لم يستلمها العمري إلى غاية يومنا هذا، حسب تصريحه، الذي جاء في بيان من المنتظر أن ينشره الناقد المصري على نطاق إعلامي واسع، داعيا فيه النقاد والسينمائيين العرب إلى مقاطعة المهرجان في طبعاته القادمة.وتعود تفاصيل القضية، إلى ثمانية أشهر خلت، بعد أن أعلنت لجنة تحكيم جائزة النقد في مسابقة الأهقار الذهبي، فوز الناقد المصري - غيابيا - بالجائزة، بعد أن تعذّر عليه الحضور إلى وهران، لأسباب قال حينها إنها شخصية، مما دفع بلجنة المهرجان إلى تسليم درع الجائزة الرمزي إلى صديقه المخرج مجدي أحمد، على أن تربط الإدارة مع العمري الاتصال لاحقا لاستلام مبلغ الجائزة.
لكن تطور الأحداث في الجزائر بعد دخول رئيس المهرجان السابق، حبيب شوقي حمراوي في متاهات التنحية من إدارة التلفزيون والتعيين في السلك الدبلوماسي، كسفير للجزائر برومانيا، وبعد أن وضعت وزيرة الثقافة يدها على تركة حمراوي (مهرجان الفيلم العربي)، بات تسيير متعلقات الطبعة الفائتة بما فيها تسليم قيمة جائزة العمري، والتحضير لفعاليات الطبعة القادمة من المهرجان، في مهب الأسئلة، مما خلق فراغا إداريا تسبب في تأجيل موعد الطبعة القادمة، وتذبذب في إعلان اسم المسؤول الجديد عن التظاهرة السينمائية العربية، قبل أن يستقر إصبع الوزيرة على اسم مصطفى أوريف مدير وكالة الإشعاع الثقافي بالجزائر، الذي من المنتظر أن يباشر هذه الأيام مهام تسوية متعلقات الدورة السابقة، والتحضير للدورة القادمة التي لم يحدد تاريخها بعد.
هذه التطورات التي قد يكون العُمري جاهلا بها، إضافة إلى معطى آخر هو صعوبة تحويل مبلغ الجائزة المقدر بالدولار، خارج الجزائر، من طرف المؤسسات الخاصة مثل مؤسسة الفك الذهبي التي كانت المشرفة الرسمية على التظاهرة، دفعت العمري إلى صياغة بيان عاد فيه إلى تفاصيل فوزه بالجائزة، وكشف فيه أنه “ورغم إعلان المهرجان حصولي على جائزة النقد، سواء في حفل الختام أو في موقع المهرجان على شبكة الأنترنت، أو في الأخبار التي نشرت عبر وسائل الإعلام، لم أسمع كلمة واحدة من المهرجان بشكل رسمي حتى يومنا هذا
كما عاد العمري في بيانه، إلى ما وصفه بتداعيات الأحداث المؤسفة التي شابت مباراة في كرة القدم بين منتخبي مصر والجزائر في نوفمبر 2009، مضيفا “لم أكن في أي وقت، طرفا في ذلك السجال المتدني، الذي دار بين عاملين بأجهزة إعلامية متخلفة في كلا البلدين حول مباراة في كرة قدم لا تعنيني من قريب أو من بعيد، ناهيك عن أنني أقيم وأعمل منذ سنوات بعيدة، في بريطانيا التي أحمل جنسيتها، ولم تكن مشاركتي في مسابقة النقد في وهران تمثيلا، لا لمصر ولا لبريطانيا، بل بصفتي الشخصية كناقد عربي معروف باستقلاليتي عن الأجهزة والجهات الرسمية، أمارس العمل في هذا المجال منذ أكثر من ثلاثين عاما”، في إشارة منه إلى إمكانية تأثير الأزمة الدبلوماسية الأخيرة بين مصر والجزائر، على مجرى تسليمه مستحقاته.
هذه الخرجة الإعلامية لاسم نقدي عربي معروف، وتأخر الإعلان عن موعد الطبعة القادمة من مهرجان الفيلم العربي بوهران، واقتراب موسم الصيف الذي يتخلله شهر رمضان الكريم، إضافة إلى المواعيد السينمائية العربية الكبرى، التي بُرمجت في عدة دول عربية، بتواريخ متفاوتة تملأ فترة ما بعد شهر رمضان إلى غاية جانفي 2011، هذه المعطيات وأخرى، تزيد طين وزارة الثقافة بللا، وتشير إلى إمكانية سحب المهرجان من أجندة الوزارة لهذه السنة إذا لم تؤخذ الأمور بجدية أكثر، للحفاظ على تظاهرة ثقافية جزائرية أثبتت خلال السنوات الثلاث الأخيرة أنها واعدة.
==========================================================
منذ اكثر من عامين اتصلت بى ادارة مهرجان وهران لتدعونى أنا وزوجتى لحضور دورته الأولى بمناسبة عرض ـ فى شقة مصر الجديدة ـ وفوجئت بتذكرة سفرى درجة أولى وزوجتى درجة ثانية واعتبرت هذا إهانة ورفضت الذهاب الى وهران وكان رد فعلهم انهم لغوا عرض الفيلم .. فما حدث للزميل الناقد أمير العمرى لم يدهشنى بالمرة كما ذكر تفاصيله فى البيان الإعلامى بمدونته).
محمد خان في مدونته "كليفتي 2"==========================================================
نشر الزميل الناقد السينمائي محمد رضا في مدونته السينمائية التعليق التالي كما نشر البيان كاملا:


"مهرجان وهران خطأ في حق السينما ونقادها"
أصدر الزميل الناقد أمير العمري بياناً تم توزيعه على عدد كبير من النقاد والإعلاميين والمهتمين بالشأن السينمائي وأنشره أدناه.
كنت أعلم ببعض هذه الجوانب منذ البداية وفي أحد جلساتنا الأخيرة في لندن، أخبرني الصديق أمير بأنه لم يُبلّغ رسمياً بعد بأنه فاز. لكنه فاز حسب الشواهد العامّة: قدّم مقالاً. فضّلته لجنة التحكيم على سواه. أعلن ذلك، رسمياً، على منصّة المهرجان (ربما في اليوم الأخير من المهرجان) وأعلن كذلك عن أن القيمة الماديّة للمهرجان هي خمسة آلاف دولار٠
هذا جيّد، وأمير نظر الى الموضوع ليس على نحو شخصي، بل علي نحو عام: أمر مفيد لنا جميعاً أن يكون هناك مهرجان يُقيّم (ولو بضوابط أفضل) النقاد ويمنحهم جوائز لأنهم أساس عامل ومشترك في صياغة الثقافة السينمائية بشكل عام٠
غيرته على عملية النقد السينمائي والثقافة السينمائية تتبدّى واضحة في بيانه. أمر جيّد أن تكون هناك جائزة ماديّة، لكن الأكثر جودة هو ما ترمز اليه وما تعكسه على وضع النقد وليس النقّاد. أمير مستاء لأكثر من سبب ومعه حق في كل سبب، بما في ذلك ربطه بالأحداث السقيمة والمريضة التي وقعت في ملعب كرة قدم بين الفريقين الجزائري والمصري وأتباعهما (على الأخص) كل ما ليس له علاقة حتى بالرياضة وروحها فإذا بمسؤولين في المهرجان يعلنون، حسبما يرد في كلمة الزميل، أن المصريين قبضوا ويعلنون أنهم أعادوا الجوائز كذباً٠
لا أمير ولا أحداً من الفائزين بجوائز مهرجان "وهران" قبض ما استحقّه. ولا أمير ولا أحداً من الذين شاركوا طلبوا من وزارة الثقافة التي تمثّل الدولة في الثقافة إقامة المهرجان، ولا أمير ولا أحداً سواه أصر أن يشترك وأن يفوز.
أن يمارس نائب بعض تلك الوسائل فيتنكّر لما وعد به، ربما. أن لا يحترم موظف فاسد في إدارة ما توقيعه، معقول. لكن وزارة؟ ولماذا عليها أن تكون وزارة الثقافة نموذجاً لمثل هذا التضليل والخداع؟ لماذا على السينما أن تكون في قاع الإهتمامات وحين يقوم جهاز وزاري بتأسيس ما يمكن أن ينتج عنه بناء صرح لها، يتجاوز شروطها وحقوقها وفي المقدّمة إيفاءها بالتزاماتها؟
أمير العمري يدعو لمقاطعة مهرجان وهران، وأنا منذ مدّة وفي بالي أن نقاطع كل المهرجانات العربية التي تعامل السينمائيين العرب (نقاداً او مخرجين او أي كانت مهنهم) معاملة غير لائقة. وستجد أن بعضها، حتى تلك الكبيرة منها، متّهمة بذنب هنا او ذنب هناك في هذا المجال٠ لكن، ومع وجود سابقة في مهرجان عربي في روتردام حيث لم يتم دفع المستحقّات لمن فازوا بها في ذلك المهرجان خلال السنوات الماضية، او تم دفع مبلغ أقل من المعلن في بعض الحالات، الا أن ما حدث في مهرجان وهران هو أكبر كونه مهرجان حكومي٠
معك يا عزيزي أمير في هذه الدعوة وآمل أن تنتشر٠
==========================================================
نشرت صحيفة "اليوم السابع" البيان الذي أصدرناه تحت عنوان (ناقد وكاتب يكشف زيف مهرجان وهران السينمائى الجزائرى بتاريخ الأربعاء، 31 مارس

توضيح لمن أساءوا الفهم أو أرادوا إساءة الفهم
أتبرع بقيمة الجائزة إلى فقراء الشعب الجزائري
أساء البعض عن قصد أو عن جهل، ما ورد في البيان أصدرته قبل أيام بخصوص موقف ما يسمى بـ"مهرجان وهران السينمائي" مني منذ بدء الاتصالات بيننا في شهر يوليو 2009 لكي أشارك بالدورة الثانية الأمر الذي لم يحدث ثم حصولي على جائزة النقد وعدم اكتراث المهرجان بمخاطبتي أو بارسال القيمة المالية للجائزة لأسباب أعرفها تماما وهي تتعلق لعجز الإدارة الحكومية عن التعامل مع الأموال وهو ما كان يجب أن يعرفه القائمين على المهرجان من البداية فيجنبون أنفسهم أي متاعب بإلغاء القيمة المالية للجوائز التي لا يستطيعون الوفاء بها بشكل يليق بأي مهرجان. وأود هنا أن أوضح التالي:
1- أن الدافع لإصدار بياني الذي يدين مهرجان وهران ويدعو لمقاطعته لم يكن بسبب الرغبة في الحصول على المال بل الكذب والتسويف وعدم الرد والتجاهل بل والأخطر، نشر أخبار كاذبة والتقاعس عن نفيها بشكل رسمي أو الرد على رسالتي بهذا الخصوص. وهو ما يعكس ازدراء وعدم اكتراث بالثقافة والمثقفين والنقاد، ورغبة مبيتة في عدم الوفاء بالتعهدات المعلنة أمام العالم، وهو أمر في حد ذاته معيب بالنسبة لأي مهرجان سينمائي أو غيره من التظاهرات الثقافية.
2- جاء ذكر الجنسية البريطانية لكي أدلل على أنني خارج العالم العربي بكل صراعاته المتدنية ومشاكله الكامنة والقابلة للانفجار في مباريات للكرة أو غيرها.
3- إنني أعلن هنا أنني متبرع بقيمة الجائزة المالية، وقدرها خمسة آلاف دولار، للجمعيات الخيرية التي تقدم العون لفقراء الشعب الجزائري، شريطة أن يعلن المهرجان بوضوح إلى أي جمعية خيرية أرسل قيمة الجائزة بإسمي.
بيان إعلامي


في أواخر شهر يوليو/ تموز 2009 أعلنت لجنة تحكيم شكلت في مهرجان وهران السينمائي الثاني بالجزائر حصولي على جائزة القلم الذهبي، وقيمتها المالية خمسة آلاف دولار، عن أحسن مقال سينمائي في العام، وهو مقالي عن فيلم "الزمن الباقي" للمخرج الفلسطيني إيليا سليمان.
وقد علمت بفوزي بالجائزة المسماة "الأهقار الذهبية" من الصحف ووكالات الأنباء لأنني كنت قد أعتذرت عن عدم حضور المهرجان بعد أن اكتشفت أن إدارة المهرجان والمسؤولين عنه يعملون بطريقة أقرب إلى الهواة وهي طريقة يشوبها الإهمال والعشوائية والفوضى وعدم الاحترام.
لكن رغم إعلان المهرجان حصولي على جائزة النقد، سواء في حفل الختام أو في موقع المهرجان على شبكة الانترنت، أو في الأخبار التي نشرت عبر وسائل الإعلام، لم أسمع كلمة واحدة من المهرجان بشكل رسمي حتى يومنا هذا.
وقد أبلغني الصديق المخرج مجدي أحمد علي (الذي فاز في المهرجان نفسه بجائزة أحسن فيلم وقيمتها 50 ألف دولار) أنه استلم الجائزة الرمزية أي التمثال، نيابة عني، وزودني بإسم مسؤولة في المهرجان أخاطبها لترتيب تحويل القيمة المالية للجائزة. وقد قمت ذلك بالفعل. ولكن مضت عدة أشهر دون أن يحترم المهرجان تعهداته ويقوم بتحويل المبلغ.
وعلمت بعد ذلك أن رئيس المهرجان انتقل للعمل بالسلك الدبلوماسي، وأن المهرجان لا يملك القيمة المالية للجوائز، ولابد من الرجوع لوزارة الثقافة لكي تتكفل بتحويل المال للخارج، والتوصل إلى وسيلة لتبرير ذلك. وهو مثال بالغ في الدلالة على ارتباط الأحداث الثقافية بمسؤولين أفراد، تنهار الأنشطة عندما يغادرون مناصبهم في ظروف غامضة!
وبعد الأحداث المؤسفة التي شابت مباراة في كرة القدم بين منتخبي مصر والجزائر في نوفمبر 2009، نشرت الصحف الجزائرية نقلا عن مسؤولين في المهرجان ما يفيد أن "المصريين حصلوا على القيمة المالية لجوائز مهرجان وهران السينمائي ولكنهم يكذبون ويقولون إنهم أعادوا الجوائز)!
ولولا أن اسمي استخدم في نشر أخبار كاذبة من هذا النوع لم أكن لأهتم بالرد على تلك السفاهات الإعلامية، فلم أكن في أي وقت، طرفا في ذلك السجال المتدني، الذي دار بين عاملين بأجهزة إعلامية متخلفة في كلا البلدين حول مباراة في كرة قدم لا تعنيني من قريب أو من بعيد، ناهيك عن أنني أقيم وأعمل منذ سنوات بعيدة، في بريطانيا التي أحمل جنسيتها، ولم تكن مشاركتي في مسابقة النقد في وهران تمثيلا، لا لمصر ولا لبريطانيا، بل بصفتي الشخصية كناقد عربي معروف باستقلاليتي عن الأجهزة واجهات الرسمية، أمارس العمل في هذا المجال منذ أكثر من ثلاثين عاما.
وأود أن أؤكد هنا أنني لم أحصل حتى الآن على القيمة المالية للجائزة، ولا أعتقد أن مهرجان وهران سيحترم تعهداته ويدفع هذه القيمة بعد أن مضت الآن ثمانية أشهر، كما لن يدفع قيمة أي جائزة أخرى للفائزين بها في مهرجانهم الأخير، بعد أن صمتوا تماما وامتنعوا عن الرد عن أي استفسارات، بل إن المهرجان كما أوضحت من قبل، سكت تماما عن الأمر منذ ما قبل مباراة كرة القدم المشؤومة، مما يؤكد أنه مارس، من البداية، عملية كبرى للخداع والتضليل الإعلامي بالمتاجرة بأسماء تحترم نفسها وتاريخها، والإدعاء بدعم السينما، في حين أنه أسفر عن كونه مجرد تظاهرة دعائية حكومية رسمية مليئة بالأكاذيب والادعاءات والمظاهر الجوفاء، مهمته تجميل وجه نظام ديكتاتوري قمعي معادي للثقافة عموما.
لذلك فإنني أطالب كل النقاد والصحفيين العرب بمقاطعة هذا المهرجان الذي يسيء إلى النقد والنقاد، بل وإلى الثقافة السينمائية والفن السينمائي، ويضرب مثالا سيئا ورديئا في التعامل مع السينمائيين والنقاد، بل وأدعو إلى مقاطعة وزارة الثقافة الجزائرية وكل تظاهراتها ومهرجاناتها، بوصفها الجهة المنوط بها احترام تعهداتها الدولية المعلنة.
وأود أن أؤكد أيضا أن هذا البيان لا يسقط الدعاوى القانونية التي يمكن أن تترتب على هذا الموقف الشائن، ضد مهرجان وهران السينمائي والقائمين عليه.
أمير العمري
كاتب وناقد سينمائي مستقل
27 مارس 2010
amarcord222@gmail.com
جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com