الخميس، 25 مارس، 2010

"نظرة عوليس": بحث عن البراءة المفقودة ومرثية لعالم يحتضر


((هذا المقال كتب قبل خمسة عشر عاما، أنشره هنا مع بعض التعديلات الطفيفة في الصياغة وتحديث المعلومات، كنموذج نقدي يلفت النظر إلى هذا الفيلم البارز في تاريخ السينما، وإلى أعمال مخرجه التي لا تجد من يهتم بها كما ينبغي في العالم العربي رغم قربه منا ومن ثقافتنا- أمير العمري)).
يعد فيلم "نظرة عوليس" (1995) Ulysses' Gaze للمخرج اليوناني الكبير ثيو أنجلوبولوس، دليلا لا يقبل الشك، على بقاء السينما الفنية الرفيعة، سينما العقل والعين والأذن والقلب، وتأكيدا على أن الفن السينمائي الذي يراهن الكثيرون على موته بعد أن تجاوز عمره مائة عام، لايزال حيا، بل وأنه قادر على الازدهار والتطور وتقديم المزيد من أفلام الفن والفكر، في مواجهة أفلام الاستهلاك السريع.
ونقصد بـ"السينما الرفيعة" هنا، السينما التي تتعامل مع العالم من وجهة نظر الفنان السينمائي الذي يبدعها، فيصبح الفيلم مثل اللوحة التشكيلية، والقصيدة الشعرية، والرواية البديعة، والمقطوعة الموسيقية، أي عملا فيه الكثير من المفردات الشعرية، ومن الفكر والفلسفة، بقدر ما فيه من لغة الدراما، سواء كانت تقليدية أم حداثية أم ما بعد حداثية.
إن "نظرة عوليس" مثل كل افلام أنجلوبولوس، عمل لا ينتمي إلى تيار السينما السائدة في العالم، التي تصنع طبقا لمواصفات محددة مسبقا، وشروط اقتصادية تلبي متطلبات المستثمرين والموزعين، على حساب رغبات الفنان وتوجهاته وطموحاته الفنية. لكنه، بدلا من هذا، عمل من أعمال الفن التي يعبر من خلالها الفنان السينمائي عن رؤيته وثقافته الخاصة، ويقدم شهادته على عصره، وتصبح هذه الرؤية، وتلك الشهادة، مادة للمستقبل أيضا، يمكن العودة إليها، كمرجع عن كيف خلقت حركة المجتمع في منطقة محددة ذات مواصفات خاصة، نتاجا فنيا يعبر عن ثقافة ووعي الفنان الذي أبدعه في مرحلة تاريخية معينة، تماما مثل "الإلياذة والأوديسة" أو "ملحمة جلجامش" أو "الدكتور فاوست". وغيرها ذلك من الملاحم والأساطير الكبرى.
ويعد أنجلوبولوس أحد كبار السينمائيين في عصرنا. وهو يقف جنبا إلى جنب، مع سينمائيين بارزين مازالوا يضيفون إلى الفن السينمائي حتى اليوم، مثل إيرمانو أولمي وأمير كوستوريتشا وكن لوتش وبيتر جريناواي وجانج ييمو وودي ألين، وغيرهم.
أخرج انجلوبولوس حتى الآن، 13 فيلما روائيا طويلا فقط، خلال 40 سنة، بالإضافة إلى فيلم تسجيلي واحد هو "إذاعة" Broadcast وكان في الحقيقة، أول أفلامه عام 1968، كما أخرج فيلمين قصيرين، وفصلين قصيرين جدا ضمن فيلمين شارك فيهما عدد كبير من المخرجين (23 مخرجا، و44 مخرجا على التوالي).
ولد انجلوبولوس في أثينا عام 1936، ودرس القانون في اثينا، ثم السينما في معهد باريس السينمائي الشهير (ليديك). وعمل ناقدا سينمائيا قبل أن يتجه إلى الإخراج السينمائي.
وفي عام 1965 بدأ العمل في مشروع فيلم لم يتمكن أبدا من استكماله. وكان أول أفلامه الروائية الطويلة فيلم "إعادة البناء" Reconstrucion عام 1970. وشكلت أفلامه الثلاثة الأولى وهي "أيام 36" Days of 36 و"الممثلون المتجولون" The Travelling Players و"الصائدون" The Hunters ثلاثية متميزة عن التاريخ اليوناني الحديث.

أنجلوبولوس (على يمين الصورة) في مهرجان برلين

بعد ذلك أخرج "الإسكندر الكبير" Megalexandros "رحلة إلى كيثرى" Voyage to Cethera و"حارس النحل" The Bee Keeper و"منظر طبيعي في الضباب" Landscape in the Mist و"الخطوة المعلقة لطائر اللقلق" The Suspended Step of the Stork و"نظرة عوليس" و"الأبدية ويوم واحد" Eternity and a Day و"المروج الباكية" The Weeping Meadow و"غبار الزمن" Dust of Time.
تتميز أفلام أنجلوبولوس بطابعها الملحمي، وطولها الزمني (يبلغ توقيت عرض فيلم "الممثلون المتجولون" مثلا 4 ساعات كاملة)، كما تتميز باهتمامات مخرجها بالسياسة والتاريخ، وتمتليء بالتأملات الفلسفية والذهنية، وبالرموز والاستعارات التي تصبغ أسلوب المخرج، مع ولع خاص يتبدى في الكثير من أفلامه، بالبريختية (نسبة إلى المسرحي الكبير برتولد بريخت) وهي تقوم على نوع من التغريب، ومن كسر الإيهام بالواقع، ووضع مسافة ذهنية بين ما نراه علىالشاشة والمتفرجين.
في "نظرة عوليس" يكثف الفنان السينمائي نظرته للعالم كما يراه في صورته الحاضرة (وقت تصوير الفيلم أي في 1995) في ضوء الماضي الذي يعود إلى خمسين عاما مضت أو أكثر، من خلال بناء يقوم على الرحلة، وهي هنا رحلة أوديسية، تدور في الأماكن نفسها التي مر بها عوليس بطل "أوديسه" هوميروس.
ويعتبر الفيلم بأسره مرثية للعالم، أو بالأحرى، للقرن العشرين، الذي كان قد أوشك على نهايته. ولعل هناك مغزى خاص في كون الفيلم ظهر بعد مائة عام من مولد السينما. ولا غرابة في ذلك، ففيلم أنجلوبولوس أساسه، البحث عن السينما، فهو يبدأ فيلمه مع بداية سحر السينما في بدايات القرن العشرين، كمعادل للبراءة، وينهيه بمأساة الحرب في البوسنه، أي بانتهاك البراءة كأبشع ما يكون.
وما بين البداية والنهاية، يرحل بطله ناشدا العثور على البراءة الضائعة التي تتمثل في ثلاثة فصول مفقودة من أول فيلم يوناني يصور في منطقة البلقان، لكنه لا يجد خلال رحلته سوى اليأس والدمار والخراب، وهو يعجز عن إقامة علاقة حقيقية مع نماذج المرأة التي يلتقي بها، مستدعيا الماضي إلى ذهنه، محاولا التماس وفهم ما يدور في الحاضر في ضوء الماضي الذي كان.
العودة من المنفى
بطل الفيلم لا اسم له. ويكتفي أنجلوبولوس بأن يطلق عليه الحرف الأول من الأبجدية (ألف). وربما يكون لهذا الاختيار مغزاه المباشر البسيط الذي يتمثل في كونه يرمز إلى المدخل الأول إلى المعرفة. وقد يعكس أيضا إحالة إلى الذات، أي إلى أنجلوبولوس نفسه، خاصة وأن الفيلم يحتوي على الكثير من الإشارات المرجعية من السيرة الذاتية لأنجلوبولوس.
يقول أنجلوبولوس في تقديمه لفيلمه: "يتذكر كل سينمائي المرة الأولى التي تطلع فيها من خلال منظار الكاميرا. إنها ليست لحظة اكتشاف للسينما، بل لحظة اكتشاف للعالم. ولكن يأتي وقت يساور السينمائي فيه الشك في قدرته على رؤية الأشياء، عندما يصبح غير قادر على معرفة ما إذا كانت نظرته صحيحة وبريئة أم لا".
بطلنا "ألف" مخرج سينمائي أيضا، يعود من منفاه في الولايات المتحدة بعد غياب خمسة وثلاثين عاما عن وطنه اليونان، لحضور العرض الأول لفيلم جديد من أفلامه التي تثير حولها عادة، الكثير من الجدل والخلافات، ولكي يحضر حفل التكريم الذي تقيمه له دار المحفوظات السينمائية (السينماتيك) في بلده. غير أن له هدفا آخر هو العثور على الفصول الثلاثة المفقودة من أول فيلم يوناني صوره الأخوان ماناكيس في منطقة البلقان عام 1905. ويقوده بحثه الشاق عن الفصول الثلاثة إلى ألبانيا، ومنها إلى بلغاريا ورومانيا وبلغراد في صربيا، ثم إلى عاصمة البوسنه، سراييفو التي ينتهي فيها بحثه عن الفيلم المفقود، حيث يتوقف وهو يشعر بالحيرة والدهشة، عاجزا عن العثور على إجابة لعشرات التساؤلات التي تطرأ على ذهنه خلال تلك الرحلة.
ولكنه على العكس من عوليس، لا يخوض مغامرات ممتعة مشوقة يعود لكي يرويها أو يختلقها اختلاقا، لأصدقائه، بقدر ما تكون رحلته مفجرا لذاته، لمأساته الشخصية، لرغبته في استعادة الماضي، وعجزه عن القيام بأي فعل في الحاضر، إنها رحلة يلمس فيها الحاضر والماضي، الذات والتاريخ، عوضا عن أن يهرب من الواقع.
يقدم أنجلوبولوس فيلمه بقوله إن القرن العشرين يبدأ وينتهي في سراييفو. وفي الكلمة المطبوعة على شريط الفيلم في بدايته يقتبس مقولة الشاعر ت. س. إيليوت: "عندما تختلط البداية والنهاية معا، فمعنى ذلك أن التاريخ لم يعلمنا شيئا"!

في المدينة اليونانية التي يزورها البطل لحضور عرض فيلمه، يصطف الناس خارج دار السينما تحت المطر وهم يحملون المظلات السوداء، يستمعون إلى الفيلم من الخارج بعد أن ضاقت بهم القاعة بمن فيها من الحضور. وبعد أن يبدأ العرض يهرب بطلنا من مطاردة مندوبي الصحف ومصوري التليفزيون، إلى ساحة المدينة، وتتبدى له وهو يسير تحت المطر امرأة شابة لا تراه، يسير هو وراءها ويناجيها قائلا إنه عاد بعد خمسة وثلاثين عاما لكي يراها، وإنه كان واثقا أنه سيراها. إنها أمه التي ترتبط كل ذكريات طفولته بها. ولكن في اللحظة التي يوشك أن يلمس ظهرها، تظهر من بعيد جماعات من حاملي الشموع الذين يرددون الأدعية والتراتيل الدينية، ويقتربون تدريجيا من المكان. لقد جاءوا للاحتجاج على عرض الفيلم. وفجأة تنتشر قوات الشرطة تفصل بينهم وبين جمهور الخارجين من دار العرض. ويقف بين المجموعتين بطلنا عاجزا عن الفعل بل وعن الفهم.
ومن الجهة الأخرى، يقترب موكب ديني يحمل أفراده الشموع وينشدون التراتيل أيضا، وكأنهم جيش من الكهنة يزحفون في الظلام، يشيعون العالم إلى مثواه الأخير.
هذا مشهد هائل، يقدمه أنجلوبولوس بأسلوبه المتميز الذي يجعل اللقطة مشهدا بأكمله، باستخدامه لحركة الكاميرا البطيئة المصممة مسبقا بدقة هندسية، ولكن من دون تحذلق أو افتعال شكلي فارغ، فالحركة البطيئة مع الإضاءة الخافتة، مع التناقض بين أشكال المجموعات البشرية، مع الاستخدام الفذ للفضاء والاستفادة بكل ما فيه من زواياه المختلفة بدون القطع، وكذلك من شريط الصوت الثري ومن الموسيقى الرصينة ومن صوت تساقط حبات المطر.. كل هذه المفردات، تساهم في جعل هذا المشهد الافتتاحي من الفيلم، هو مدخلنا إلى الموضوع، والموضوع هو عالمنا المعاصر، ما يحدث فيه، بتناقضاته التي تبتلع الفرد، وتساهم في تكثيف إحساسه بالعزلة حتى عن أناس بلده، حتى أنه لم يعد يبقى له سوى أن يبحث في الماضي، في ماضيه الشخصي، وفي ماضي دنيانا هذه، وعالمنا الذي يفقد تدريجيا براءته. إن هذا المشهد الكبير يجسد بلغة سينمائية رفيعة، عزلة البطل عن الحاضر، عن وطنه الذي يعود إليه من منفاه بعد كل تلك السنين.

عوليس الجديد
في رحلته الأولى من اليونان إلى ألبانيا، يعبر البطل الحدود بسيارة "تاكسي" استأجرها مع سائقها اليوناني العجوز. يقطعان معا مساحات شاسعة وسط الجبال المغطاة بالثلوج، وفجأة يتوقف السائق بالسيارة، ويسأله بطلنا: لماذا توقفت.. هل أنت خائف من الثلج؟ يقول له السائق إنه عاش عشرات السنين مع هذه الثلوج حتى أصبحت معرفته بها أقوى من معرفته بالناس، وإنه يستطيع أن يستمع إلى ندائها له، وعندما تطلب منه التوقف فإنه يتوقف، يحترم رغبتها.
وفي لقطة بطيئة يتحرك الرجل خارجا من السيارة، يعتلي قمة حجرية مغطاة بالثلج مشرفا على الجبل من أعلى، مديرا ظهره لبطلنا. وفجأة يصرخ وكأنه يئن أنينا مؤلما: أيتها اليونان العجوز التي عاشت ثلاثة آلاف سنة.. ماذا فعلت بنفسك؟ ثم تبدو في صوته رنة بكاء، فيقول وكأنه يودع حبيبته: اليونان الآن مشرفة على الموت.. إنها تحتضر.
يقضي الرجلان الليلة في السيارة، ثم يواصلان الرحلة، ويصادفان امرأة عجوز تحمل حقيبة صغيرة تشير إليهما بالتوقف. تتوقف السيارة بالفعل. يسألها البطل عما تريده، فتقول إن سائقا تركها في هذا المكان وإنها تريد مواصلة رحلتها إلى بلدة كوريتا لزيارة شقيقتها التي لم ترها منذ سبع وأربعين سنة. يصطحبها "ألف" معه إلى كوريتا وينزلها وسط ساحة البلدة الرئيسية حيث تقف المرأة مندهشة تتساءل: أين نحن؟ فيقول لها إن هذه هي كوريتا، ويتركها متسمرة في مكانها تواجه التاريخ، تحاول أن تفك ذلك اللغز الذي جعلها تنفصل عن شقيقتها طوال تلك السنوات، وتنفصل عن البلدة التي تنتمي إليها، لغز عودتها إلى مكان لا يمكنها أن تتعرف عليه، فقد أصبحت البلدة شبه مهجورة.
ربما يتوقف المتفرج المدرب أمام هذا المشهد لكي يتساءل: ما علاقة هذه المرأة بالفيلم، بالسياق السردي، أي بمسار الحكي، ألا تشتت السرد أو تقطعه، هل هي من الناحية الدرامية، تخدم تراكم المشاهد في النهاية؟
هذه كلها قد تبدو أشئلة مشروعة. لكن الإجابة علها تتلخص في أننا لسنا هنا أمام سياق تقليدي للسرد، أو بناء أرسطي، هدفه الأساسي رواية قصة، يخلص لوحدة الزمان والمكان، والحدث، بل إنه بناء يتناقض تماما مع هذا البناء الأولة الكلاسيكي. إن انجلوبولوس هنا يحطم الوحدات الثلاث، لكنه يعتمد أيضا على المؤثر "الداخلي" أي الارتباط "الذهني" بين الشخصيات. ومأساة الشخصيات ترتبط بالمكان، وبالذاكرة، وبالتاريخ ولا ترتبط بعنصرالتحليل النفسي، أو التحليل الاجتماعي التقليدي. وبالتالي فالمرأة هنا لها علاقة بما يشعر به البطل نفسه من تيه، ومن ضياع، ومن فقدان.. إنها حالة الموت.. وربما تكون العودة إلى الوطن، هي أيضا عودة من أجل الموت.
تستمر الرحلة بالتاكسي إلى سكوبيا في مقدونيا، وفيها يتوجه "ألف" إلى مقر الأرشيف السينمائي ليلتقي هناك بموظفة تستمع في صمت إلى مطلبه الغريب بالعثور على الفصول الثلاثة المفقودة، ثم تفاجئه بأنها تعرف الفيلم الذي يقصده جيدا، فقد كان لديهم هنا لكن دون فصوله الثلاثة. إنه الفيلم "الذي يحتوي العالم". وعندما يتأهب البطل لركوب القطار في طريقه إلى بوخارست، تلحق به المرأة وتقول إنها تود أن تصحبه في رحلته.
هذه المرأة سيتكرر ظهورها في الرحلات التالية للبطل، في أشكال مختلفة، فهي بمثابة مرآة للذات، تضيء له الطريق.. طريق المعرفة، وترشده إلى الحقيقة، ولذا يجعل أنجلوبولوس ممثلة واحدة هي الرومانية مايا مورجنستيرن، تقوم بكل أدوار المرأة التي ترافق البطل في رحلته الهوميرية، تماما كما كانت في الأوديسة.

حلقات الزمن
في القطار يتناجى الإثنان، وتنشأ بينهما علاقة ذهنية وروحية، ويكون اللقاء الجسدي. وعند الحدود الرومانية – البلغارية يتوقف القطار، ويصعد ضباط الجوازات والأمن الرومانيون، ينزلون بطلنا ورفيقته من القطار، يسوقون الرجل إلى غرفة للاستجواب، نظرات الشك والريبة تملأ عيونهم. وهنا يدخلنا أنجلوبولوس إلى لعبته المفضلة، أي التلاعب بالزمن، تكثيف الماضي والحاضر معا، فنحن نرى ما يحدث في الحاضر وكأن الماضي قد تداخل مع الحاضر وأصبح جزءا عضويا منه.
هذا التلاعب بالزمن ليس المقصود منه ممارسة لعبة شكلية لتضليل المتفرج، بل الربط الوثيق بين ماضي البطل وحاضره، كيف يستدعي ماضيه كمناضل ثوري من أجل الحرية في بلده في ظل نظام قمعي، مع حاضره كباحث عن الحقيقة وهو يتعرض لتجربة الاستجواب من جانب رجال الأمن. إنه الشعور بالغربة.. ذلك الشعور الممتد عبر الحدود، لا يعرف حدود المكان أو الزمان.
في غرفة حقيرة عارية من الأثاث، تأتي امرأة بمقعد خشبي تضعه وسط الغرفة، بقعة ضوء أبيض تحيط بالبطل. يدخل الرجال يقرأون عليه عريضة الاتهام الذي يتلخص في أنه ينتمي إلى جماعة فوضوية هي نفسها التي كان ينتمي إليها الأخوان ماناكيا رائدا السينما في المنطقة. يقولون له إن الأخوان ماناكيا قد أعدما، وإن السلطات كانت في انتظار وقوعه في قبضتهم بعد غيابه طوال تلك السنين. يحكمون عليه بالإعدام ثم يسوقونه إلىالخارج، إلى بقعة معزولة قرب خط سير القطار، ويضعون عصابة على عينيه. تقف فرقة من الجنود في وضع الاستعداد لإطلاق النار عليه. في اللحظة الأخيرة يحضر حارس، يسر بشيء ما في أذن قائد الفرقة فيأمر بوقف تنفيذ الحكم وإطلاق سراحه، ويغادر بطلنا المشهد لكي يعود إلى الحاضر، إلى المرأة التي طال انتظارها له، لا يمكنه أن يقدم لها تفسيرا عن سر تأخره عليه قبل أن يحصل على تأشيرة الدخول إلى رومانيا.
وهكذا يعود الفيلم إلى استعراض عهود متتالية من القمع السياسي، وهي الفكرة التي تلهم باستمرار مخيلة أنجلوبولوس وتشغله كثيرا في معظم أفلامه. في فيلم "الصائدون" تحتل جثة المناضل الشيوعي السابق التي تعثر عليها مجموعة من الصيادين، بؤرة اهتمام الفيلم، فالفلاحون يستدعون ذكرياتهم عن دوره النضالي البارز إبان الحرب الأهلية وما أعقبها. ومن خلال التحقيق في قتله تعود الذاكرة الجماعية. وفي فيلم "رحلة إلى كيثرى" البطل مناضل شيوعي شارك في الحرب الأهلية اليونانية، وهو يعود إلى اليونان بعد أن قضى ثلاثين عاما في الاتحاد السوفيتي، يحاول بصعوبة التكيف مع الواقع واستعادة حياته مع زوجته وأبنائه الذين لا يكاد يتعرف عليهم بعد غيابه عنهم طوال تلك السنين. وتنعقد المقارنات بين الماضي والحاضر، وتهاجم البطل كوابيس الماضي بشراسة. وفي فيلم "حارس النحل" البطل أيضا مناضل سياسي يساري سابق، بلغ الشيخوخة الآن، فقد أحد رفاقه القدامى عقله، وانتحر رفيق آخر. وهو يقرر قطع صلته بالعالم، فيهجر أسرته ويرحل وحيدا صامتا من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، لكي يترك نفسه فريسة للدغات النحل حتى الموت، أي نتحر على طريقته الخاصة بعد أن يودع بلده اتي كان يحلم بتغييرها وفشل. وفي فيلم "الخطوة المعلقة لطائر اللقلق" يسعى صحفي بشتى الطرق إلى الكشف عن حقيقة مناضل سياسي قديم، يعيش الآن حياة مهمله على هامش الحياة كلاجيء منعزل، بعد ان بلغ الشيخوخة، يحوطه الفقر والفاقة.
أما في "نظرة عوليس" فالبطل "ألف"، يواجه والده ذا التاريخ اليساري، فهو امتداد له. لقد اضطر إلى العيش في المهجر، لكي يتمكن من صنع الأفلام التي يحبها ويؤمن برسالتها ولو أقلقت مضاجع البعض في بلاده. وها هو ذا يعود للتنقيب في الماضي، يفتش في الذاكرة، يتوقف أمام التاريخ، يسير كالمنوم في عالم جديد يصعب عليه كثيرا التعرف على ملامحه. لقد أفاقته العودة على حقائق قديمة، كان قد تناساها أو أزاحها بعيدا، إلى أركان الذاكرة، وعلى وقائع جديدة لم يكن يتخيل – رغم اشتغاله بالخيال- أنها يمكن أن توجد بكل هذه البشاعة والقسوة.
في بوخارست يتخلى البطل عن رفيقة الطريق، ويقفز إلى سطح مركب يحمل تمثالا ضخما مقطوع الرأس والأرجل، للزعيم الشيوعي لينين. القارب في طريقه إلى ألمانيا، لكن وجهة بطلنا بلغراد عاصمة صربيا بعد أن كانت عاصمة الاتحاد اليوغسلافي حتى عهد قريب.. مقصده هناك سينماتيك بلغراد لعله يعثر على البكرات الثلاث المفقودات من الفيلم القديم.
نظرة لينين
يجلس "ألف" قبيل رحيل المركب، يشاهد عملية تقطيع تمثال لينين الضخم، يتأمل طويلا في استغراق، النظرة المجسدة في عيني لينين. عشرات التساؤلات تدور في ذهنه وفي أذهاننا جميعا، نحن المشاهدين، عما حدث في العالم من تغير.

أنجلوبولوس يجعل هذا المشهد يستغرق زمنا طويلا، أطول من كل مشاهد فيلمه، ثم يجعل بطله يرافق لينين في رحلته عبر نهر الدانوب، إلى أن يصل التمثال إلى مستقره الأخير في ألمانيا.
ويبدو البطل وهو يجلس أسفل التمثال المسجى على ظهره في المركب، وكأنه في حضرة معلم كبير من الماضي، وتبدو رأس لينين ويده المرفوعة إلى أعلى بينما جسده مسجى، وكأنهما ترشدان البطل إلى الطريق. ولكن ما الذي ترمز إليه نظرة لينين هنا؟ هل تشير إلى براءة الحلم القديم الزائل بالجنة الاشتراكية، أم أنها نظرة رثاء للمصير الذي آل إليه عالمنا اليوم؟
كلها بالطبع تساؤلات يستدعيها في أذهاننا ذلك المشهد الهائل الذي يهز المتفرج هزا ويدفعه إلى التأمل طويلا في مغزاه ومعناه. ولذا يترك أنجلوبولوس الكاميرا تتفرس في تفاصيل ملامح تمثال لينين، ويقطع اللقطات داخل المشهد بحيث يمنحنا مساحة كبيرة للتأمل الذهني، وهذا هو الطابع العام لبناء المشهد في سينما أنجلوبولوس.
في بلغراد يلتقي البطل بصديق قديم له يعمل في السينماتيك، يقول له إن البكرات الثلاث موجودة في سراييفو، حملها إلى هناك خبير سينمائي توصل إلى طريقة خاصة للتحميض سيعالج بها البكرات الثلاث التي لم تحمض قط. وفي مركب صغير آخر، تصحبه امرأة تمتليء بكل حزن الدنيا بعد أن فقدت زوجها في الحرب الدائرة في البوسنه، وتبدأ الرحلة التي نشاهد خلالها مظاهر شبيهة بنهاية العالم. ومرة أخرى يسعى "ألف" إلى سبر أغوار تلك المرأة، إلى اقتحامها، والنفاذ إلى نفسها وروحها، لكنه لا يتمكن من الاستحواذ على اهتمامها إلا بعد أن يرتدي ملابس زوجها الراحل. وتعيش هي معه في قريتها الجبلية المطلة علىالبحر، لحظات سعادة مؤقتة، منتزعة من الحاضر بكل قسوته وصرامته، إلى أن يتركها ويواصل طريقه إلى سراييفو التي يصلها في أشد لحظات الحرب خطورة، ويرى منازلها المهدمة، وسكانها الذين تسلل البعض منهم من داخل الخرائب وبقايا البيوت، للحصول على بعض الماء، يسقط منهم في الطريق من تتمكن منه رصاصات القناصة.
ورغم القصف وأعمال العنف، يتمكن بطلنا من العثور على الشخص المنشود، المشرف على السينماتيك، الذي يريه كيف تهدم المبنى وتحول إلى خرائب وانهارت قاعة السينما الموجودة في داخله، ولكنه لايزال يحتفظ بكنوزه السينمائية، أي علب الأفلام النادرة تحت الأرض. ويقول له إن الحرب أعاقت قيامه بتحميض البكرات الثلاث لكنه سينتهي من العمل في الليلة نفسها بمساعدة ابنته التي يقدمها لبطلنا فتقول له إنها تشعر وكأنها التقت به من قبل.. وقد التقى بها حقا من قبل، في كل النساء اللاتي التقاهن، أليست هي نفس الممثلة. وأليس هذا جزء من الطابع البريختي المعروف.
وخلال نزهة على ألاقدام في منطقة معزولة يلفها الضباب تماما، تتوقف سيارة يهبط منها رجال مسلحون، يقتادون الرجل وابنته، ويطلقون عليهما الرصاص، بينما بطلنا يراقب المشهد عن مقربة. وعندما يعود إلى الملجأ لمشاهدة الكنز الذي سعى إليه طويلا، ويدير البكرات عبر جهاز العرض السينمائي، لا يرى إلا صورا بيضاء فارغة، وإطارات سوداء تتعاقب. ويصبح السؤال: هل كانت الرحلة كلها وهما كبيرا؟ وهل كان هذا ما ينشده البطل؟ وأين ذهبت لحظات البراءة الأولى؟ وهل كان الأمر يستحق كل هذه المعاناة؟ وهل يوجد حقا ما يمكن أن نطلق عليه "النقاء الفني المطلق"؟ أم أنه مجرد سراب أو وهم. وإذا وجد، كيف يمكنه النجاة بينما "نهاية العالم" تطبق علينا! وداع القرن
إن "نظرة عويس" مرثية للسينما، وللفن، وللإبداع الحقيقي في القرن العشرين، الذي يعبر عنه الفيلم تعبيرا معاصرا كأقوى وأبلغ ما يكون. عناصره: الاحتفال بالصورة وبالألوان، بالحركة وبالموسيقى. ولما كنا أمام رحلة نحو الموت: موت الإنسان، وموت السينما القديمة، وموت البراءة، فقد فضل أنجلوبولوس إحاطة معظم مشاهد فيلمه بالضباب الذي يصل في المشهد ما قبل الأخير، إلى البياض الكامل الذي يجعلك لا تستطيع أن تتبين تماما ملامح الشخصيات، وكأننا فقدنا القدرة على الرؤية.. إنه ربما يكون عمى ما قبل الموت.
وهو أيضا فيلم عن اليونان التي هرمت وأوشكت على الموت، وأصبحت مواكب حاملي الشموع من مرتلي الأناشيد الدينية، تبدو وكأنها مواكب تشييع لجنازتها، أي جنازة اليونان.
إن المرأة العجوز التي فقدت القدرة علىالتعرف على بلدتها الأصلية هي رمز واضح للموت.. موت الرؤية. وموت الذاكرة. نهاية هي اشبه بالبداية، حيث التاريخ والذاكرة يذوبان، ينتهيان.وهو أيضا فيلم عن فن السينما الجميلة التي كانت، سينما البراءة الأولى.
ويستخدم أنجلوبولوس في فيلمه لقطات كثيرة للأخوين ماناكيس، يقطعها عبر مسار الفيلم، حين يريد أن يردنا من خلال تأملات بطله، إلى لحظات الحلم القديم.
وكما أشرت من قبل، يعتمد انجلوبولوس في تجسيد رؤيته السينمائية على الحركة الطويلة البطيئة للكاميرا، بحيث تصنع اللقطة- المشهد، دون استخدام كثير للقطع، وعلى تداخل الأزمنة، والخيال مع الواقع، كما يستخدم الرموز والاستعارات، والبناء الشعري الذي يخفي أكثر مما يكشف، ويعتمد على ما تولده الصور واللقطات من مشاعر أو تأملات، وعلى الحوار المليء بالتساؤلات، وعلى التكوين التشكيلي للقطات بحيث يحتفي بالمكان، يكشف ما فيه من جمال نادر، ولكنه يرثيه، كما يرثي عصرا انقضى، وإنسانا كانت له أحلامه الخاصة في النقاء فانتهت إلى حيث القتل والتخريب والدمار: دمار النفس، وتدمير الذاكرة.
إلا أن هذا ليس فيلما من الأفلام التي يبرز فيها دور الممثلين بشكل عام, ولذلك يمكن القول إن أنجلوبولوس لم يحسن اختياره للممثل الرئيسي في فيلمه، أي الأمريكي هارفي كايتل الذي يقوم بدور البطل، ليس لأنه ممثل رديء فهو ليس كذلك، لكنه في هذا الفيلم بدا غريبا عن الموضوع، عن الإحساس بالمكان. وربما كان أصلح من يقوم بهذا الدور الممثل الإيطالي ماريشللو ماستروياني الذي سبق أن قام ببطولة فيلمي أنجلوبولوس "مشهد طبيعي في الضباب" و"حارس النحل".. ولكن ربما يكون المخرج قد أراد إسناد الدور إلى ممثل يجيد التحدث بالإنجليزية.
غير أن أنجلوبولوس وفق كثيرا في اختيار الممثل السويدي الكبير إيرلاند جوسيفسون الذي قام بدور رجل السينماتيك في سراييفو. وقد سبق أن قام بادوار بارزة في أفلام برجمان، كما قام ببطولة فيلم "نوستالجيا" أحد أهم أفلام المخرج الروسي الراحل أندريه تاركوفسكي، ثم قام أيضا ببطولة آخر أفلام تاركوفسكي "التضحية".
إنه يبدو في "نظرة عوليس" كما لو أن الحرب قد جعلت منه رجلا فقد عقله، أو أصبح يقف على حافة الجنون، نصف ميت، نصف حي، يسكن تحت الأرض، يتحرك بصعوبة ومشقة، يلهث عند بذل أي مجهود، يقاوم النهاية المصيرية في شجاعة، ويبدو وكأنه يحمل إرث سنوات الماضي، وثقل قرن بأكمله.
يبدأ أنجلوبولوس فيلمه في اليونان، وينهيه في سراييفو، أي أنه يبدأه في بلدة تشهد ما تبقى من السينما، وينهيه في مدينة دمرها الإنسان، حيث يشاهد بطله فيلما لا وجود له إلا في خياله.
فهل تتحقق هنا مقولة اليوت، وهل من الصحيح حقا أننا لم نتعلم شيئا من التاريخ!

((جميع الحقوق محفوظة ويحظر إعادة النشر بدون تصريح مكتوب من الناشر))

0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com