الثلاثاء، 16 مارس، 2010

"قلب مجنون": تشابه خارجي لكن لا شيء مثل "المصارع"


لا أدري لماذا يقارن الكثيرون بين فيلم "قلب مجنون" Crazy Heart لسكوت كوبر، الممثل الذي تحول إلى الإخراج في أول فيلم له، وبين فيلم "المصارع" The Wrestler تحفة السينما الأمريكية العام الماضي لدارين أرونوفسكي.
صحيح أن هناك تشابه بين الفيلمين في كون الشخصية الرئيسية رجل يكاد ينهي رحلته مع المهنة (غناء الاغاني الريفية وكتابة كلماتها في الفيلم الاول) والمصارعة الحرة في الفيلم الثاني، كلاهما كان من النجوم المشاهير في المهنة، عاشا سنين المجد والشهرة، وجربا احتفال الجمهور واحتفاءه بهما. أما الآن فقد هزمتهما الحياة، والمرض، وأصبحا في حاجة إلى التكفير عن ماض عابث عاشاه طولا وعرضا.
وصحيح ايضا أن كلا البطلين يقيمان علاقة عاطفية مع امرأة أصغر سنا، ربما تشبثا بما يحقق ما فقد، أو بدافع الاحتياج لمن يمكنه أن يحاسب المرء ويكشف نقاط ضعفه ويواجهه بنفسه في مرآة أشبه بالضمير الخفي.
إلا أن الفيلمين، يختلفان كثيرا من الداخل، أي من حيث البناء: بناء الشخصيات وطريقة السرد، وأسلوب الإخراج.
العامل الأساسي (الخارجي) في فيلم "المصارع" كان المصارعة نفسها، التي يعيش البطل أيامه الأخيرة معها قبل أن تنقضي الحياة، وفي الفيلم الثاني هي الموسيقى والغناء الذي لم يعد قادرا على تقديمه كما يليق بل أصبح لديه من يتأهب لكي يحل محله، تلميذه الذي تبناه وعلمه الغناء على طريقته.
في كلا الفيلمين فشل في الزواج، وابن أو ابنة ترفض استقبال الأب أو استئناف علاقة قديمة انقطعت معه. لكن بينما كانت تلك العلاقة في "المصارع" علاقة مركبة، فيها السلبي والايجابي، فيها التردد والرغب، الحب والكراهية، هي في الفيلم الثاني شبه مفقودة: مجرد مكالمة هاتفية سريعة مع إبن لا يريد أن يرى أباه!
على حين كان "المصارع" فيلما نابضا بالحياة، مثيرا للتأمل، شخصية البطل فيه محددة الملامح، لها ماض وحاضر، وليس لها مستقبل، لها ملامح إنسانية معقدة مركبة متناقضة بل ومتارجحة، بين ما تحبه وما تريده وما تقدر عليه، جاء فيلم "قلب مجنون" مفتقدا إلى ذلك النسيج الإنساني المتشابك، بل تبدو شخصية البطل فيه (المغني باد بلاك التي يقوم بتمثيلها جيف بريدجز) أحادية البعد، تسير من بداية الفيلم إلى نهايته دون تغير درامي كبير يذكر، حتى بعد الوقوع في حب الصحفية "جين" (ماجي جلينهال) التي تصغره كثيرا، فهو لا يتغير، ولا يفتح قلبه بالكامل لكي يخبرنا سر مأساته، حسه التراجيدي المستمر، عدم قدرته على العودة إلى الحياة حتى بعد أن وجد الدافع، واستسلامه للإدمان على الشراب، رغم أنه أصبح عمليا، عاجزا عن الاستمرار في تقديم العرض المطلوب، دون أن يهرب إلى الحمام لكي يتقيأ، ويسعل!
لا نعرف لماذا تقع جين، تلك الأم الوحيدة التي ترعى ابنا في الرابعة من عمره، في حب هذا المغني الذي يبدو أقرب إلى أب لها، ولا ندري لماذا أيضا تتخلى في النهاية عنه بكل هذا الإصرار والعزيمة التي لم ينجح أبدا في تليينها أو جعلها تنصت إليه. هل أدركت جين استحالة تغييره أو دفعه للإقلاع عن الشراب، أو هل دق إهماله رعاية طفلها كما كان ينبغي، ناقوس الخطر لديها من مستقبل غامض، محفوف بالمخاطر؟
لا نعرف، ولا نعرف أيضا كيف يمكن أن يهمل المخرج الركيزة الأساسية لفيلمه إلى هذا الحد، أي الاهتمام كما ينبغي بالأغاني والموسيقى، هناك بالتأكيد الكثير منها، لكن فقط من خلال الشكل المباشر، أي الغناء في الحانات وما شابه، وكان الأفضل كثيرا أن تغلف الفيلم أي تتسلل تحت جلد الصورة، وتصبح مصاحبة لنظرتنا للفيلم، مع الاهتمام المطلوب بالكلمات والألحان العذبة المميزة للغناء الريفي الأمريكي، بما يجعلها تبقى في ذاكرة المتفرج، الأمر الذي لم يتحقق لهذا الفيلم في رأي.
نعم هناك أسلوب واقعي مغلف بمسحة رومانسية، يراهن عليها المخرج للوصول إلى جمهوره، لكن هناك أبعاد كثيرة مفقودة في الفيلم، غياب الإثارة (الذهنية)، وغياب الإشباع في بناء الشخصيات، وتكرار الفكرة دون تطويرها كثيرا.
وقد أضاع المخرج أيضا فرصة الاستفادة من تلك الشخصية الخاصة التي يقوم بها الممثل الكبير روبرت دوفال، والتي اختفت فجاة من الفيلم كما ظهرت فجأة.
إن بطل "قلب مجنون" لا يبدو مجنونا بما فيه الكفاية لكي يجعلنا نتعاطف مع جموحه وجنونه ونغفر له سقوطه الطبيعي بعد كل تلك الرحلة، التي لا نعلم كثيرا عنها على أي حال!
ولاشك أن جيف بريدجز قد بذل جهدا كبيرا في تجسيد الشخصية والتعبير عن آلامها ومعاناتها وتدهورها النفسي، لكن أداءه لا يرقى إلى الأداء الفذ لميكي رورك في "المصارع". ولكن بريدجز حصل على الأوسكار أخيرا، بعد أن تكرر ترشيحه لها خمس مرات. ولهذا السبب وحده ربما يكون قد حصل عليها، وكان الأجدر بها دون شك لدينا، هو مورجان فريمان عن دور مانديلا في "إنفكتس".

1 comments:

Muhammad Saber Abdou يقول...

أنا سعيد جداً لأن السنة اللي فاتت اختلفت مع أصدقاء بسبب وجهة نظري في ميكي روك وكونه الأفضل من بين الخمسة المرشحين للأوسكار

وبعد ماقريت المقال زاد اقتناعي بعبقرية اداءه للدور

اشكرك

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com