الاثنين، 1 مارس، 2010

فيلم "تسع نساء": استعراض بدون جاذبية وسحر فيلليني

أخيرا شاهدت فيلم "تسع نساء" Nine (وبالمناسبة هكذا يجب أن يسمى بالعربية، وليس "تسعة" والاكتفاء بالرقم فقط يجعله "تسع" وليس تسعة على أي حال). وقد شاهدته بعد إلحاح من عدد من الأصدقاء والزملاء الذين أدهشني حماسهم للفيلم،وكأننا أمام فتح جديد في عالم السينما. وكان قد فاتتني مشاهدته في عرضه العالمي الأول في افتتاح مهرجان دبي السينمائي أواخر العام الماضي.
وبعد أن شاهدت الفيلم لم أستطع أن أفهم حتى الآن لماذا كل هذا الحماس لعمل ليس فيه أي قدر من التجديد أو الإبداع أو حتى التماسك الفني، في إطار النوع، أي في إطار هذا اللون من الأفلام الموسيقية الأمريكية، وما الذي أضافه الفيلم في معالجته، إلى الفيلم الإيطالي الشهير للمخرج الراحل فيديريكو فيلليني الذي يحمل عنوان "ثمانية ونصف" وكان يقصد معنى آخر مختلفا تماما من الرقم في عنوانه عما يقصد من "تسع" هنا. فقد كان يشير إلى عدد الأفلام التي اخرجها فيلليني قبل فيلمه هذا الذي أخرجه عام 1963 بالأبيض والأسود.
كان فيلم فيلليني المقتبس عنه فيلمنا هذا فيلما طليعيا بكل معنى الكلمة، أي عملا من أعمال سينما الحداثة الشعرية في أرقى أنواعها.. فقد كان دالا على عصره بكل ما فيه من تساؤلات وجودية حميمية عن الذات الفردية او الأنا الذكورية، وعلاقتها بالإثم والخطيئة والإبداع، وكيف يرتبط الذاتي بالموضوعي، والخيالي بالواقعي، والمخرج الحقيقي صاحب الفيلم الذي نشاهده، أي فيلليني، بشخصية المخرج في داخل الفيلمن أي "جويدو" الذي قام بدوره مارشيللو ماستروياني. وكان فيلم فيلليني أيضا يمتليء بالإشارات الفرويدية، وبالكثير من الرموز المرتبطة بالجنس والحب، بالأوديبية والشبق ومفهوم العلاقة بين الرجل والمرأة، وارتباط الإبداع بعقد الطفولة وذكرياتها، والعلاقة مع الكنيسة كمؤسسة للقمع: قمع الفكر والبدن، بغرض فرض قيم معينة.. وغير ذلك الكثير الكثير، ومن خلال أسلوب عذب، أخاذ، فيه من الشعر بقدر ما فيه من التأملات والهواجس الشخصية المعذبة التي كنا نستطيع أن نتابعها من فيلم إلى آخر، من أفلام فيلليني.
اما "تسع نساء" Nine للمخرج روب مارشال، فهو رغم اقتباسه من فيلم فيلليني المشار إليه، إلا أنه يفتقر إلى كل ما كان يميزه، ويعوض ذلك عن طريق تحويل الأنظار من الدراما، إلى الأغاني والاستعراضات الراقصة، ويستخدم أسماء كبيرة لنجمات لامعات في عالم السينما ولكن بلا ججدوى بل ودون اي ضرورة تذكر، فالفيلم لا يعتمد على الأداء التمثيلي المعقد بقدر ما يعتمد على المرور سريعا على الشخصيات ثم تقديم الاستعراضات والأغاني.
والموضوع كما في فيلم فيلليني يدور حول مخرج سينمائي مصاب بعدم القدرة على كتابة سيناريو فيلمه القادم، مستغرق في مشاكله وهواجسه الذاتية، ممزق بين حبه لزوجته وعدم شعوره بالإشباع معها في الوقت ذاته، وعلاقاته النسائية المتعددة مع بطلات أفلامه، وما ينتج عن ذلك من شعور بالذنب.

غير أن الشخصيات النسائية هنا تتحول إلى مجرد إطار خارجي تماما (لا نقترب في أي لحظة من أي شخصية من تلك الشخصيات بما في ذلك الأم التي يفترض أن تكون قد توفيت منذ فترة).. باستثناء شخصية الزوجة التي يمكن فهم مشاعرها، فإن معظم الشخصيات النسائية في الفيلم عبارة عن أجساد تتلوى بالرغبة والشبق، وتكاد احداهن (بنيلوب كروز) أن تكون مصابة بهاجس جنسي مرضي يدفعها دفعا لمطاردة البطل رغم أنها متزوجة، ورغم إعراض صاحبنا "جويدو" عنها. وهي تغالي كثيرا في الكشف عن فتنتها لإثارته بشتى الطرق دون أن تنجح في الاستيلاء عليه.
ولا أفهم كيف أن كل هاته النسوة الحسناوات تطاردن شخصا كئيبا أو على الأقل لا تتضح لنا جوانب جاذبيته وسحره، على هذا النحو، اللهم إلا أن تكون هذه الجاذبية مستمدة من كونه مخرجا سينمائيا فقط، وإن كنت أنا شخصيا، أعرف الكثير من المخرجين السينمائيين المحبطين كثيرا في علاقاتهم النسائية، ولكن هذا موضوع آخر بكل التأكيد!
ولكي يهرب المخرج من هشاشة السيناريو وضعف بناء الشخصيات، يلجأ إلى الانتقال الآلي، من الحدث الواقعي في حياة البطل، إلى الاستعراضات الراقصة، ويجعل كل ممثلة من ممثلاته تغني أغنية من أغاني الفيلم، التي تدور كلها أو في معظمها، حول استدعاء الرغبة في الحبيب الغائب المغيب الذي يعاني من الوحدة على الرغم من كل هذه المطاردات والعروض.. أليس هذا أمرا يغيظ فعلا!
الحقيقة أن الفيلم نفسه هو الذي يجعلك تشعر بالغيط، فلا الاستعراضات الراقصة فيها أي جديد يجعلها تتجاوز مثلا ما سبق أن ظهر في أفلام أخرى (أمريكية شهيرة) مثل "كل هذا الجاز" لبوب فوسن أو حتى "شيكاغو" للمخرج نفسه بوب مارشال، ولا الحبكة وطريقة البناء تنجح في تجاوز الإطار المسرحي المحدود الذي تدور فيه عادة مسرحيات برودواي الاستعراضية الراقصة، بديكوراتها المصنوعة وأضوائها المصطنعة، وملابسها شديدة البذخ.
أما التمثيل فقد تساءلت بيني وبين نفسي وأنا أشاهد الفيلم: أين ذهبت الموهبة الخارقة لممثل بحجم موهبة العملاق داني داي لويس، وماذا تفعل ممثلة مثل نيكول كيدمان في هذا الدور الباهت الذي يجعلها تطل علينا مرة أو مرتين ثم تختفي كما ظهرت، ولماذا كل هذا التلوي والمبالغات من بنيلوب كروز الجميلة على نحو بدا لنا وكأنها تبتذل نفسها في دور تافه، وأين ذهبت صوفيا لورين بل وما فائدتها أصلا في الفيلم؟
وأخيرا تساءلت: أين هذا من فيلم عصري بكل معنى الكلمة مثل "الراقصون" Hipsters الروسي الذي صعد بنا آفاقا جديدة في الفيلم الاستعراضي. ليت الروس يدبلجونه إلى الإنجليزية ويوزعونه في السوق الأمريكية لكي يتعلم الأمريكيون كيف يحتفون بتراثهم الموسيقي في السينما كما ينبغي!

1 comments:

Muhammad Saber Abdou يقول...

مقال رائع وخصوصاً كلمات حضرتك العميقة عن فيلم 8.5 لفيلييني
حيرني الفيلم دا في أول مرة شفته
وطبيعي اني اعترف بكل صراحة ان اول مرة لم افهم منه شيء

قريت عنه كتير جداً قبل ما اشوفه للمرة الثانية والثالثة
واعتقد ان في كل مرة هاشوفه بعد كدا هفهم حاجات اكتر من اللي فهمتها

مشهد البداية ووشوش الناس والسيارات
ارتفاعه لاعلى
احلامه وعقده الذكورية وذكريات الطفولة
عشيقته
كلوديا كردينالي
افلامه

بدأت اعشق تفاصيل الفيلم دا بكل ما فيه


اشكرك وتقديري لحضرتك

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com