الاثنين، 1 فبراير، 2010

يوميات مهرجان روتردام 5


لا أعرف ماذا حدث للسينما اليابانية ذات التاريخ العظيم؟ أين أيام أوزو وكيروساوا وميزوجوشي وكوباياشي وأوشيما، وأين ذهبت تلك السينما ذات التقاليد الراسخة التي بهرت الدنيا كلها طوال ثلاثة عقود على الأقل في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات؟
لم أعد أرحب كثيرا بمشاهدة أي فيلم ياباني معروض في أي مهرجان، فمن تكرار التجربة اكتشفت أن هذه الأفلام عادة ما تدرج في برامج المهرجانات من أجل عيون اليابان، وليس إيمانا بأنها أفلام ذات أهمية خاصة، فالاهتمام هنا جغرافي وسياسي أكثر منه فني. وربما باستثناء فيلم أو فيلمين، خلا العقد الماضي كله تقريبا من أي أفلام يابانية عظيمة يمكن اعتبارها علامات. واصبح اهتمام مشاهدي الأفلام اليابانية ينحصر حاليا في أفلام الرسوم اليابانية المميزة، وأفلام المخرج الوحيد ذائع الصيت عالميا، تاكيشي كيتانو Kitano، وهو مخرج أراه متواضعا، يصنع أفلاما تفتقر كثيرا إلى التعبير عن الثقافة اليابانية في جوهرها وتناقضاتها.
شاهدت اليوم فيلما يابانيا في مسابقة المهرجان وهو بعنوان "ميوكو" Miyoko للمخرج تسوبوتا يوشيلومي، وهو فيلم ممل، شديد الفقر والادعاء، أقرب إلى ما أطلق عليه "إلى التجريب في الهواء"، وهو يصور كيف يستدعي رسام للمجلات الملونة ذكرياته مع زوجته التي كان مهووسا برسم جسدها عارية خلال السبعينيات، وكيف كان هوسه الجنسي بها يدفعه إلى تجربة أشياء غريبة معها، حتى ولو تبادل الجنس مع عشيقة صديق له أمامها. ولو كان هذا الفيلم قادما من السويد لكان معقولا، أما أن يأتي تحديدا من اليابان، فلا أدري أي ثقافة تلك التي يعبر عنها هذا الفيلم صاحب الرؤية العدمية، وما كل هذا الخواء في المواضيع، وهل عقم التاريخ الياباني بل والواقع الياباني المعاصر، عن توليد القضايا الكبرى في الفن!
يردنا هذا الفيلم إلى فيلم ياباني آخر معروض هنا خارج المسابقة، هو فيلم "دمية الجنس" (وهذا اجتهاد شخصي في ترجمة عنوانه الأصلي وهو Air Doll أي العروس البلاستيكية العارية المصنوعة على شكل امرأة مثيرة جنسيا والتي يشتريها بعض الرجال غير المتوازنين نفسيا، لمضاجعتها!
وقد سبق أن شاهدت هذا الفيلم في مهرجان كان، وهو يناقش من زاوية فلسفية متحذلقة كثيرا، فكرة المشاعر الانسانية: ما هي، وما الذي يميز الانسان عن الجماد والحيوان، وهنا نرى كيف تحول الدمية لتصبح كائنا حيا، تكتسب تدريجيا صفات إنسانية وتشعر أيضا بالحب، بعد أن تقع في غرام سيدها!
* شاهدت أيضا فيلم Northless المكسيكي الذي يمكن ترجمته إلى "وهم الشمال"، وقد حصل هذا الفيلم على عدد من الجوائز منها الجائزة الكبرى في المهرجان الأمريكي- الفرنسي الذي يقام لأسباب "شخصية" غير معلنة، في مدينة مراكش المغربية بإدارة أجنبية. وكان عضو لجنة التحكيم هناك المخرج الإيراني عباس كياروستامي، كما حصل على تنويه خاص في مهرجان أبو ظبي (الشرق الأوسط)، وكان كياروستامي أيضا رئيسا للجنة التحكيم.

والفيلم من اخراج ريجوبيرتو بيرزكانو Rigoberto Pérezcano ويصور بأسلوب محكم، وأداء رصين واثق، كيف يصر عاطل مكسيكي على عبور الحدود إلى الولايات المتحدة الأمريكية، لكنه يفشل فيقضي بعض الوقت مع صاحبة دكان لبيع الفواكه والخضراوات، تستضيفه كما تستضيف امرأة أخرى عبر زوجها الحدود منذ أكثر من ثلاث سنوات ولم يسأل عنها منذ ذلك الحين، تماما كحالة صاحبة الدكان التي تخلى عنها زوجها بعد عبوره إلى الشمال. وبطل الفيلم "أندرياس" متزوج أيضا ولديه ولد وبنت، لكنه يصر على مواصلة المشوار رغم أنه بات يعرف جيدا المصير الذي ينتظره في نهاية الطريق، ورغم إغراء البقاء والاستمتاع بمعاشرة المرأة الجميلة التي تبدي نحوه الكثير من المشاع، أو ربما أيضا المرأتين اللتين لم تتوانيا عن اغوائه واغرائه للبقاء بشتى الطرق.
ميزة الفيلم أنه مصنوع برقة وبساطة، ورونق، ساعد عليه ابتعاده عن كل ما يتوقع عادة في هذا النوع من الأفلام، فلا توجد هنا مطاردات، ولا كلاب متوحشة على الحدود، ولا مشاهد جنسية، رغم أن الجنس كامن ولكن من خلال الإيحاءات فقط، كما أن الحوار في الفيلم بسيط وقليل. وأسلوب الاخراج محكوم تماما، فالقطع من لقطة إلى أخرى في مكانه بالضبط، والأداء يعبر عن طريق النظرات والإيحاءات أكثر من الحوار والحركات الجسدية المباشرة، ويبتعد الفيلم عن تصوير المبالغات في المشاعر، بل على ما يتولد من داخل المشهد من معان لا حاجة بها للكلمات، كما يستغني عن الموسيقى في معظم مشاهد الفيلم باستثناء مرتين نستمع إليها من مصادرها الطبيعية، وهو بذلك، ربما كان يذكرنا على نحو ما، بأسلوب المخر ج البولندي الراحل كريستوف كيشلوفسكي.
* في المهرجان فيلم بعنوان "الحمار" Donkey وفيلم آخر بعنوان "القرد" The Ape والغريب أن العرض، الصحفي للفيلمين امتلأ عن آخره بالصحفيين والنقاد على غير العادة، لأن هناك 6 قاعات تعرض لضيوف المهرجان بالاضافة إلى عروض أخرى في 14 قاعة للجمهور.
لم أشاهد "الحمار"، لكني شاهدت "القرد"، وهو فيلم سويدي من اخراج جانسر جانسلادت.
ومرة أخرى ذكرني هذا الفيلم أيضا بأفلام الراحل الكبير كيشلوفسكي صاحب ثلاثية الألوان (الأبيض والأزرق والأحمر) في ابتعاده عن المبالغات وتركيزه على الفرد بعيدا الجماعة والمجتمع، وبعيدا أيضا عن الشروح والتفسيرات النفسية والاجتماعية والخلفيات العديدة التي يمكن أن يغري بها موضوع كهذا الذي يتناوله الفيلم. ما الموضوع إذن؟

رجل يعمل مدرسا لتعليم قيادة السيارات، يقتل زوجته ويطعن ولده الوحيد، ويخرج إلى العمل، لكنه يعجز عن مواصلة الدرس مع تلميذته، فيعود لكي ينقذ ابنه قبل أن يموت وينقله إلى المستشفى، ثم يعود لكي يلعب التنس مع صديق له، ويزداد هستيرية في تصرفاته، ثم يحاول العودة إلى منزله لكنه يجد الشرطة عند المدخل، فيذهب إلى منزل أمه لكي يقتلها بعد أنتكون قد أعدت له طعام العشاء.
نحن لا نرى أبدأ مشاهد القتل، لكننا نستنتج فقط ما حدث، لأننا نرى آثار القتل، جثة الزوجة على أرضية الغرفة، الطفل تحيط به الدماء، الرجل نفسه يستيقظ في أول مشاهد الفيلم وملابسه ملطخة بالدماء.
فيلم سويدي تماما، يعبر عن الوحدة القاتلة، والاكتئاب الذي يدفع، إما إلى القتل، أو إلى الانتحار، وبالمناسبة يحاول الرجل الانتحار بالوقوف أمام قطار مسرع لكنه يجبن في اللحظة الأخيرة. والأجواء في الفيلم الذي تحدث قصته في يوم واحد فقط، تبدو مجردة، خارج مجال التحليل النفسي والاجتماعي، لكننا ندرك من البداية، كما يدرك أصدقاء الرجل، أنه في حالة خلل نفسي خطير، ولكن دون أي تفسيرات فرويدية أو غيرها، اكتفاء فقط بتقديم وصف مورفولوجي للحالة الفردية الإنسانية بعد ارتكاب الفعل.
الطفل يروي في النهاية لأبيه الحلم الذي حلم به ليلة أمس (أي ليلة القتل)، فيقول له إنه حلم بأن الجميع حيوانات فيما الأب.. فيسأله أبوه: وماذا كنت أنا في الحلم؟ فيجيبه الولد: كنت نفسك فقط!
وينتهي واحد من أكثر الأفلام التي شاهدتها هنا إثارة للذهن والعين والفكر. وإلى اللقاء.

1 comments:

Muhammad Saber Abdou يقول...

مساء الخير بتوقيت مصر
مقال ثري

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com